English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :63/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  " الآية " 187 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : السيد ياسين رزق والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

         الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثالث والستين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية السابعة والثمانين بعد المائة ، وهي قوله تعالى :

     

   ظنّ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ظنوا أنهم إذا قاربوا نساءهم في ليل رمضان فقد عصوا ، أو على الأقل اتهموا أنفسهم بخيانة الشرع ، فجاء التحليلُ كَيّ يخفِّف عنهم ، وكي ينجّيهم من ظنهم أنهم عاصون ، فقال تعالى :

     

   طبعاً دون أن يُفهم من هذا أنه كان مُحَرَّماً عليهم ، ظن بعضهم أن مقاربة زوجته في ليل رمضان هو معصية ، فإذا غلبته نفسه شعر أنه قد خان منهج الله عزَّ وجل ، هذه الحالة المرضية ينبغي ألا تكون ، لأن الله عزَّ وجل حرَّم علينا الطعام والشراب ومقاربة النساء في نهار رمضان ، وأما في الليل فلك أن تشرب ، وأن تأكل ، وأن تقتَرِب من زوجتك .

      والقرآن الكريم ـ كما تعلمون ـ يعلِّمنا الأدب ، فكل العبارات التي يفهم منها مقاربة الزوجة ، جاءت بكنايةٍ رائعة ، فمرةً يقول :أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ

( سورة النساء : من آية " 43 " )

       ومرةً يقول :فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا

( سورة الأعراف : من آية " 189 " )

       ومرةً يقول :

      

      فهذا الذي يقول : لا حياء في الدين ، لا ينبغي أن نفهم هذه المَقولة على أن تلفِظ الأشياء بأسمائها التي تنفر منها النفس ، النفس البشرية تحب الكمال ، وربنا عزَّ وجل يعلِّمنا كيف نتحدَّث عن هذه العلاقة ، بل إن هناك آيةً دقيقةً جداً حينما قال الله تعالى :وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ..

( سورة المؤمنون )

       كل أنواع الانحرافات الجنسيَّة دخلت في هذه الكلمة :فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ(7)

      ثم إنّ الشرع الحَكيم علَّمنا الحياء ، فالشيء الذي يؤذي في العلاقة الزوجية حرَّمه النبي عليه الصلاة والسلام ، أما أن تقام الندوات في الفضائيّات ، في تفاصيل هذه العلاقة ، التفاصيل التي لا تُصَدَّق هذا شيء ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام ، حرَّم إتيان المرأة في الحيض ، وإتيانها من دبرها وانتهى الأمر ، وما سوى ذلك الأصل فيه الحِل ، أما الدخول في تفاصيل وتفاصيل وتفاصيل فهذه قد تُحْرِج الصغار قبل الكبار ، دائماً أنت حينما تتحدَّث ينبغي أن تعلم من هو الذي تُحَدِّثه ، فإن كان طفلاً لا علاقة له بهذا الموضوع ، هذا قد يدفعه إلى تساؤلاتٍ كثيرة ، وإلى بحثٍ، وإلى اهتمامٍ قبل وقته المناسب ، فهذه الكلمة :

      

    قال بعضهم : معنى الرفث ؛ ما يبغيه الرجل من امرأته من كل الدرجات والمستويات ، والشيء الذي يلفِت النظر في هذه الآية أن الله عزَّ وجل يقول :

      

  أيْ أنَّ الله عزَّ وجل أودع في الإنسان شهوةً نحو المرأة ، هذه الشهوة أودعها فيه ليرقى إليه، أودعها فيه ليرقى مرتين : مرةً إذا غضَّ بصره عن محارم الله ، ومرةً إذا متَّعه الله بما يحل له ، يرقى إلى الله أولاً صابراً ، ويرقى إليه ثانياً شاكراً ، فأصل الشهوة من أجل أن ترقى إلى الله ، وأصل الشهوة من أجل أن تدخُل الجنَّة ، إذا ضبطتها ، فالشهوة واسعة جداً ، يمكن أن تُرْوَى بزاويةٍ واسعةٍ جداً ، لكن الله عزَّ وجل حدَّد زاويةً معينةً هي الزواج ، فالمؤمن يضبط هواه وَفْقَ منهج الله ، والآية الكريمة ..وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ

( سورة القصص : من آية " 50 " )

       والمعنى المُخالف : أن الإنسان لو اتبع هواه وفْق هدى الله لا شيء عليه . معنى :

       أيْ أنَّ الزوجة سترٌ لزوجها من المعصية ، بدلَ أن يعصي ، بدل أن يُطلق بصره في عورات المسلمين ، بدل أن يتلصَّص ، بدل أن يقيم علاقةً محرَّمة ، بدل أن يَعْتَدي على أعراض الآخرين ، بدل أن يقع في فُحْشٍ وحرام قال :

         زوجاتكم أُبيحت لكم ، لِيَسْتُرْنَكم من المعصية ، لذلك يفهم من هذا أن أية امرأةٍ تُهمل زوجها ، ولا تتزيَّن له ، وتدفعه بقصدٍ أو بغير قصدٍ إلى الحرام فهذه آثمةٌ أشدَّ الإثم عند الله عزَّ وجل ، وهذا مرضٌ تقع فيه زوجاتٌ كثيرات ، بل إن جُل الزوجات يقعن في هذا المرض، يهملن أنفسهن ، ويهملن تلبية مطالب أزواجهن ، فينصرف أزواجهن ينصرفوا عنهن إلى الحرام ، وهذه المرأة التي تكون سبباً في صرف زوجها إلى غيرها تحاسب عند الله حساباً شديداً ، لأنها لم تعبُد الله فيما أقامها ؛ أقامها زوجةً ، وأول عبادةٍ لها حُسْن رعاية زوجها وأولادها ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :" انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي الجهاد في سبيل الله ـ " .

( من كنز العمال : عن " أسماء بن يزيد الأنصاري " )

       وهناك بعض النسوة يعتنينَ بأولادهن كثيراً ويهملن أزواجهن ، وهذه أيضاً مشكلة تجدها في معظم بيوت المسلمين ، فلذلك انصراف الزوج عن زوجته إلى غير زوجته ، أو إطْلاق بصره في الحرام ، أو تفضيله اللقاءات المُختلطة ، هذا كلُّه تعبير عـن إهمال زوجته ، وعن تقصيرها في حقه ، طبعاً هذا الكلام لا يعطي للزوج عذراً ـ هو واقعٌ في الإثم لا محالة ـ ولكنّ زوجته تعدُّ عند الله آثمةً لأنها السبب في ارتكاب زوجها بعض المعاصي ، فالذي يريد يربي بناتِه فليوجِّه زوجته كي تعلِّم بناتها أن رعاية الزوج هي أفضل العبادة .

       كما كنت أقول لكم دائماً : هناك عبادةٌ مطلقةٌ ، وهناك عبادةٌ رتيبة ، فالعبادة المُطلقة أن تعبد الله فيما أقامك . كل إنسان له عند الله مقام ، الغني عبادته الأولى إنفاق المال ، والعالِم عبادته الأولى تعليم العِلم ، والقوي عبادته الأولى إنصاف الضعيف ، والمرأة عبادتها الأولى حُسن رعاية زوجها وأولادها ، وكانت الصحابية الجليلة تقف أمام زوجها قبل أن تنصَرف إلى مُصَلاَّها وتقول له : " ألك بي حاجة ؟ " أي إذا كان له بها حاجة لا يقبل الله صلاتها ، ولا عبادتها ، لأنها خالفت مقامَها الأوَّل في تحصين زوجها ، المرأة المؤمنة مسؤولةٌ عن تحصين زوجِها ، بأن تعتني بنفسها ، وبهندامها ، وبتلبية طلبات زوجها .

       بالمقابل الزوج عليه واجبات كبيرة جداً ، إن كان سياق الحديث عن المرأة فليس معنى ذلك أن الزوج مُعْفَى من واجباتٍ كبيرةٍ وكبيرة عليه أن يؤدّيها إلى زوجته ، كي تتم هذه السُكنى بين الزوجين ، والسكنى بين الزوجين من آيات الله الدالة على عظمته ..وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً

( سورة الروم : من آية "  21 " )

      إذاً المرأة لباسٌ للرجل ، كيف أن اللباس يلتصِقُ به ، ويمنع رؤية أعضائه ، كذلك المرأة تَلْتَصِقُ بزوجها فتحصِّنه عن أن يشتهي غيرها ..

    

   والزوجة أيضاً عندها هذه الشهوة ، فإذا كان لها زوجٌ صالح يلبي رغبتها بشكلٍ طبيعي ، فهو حصَّنها أيضاً من أن تنظر إلى غيره ، والكلام الآن إلى الرجال ، لو أنه أهمل زوجته ، وغاب عن البيت طويلاً ، ولم يُسْمعها كلمةً طيبةً لطيفةً ، ولم يثنِ على ما حباها الله به من خصالٍ ومن جمال ، ربما أَصْغَت السمع إلى من يثني على جمالها ، أو من يثني على أخلاقها عندئذٍ تميل إلى غيره ، فالزوجة مسؤولة عن انصراف زوجها إلى غيرها ، والزوج مسؤول عن انصراف زوجته إلى غيره .

       والشيء الذي وصلني من خلال حل مشكلات اجتماعيَّة ، أن الزوج الذي يغيب عن بيته طويلاً ، والزوج الذي يعامل زوجته بقسوةٍ بالغة ، وإهمالٍ شديد ، مسؤولٌ عن انحراف زوجته ـ إذا وقع ـ وهو المسؤول الأول ، فكما أنها حِصْن له هو كذلك حصنٌ لها ، والسُكنى أن الزوج يكمِّل ضعفه العاطفي بزوجته فيسْكُن إليها ، والزوجة تكمِّل ضعفها القيادي بزوجها فتسكُن إليه ، والزوجة والزوج متكاملان لا مُتشابهان ، وسر سكونهما لبعضهما ، وسر السُكنى بينهما هو تكاملهما لا تشابههما .

       والإسلام أيها الإخوة يعني الحياة ، ليس الإسلام صلاة وصومًا فقط ، فمن الإسلام أيضًا علاقة زوجية متينة ، ومن الإسلام بيت مسلم سعيد ، الإسلام حرارة في البيت الإسلامي ، أما عبادات تؤدَّى وبيوت خرِبة ، بيوت فيها الشقاق ، وفيها البُعد ، وفيها الكراهية والبغضاء والعدوان ، هذا حال المسلمين ، لذلك دائماً حينما تفسُد العلاقة بين الزوجين ينصرف كلٌ عن صاحبه إلى غيره ، هذا هو الفساد ، الآن سَمِّه بالاختلاط ، الاختلاط محبَّب الآن لأن العلاقات الزوجية غير جيِّدة ، فكل طرفٍ يبتغي المُتعة بطرفٍ آخر غير الذي هو زوجُه ، والإقبال على مشاهدة ما على الشاشة أيضاً من هذا القَبيل ، وهذا كلٌّه يسهم في إفساد العلاقة ، ويكون أحياناً نتيجة لفساد العلاقة ، فأن تمتِّع عينيك بمن لا تحل لك ولو على الشاشة هذا يفسد هذه العلاقة ، أو يكون سببًا لفساد هذه العلاقة ، أما المؤمن لا يسمح لنفسه إلا أن يملأ عينيه ممن لا يحل الله له .

       شيءٌ آخر هو : أن المؤمن حينما يسعى لعملٍ صالحٍ عظيم تصبح هذه الشهوة جانباً من حياته فقط ، أما حينما ينصرف عن الآخرة تصبح هذه الشهوة كلَّ حياته ، هذه مشكلة كبيرة عندما يكون الجِنس هو الحياة كلها ، فهذا الشيء غير طبيعي ولم تخلق له عليه ، الجنس حاجة من حاجات الإنسان ، وليس هو كل شيء في حياة الإنسان !! هذا عند الغربيين ، هذا ما وصلت إليه الحضارة الغربيَّة ـ الجنس هو كل شيء ـ بينما عند المؤمن هو شيء نظيف، شيء مضبوط ، شيء مثمر ، انظر إلى بيتٍ إسلامي ، انظر إلى أولاد نشؤوا في طاعة الله ، انظر إلى زوجةٍ وزوجٍ مسلمين بينهما ودٌ كبير ، ووئام شديد ، وحبٌ شديد ، ووفاءٌ عجيب ، هذا البيت قطعة من الجنة ولو كان دخلُه محدوداً جداً ، تجد البيت الإسلامي هو قطعةً من الجنة بسبب العِفَّة ، بسبب غض البصر ، بسبب البُعد عن كل شيء يبغضه الله عزَّ وجل ، إذاً :

       وهناك توجيهات نبَّوية كبيرة جداً ، فمثلاً كان عليه الصلاة والسلام إذا قَدِمَ من سفرٍ ـ لم يكن يوجد هواتف ، ولا توجد اتصالات ـ كان إذا قدم من سفرٍ توجَّه إلى المسجد فصلَّى فيه ، ومكث وقتاً كي يصل الخبر إلى النساء ، كي تستعد المرأة لاستقبال زوجها ، فالنبي عليه الصلاة والسلام وَجَّهنا إلى أن هذه العلاقة مقدَّسةٌ ، ومن لوازم قُدسيتها أن تكون حارةً بشكلِ مستمر بين الزوجين ، مبعث حرارتها الود ، وأن كل طرفٍ من الزوجين يُلَبّي حاجة الطرف الآخر باهتمامٍ شديد ، أما حينما ينصرف الزوج عن زوجته ، والزوجة عن زوجها ينشأ بينهما الخصومات والشقاق ، هذا ما يحصل الآن ، قد تزور الأم ابنتها شهرين ، وتُهمل زوجها ، وقد تسافر إلى بلدٍ آخر أشهراً مديدةً حيث ابنتها هناك ، وتنسى زوجها ، فهذا الزوج له حاجة ، فحينما نهمل علاقات الزوجين فقد حطَّمنا الأسرة ، دقِّق في هذه الآية :

     

   هـي سترٌ لك من معصيةٍ كبيرة ، وأنت سترٌ لها من معصيةٍ كبيرة ، ولكنّ علماء النفس ـ وقد سمعت أخيراً أن هناك علم نفسٍ جنسي ـ علماء النفس يقولون : الذي يثيرُ شهوة الرجل شَكْلُ المرأة ، لذلك كان العلاج غضَّ البصر ..قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

( سورة النور : من آية " 30 " )

       لكنَّ الذي يثير المرأة ـ ميل الأنثى ميل اجتماعي في أوله وليس ميلاً حسياً ـ فالمرأة أحياناً تخضَعُ بالقَول ، القول الذي يُثني على جمالها ، وتلين وتخضع للقول المعسول تلينُ له وتخضع ، فمن بعض تفسيرات هذه الآية ..فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ

( سورة الأحزاب : من آية " 32 " )

       الرجل مأمور أن يغضَّ بصره لأن مبعث شهوته حِسِّي ، والمرأة مأمورة ألا تخضع بالقول لأن مبعث شهوتها اجتماعي ، ثم إن الله عزَّ وجل يقول : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي

( سورة النور : من آية " 2 " )

       بدأ بالزانية لأنها هي السبب في عرض مفاتِنها على الآخرين ، أما السارق ، قال :وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ

( سورة المائدة : من آية " 38 " )

     لأن السارق أقدر على السرقة من المرأة ، فبدأ بالسارق وثنَّى بالسارقة ، لكنه بدأ بالزانية لأنها أقدر على جذب الرجل حينما تُهمل حجابها ..

     

      من الطرائف أن القرآن الكريم حينما تُرْجِم إلى بعض اللغات ، لم يفقه المترجم المراد الإلهي من هذه الآية ، فقال : النساء بنطال للرجال ، والرجال بنطال للنساء ..

     

ولأن الله جلَّ جلاله هو الذي يعلم وحده طاقة النَفْس ، فقال :

      

     وهنا نقطة مهمة جداً ، الذي شرعه الله عزَّ وجل هو الذي يناسب النفوس البشريَّة ، فمن زاد أو نَقَصَ فقد خالف منهج الله عزَّ وجل ، فالذي أراد أن يواصل الصيام يومين أو ثلاثة ، هذا فوق طاقة البشر ، ومن فعله فهو يخرج عن منهج الله عزَّ وجل ، لذلك النبي الكريم نهى عن الوِصال في الصيام ، العبرة أن تمتنع عن الطعام والشراب والنساء في نهار رمضان ، أما في الليل فلكَ أن تأكل وأن تشرب وأن تقارب زوجتك إن شئت ..

      

هنا التوبة ليست من ذنبٍ ولكن التوبة هنا بمعنى الإباحة ، تاب عليكم أيْ سمح لكم أن تفعلوا هذا لأنه من حقكم ، ولا شيء عليكم لو فعلتموه..

     

تتهمونها بالخيانة ..

     

   طبعاً هنا إشارة لطيفة إلى أن أصحاب النبي عليهم رضوان الله كانوا من الوَرَع بمكان ، حتى إنه لو لم يأتهم تشريعٌ إلهي كانوا حينما يتوهَّمون أنهم وقعوا في مخالفة يتهمون أنفسهم أشدَّ الاتهام ، وهذا ينقلنا إلى حقيقة وهي : أن الورع أصلٌ كبيرٌ في الدين ، المؤمن الصادق دائماً يتهم نفسه بالتقصير ، وهذا عين الصواب ، بينما الذي يُزَكِّي نفسه مذمومٌ عند الله عزَّ وجل ..أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ

( سورة النساء : من آية " 49 " )

      المؤمن الصادق يتهم نفسه دائماً ، بينما المُنافق يزكي نفسه دائماً ، والذي يُزكي نفسـه متهمٌ عند الله عزَّ وجل بل مـذمومٌ عند الله عزَّ وجل .

      وبالمناسبة : الموقف الكامل أن تتهم نفسك ، وأن تحسن الظنَّ بأخيك ، بينما مُعظم الناس يحسنون الظن بأنفسهم ويزكونها ، ويتهمون إخوانهم بالتقصير ، الموقف الكامل أن تتهم نفسك، لا تحابي نفسك ، لا تجعلها فوق مقامها ، والله عزَّ وجل متكفِّلٌ أن يحجِّم الإنسان ، قل عن نفسك ما شئت ، زكِّها ما استطعت ، لكن الله متكفلٌ أن يعيدَها إلى حجمها الحقيقي ، يضعها في ظرفٍ فتسقط ، فالأولَى ألا تزكي نفسك بل أن تسأل الله السلامة..

     والتوبة التي شرعها الله عزَّ وجل رحمةٌ كبرى للإنسان ، حتى لو أخطأ فباب التوبة مفتوح . وبالمناسبة ما أمرنا الله أن نتوب إليه إلا أن يتوب علينا ، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا ، وما أمرنا أن نستعين به إلا ليُعيننا ، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا ، وإلا كلام ليس له معنى، لو أن الله أمرنا أن نتوب ، ولا يتوب علينا ـ فهذا كلام ـ والله عزَّ وجل منزَّه عن أن يقول كلام لا معنى له .

       ولهذه الآية معانٍ كثيرة جداً ، لكن أوجه التفسيرات لهذه الآية : ابتغوا ما كتب الله لكم من الزواج لإنجاب الولد ، فهذا الولد الذي يُنْجِبُه الزوجان ، والذي يُربَّى تربيةً صالحةً هو امتدادٌ لحياة الأبوين ، وتعلمون أن الحديث الصحيح :"َ إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ "*

( من صحيح مسلم : عن " ابي هريرة " )

      فالولد الصالح صدقةٌ جارية ، واستمرارٌ لوالديه ، لذلك :

     

      من الولد . لأن الولد ذخر ، فقد حدثني مهندس عمله في شركة سيارات ضخمة جداً في أمريكا ، عمله أن يصمِّم سيارة لعام ألفين وعشرة لأن هناك تطورًا في بنية الأُسرة ، هناك تطور في دخل الفرد ، هناك تطور في نوع الطاقة التي سوف تستخدم في تحريك هذه المركبة . فأنا داعبته وقلت له : هل الخطَّة أن تكون هذه المركبة لرجلٍ وزوجته وكلبٍ يجلس في الوراء ؟ وهذا شيء واضح جداً في العالم الغربي ، حيث أن الأزواج انصرفوا عن إنجاب الأولاد إلى تربية الكلاب ، أمرك الله عزَّ وجل أمرك أن تبتغي ما كتب الله لك من إنجاب الذُرِّيَّة ، ليكون الولد عملاً مستمراً من بعدك .

       فالأب الذي يربي ابناً صالحاً هذا الابن وذريَّته وذرية ذريته إلى يوم القيامة في صحيفته، هذا الحديث لو عقله المسلمون لاندفعوا إلى تربية أولادهم التربية الصالحة ، كي يكون الابن استمراراً لأبيه من بعده ، هم يربّون الكلاب والمسلمون يربون أبناء صالحين .

      بالمناسبة : الحديث الذي يتداوله المسلمون اليوم ، أنه :" تناكحوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة " .

( من الجامع الصغير : عن " أبي سعيد بن أبي هلال " )

      أنا والله لا أصدق أبداً أن يكون التباهي من قِبَل النبي عددياً إطلاقاً ، وهذا المعنى ليس وارداً في حديث رسول الله ، ولكنه يتباهى بنا نوعياً ، يتباهى بذريته الطائعة لله ، المستقيمة على أمر الله ، التي ترفَعُ راية الإسلام عاليةً في الآفاق ، يتباهى النبي بأمَّةٍ تنشر هذا الدين ، بأمةٍ مطبَّقٌ فيها العدل ، بأمَّةٍ مطبَّقٌ فيها الدين ، أما أن يتباهى النبي بكثرتنا فقط  فهذا مستحيل بحق النبي .

      الآن في مجتمعاتنا أب أنجب عشرة أولاد وألقاهم في الطُرُقات ، أهذا الأب محمودٌ أم مذموم ؟ هو مذموم ، أما الأبُ الذي ربَّى ولدين تربيةً صالحةً  عاليةً فهو محمودٌ عند الناس جميعاً ، فهل يُعقل أن يتباهى النبي بكثرة أمته فقط ؟!! فهناك أمم تعدُّ ألف مليون ، ألف ومائتي مليون وقد لا يقيم الله لها وزناً يوم القيامة ، أممٌ ، تسعمئة مليون يعبدون البقر في شرق آسيا ، أممٌ لا تعد ولا تحصى شردت عن الله شرود البعير ، لا يوجد منهج . الآن لا توجد بالعالم الغربي أسرة أبداً ، هناك مساكنة ، أيْ أنَّه يسكن مع امرأة ، ويعاشرها كزوجة ، وليس لها أيَّة صفةٍ إطلاقاً ، فإذا ملَّ منها ركلها بقدمه، إنّه مجتمع مُنْحَط ، مجتمع متحلِّل ، مجتمع متفكِّك ، فيه تقدُّم علمي هائل ، فيه تقدم تكنولوجي هائل ، ولكن هناك انهيارًا اجتماعيًا شديدًا ، بل إن بعض رؤساء أمريكا قال أن هناك خمسة أخطار تهدِّد أمريكا ، قال : تفكُّك الأسرة ، وانحلال الأخلاق ، وشيوع المخدرات ، والجريمة ، هذه أكبر أخطار العالم الغربي الآن .

      أما أن يتباهى النبي عليه الصلاة والسلام بكثرة ذريته كماً !! فهذا مستحيل بحق النبي ، إنه يتباهى بها نوعاً ، يتباهى بأمَّةٍ قوية ، يتباهى بأمةٍ متعلَّمة ، يتباهى بأمةٍ منتجة ، يتباهى بأمةٍ متماسكة ، يتباهى بأمةٍ أخلاقيّة ، يتباهى بأمةٍ راقية ، والآن نحن الآباء من منَّا يتباهى أن لديه ثلاثة عشر ولدًا وكلهم جهلة مثلاً ؟ يقول لك : ابني دكتور ، ابني مهندس ، ابني بمنصب رفيع ، ابني مثلاً داعية ، فالإنسان يتباهى بابن متفوِّق ولا يتباهى بابن متخلِّف ، لذلك :

     

       أيْ ابتغوا الوَلَد ، فأنت لو لم تكن داعيةً ، ما أتيح لك أن تكون خطيباً ، ولا داعيةً ، ولا عالِماً كبيراً ، ولا شخصاً مرموقاً ، أنت إنسان عادي أليس لديك أولاد في البيت ؟ بإمكانك أن تدخل الجنة من أوسع أبوابها بتربية أولادك . والله قد نجد طفلا تقول كأنه مَلَك ، من الحِرص ، والمُتابعة ، والضَبْط ، والتوجيه ، والتعليم ، فلمَّا قال ربنا عزَّ وجل :

     

     من الذريَّة . حتى أنه ورد عن سيدنا عمر أنه يقول : " والله أقوم إلى زوجتي وما بي من شهوة إلا ابتغاء ولدٍ صالحٍ ينفع الناس من بعدي " ، أرأيت إلى هذا التَصْعيد ؟ فأنت مُتاح لك أن تُرَبِّي ابنك لا أن تدع الشاشة هي التي تربيه ، بل أنت ربّه على حب نبيِّه ، أيْ علِّمه سيرة النبي ، وربِّه على حب أصحابه الكرام ، أيْ علّمه سيرة أصحاب رسول الله ، أما لو سألت الشباب اليوم : ماذا يعرفون عن أصحاب النبي ؟ لا يعرفون شيئاً ، أما يعرفون كل لاعبي الكرة ، وكل المغنيين ، ثقافتهم ثقافة شاشة ، فلذلك تربية الآباء رسالةٌ كبيرةٌ جداً ..

      

   من الوَلَد الصالح .

       وقد تنجب بنتًا ، وهذه البنت إذا ربَّيتها تربيةً صالحة ربَّت أسـرةً ـ " من علَّم فتىً علَّم فتىً ، ومن علَّم فتاةً علَّم أسـرةً " ـ إذا ربيت بنت تربية صالحة ، وكانت زوجةً صالحة ، وأنجبت خمسة أولاد دفعت بهم إلى المجتمع ، كانوا أُناساً صالحين فكل هذه الذرية في صَحيفتك ، أنت رابح على الحالتين ، بل إنه .." من جاءه بنتان فأحسن تربيتهما فأنا كفيله في الجنة ، قالوا : وواحدة؟ قال : وواحدة " كما ورد في الأثر .

      كل من كان عنده في البيت ابنتان ، ورباهم تربية إسلامية عالية ؛ ربَّاهم على معرفة الله، وعلى طاعة الله ، وعلى التَسَتُّر ، وعلى الأدب ، وعلى العِفَّة ، وعلى أن يُكُنَّ زوجاتٍ صالحات ، هذا وضع قدميه في الجنة وهو في الدنيا ، ما قولكم ؟ .

      إذاً وقفتنا المتأنيَّة عند قوله تعالى عند قوله :

     

    من الولد الصالح . اهتم أحدهم بجمع الأموال وجمع أموالاً طائلة ، وجمع أموالا في عام السبعين تقارب مئة مليون ، أيْ الآن كألف مليون ، ونسي أن يربي أولاده ، فأحد أصدقاء والده شاهد ابنه في الطريق ، قال له : إلى أين ؟ اسـمعوا ماذا قال هذا الابن ، وهو بعد وفاة الأب يسـتمتع بمال أبيه ، قال له : (ذاهب أسكر على روح أبي ) هكذا بالعبارة الصريحة ، فهذا الذي لا يربي أولاده يدفع الثمن باهظاً ، والإنسان في حياته إذا رأى ابنه شارداً والله تأتيه آلامٌ لا يعلمها إلا الله ، والله يعتصِر الألم قلبه ، والله يذوب من شدة الألم إذا رأى ابنه قد دخل البيت في الساعة الثانية ، وهو ولا يعلم أين كان ، مع من يسهر ؟ وهو محطَّم ، والإنسان له فراسة ، إذا كان لأولاده الإنسان رفقاء صالحون تجد الابن متألِّق معهم ، أما إذا كان له رفقاء سوء والعياذ بالله ، فالانحراف واضح بيِّن ..

    فبمجيء الفجر ، ترسم تباشير الضياء خطاً أبيض في أفق الشَرق ، هذا هو الخط الأبيض، يليه السواد ـ سواد الليل ـ هو الخط الأسود ، فإذا ظهر خطٌ أبيض وخطٌ أسود فقد دخلنا في الفجر الصادق ، قال :

هذا طبعاً أمر إباحة ..

    أيها الإخوة ... نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الوصال ـ أيْ الصوم المستمر ـ فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلَّم أنه قال :" إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا ، وغربت الشمس ، فقد أفطر الصائم ".

( من صحيح البخاري : عن " عمر بن الخطاب عن أبيه " )

       أيْ لمجرد أن تغيب الشمس فأنت مفطرٌ حُكماً ، ولو لم تأكل شيئاً ، ولو لم تشرب انتهى الأجر ، الإسلام وسطي ، متوازٍ ، متناسب مع فطرة الإنسان ، سمح لك أن تصوم من الفجر وحتى غروب الشمس ..

لأنه " إلى الليل " ، " إلى " تفيد انتهاء الغاية ، أيْ أنَّ الصيام ينتهي عند مجيء الليل ، ومجيء الليل غياب الشمس ـ فلمجرَّد أن تغيب الشمس فقد أفطر الصائم ولو لم يأكل شيئاً ، انتهى الأَجر ، فلذلك ليس من السُنة ، ولا من الورع أن يواصل الإنسان الصيام ، ولا السنة ، بالعكس أن تبكِّر بالإفطار ، أيْ أن تأكل لمجرَّد أن تسمع صوت المدفع ، أو لمجرَّد أن تعلم أن الشمس قد غابت بطريقةٍ أو بأخرى ..

    فهناك في الإسلام ما يسمَّى بالاعتكاف ، والاعتكاف لزوم الشيء ، أي أن تدخل بيت الله وأن تنوي أن تعتكف فيه تقرُّباً إلى الله عزَّ وجل ، كان من عادة النبي عليه الصلاة والسلام أنه يعتكِف العشر الأواخر من رمضان ، أيْ أنه ينقطع عن الدنيا ، فهي شحنة روحيَّة عالية جداً ؛ يبتعد عن الزوجة ، والأولاد ، والأهل ، وعن الأعمال ، والعلاقات، وعن كل ما يشغله عن الله عزَّ وجل يعتكف في المسجد ، وإذا لم يتح للناس الاعتكاف الآن فلابدَّ من جلسةٍ مع الله من حينٍ إلى آخر ، على كلٍ أنت حينما تأتي إلى المسجد فأنت معتكف ، ولو مكثت فيه من المغرب حتى العشاء ، فأنت دخلت بيت الله تقرُّباً إلى الله ، الاعتكاف لزوم المسجد تقرباً إلى الله عزَّ وجل . لذلك ..

 

     مباشرة المرأة يفسِد الاعتكاف ، طبعاً إذا كان الإنسان معتكفًا في مسجد بإمكانه أن يخرج منه لأمرٍ قاهر ؛ ليقضي حاجةً ، أو ليأكل ، أو ليشرب ، هذا لا يمنع اعتكافه ، أما لو خرج وباشر امرأته في البيت فقد فسد اعتكافُه ، لأن الاعتكاف البُعد عن ما يقرِّبك من الدنيا ولو كانت مُباحة ..

      ليحرص الإنسان في رمضان إذا كان بإمكانه على تخفيف علاقاته ، فإذا كانت هناك مشكلة فليحلها قبل رمضان ، أو فك شركة يفكها بعد رمضان ، يجعل رمضان فيه تفرُّغًا لله عزَّ وجل ، فهذا نوعٌ من الاعتكاف ، إنّ طبيعة العصر لا تسمح بالاعتكاف المستمر ، أخ موظف ، أو مدرس لا يستطيع الغياب عن عمله ، لكن طبيعة هذا العصر تسمح لنا باعتكاف مُتَقَطِّع ، هو حضور مجالس العلم ، هذا اعتكاف من أرقى العبادات ، أي أنك دخلت إلى لبيتٍ من بيوت الله تصلي وتقرأ القرآن ، أو تستمع إلى القرآن أو إلى درس علم هذا اعتكاف ، دخول المسجد ، والمكوث فيه تقرُّباً إلى الله عزَّ وجل هذا اعتكاف .

     لكن بالمناسبة يروى أن ابن عباس رضي الله عنهما كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، رأى رجلاً مهموماً قال له :

   ـ ما لي أراك كئيباً ؟.

   ـ قال : والله ديون لزمتني لا أطيق سدادها .

   ـ قال له : لمن ؟.

   ـ قال : لزيدٍ أو لفلان .

   ـ قال : أتحب أن أكلمه لك ؟ .

   ـ قال : إذا شئت .

       فخرج ابن عباس من معتكفه .

         قال له أحدهم :

   ـ يا ابن عباس أنسيت أنك معتكف ؟ .

   ـ قال : لا ولكني سمعت صاحب هذا القبر ـ وأشار إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام ـ والعهد به قريب وبكى وقال ـ سمعته يقول :" لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافه في مسجدي هذا " وذلك كما ورد في الأثر .

       " لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خيرٌ لي من صيام شهرٍ ـ من صيام النبي لا من صيامنا ـ واعتكافه في مسجدي هذا " . فإذا أقام أحدنا في خدمة الخلق فهذه نعمةٌ كبرى لا تعدلها نعمة ..

    هذه الآية يُفْهَم منها أنه يجب أن تدع بينك ، وبين حدود الله هامش أمان ، لم يقل : فلا تعتدوها ، بل قال :

    كيف ترى أن وزير الكهرباء ـ أحياناً ـ يأمر بوضع لافتات أمام خطوط التوتر العالي : " ممنوع الاقتراب من الأسلاك " لم يقل : ممنوع مس الأسلاك ، لأن هذا السلك توجد حوله ساحة مغنطيسية عالية جداً تجذب إليه من يقترب منه ، فالأمر لا يأتي : ممنوع مس التيار ، بل ممنوع الاقتراب لوجود قوة جذب ، وهناك معاص أيها الإخوة فيها قوة جذب ، منها المرأة، الله قال :وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى

( سورة الإسراء : من آية " 32 " )

      ما قال : ولا تزنوا ، بل " لا تَقْرَبُوا " يجب أن تبقي بينك وبين المرأة هامش أمان ، فلا خلوة ، ولا أن تصحب الأراذل ، ولا أن تتنزَّه في الطُرُقات ، ولا أن تملأ عينيك من محارم الله ، هذه كلها دخلتَ منطقة الخطر ، وهي الساحة التي تشَكِّلها المرأة حولها ، فلذلك :

     أيها الإخوة ، وقفت وقفتين متأنيتين عند كلماتٍ في هذه الآية التي وردت في آيات الصيام . وقفت عند :

ووقفت عند قوله تعالى :

      من الوَلَد الصالح ، فالإنسان عليه أن يحصِّن نفسه بالزواج ، ولاسيما في هذه الأيام ، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه قال :" من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا " .

( من كنز العمال : عن " أبي سعيد " )

      لأنه حقٌ على الله أن يُعين الشاب إذا طلب العفاف ، هذا شيء ثابت، شاب مؤمن يخشى أن يعصي الله ، إذا طلب العفاف فحقٌ على الله أن يعينه ، فالزواج حِصن ، والزواج سَبَب لإنجاب الأولاد الصالحين من بعدك ، لذلك : " لا رهبانية في الإسلام " .

     الزواج سُنةٌ من سُنَن النبي عليه الصلاة والسلام ، وكل إنسان يسهم بشكلٍ أو بآخر ، كل إنسان يُذلل العقبات أمام من يرغبون بالزواج له أجر عند الله كبير ، الذي قدَّم بيتًا ، الذي قدَّم مبلغًا من المال مساعدة ، الذي قدَّم أثاثًا ، الذي قدَّم مهرًا ، الذي زوَّج ابنته ولم يشدِّد على الصهر ، تساهل معه ، فهؤلاء لهم أجر ، إذا تعاونا يُشيع النكاح ، وإن لم نتعاون يشيع السِفاح مكان النكاح ، لأن الزواج حاجة أساسية في الإنسان ، فإذا وضعنا عقبات عالية أمامها طبعاً سلك الإنسان طريقًا منحرفًا .." إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه ، فزوجوه . إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض " .

( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

     إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه ولم تزوجوه ، لأنه ليس لديه بيت ، أو لسكن خارج دمشق ، أو ليس لديه سيارة ، أو ليس له دخل كبير يحقِّق طموحات ابنتنا ، فإذا كان هذا هو المقياس فأبشروا بفسادٍ عَريض ، وأبشروا أن تتحول كل بيوت المسلمين إلى بيوت دعارة .

       فأنا ركَّزت على كلمة :

        ولا سيما في هذه الأيام العصيبة التي تبدو فيه المرأة في الطريق كما خلقها الله ، لم يبقَ للزوج شيءٌ منها .. هؤلاء

"  نساءهم كاسيات عاريات ـ مائلات مميلات ـ على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف ، العنوهن فإنهن ملعونات ".

 من كنز العمال : عن " ابن عمرو " ))

      هكذا قال عليه الصلاة والسلام ، لأنها تثير الشهوة قبل أوانها ، شابٌ بينه وبين الزواج عشر سنوات ، أو عشرين عامًا أحياناً ، فهذه تثير فيه أعمق شهواته ، وهي لا تدري ماذا تفعل ، لذلك هذه المرأة المُتَستِّرة هذه لها عند الله مقامٌ كبير ، هذه التي لا تؤذي شباب المسلمين ، لا تثير فيهم الشهوات قبل أوانها ، هذه المرأة التي تحفظ مفاتِنها عن أنظار الرجال والشباب هذه امرأةٌ ترضي الله عزَّ وجل ، أما التي تبرز مفاتنها أمام الرجال هذه امرأةٌ تلقي القنابل في دروب الشباب دون أن تشعر .

      فلذلك كان التركيز في هذه الآيات على تحصين الشباب بالزواج ، وعلى أن يبتغوا من الزواج الوَلد الصالح ، أو البِنت الصالحة التي تنفع الناس من بعده .

      فأنا كلَّما ذكرت موضوع الزواج حضرتني آيةٌ لا علاقة لها بالزواج ، لا أدري لمَ ، لكني أراها منطبقة على الموضوع انطباق كلي . قال تعالى : إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ

( سورة النساء : من آية " 104 " )

      أيْ أنَّ الشاب المؤمن حينما يسعى للزواج قد يتعب كثيراً لكي يؤمِّن مأوى صغيرًا ، قد يتعب كثيراً ليؤسِّس هذا المأوى ، قد يتعَب ليقدِّم المهر لزوجته ، لكنه يرجو من زواجه ما لا يرجوه الشاب الشارد ، ذاك يرجو المُتعة ، وهذا يرجو ولداً صالحاً ينفع الناس من بعده ، هذا يرجو بيتاً إسلامياً ، ويرجو لبِنَةً محكمةً في بناءٍ شامخ ، وذاك يرجو المتعة والابتهاج .

     فلذلك أيها الإخوة التطبيق العملي لهذا الدرس ، أن نسهم جميعاً بأية طريقة في مساعدة طالِبي الزواج ، الذي قدَّم بيتًا ، الذي قدم هدية ثمينة . والله سمعت عن شيء في بعض البلاد الإسلامية أعجبني جداً ، إنسان تزوج ، يتولَّى إنسان آخر إحصاء كل حاجاته ، كل إنسان يريد أن يقدم هدية لهذا الشاب المتزوج يسأل هذا الشخص : ما يحتاج ؟ فعنده قائمة ، بدل أن تأتي الهدايا عشوائيَّة ، وغير مفيدة ، وليست ذات قيمة ، فلا تقدَّم له هدية إلا ضمن برنامج دقيق هي كل حاجاته ، فقد يسهم أربعة في شراء براد مثلاً ، وقد يسهم خمس أشخاص في شراء حاجة أساسيَّة ، الحياة كلها تعاون ، والحياة .. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ