English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :64/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  " الآية " 188 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : السيد ياسين رزق والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

         الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع والستين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الثامنة والثمانين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

      أيها الإخوة ... الإنسان في الحياة الدنيا أودِعَت فيه الشهوات ، ولما أودعت فيه الشهوات تحرَّك بها ؛ تحرك ليأكل ، تحرك ليقتَرن بأنثى ، تحرك ليعلو في الأرض ، هذه الحركة أساسها الشهوات التي أودعت فيه ، هذه الحركة هي تداخل بين الناس ، هذا يعطي وهذا يأخذ ، هذا يأخذ ولا يعطي ، هذا يعطي ولا يأخذ ، هذا يأخذ ويعطي ، هذا التداخل يحتاج إلى قيمة تقيِّم هذه الحركة ، القيمة التي تقيِّم هذه الحركة هي المال .

       أوضح مثل : الإنسان ينقل كمية من الرمال من مكان إلى مكان فيأخذ خمسمائة ليرة ، فهذه الخمسمائة ليرة تقابل جهد بشري ، إنسان يدرس ثلاثين سنة ليتعلَّم الطب فيعالج مريضًا، يتقاضى ألف ليرة ، هذه الألف مقابل هذا الجهد العلمي والعملي الذي بذله .

       فالمال قيمة مُطْلقة لكل الأعمال البشريَّة ، أعمال في الزراعة ، فالفلاح يبيع محصوله بمال ، والتاجر يقدِّم خدماتٍ ، يشتري بضاعة ويبيعها ويأخذ جزءًا من المال كأجرٍ لهذا الجهد المتواصل ، والصانع يصنع بضاعةً ويبيعها ، يـأخذ مقابل ماله وجهده وخبرته ، فالمال قيمةٌ تقيَّم بها الأعمال البشريَّة ، هذا المال قِوامُ الحياة ، فأنت تتقن شيئًا ومحتاج إلى مليون شيء ، هذا الذي أتقنته تأخذ عليه أجراً هو المال ، وحينما تحتاج إلى أشياء كثيرة تنفق من هذا المال الذي أخذته مقابل جهدك ، فتشتري طعاماً ، وشراباً ، ولباساً ، وتُعالج ابنك عند طبيب ، وتضع ابنك في مدرسة ... إلخ .

       فالمال جعله الله قِوام الحياة ، وأودع فينا محبَّته ، قال تعالى  : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ

 ( سورة آل عمران : من آية " 14 " )

       فمن جملة الشهوات التي أودِعت في الإنسان حبُّ للمال ، الإنسان في الأصل خُلق لجنة عرضها السماوات والأرض ، ولابدَّ من دفع ثمنٍ لهذه الجنة ، الثمن هو عملٌ في الدنيا ، من أجل أن يعمل الإنسان أُودِعَتْ فيه الشهوات ، لِتحرَّك ، من خلال هذه الحركة يقيَّم عمله ، من أجل أن يصح التعامل بين البشر قُيِّم العمل في الدنيا بمال ، هذا المال جزء كبير من قِوام الحياة ، فإذا أُخْذَ بالباطل أو أُنفق بالباطل فسدت الأرض بأكملها ، وإذا أُخذ بحقٍ وأُنفق بحقٍ أُعْمِرَت الأرض ، وأكاد أقول أن كل ما تعاني منه البشرية ؛ من حروب ، من اجتياحات ، من اختلاسات للثروات ، من هيمنة ، من سيطرة كل ذلك أساسه المال ، أساسه أن يأخذ الإنسان مالاً وفيراً يستمتع عن طريقه بالشهوات التي أُودِعَتْ فيه ، فالمال مادة الشهوات .

       فلأن كسب المال يحتاج إلى نظامٍ يضبِطه ، ولأن إنفاق المال يحتاج إلى نظامٍ يضبطه ، كانت التشريعات الماليَّة في الإسلام تأتي في الدرجة الأولى ، تسعة أعشار المعاصي متعلقة بكسب المال وإنفاقه ، لذلك ضبط حركة الإنسان من زاوية ماله شيءٌ مهمٌ جداً .." يا سعدُ أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة " .

( من مجمع الزوائد : عن " سعد بن أبي وقاص " )

      أي اجعل كسبك حلالاً ، أيْ أخلص وأتقن واصدق ، وكن أميناً ومتقناً حتى تأخذ المال ـ الذي يعبِّر عن جهدك في الأرض ـ حلالاً ، فإذا اشتريت به طعاماً وأطعمته لأولادك كان هذا الطعام طَيِّباً .. " أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة " ..

     الآن يوجد في هذه الآية نهيٌ رائع جداً عن أكل أموال الناس بالباطل ، وهذا الكلام يقودنا إلى مفهومٍ عكسي ، أيْ أن أكل المال بالحق جائز ، كيف تأكل المال بالحق ؟ أنت تاجر ، اشتريت بضاعةً وبعتها بثمنٍ يزيد عن ثمن شرائها ـ وفق سعر السوق ـ ولم تكذب ، ولم تدلِّس ، ولم تغُش ، ولم تحتكِر ، ولم تستغل ، ولم تكن البضاعة محرَّمةً ، ولا  طريقة التعامل محرمةً ، إذاً أنت أكلت مال الناس بالحق ، هو الربح .

      أو أنّك بذلت جهدًا كبيرًا بتقديم صناعة ، أخذت مقابلها ثمناً ، لاشك أنك أخذت ثمناً يفوق على تكاليفها ، هذا الهامش الذي يفوق التكاليف ، أو يفوق رأس المال هو أكلٌ لمال الناس بالحق ، سمح الشرع به ، فلك أن تزرع الأرض ، وأن تبيع محصولك ، ولك أن تربي المواشي وأن تبيعها ، ولك أن تتاجر ، ولك أن تُصَنِّع ، ولك أن تأخذ ثمن خبرتك ؛ كالحرف اليدوية والمهنية ، والراقية كالطب والهندسة ، فكل شيءٍ تأخذه مقابل شيء هذا كسبٌ حلال ، سمَّاه العلماء " فقه المعاوضات " .

       أي أنك تقدم جهداً وتأخذ مالاً ، تعاون مريضاً تأخذ مالاً ، تلقي درساً تأخذ مالاً ، تشيّد بناءً تأخذ مالاً ،  تحل مشكلةً تأخذ مالاً ، تقضي بين اثنين تأخذ مالاً ، فهذا المال مُقابل الجُهد البشري ، تأخذه بالحق عن طريق الزراعة ، والتجارة ، والصناعة ، وعن طريق الخدمات ـ بذل خدمات ـ وعن طريق الهبة ، وعن طريق الإرث ، هذه مصادر كسب المال الحلال، هذه مصادر كسب المال بالحق .

       وأما كسب المال بالباطل فطرقه لا تعد ولا تحصى ، قد يكون كسب المال أساسه الكذب، وقد يكون كسب المال أساسه الاحتكار ، وقد يكون كسب المال أساسه الاحتيال ، وقد يكون كسب المال أساسه العدوان ، أو السيطرة ، أو إحراج الآخرين ، وقد يكون كسب المال أساسه الكذب ، كأن يدعي الفقر فيأخذ أموال الناس بالباطل ، وقد يكون أساس المال أن تملك قوة قاهرة فتخلِّص الشعوب من ثرواتها .

      هذا الدرس متعلِّق بما تشاهدونه وتسمعونه في العالَم ، هناك حروب ، هناك عدوان على الثروات الباطنيَّة ، هناك هيْمنة وسيطرة ، إن دَقَّقت في كل هذه الحركة البشرية تجد أن هدفها أخذ قدرٍ أكبر من المال كي يكون أداةً للاستمتاع بالحياة ، والاستمتاع بالحياة فيه ترويةٌ للشهوات التي أودعت في الإنسان .

      هذا الموضوع خطير جداً ، إن لم ينظِّم خالق البشر طريقة كسب المال وإنفاقه فالأرض يعمها الفساد ، الأرض يعمّها فسادان : فساد اقتصادي ، وفساد أخلاقي .

      الفساد الاقتصادي أن تُجَمَّع الأموال في أيدٍ قليلة ، قالوا : إن عشرة بالمئة من سكان العالم يملكون تسعين بالمئة من ثروات العالم . هذا وضع فيه اختلال ، ولكن الوضع الطبيعي الذي أراده الله عزَّ وجل أن يكون المال دُولَةً بين الناس جميعاً ، فإذا كان دولةً بين الأغنياء منكم وقع الفساد في البر والبحر ، الفساد أساسه أن تُجَمَّع الأموال في أيدٍ قليلة وأن تحرم منها الكثرة الكثيرة ، فإذا كان ذلك كذلك نشأت الثورات، والاختلاسات ، والاحتيال ، والقهر ، والنَصب ، أكثر ما تُعاني منه البشرية اليوم بسبب اختلال هذا التوازن ، بل إن بعض الحروب الأهلية التي نشبت في بعض الأقطار الإسلامية هناك من يعزوها إلى الفرق الكبير بين فئةٍ وفئة ، بين فئةٍ تملك كل شيء ، وهي قلةٌ قليلة ، وفئةٌ لا تملك شيئاً ، وهي كثرةٌ كثيرة . هذا الموضوع من أدق موضوعات الدين ..

     فيا أيها الإخوة الكرام ... الإنسان حينما ينضبط في كسب ماله ، وفي إنفاق ماله يكون قد حقَّق الشطر الأكبر من منهج الله عزَّ وجل ، الإنسان في الأصل خُلِقَ لجنةٍ فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، خُلِقت لجنةٍ لك فيها ما تشاء ، في الجنة ليس هناك كسب ، ولا يوجد جهد ..لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(35)

( سورة ق )

      فأيُّ شيءٍ يخطر على بالك تراهُ أمامك ، الأشجار قطوفها دانية ..فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَة ٌ(12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ(13)وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ(14)وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ(15)وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ(16)

( سورة الغاشية )

     كل شيءٍ في الجنة مبذولٌ لأهلها بلا مقابل ، هذه الجنَّة لها ثمن ، والثمن هو العمل الصالح ، من أجل أن تعمل أودع الله فيك الشهوات ، وضع لك نظامًا لحركة هذه الشهوات ، هناك شهوة وهناك منهج ، ما هو الفساد ؟ هو حركة بدافع الشهوات بلا منهج ، فالحركة نحو المرأة بالمنهج الزواج ، وبلا منهج زنا ، وبيوت دعارة ، الحركة نحو المال بالمنهج كسب مال مشروع ، من دون منهج سرقة ، واحتيال ، واغتصاب .. وما إلى ذلك ، الحركة نحو العلو في الأرض بمنهج أن تكون خيِّراً معطاءً فيرفعك الناس ، بلا منهج أن تكون شريراً مغتصباً فيهابُك الناس ، يحبونك إذا أعطيتهم ويخشوْنَك إذا آذيتهم ، فهناك شهوات أساس الحركة ، فالحركة لا تضبط إلا بمنهج الله عزَّ وجل ، إحدى فقرات هذا المنهج في كسب المال وإنفاقه هذه الآية الكريمة ، قال تعالى :

       أيْ أنَّ الأموال ينبغي أن تكون بينكم متداولةً ، الكُتْلَة النَقْدية التي بين أيدي الناس يجب أن تكون موزَّعةً بين كل الناس ، هذا هو الوضع المثالي ، وقد لفت الله عزَّ وجل نظرنا إلى أن كل التشريعات الإلهيَّة من أجل ألا يكون المال دُولَةً بين الأغنياء منكم ، ينبغي أن يكون المالُ دُولةً بين كل الناس ، فحينما نكسب الكسب المشروع نرى من دون أن نشعر ، أن المال أصبح متداولاً بين جميع الناس ، كيف ؟

        أنت حينما تسمح للمال أن يَلِدَ المال سوف تنتهي الأمور إلى أن فئة قليلة تملك كل شيء، المال يلِد المال عن طريق الربا ، وإيداع المال في البنوك ، ولكن ينبغي أن يَلِدَ العمل المال ، حينما تلِد الأعمال المال ، أنت حينما تريد تأسيس مشروع ، شئت أم أبيت ، أعجبك أم لم يعجبك لابدَّ من أن تستخدم ألوف الناس ، الألوف ، بعض الناس بشكل مباشر ، وعدد كثيرٌ جداً بشكل غير مباشر ، فأنت حينما تريد كسب المال من الأعمال توزِّع هذا الربح على شكل مصاريف ـ وقد تكون عالية جداً ـ على فئاتٍ لا تعد ولا تحصى .

       أيْ أنك إذا فتحت محلا تجاريًا فأنت بحاجة إلى دفتراً للفواتير ، دفتر الفواتير بحاجة إلى مطبعة ، والمطبعة بحاجة إلى موظَّفين ، وبحاجة إلى أن تشتري الحبر ، وإلى الطابعة ، والمطبعة بحاجة إلى حاسب ، والمطبعة بحاجة إلى من ينقُل البضائع إلى الزبائن ، والمطبعة بحاجة إلى ترخيص ، من أجل دفتر فواتير هناك مؤسَّسة اسمها مطبعة ، فيها عشرة عمال ، أو عشرة موظفين ، بالمطبعة تتعامل مع مئات الأشخاص من أجل دفتر فواتير ، إحدى شركات السيارات في فرنسا تتعامل مع مئتيّ ألف مؤسَّسة ـ تقريباً ـ كلها تعملُ لها ، لأن أقل قطعة بالمركبة تحتاج إلى معمل.

        حينما ترتدي قميصاً فالزر له معمل ، وفتح العروة لها آلات خاصة ، والخياطة لها آلات ، وهذا النسيج له معامل ، القميص تُسْهِم به مؤسَّسات ضخمة وكبيرة جداً ـ دقق في هذه الكلمة ـ فحينما تلد الأعمال المال يكون المال متداولاً بين كل الناس ، أما حينما يلد المالُ المالَ يصبح المال محصوراً في أيدٍ قليلة ، وتحرَم منه الكثرة الكثيرة ، والمصائب ، والمِحَن ، والانفجارات ، والثورات التي تحدث بسبب هذا الفارق الكبير بين تراكُم المال عند بعضهم ، وافتقاده عن بعضِهم الآخر ، هذا وراء كل مشكلات المُجتمع ، واسأل في كل بلدٍ : متى تكثر السرقات والنهب ، والسلب ، والاحتيال ؟ حينما تقلُّ الأموال بين أيدي الناس .

      إذاً هذه القضية قضية كبيرة جداً ، حينما يشرب الإنسان الخمر يؤذي شخصه ،وحينما يزني يؤذي معه فتاةً كانت طاهرةً عفيفة فجعلها ساقِطة ، أما حينما يأكل الربا فهو يُسهم في انهيار مجتمعٍ وهو لا يدري ، حينما يأكله أو يوكله ، فقضية المال قضيةٌ خطيرةٌ جداً ، لأن المال قوام الحياة ، وربنا عزَّ وجل في هذه الآية يقول :

     هنا توجد دِقَّة ، حينما أضع في جيبي خمسمائة ليرة ، وآخذها من جيبي الأيسر وأضعها في جيبي الأيمن ، ماذا فعلت ؟ أنا أكلت مالي ، ماذا فعلت ؟ فما معنى هذه الآية ؟ المقصود أن هذا المال الذي هو مال أخيك ، عند خالق الكون هو مالُك من زاويةٍ واحدة ، هو مالك من زاوية أنه يجب أن تحافِظ عليه وكأنَّه مالُك ، سمَّى الله مال أخيك مالَكَ ، فمثلاً إذا أعار إنسان مركبته لإنسان آخر يقول له : اعتبرها سيارتك ، أي اعتنِ بها ، راعِها ، دارِها ، لا تُحمّلها ما لا تطيق ، اعتبرها مركبتك ، أي استعملها كما لو أنها مركبتُك ، فكلمة :

   أيْ أنَّ هذا المالَ الذي هو مال أخيك هو مالك من زاوية أنك يجب أن تحافظ عليه وكأنَّه مالُك .

       هناك زاوية ثانية : هذا المال الذي هو مال أخيك هو لكل الناس من زاويةٍ واحدة ، إنسان معه مبلغ ضخم ، يجب أن يعتقد أن هذا المال مِلْك المسلمين ، بمعنى أنه يجب أن يستثمر ـ فَرَضاً ـ في شيء ينفع المسلمين ، في معمل غذائي ، صناعة راقية ، مشروع سكني ، أما حينما يُستثمر المال في إيذاء المسلمين ؛ في فتح الملاهي ، والنوادي الليلية ، فأنت بمالك الذي هو ملكٌ لك أفسدت أخلاق الناس ، إذاً يجب أن يعتقد المؤمن أن المال الذي بين يديه فيه حقٌ لكل المسلمين ، عليه أن ينفقه لمصلحتهم لا لمصلحته هو فقط ، فلو أخذه من بلادهم ونقله إلى بلادٍ بعيدة ، حَرَمَ المسلمين الانتفاع منه ، أو لو أنفقه في معصيةٍ كبيرة ، أو في إفساد الأخلاق ، أو في عملٍ لا يرضي الله ، معنى ذلك أنه سبَّب إيذاءً للمسلمين بماله ، فالله يخبره أن هذا المال ليس ماله بل إنه مالٌ لجميع المسلمين .

     المعنى الأول : وجوب الحفاظ عليه وكأنَّه مالُك .

     المعنى الثاني : وجوب إنفاقه في مصالح المسلمين ، لأن كل المسلمين لهم الحق أن ينتفعوا بمالك بشكلٍ مشروع وفق منهج الله عزَّ وجل .

     فرضاً لو أن إنسانًا معه أموال وأسَّس مزرعة ضخمة ، وجعل يبيع من إنتاجها في السوق، هو يتاجر ، يزرع ويبيع الفواكه ، وحينما تطرح في السوق فاكهةٌ بكمياتٍ كبيرة تهبط الأسعار وينتفع المسلمون ، فليس معنى قولنا لك : إن هذا المال هو للمسلمين معنى ذلك أن يأخذوه منك ، لا ، لا ، بل أنت استثمره في صالح المسلمين ؛ في الزراعة ، أو الصناعة ، أو التجارة ، أو في عملٍ يرضي الله ، لا في أعمال تفسد أخلاق الناس .

      إذاً حينما سمَّى الله مال إخوتنا مالنا فمن أجل أن نحافظ عليه وكأنه مالُنا ، وحينما سمَّى مالنا مال إخوتنا فمن أجل أن ننفقه في صالح المسلمين ، هذا معنى قوله تعالى :

الأموال منوَّعة ؛ هناك أموال منقولة ، وغير منقولة ، وبيوت ، وحوانيت ، وأموال سائلة ، وهناك أموال على شكل معدات ، هذه الأموال عُزِيَت إلى كل المسلمين من زاويةٍ واحدة هي أنه ينبغي أن ينتفع بها المسلمون جميعاً ، ومن زاويةٍ ثانية أن كل مالٍ لأخيك هو مالُك من زاوية أن تحافظ عليه ، ولا تأكلوا أموالكم ..

       قال بعض العلماء : ينبغي أن تكون هذه الأموال متداوَلَةً بينكم ، لا أن تكون متداولةً في أيدٍ قليلة ، وتداولها في الأيدي الكثيرة يعني أن تلِد الأعمال المال لا أن يلد المالُ المال ..

     يقابل الباطل هو الحق ، الحقُّ هو الشيء الثابت ، فعلى مر الحقب ، والعصور ، والأَمْصار ، والأَعْصار ، وكل المتغيرات ، السرقة حرام ، والغش حرام ، والاحتكار حرام ، وإيذاء المسلمين حرام ، وإفساد أخلاقهم حرام ، فعلى كل الأعصار إذا اكُتِسَب المال بالباطل ، أو أُنفِق بالباطل عَمَّ الفساد الأرض ، لذلك قال تعالى : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)

 ( سورة الروم )

      أعلى تجارة في العالم قبل تجارة الأسلحة ، وقبل تجارة المواد الزراعية الكيماويَّة ، هي تجارة المخدِّارات ، تُدِرُّ أموالاً فلكيَّة ، ثم توضع في البنوك لتأخذ صفة نظاميَّة ولتكون متداوَلَةً بين الناس .

     أيها الإخوة الكرام ... لا أبالِغ إذا قلت أن ما يعانيه العالم اليوم كله هو من مخالفة هذا المنهج الإلهي ، فالمال يؤخذ من طرقٍ غير مشروعة ، إما سرقةً ، أو اغتصاباً ، أو عن طريق الحروب ، أو الهيْمنة ، أو السيطرة ، أو القوة ، أو عن طريق عقود إذعان ، أو عن طريق الفساد في الأرض ؛ نشر المخدرات ، أو نشر الفساد ، هذا كله يسبِّب أرباحاً طائلة .

      كل مسلم ينبغي أن يتعلَّم كيف يكسب ماله ، هذا علمٌ ينبغي أن يُعلَم بالضرورة ، كيف يكسب ماله ؟ فإن لم يتعلم وقع في أكبر معصيةٍ إنها أكل المال بالباطل ، فالغشَّاش يأكل أموال الناس بالباطل ، والكذَّاب يأكل أموال الناس بالباطل ، والمدلِّس يأكل أموال الناس بالباطل ، والمحتكِر يأكل أموال الناس بالباطل ، والمغتصِب يأكل أموال الناس بالباطل ، والسارق يأكل أموال الناس بالباطل ، والمحتال يأكل أموال الناس بالباطل ، هذه كلها معاصي ، فلمجرَّد أن تغشَّ المسلمين أكلت أموالهم بالباطل ، لمجرد أن تغير صفة البضاعة كأن تقول لهم : مستوردة. وهي ليست مستوردة أكلت أموال الناس بالباطل ، لمجرَّد أن تعرضها عرضاً مغرياً لا يعبِّر عن حقيقتها ، أكلت أموال الناس بالباطل ، لمجرَّد أنك أعطيتها صفةً ليست فيها، أكلت أموال الناس بالباطل ، حينما تستخدم الإيهام ، والكذب ، والتدليس ، والاحتكار ، والغش ، والاغتصاب ، والهيمنة ، والسيطرة ، والعدوان ، والسرقة هذه كلها أكلٌ لأموال الناس بالباطل ، أو حينما تعتدي على كسب الآخرين هذا هو السُحْتُ أكل أموال الناس بالباطل، والباطل خلاف الحق .

      أيها الإخوة ... الحلال ما أحلَّه الله ، والحرام ما حرَّمه الله ، والله وحده سيحاسبنا جميعاً، لو أن إنساناً ـ فرضاً ـ يسكن في بيت قد استأجره ، وعنده بيوت تصلُح لسُكْناه ، ولكنه اعتمد على قانون الإيجار مثلاً ، فبقي مُغْتَصِباً لهذا البيت مع أنه ليس بحاجةٍ إليه ، وبإمكانه أن يسكن في أحد بيوته ، فهل يحميه قانون الإيجار يوم القيامة ؟ لا يحميه .

      لو سمح لك إنسان أن تأكل ماله بالباطل لأنك أقوى منه ، فهل قوتك تحميك من حساب الله يوم القيامة ؟ إذاً إذا اعتمد الإنسان على تشريع أرضي لأكل أموال الناس ، لا ينجو من عذاب الله ..

     أيْ أن تعطي القاضي شيئاً من هذا المال كي يحكُم لك كما تريد ، أيْ يحكم لك حُكْمَاً يغطي عدوانك ، فإذا فعلت هذا ارتكبت جُرْمَيْن : اغتصاب المال بالباطل ، وفساد إنسانٍ معك في إقرارك على هذا الاغتصاب بالباطل..

ينبغي أن تكون متداوَلَةً بينكم ..

    ولكن لو أنك احتكمت مع خصمك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ـ في زمانه ـ وكنت طليق اللسان ، قويَّ الحُجَّة ، لَسِنَاً ، وألحن بحجةٍ من أخيك ، وانتزعت من فمِ النبي الشريف قراراً يُبَرِّئك ويغطي انحرافك ، والقرار من النبي الكريم ـ فتوى من النبي ـ لا تنجو من عذاب الله ..

" إنما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إلي ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركه " .

( من الجامع الصغير : عن " أم سلمة " )

    دقِّق : " بقطعةٍ من النار " .

    أيها الإخوة هذه آية تقصم الظهر ..

     يجب أن تأكلها وَفْقَ منهج الله ؛ بيعٌ مبرور ، تجارةٌ مشروعة ، زراعةٌ مشروعة ، أما أن تزرع الحشيش ، أو أن تزرع التبغ أنت بهذا تفسد أجسام المسلمين ، زراعةٌ مشروعة ، لا أن تستخدم المواد الهرمونية التي تعطي الثمرة شكلاً جميلاً ، وحجماً كبيراً على حساب صحة الناس ، هذه كلها مواد مسرطنة ، إذاً كسب المال الحلال عن طريق زراعةٍ نظيفة، وتجارةٍ مشروعة ، وصناعةٍ نافعة للمسلمين ، لا أن تصنع أجهزةً تجعل أخلاقهم في الوَحْل ، لا أن تصنع أجهزةً تجعل الزنا يفشو بينهم ، لا أن تستثمر المال في أعمالٍ تفسِد أخلاق المسلمين ، بل يجب أن تأكل أموال الناس بالحق لا بالباطل ، والحَكَمُ هو الشرع وحْدَه ، أما التشريعات الأرضيَّة فهي لا تحميك من عذابِ الله .

      أحد الإخوة الكرام قال لي : أنا دخلت في مناقصة عقار ، واستطعت بطريقةٍ ذكيةٍ جداً أن أُدْخِلَ معي ستة أشخاصٍ بشكل وهمي ، وأن يزيدوا السعر قليلاً قليلاً ، فرسا المشروع عليّ بسعرٍ يساوي ثُلُثَي ثمنه الحقيقي ، وهو بهذا عدَّ نفسه شاطراً ـ بالتعبير الشائع ـ وعدَّ نفسه متفوقاً ، وهكذا اشترى الأرض من أصحابها الشرعيين الذين يزيدون عن أربعين شخصًا ، وفيهم أيتام وأرامل ، عن طريق مناقصةٍ وهمية أدخل أصحابه ، وأصدقائه ، ووكلُّهم برفع السعر قليلاً ، وكان الإعلان غير صحيح ، بعد أن كسب المناقصة ورست عليه ، جاء يستشيرني ، قال لي : والله فكَّرت بالقبر ، وجدت أنه لا يوجد حل ، لابدَّ من أن أُحاسَب ، فقلت له : إما أن تعطي أصحاب الأرض حقهم الكامل وإما أن تنسحب من هذه المناقصة .

      فالتشريعات الأرضية لا تحميك من عذاب الله ، فمن الممكن أن تشتري الأرض بقرار أساسه مناقصة أصوليَّة ـ قانونيَّة ـ دخل ثمانية أشخاص فاستقر السعر على هذا الرقم ، ولكن هؤلاء السبعة هم ليسوا أنداداً لك ، هم ممثلون ، قد مثَّلوا دوراً خُلَّبِيَّاً ، وأنت بهذه الطريقة جعلت السعر يهبط ، فأكلت أموال أصحابها بالباطل ، ومعك سند ، دخلت مناقصة وحقَّقت سعرًا منخفضًا ، وأنت تعلم الحقيقة ، لذلك :

       أيْ أنَّ جميع التشريعات الأرضية في العالم كلِّه لا تحمي الإنسان الذي يأكل المال الحرام من عذاب الله ، اضطر إنسان إلى ثلاثمائة ألف ليرة ، فرهن مزرعته عند شخصٍ مليء ، وطلب منه هذا الشخص أن يطوِّب له هذه المزرعة كضمان ، بعد سنواتٍ وسنوات أصبح المبلغ جاهزًا ، فجاء الذي أخذ المبلغ إلى من أعطاه المبلغ إياه ليردّه ، ولكنّه أجابه : كل منا حقه عنده فوجئ بقوله له : المزرعة ثمنها أربعة أمثال المبلغ ، فهذا الذي ضيَّع مزرعته أصابه الهم ، وتصاعد الألم حتى أصابته أزمةٌ قلبيَّةٌ ، ومات من شدة القهر ، كيف ضحى بهذه المزرعة بمبلغ بسيط ؟

       لكن قبل أن يموت كلَّف ابنه أن يمشي بجنازته إلى أمام دكان هذا المُغْتَصِب ، قال له : امش بجنازتي إلى أمام دكانه ، وعند دكانه لتقف الجنازة ، واخرج أنت من بين صفوف المُشَيِّعين وادخل إلى دكان هذا المُغْتَصِب ، وسلِّمه رسالةً ، كتب لها رسالة قبل أن يموت ، في هذه الرسالة: " أنا ذاهبٌ إلى دار الحق ، عند أحكم الحاكمين ، فإن كنت بطلاً فلا تلحقني" . سمعت أنه ردَّ المزرعة إلى ورثته .

       فهذه الآية دقيقة جداً :

      هذا هو التشريع ، فلو كان معك ألف دليل ودليل ، وألف حجَّة وحجَّة ، وألف قانون ، وألف اجتهاد محكمة نقض ، ولو كان معك مئة ألف اجتهاد لصالحك ، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله .

      لو معك فتوى من رسول الله ـ هل هناك أبلغ من هذا ؟ ـ معك فتوى من صاحب الرسالة ، معك فتوى من سيِّد الخلق وحبيب الحَق ، معك فتوى من المعصوم ، ولم تكن محقاً، ولكنّك انتزعتها بذكائك واحتيالك ، وقوة حجَّتك وبيانك ، لا تنجو من عذاب الله ، ما قولكم ؟ .

      أكثر من عشرين ألف قضيَّة بقصر العدل أساسها أكل أموال الناس بالباطل ، هكذا ، عن طريق الإيجار تُغْتَصب البيوت ، عن طريق وكالة عامة تُغتصب الأموال ، عن طريق موقف أخلاقي يضيعُ المال ، وقد رد عن بعض العلماء أنه : " ترك دانقٍ من حرام أفضل عند الله من ثمانين حجَّةً بعد الإسلام " ، ترك دانق ، والدانق سُدْس الدِرْهَم ..

      أنا أقول : أيِّ تشريع أرضي ، لو كان معك كل التشريعات الأرضية لا تنجو من عذاب الله .. " من اغتصب قيد شبرٍ من أرضٍ طُوِّقه يوم القيامة في جهنَّم " ..

     فهؤلاء الذين يصلون ويصومون ، ويعيشون على أموال الناس اغتصاباً واحتيالاً ، وكسباً ونَهِبَاً ، وإحراجاً وإخجالاً هؤلاء سوف يحاسبون.. "  أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة " ..

     المال الحلال فيه بركةٌ وخيرٌ كثير ، والمال الحرام يَذهب ويُذْهِبُ أهله معه ..

    أيها الإخوة ... هذه آيةٌ دقيقةٌ جداً ، أريد أن ألخِّص الكلام : أن هذا المال الذي هو مال أخيك هو مالُك من زاوية وجوب الحفاظ عليه وكأنه مالك ، وأن هذا المال الذي هو مالك هو مال المسلمين من زاوية أن تنفقه في مصالح المسلمين ، في مصالحهم ، في مشروعاتٍ تعود عليهم بالنفع ؛ بيوت سكن ، مشروعات زراعية ، مشروعات تجارية ، مشروعات ترفع مستوى معيشتهم ، مشروعات تسهِّل لهم الحياة ، أما أن تنفقه في شيءٍ محرَّم ، فهذا ممنوع .

      الآن : قد تكسب امرأةٌ مالاً عن طريق إفساد أخلاق الشباب ، ترقص في ملهى ، هي أكلت أموال الناس بالباطل لأن هذا عمل خلاف منهج الله عزَّ وجل ، هناك ألف طريقة وطريقة لكسب أموال الناس بالباطل ، والشرع هو الشرع ، الحسن ما حسَّنه الشرع ، والقبيح ما قبَّحه الشرع ، ويجب على الإنسان أن يعد للمليون قبل أن يأكل أموال الناس بالباطل ، قبل أن يأخذ شيئاً ليس له .

       أيها الإخوة الكرام ... آيةٌ يجب أن تكون شعاراً لكل مسلم ، أنت في بحبوحةٍ مع الله حينما يكون دخلُك وإنفاقك حلالاً ، أما إذا كان هناك شبهات فأنت في ضائقة وقلق لا تدري ما هذا السبب ، ما مبعث هذا الضيق ؟ الضيق هو الشعور أن هناك خروج عن منهج الله .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi