English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :62/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات : " 183 ـ 186 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثاني والستين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الثالثة والثمانين بعد المائة ، وهي قوله تعالى :

       الإمام الشافعي رحمه الله تعالى له مقولةٌ رائعة ، يقول : "العبادات معلَّلةٌ بمصالح الخلق" ، ففرقٌ بين العبادة والطَقْس ، الطقس حركات ، وسكنات ، وتمتمات ، وإيماءات لا معنى لها ، وضعها رجال الأديان الوضعيَّة كي يجذبوا عقول الناس وقلوبهم ، إلا أن العبادات من عند خالق الأرض والسماوات معللةٌ بمصالح الخلق .

       فلأن الإنسان خُلق ليعرف الله ، وليحْمل نفسه على طاعة الله ، وليتقرّب إلى الله ، فالله سبحانه وتعالى جعل من هذه العبادات وسائل للتقريب إلى الله عزَّ وجل ، فلا خيرَ في دينٍ لا صلاة فيه ، ولا خيرَ في دينٍ لا صيام فيه ، أو في دينٍ لا حجَّ فيه ، أو لا زكاة فيه . حينما يقول الله عزَّ وجل :

   ومعنى ذلك أن الإنسان هو الإنسان ، وأن الله واحدٌ لا شريك له ؛ مهما تعددت الاتجاهات، أو اختلف أهل الأديان ، ومهما تقاتلوا فالإنسان واحدٌ ، هو الإنسان ، والله واحد ، أيْ أنَّ خصائص الإنسان واحدة ، وقوانينه واحدة ، بُنَى نفسه واحدة ، وسِماته واحدة ، لذلك : ما كان حلالاً عندنا ينبغي أن يكون حلالاً عند غيرنا ، في الشرائع السابقة لأن الدين واحد ..

      وبالمناسبة : قد تستغربون أن الله سبحانه وتعالى وصف أنبياءه واحداً وَاحداً بأنه مُسْلِم ، فالدين هو أن تستسلم لله ، وأن تخضع له ، والدين هو غاية الخضوع وغاية الحب ، والدين معرفة وطاعة وسعادة ـ هذا هو الدين ـ فالدين واحد ، والشرائع مختلفة ، وكل أمَّة لها ظروفها ، أما أنه على مستوى الأصول فالأصول واحدة ، والدليل :

   إلا أن الله سبحانه وتعالى شرَّفنا وكرَّمنا بنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم ، فهو آخر الأنبياء وخاتَمهم ، وشريعته آخر الشرائع ، لذلك تولَّى الله بذاته حفظَ دينه ..

سورة الحج) )

      فمن لوازم حفظ دينه حفظ قُرآنه ، ومن لوازم حفظ قرآنه حفظ سُنَّة نبيِّه ، والصيام عندنا كما أنزله الله هو إلى الآن كذلك ، أما هناك أديان أخرى ، أو شرائع أخرى أصابه تعديلٌ ، وتبديلٌ ، وإطالةٌ ، وحسمٌ، وقصرٌ إلى أن أصبح صياماً غير الذي كلَّف الله به هؤلاء الأقوام السابقة .

     وعلى كلٍ ما دام الإنسان هو الإنسان ، وما دام خالق الأكوان واحد لابدَّ أن تتحد الشرائِع، ووحدة المصدر دليل وحدة الفروع ، فإذا كانت هذه الأديان ، أو هذه الشرائع من عند الله عزَّ وجل فينبغي أن يكون فيها توافقٌ وانسجام ، وهذه الآية تؤكّد هذه الناحية :

    ولعلَّ موضوع الصيام موضوعٌ طويل ، لكنه ـ بشكلٍ مختصر ـ قد يعرفُ الإنسان الحقيقة وقد تضعف نفسه عن تطبيقِا ، وقد يعرفُ الخير ، وربما لا يتَّجه إليه ، وقد يعرف الشر ، وينجذب إليه ، قد يعرف ما ينفعه فلا يُقبل عليه ، وقد يعرف ما يضره فينسحبُ إليه ، فماذا نسمي هذه الحالة ؟ حالة ضعف إرادة ، بالضبط كما لو رأيت طبيباً يدخِّن ، يمكن أعلم إنسان بمضار التدخين هو الطبيب ، ومع ذلك قد يدخن لأنه ضعفت إرادته عن التعامل مع معقولاته ، ومع مسلَّماته ، فلعلَّ الصيام جعله الله تقويةً لإرادتنا.

        الله عزَّ وجل أحلَّ لنـا الطيبات وحرَّم علينا الخبائث ، أحلَّ لك أن تـأكل ، وأن تشرب ، وأن تنام ، وأن تقترن بزوجتك ، لكنه في نهار رمضان حرَّم عليك ما أباحه لك في غير رمضان ؛ حرَّم عليك الطعام والشراب ، وسائر المُفطرات ، من أجل ماذا ؟ قال بعض العلماء: من أجل أن تقوى إرادتك ، فأنت في رمضان تركت المُباحات ، فلأن تدع المحرمات من باب أولَى .

        فهل تصدقون أن إنساناً في رمضان يطلق عينيه في الحرام ؟ وإنْ فعل هذا فلا معنى لصيامه ، وترى الناس في رمضان يغضّون أبصارهم ، ويضبطون ألسنتهم ، ويرتادون المساجد ، وتراهم في رمضان يصلّون الفجر في مَسجد ، فلعلَّ الله عزَّ وجل حينما فرض علينا الصيام فلكي أن نألف ترك المُباحات ، فلأن نقوى في رمضان على ترك المحرَّمات من باب أوْلَى ، وحملك على ترك المباحات في رمضان ، فقد حرَّم عليك أن تشرب كأس الماء في رمضان ، وليس في الأرض شريعةٌ تحرِّمه ، فأنت ممنوع أن تشرب ، وأن تأكل ، وأن تقترِن بمن سمح الله لك بالاقتراب منها في رمضان ، وأنت في هذا الوقت تركت المباحات ، وتركت الذي أحلَّه الله لك ، فتجد نفسك قوياً على ترك ما حرَّمه الله عليك ، فهذه واحدة من فوائد رمضان ، إنَّه يقوي الإرادة .

      والإنسان أيها الإخوة قد يعيش في وَهْم ، وقد يكون قوي البُنية ، كثير المال ، فهو واهمٌ أنه إنسان قوي يفعل ما يريد ، ويأتي رمضان ـ فهذا الإنسان الكبير الذي له شأنٌ خطير ، والذي يهابه الناس ، وينصاعون لأمره ـ تجده هو نفسه مفتقراً لكأس ماء ، وإذا صام الإنسان في أشهر الصيف الحارة والطويلة ، بدءاً من الظهر كل خواطره ؛ كأس ماء ، أو  كأس عصير ، وقد تكون شخصاً مهماً جداً ، ولك مكانة كبيرة أشعرك بعبوديَّتك لله عزَّ وجل، وأشعرك أنك مفتقرٌ إليه ، وأن وجودك متوقفٌ على إمداده ،فلولا هذه الّلقيمات التي تأكلها ، وهذا الماء الذي تشربه لانعدمت الحياة .

        إذاً تعريفٌ آخر لهذا الشهر الكريم : إنه يُحَجِّم الإنسان ، يضعه في حجمه الحقيقي ، ويقوي به معاني العبوديَّة لله عزَّ وجل ، ويعرِّفه بضعفه ، فأنت ضعيف ، ومفتقر لكأس ماء ، وللُقيمات . والقصة التي نرويها كثيراً أن بعض الخلفاء سأله وزيره فقال :

   ـ يا سيدي بِكَمْ تشتري هذا الكأس من الماء إذا مُنِعَ منك ؟

   ـ قال : بنصف مُلْكِي .

   ـ قال : فإذا مُنِعَ إخراجه ؟

   ـ قال : بنصف مُلكي الآخر .

       إنه إنسان مفتقر لشربة ماء ، فأنت في رمضان تقوى إرادتك على طاعة الله ، لأن الله حَمَلَك على تركِ المُباحات ، المألوفات التي لا تحرِّمها شريعة ، فلأن تَدَعَ المحرَّمات فهذا من باب أولى .

     والنقطة الثانية : أنك في رمضان تشـعر بقيمة إمداد الله لك ـ وأنت عبدٌ ـ فالإنسان توجد في جسمه أجهزة دقيقة جداً ، وأدق قناةٍ في الجسم قناة الدمع، وهذه لوسُدَّت ـ مع أنها ليست خطيرة ـ فالدمع يفيض دائماً على وجنتيك ، وأنت مضطر إلى منديل لتمسح الدمع دائماً ، هذا الدمع قلوي ربما أثَّر على خديك فأصاب الجلد بالالتهاب ، لو أن قناة الدمع سُدَّت لأصبحت حياة الإنسان لا تطاق ، وأحياناً الإنسان يجور في قصّ ظفره قليلاً، فإذا وضع يده في شيءٍ حامض شعر بحُرقة ، لأن الأعصاب معيَّرة تعييراً دقيقاً جداً ، أعصابك معيَّرة .

      وأجهزة الهضم ، والإفراز ، والدوران ، والأعصاب ، والجهاز الحركي ، فالإنسان يدقق في أجهزته ، في عظامه ، وعضلاته ، وفي جهازه الهضمي ، وعمل الكبد ، وعمل البنكرياس ، شيء لا يصدَّق ، فهذا كله يعمل بانتظام وأنت في غفلةٍ عن هذا النظام الدقيق . إذاً أنت في رمضان تشعر أن الله سبحانه وتعالى امتنَّ على عباده بهذا الطعام والشراب ، ولذلك قال تعالى واصفاً الأنبياء أنهم ..لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ

 ( سورة الفرقان : من آية " 20 " )

      كلامٌ دقيق ، أيْ هـم مفتقرون في وجودهم إلى شيءٍ يُضاف إليهم، أما ربنا عزَّ وجل ..قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)

( سورة الإخلاص )

      وجوده لا يستمدُّ من شيءٍ آخر ، وجوده صمديّ ، وذاتيّ ،أما أنت فمفتقر إلى الطعام ، والهواء ، والماء ، واللباس ، والمأْوَى ، و إلى زوجة ، ووَلَد ، وإذا أردنا أن نعدِّد ما أنت مفتقرٌ إليه سنجد ملايين مملينة ، مفتقر إلى من يقصُّ لك شعرك ، وإلى أداةٍ تقصُّ أظافرك ، وإلى من يخيط لك ثيابك ـ وهكذا ـ إذاً كأنك فـي رمضان تـعرف حجمك الحقيقي ، وتعرف ضعفك .

      ولا تنسوا أيها الإخوة أن الإنسان حينما يفتقرُ إلى الله يتولاَّه الله ، وحينما يستغني عن الله يتخلَّى الله عنه .. ، "ومن اتكل على نفسه أوكله الله إليها " ..

     والدرسان الشهيران ؛ درس بدر ، ودرس حُنين ،ففي بدر أعلن المؤمنون افتقارهم إلى الله فنصرهم . وفي حنين قال أحدهم : " لن نُغْلَبَ من قِلَّة " ،فتخلَّى الله عنهم:وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)

( سورة التوبة )

     تتقون أيْ : تتقون غضبَ الله ، ومعصيته ، وشقاء الدُنيا ، وعذاب الآخرة ، وأنك أمام خطر ، فكلمة اتقى أي يوجد خطر ، اتقى من وقى ، والوقاية من الخطر ، ولأنك قبلت حمل الأمانة فأنت في خطر..إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ

 ( سورة الأحزاب : من آية " 27 " )

      فلأنَّك قبلت حمل الأمانة فأنت في خطَر ، وعندما يركب الإنسان طائرة وهناك احتمال أن تسقط ، الأصل في خطر ، هو بين السماء والأرض ، وهذا الإنسان الذي قَبِلَ حمل الأمانة إنه إن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمَت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان ، لأنك إنسان ومعنى ذلك أنك قبِلت حَمل الأمانة ، ولأنك قبلت حمل الأمانة إما أن ترقى إلا أن تكون فوق الملائكة ـ ولا سمح الله ولا قدَّر ـ وإما أن يسقط الإنسان فيكون دون الحيوان ، هذه هي ، فنحن في خطر ، فالإنسان بالأساس فيه شهوات ..زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ

 ( سورة آل عمران : من آية " 14 " )

       فيه شهوات ، ومعنى شهوة أي قوة دافعة ؛ إنسان بلا طعام ولا شراب يصبر يوما أو يومين ، وبعد ذلك إن رأى طعاماً اندفع إليه ليأكله ، ليحافظ على وجوده ، فالشهوة قوة دافعة، وهذه القوة الدافعة يمكن أن تُلبَّى بزاوية مفتوحة جداً ، فهناك منهج إلهي أعطاك زاوية محدودة ، أنت تلبِّي حاجة الجوع بطعامٍ تشتريه من مالٍ اكتسبته بطريقٍ مشروع .

       وأنت فيك شهوات ، وهذه الشهوات لولا العلم لأصبحت قوى مدمِّرة ، ولصارت قوى عدوانيَّة ، وهذا الكأس ربما لا تشتهيه لو أبقيتَه سنواتٍ وسنواتٍ على المنضدة ،فهو لا يتحرَّك، أما أنت فحركي ، كائن من لحم ودم فيك شهوات ، لابدَّ أن تتحرك كي تأْكُل ، وهذه الحركة من يضبطها ؟ إنه منهج الله عزَّ وجل ، ولذلك جاء في الشرائع افعل ولا تفعل ، الآن العالَم كله يتحرَّك ليأكل ، ولكن كيف يتحرَّك ؟ قد يعتدي ، وقد يسرق ، قد يحتكِر ، قد يُقيم تجمُّعات اقتصادية فيعيش هؤلاء في ترفٍ ما بعده ترف ، وتعيش الشعوب في فقرٍ ما بعده فقر، حركة لأخذ كل شيء .

     النقطة الدقيقة هي : أن الإنسان أودِعَت فيه الشهوات ، صار إنسانًا متحركًا ، وهذه الحركة من يضبطها ؟ تصوَّر لو أن مركبة تنطلق بسرعة عالية ، لو لم يوجد فيها سائق ، أو لا يوجد فيها مقود فالحادث حتمي ، بل الحادث محقَّق وحتمي ..

      فيا أيها الإخوة ... كلمة " لعلَّكم تتقون " أيْ أنك في خطر ، وكلكم يرى ويسمع عن إنسان قد يسرق ، أو يزني ، أو يقتل ، أو يغتصب ، أو إنسان يحتال ، أو يدلِّس ، في حركة واسعة جداً كلها على أساس المعاصي والآثام لأن الإنسان يريد أن يأكل أَطيب الطعام ، وأن يسكن أجمل بيت ، وأن يركب أجمل مركبة ، وأن يقترن بأجمل زوجة ، إذا لا يوجد منهج ، أو لا توجد قناة نظيفة لهذه الحركة صار هناك عدوان .

      فيا أيها الإخوة ... إنه شهر رمضان من أجل أن تُرَشَّد هذه الحركة بمنهجٍ قوي .

     وكيف تُرشَّد هذه الحركة ؟ إما بمنهجٍ بياني افعل ولا تفعل ، أو بذوقٍ رفيع ، أو بمشاهدةٍ لحقائق الأشياء ، فالإنسان أحياناً يملك قدرة رؤية صحيحة ، وهذه الرؤية تمنعه من أن يسقط، تماماً كما لو أنك تركب مركبة والطريق وعر جداً ، فيه حُفر كبيرة ، ووديان سحيقة ، وأكمات ، والليل مظلم ، والآن منهج الله هو المصباح الذي يُريك الأكمة، والعقبة ، والحفرة، وكل الأخطار ، فما دمت حريصاً على سلامتك ـ بحسب فطرتك ـ ومعك مصباحٌ كشَّاف كشف لك أبعاد الطريق، فأنت في سلام ، ولذلك أول وقاية من السقوط عن طريق البيان.

      وهناك وقاية ثانية عن طريق الذوق ، وكلَّما اتصلت بالله عزَّ وجل نَمَت أحاسيسك الأخلاقيَّة ، فتأبى الموقف اللاأخلاقي ؛ وتأبى العدوان ، أما حينما تنمو مشاعرك الإيمانية إلى درجة أعلى فتشاهد الحقيقة ، ولذلك الأنبياء الكرام ..وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ

 ( سورة يوسف : من آية " 24 " )

       المؤمن في عنده رؤية صحيحة ، المؤمن يرى الحقيقة ؛ ويرى ما وراء الكسب الحرام ، وما وراء الزنى ، وما وراء العدوان ، ويرى أن هناك إلهاً عظيماً ، سوف يحاسب ، وسوف يُعاقب . وهذه الرؤية تجعله ينضبط بمنهج الله عزَّ وجل .

     فلذلك " لعلَّكم تتقون " أيْ تتقون الخَطَر ؛ خطر الشقاء في الدنيا ، وخطر الشقاء في الآخرة ، وأن يكون الإنسان معرَّضاً لسخط الله ، ومعرَّضاً لعدل الله .. " لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربَّه " ..

      ولأنك من بني البشر فأنت في خطر ، ولأنك قبلت حمل الأمانة ، والأمانة نفسك التي بين جَنْبَيْك ..قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)

( سورة الشمس )

     فإذا انتبهت إلى هذه الناحية ، جعلت من الشرع موجِّهاً لك ، وشعرت من اتصالك بالله عزَّ وجل نوراً يهديك سواء السبيل .

    يا أيها الإخوة الكرام ... لأنك إنسان أنت في خطر ، خطر هذه الشهوات التي أودعت فيك، والخطر أن تدفع الإنسان إلى السقوط ، فصار الصيام من أجل أن تتصل بالله ، ومـن أجل أن تقوى على طاعته، وأن تستنير بنوره ..

يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ

 ( سورة النور : من آية " 28 " )

      إذاً التقوى تكون بالنور ، أو بالبيان ،فأما أن يقال لك : هنا يوجد منعطف خطر ، بياناً ، أو أن ترى هذا المُنعطف ، لابدَّ من أن تتقي الوقوع في هذا المنعطف ..

       لحكمةٍ إلهيةٍ بالغة جُعِلَ هذا الصيام أياماً معدودات في شهر رمضان..

والله عزَّ وجل جلَّ في علاه قال :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا

 ( سورة البقرة : من آية " 286 " )

     وهو وحده يعرف وسْع النفسِ ، فلذلك ربنا عزَ وجل هو وحده يعطي الرُخَص ، أما أن تعتقد أنك وحدك تعرف وسعة نفسك فهذا خطأٌ خطير جداً، الله عزَّ وجل هو وحده يعلم وسْعَ النفس ، لذلك هنا :

    أيْ أنَّ علَّة الإفطار في رمضان السفرُ أو المرض ، مُطلق السفر ومطلق المرض ، أما لو قلنا : العلة هي المشقة . فكل إنسان له طاقة ، وهناك من يسافر ثماني ساعات دون أن يَشُقَّ عليه ذلك ، وهناك من يسافر ساعة فيحرَج ، فلكي لا يكون هناك فوضى في الشرع ؛ فمطلق السفر ومطلق المرض يجيز الإفطار في رمضان ..

     

   هذه النقطة الدقيقة : وهذا الذي يُطيق الصيام مع السفر وأفطر ، أو يُطيق الصيام مع المرض وأفطر ، هذا يجب عليه أن يدفعَ فديةً عن إفطاره ، أو هذا الذي بلغ سناً متقدمةً جداً وشَقَّ عليه الصيام ، إنه يصوم ولكن مع مشقةٍ بالغة .

      هناك نقطة دقيقة : الإنسان أحياناً يفعل الشيء وفي عنده احتياط ، وأحياناً يمشي الإنسان ساعة ، وهذه الساعة تستنفذ كل قُواه ، نقول : هذا أطاق المشي ، لكن هذا المشي استنفذَ كل طاقته ، أحياناً يمشي الإنسان ساعة ، وفي قدرته أن يمشي عشر ساعات ، النقطة الدقيقة : أنك إما أن تصوم ، والصيام يستنفذ كل طاقتك ، وإما أن تصوم ، والصيام يستنفذ بعض طاقتك ، فإن كان الصيام قد استنفذ كلّ طاقتك فهذا مما ينطبق عليه قوله تعالى :

      

     كأن يعمل إنسان بفرن في أيام الصيف ، وجهاً لوجهٍ مع النار ، في وحالات كثيرة جداً يشقّ على الإنسان الصيام ، قال : هذا يدفع فديةً عن إفطاره ، أو الذي سافر وأفطر ، وكان يطيق الصيام في السفر . أو مرض فأفطر وكان يطيق الصيام مع المرض ، هاتان الحالتان إما من يجهَد في الصيام ، أو الذي يطيق الصيام مع السفر فأفطر ، على هذين النموذجين ..

 ولا بأس إذا أطعمت أكثر من مسـكين ، فأقله إطعام مسكين ، ولا حدَّ لأكثره..

لكن ..

         أيْ إذا أفطر الإنسان بعذر ضعيف ، أو من غير عذر فلا يجزئه صيام الدهر ، فربنا عزَّ وجل مع أنه أعطانا بعض الرُخَص ، لكنه ينصحنا أنك إذا أطقت الصيام عليك أن تصوم ..

       لكنَّ الفقهاء قالوا : حينما يودي بك الصيام إلى الخطر فالإفطار واجب .

       وقد يقول أحد المؤمنين الأتقياء : أنا أُفَضِّل الصيام ، لكنه مصاب بقرحة ، أو مصاب بأمراض تحتاج إلى أدوية أساسية في حياته ، فالذي إذا صام ، وتفاقم مرضه ، أو تأخَّر شفاؤه ، أو شعر بمشقةٍ لا تحتمل فهذا الأولى أن يُفطر ، وأحياناً في سفر يستمر اثنين وعشرين ساعة ، يسير مع الشمس ، فقد تخرج من دمشق فجراً ، والنهار يستمر أكثر من أربعة وعشرين ساعة ، لأنك تسير مع الشمس ، فقد يشق عليك أن تبقى بلا طعامٍ ، وأنت في سفر هذه المدة الطويلة ..

     وعلى كلٍ الذي يُطيق الصيام مع السفر وأفطر فعليه فديَّة ، ويطيق الصيام مع المرض وأفطر فعليه فدية ، أو أنَّ الذي يستنفذُ الصيام كل طاقته.. بعض العلماء قالوا : " وعلى الذين لا يطيقونه " ، لو أنك قلت : يطيقونه أي : أخذ كل طاقتك ، أو أنت قد تصوم ومعك بقية طاقة ، فقد تجد إنساناً بعمر معين يشتغل ساعة فيتعب ، إذ مع التقدم بالسِن الطاقة تقل فقد تستنفذها في ساعة ، أما الشاب فقد يعمل أربع ساعات ، ولديه إمكانية أن يعمل عشر ساعات أُخَر ، فهذا الموضوع متعلِّق بوضع كل إنسان ، يقول الله عزَّ وجل :

     قال بعض العلماء : في هذا الشهر أُنْزِلَ القرآن ، أي بدأ نزوله في رمضان ، أو في هذا الشهر نزل هذا القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، لأن القرآن نزل على ثلاثٍة وعشرين عاماً ، فكيف نوفِّق بين هذه الآية وبين أن القرآن نزل منجَّماً ؟ قال العلماء : القرآن الكريم بدأ نزوله في رمضان ، أو أنه نزل مـن اللوح المحفوظ إلى الـسماء الدنيا في رمضان ..

     والله عزَّ وجل خلق الكون ونوَّره بمنهجه ، نوَّره بهذا القرآن ، قد تصلك آلة معقدة ، ومعها نشرة ، وهي مهمة جداً ، إذ بهذه النشرة بإمكانك أن تستعمل الآلة ، فكما أن الله عزَّ وجل خلق ، نَوَّر . ولذلك هناك آية ثانية : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ

 ( سورة الأنعام : من آية " 1 " )

       هذه واضحة ..الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ

 ( سورة الكهف : من آية " 1 " )

     ومعنى ذلك أن الكون كلُّه في كفَّة ، والقرآن في كفَّة ، مثل تركيبي : آلة معقدة جداً ـ كمبيوتر للتحليل ـ ثمنه ثلاثون مليوناً ، كل تحليل بألفي ليرة ، تضع نقطة دم على هذا الجهاز تأخذ سبعة وعشرين تحليلاً بضغطة واحدة على الزر ، وكل تحليل بألفي ليرة ، وهناك من يحتاجه بالمئات ، ومن الممكن باليوم تحصل على مئة ألف ليرة من هذا الجهاز ، لكن الشركة التي أرسلت لك هذا الجهاز نسيت أن ترسل لك كُتيِّب الاستعمال .

      فالآن دقِّق : إن استعملته بلا توجيهات الصانع أتلفته ، وإن خفت عليه جمَّدت ثمنه ، أليس هذا الكُتيِّب الصغير بأخطر من الجهاز ؟

      هناك من يركب الطائرة ، ويذهب ليأتي بهذا الكتيِّب ، فهناك حالات دقيقة جداً ، قد يكون هذا الكتيب الذي فيه تعليمات الصانع ، تعليمات التجريب ، والقيادة أخطر من الجهاز ، جهاز إلكتروني من الممكن أن يصاب بالعطب لأتفه خطأ ، فحرصك على سلامة هذا الجهاز ، وعلى حسن مردوده تستعمله وَفق التعليمات .

      فلذلك الله عزَّ وجل خَلَق الإنسان ، وأعطاه شهوات ، وأقام له منهجًا : افعل ، ولا تفعل .

      ذكرت في الخطبة الآن كيف أن المسـلمين ـ والله شيء مؤلم جداً ـ أن هذا الدين العظيم أصبح عندهم خمس عبـادات شعائريِّة ؛ صوماً ، وصلاة ، وحجاً ، وزكاة ، وإعلان الشهادة ، وانتهى الأمر ، أما الدين فيه أكثر من مئة ألف بند ، والله عزَّ وجل ذكر عن الموازين فقال : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ

 ( سورة المؤمنون : من آية " 102 " )

       فهناك ميزان لحرفتك ، وميزان لزواجك ، ولعملك ، ولأفراحك ، ولأتراحك ، وهناك ميزان لإقامتك ، وميزان لكسب مالك ، فهذه كلها موازين ، فهل عرفت هذه الموازين ؟

       فيا أيها الإخوة الكرام ... هذا الشهر الكريم الذي ..

  الهدى افعل ، وهناك تعليل ، الله عزَّ وجل علَّل ، فمثلاً قال لك: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ

 ( سورة التوبة : من آية " 103 " )

    أمرك بالزكاة ، وأعطاك التعليل فقال لك : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ

    تطهِّر الغني من البُخل ، والفقير من الحقد ، وتزكّي نفس الغني فيشعر بعمله العظيم في تلبية حاجات الفقراء والمساكين ، وتزكي نفس الفقير فيشعر بقيمته في المجتمع ، فهناك تشريعٌ إلهي وجَّه الناس إلى معاونته .

      قال لك :وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ

 ( سورة العنكبوت : من آية " 45 " )

       أمرك بالصلاة التي هي هُدى وبيَّن لك التعليل ..

بيَّن لك التعليل . فأكثر العبادات ، كالحج ..ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ

 ( سورة المائدة : من آية " 97 " )

       يجب أن تعلم أن الله يعلم ، هذا في الحـج ، وفي الصيام كي تتقي ، وفي الزكاة كي تطهر وتنمو ، وفي الصلاة كي تبتعد عن الفحشاء والمنكر، هذا الذي وقع .

       إذاً ..

      طبعاً الشهر هو القمر ، وهذا في اللغة اسمه استخدام ، أيْ أنني حينما أرى القمر ينبغي أن أصوم ، ولكن هناك تفصيلات دقيقة جداً في كُتب الفقه عن أنك يجب أن تصوم مع المجموع ، وأن تفطر مع المجموع ، فقد ورد أن :" الصوم يوم تصومون ، والفطر يـوم تفطرون ، والأضحى يوم تضحون".

( من الجامع الصغير : عن " أبي هريرة " )

     وعندنا مشكلة تصادفنا كل سنة في أول يوم في رمضان ، وهي : يا أخي صيامنا صحيح ، لا ليس صحيحًا ، نحن صمنا على القمر ، أم على الدول المجاورة ؟ أنت مهمتك أن تصوم مع المجموع ، وانتهى الأمر ، حتى إن العلماء أجازوا لك لو أنك رأيت القمر ،وأنت في مجتمع ، ولم تثبت هذه الرؤية ، فعليك أن تبقى مع المجموع ..

   فهذا الشهر هو القمر ، فكيف يصام القمر ؟ هذا باللغة ، قال : هذا أسلوب اسمه الاستخدام ، تأتي بكلمة ،وتعيد عليها ضميراً على معنىً آخر من معانيها ، فطبعاً الشهر هو الهلال الشهر ،وهو ثلاثون يوماً ، فأول معنى:

      رأى الهلال ..

أي الشهر ، ثلاثين يوماً ..

   فالله عزَّ وجل رفع الحرج عن أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم.. " الدين يسر ولا يغلب عسرٌ يسرين " ..فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6)

     ( سورة الشرح )

      والأمر إذا ضاق اتسـع ، فأحياناً تجد إنساناً يصلي قاعداً ، أو يصلي مستلقياً ، وقد يصلي بحركة أجفانه ، أو بهزِّ رأسه ، ولكن بالطبع كل صلاة يوجد لها مبرِّر ، فالضرورة تقدَّر بقَدَرِها ..

في رمضان ..

     الآن هنا موضع الشاهد : معنى هذا أن رمضان من أجل الهدى ، أن تهتدي إلى الله عزَّ وجل ، وأن تقوى إرادتك ، وأن تعرف عبوديتك لله عزَّ وجل ، أيْ أن تعرِّف نفسك بضعفك أمام الله عزَّ وجل ، وأن تقوى إرادتك، معنى ذلك أنك اهتديت إلى الله عزَّ وجل ، وما هذه التكبيرات في العيد إلا تكبيرات الهداية ..

     إخواننا الكرام ... من قال : الله أكبر في أول أيام العيد ، وأطاع مخلوقاً ، وعصى خالقاً مـا قالها ولا مرة ولو ردَّدها بلسانه ألف مرَّة ، ففي الواقع أنك أطعت القوي في نظرك ، فلو أنك تعرف الله عزَّ وحل أن بيده كل شيء ما عصيته ، لذلك :

    دائماً الأعياد عندنا ـ نحن المسلمين ـ تأتي عقِب عبادات كُبرى ، عقِب عبادة الصيام يأتي عيد الفطر السعيد ، وعقِب الحَج ، وهو العبادة التي فُرِضَت في العمر مرة واحدة يأتي عيد الأضحى المُبارك ، العيد أي عدت إلى الله ، واصطلحت معه ..

  إن رمضان كله من أجل القُرب ، ولذلك ملخَّص هذا الشهر ..

أي أنك تصوم من أجل أن تقترب إلى الله ، وأنت تصلي كي تقترب، وتحج كي تقترب ، وتدفع زكاة مالك كي تقترب ..

أكثر من عشر آيات ..وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى

 ( سورة البقرة : من آية " 222 " )

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ

 ( سورة البقرة : من آية " 219 " )

يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ

 ( سورة البقرة : من آية "219 " )

يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ

 ( سورة البقرة : من آية "217 " )

      أكثر من عشر آيات فيها : يسألونك ، قل ، والجواب ، إلا هذه الآية الوحيدة ..

      لا توجد " قل " ،قال بعض علماء التفسير : استنبط العلماء من هذا أنه ليس بين الله وبين عباده حجاب في الدعاء ،فهناك أناس يقولون: قم باستخارة ،هذه لم ترد في السنة أبداً ، اعمل لنفسك استخارة ،فليس بينك وبين الله حجاب ..

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ

( سورة الأنفال : من آية " 24 " )

      وهو ..أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(16)

( سورة ق )

      ونـحن أقرب إليه مـن حبل الوريد ، لا تخفى عليه خافية ، فهو ..يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى(7)

( سورة طه )

     يعلم سرّك ويعلم ما خفيَ عنك ..

    استنبط علماء التفسير من هذه الآية شروط الدعاء المُستجاب وهي: أن تؤمن بالله ، وأن تستجيب له طائعاً ، وأن تدعوه مخلصاً . إيمان استجابة ، ودُعاء بإخلاص ، إلا أن العلماء استثنوا رجلين من هذه الشروط، من هما ؟ المُضَّطر والمظلوم ، فقالوا : المضطر لا يستجيب الله له بحال الداعي ، وقد يكون غير مسـتجيب لله ، بل يستجيبُ الله بحال المَدعو ، وهو الرحمة ، والمظلوم يستجيب الله له لا بحال الداعي، وقد يكون غير ملتزمٍ ، بل يستجيب الله له باسم العَدْلِ ، الله عزَّ وجل يستجيب للمضطر والمظلوم ..

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ـ هذه حالة ـ وَيَكْشِفُ السُّوءَ

 ( سورة النحل : من آية " 62 " )

      والحالة الثانية .." واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب "

( من رياض الصالحين : عن