English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :67/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات "196 ـ 203 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

         أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس السابع والستين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية السادسة والتسعين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

         أيها الإخوة المؤمنون ... بعد الحديث عن الصيام ، جاء الحديث عن الحج ، وهذا يؤكِّد أن في القرآن الكريم تناسُقاً بين الآيات ، بل إن كل سورةٍ تعدُّ وحدةً معنويةً فيما بين آياتها ، فبعد الحديث عن آيات الصيام ، ومن لوازم الصيام الدعاء .. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي

 ( سورة البقرة : من آية "186 " )

         جاء الحديث عن آيات الحج ، أولاً : يستنبط أن الحج من العبادات الكبرى في الإسلام ، لذلك إذا بدأت هذه العبارة لك ينبغ لك أن تتمها ، مما يدل على أن هذه العبادة كُبرى في الإسلام ، لقوله تعالى :

        وحينما ذكر الله الحجَّ وذكر العمرة ، العطف كما يقول علماء اللغة يقتضي شيئين ، يقتضى المشاركة والمغايرة ، فإذا لم يتحقق الشرطان معاً فالعطف ليس له معني ، فأنت حينما تقول : جاء سعيدٌ وأحمد ، اشتركا في المجيء ، ولكن سعيدًا غير أحمد ، أما إذا قلت : جاء سعيد وسعيد ، سعيد الثاني نفس الأول ، فليس لهذا العطف معنى .

        إذاً الحج شيء ، والعمرة شيءٍ آخر ، كلاهما يؤدّى في بيت الله الحرام ، لكن الحج في وقتٍ مخصوص ، وفي مكانٍ مخصوص ، وفيه وقوفٌ بعرفة ، بينما العمرة تؤدَّى في أي يومٍ من أيام العام ، وليس فيها وقوف في عرفات ، إذاً ربنا عزَّ وجل يقول :

أما في قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا

 ( سورة آل عمران : من آية " 97 " )

       الحج في هذه الآية فرضٌ على كل مسلم مستطيع ، والاستطاعة : القدرة البدنية والمالية معاً . إذاً أصبح الحج فرضاً عَيْنِيَّاً على المستطيع ، والعمرة واجبٌ على كل مسلم ، ففرقٌ بين العمرة والحج ، العمرة زيارة، الحج يؤدَّى في وقت واحد ، وفي مكانٍ واحد ، وفيه وقوفٌ بعرفة، وسمَّاه الله " يوم الحج الأكبر " ، إذاُ العمرة حج أصغر ، فحينما وصف الله الوقوف بعرفة بيوم الحج الأكبر ، إذاً هناك حجٌ أصغر ، إنها العمرة ، وعلى كلٍ يجب أن تؤدّي الحج فريضة ، وأن تؤدي العمرة واجبًا ، وإذا بدأت بالحج ، وإذا بدأت بالعمرة يجب أن تتمهما ، لعظم هاتين العبادتين.

       وبالمناسبة فالعمرة والحج عبادة شعائرية ، وذكرت في الخُطبة اليوم أن : هناك عبادات تعاملية ، وهناك عبادات شعائرية ، والفرق بينهما ، أنك تقطف ثمار العبادات التعاملية في الدنيا فثمارها ملموسة ، المنهج الإلهي لو طبقه كافر لقطف ثماره في الدنيا ، وحينما تذهب إلى بلادٍ بعيدة ترى شيئاً يجذب النظر ؛ فهناك من يصدُق ، والأكثرون يصدقون ، أعمال متقنة ، ونظام دقيق ، إذ تحترم حرية الإنسان ووقته ، فهذا منهج إسلامي ،  وأي مجتمعٍ طبق المنهج  الإسلامي التعامُلِيّ ، قطف ثماره في الدنيا ولو كان كافراً به ، أي بمرسله .

        إذاً هناك منهج تعاملي ، وهناك منهج شعائري ، فالمنهج التعاملي؛ أن تكون ، صادقاً ، وأميناً ، ومنصفاً ، ووقافاً عند كتاب الله ، وألا تؤذي جارك ، وألا تغتاب مؤمناً ، وألا تقع في فاحشةٍ ، وهذا منهج تعاملى ، فإن صَحَّ المنهج التعاملي ، صح المنهج التَعَبُّدِيّ الشعائري ، فيجب أن نفقه هذه الحقيقة ، إذ لا معنى إطلاقاً لمنهج شعائري دون منهج تعبدي ، وهناك إنسان يأكل الحرام ، ويكذب على الناس ، ويسخرهم لمصلحته ، ويغشّهم في بضاعتهم ، ولا يقيم قيمة لوعده، ولا لعهده ، إنه إنسان خرق المنهج التعامُلي ، فهذا لو وقف ليصلي ، فالطرق ليست سالكة أمامه ، والخط ليس حاراً ، إنه منقطع بينه وبين الله ، إذاً لا تصح العبادة الشعائرية إلا إذا صحت العبادة التعاملية ، فلذلك الحج عبادة شعائرية ، يقول الله تعالى :

أيْ القَصْدُ : طلب مرضاة الله ، القصد الإخلاص لله ، فإن لم يكن هناك إخلاص فهذه العبادة لا معنى لها إطلاقاً ، فإذا صدق أحدهم لينتزع إعجاب الناس ، وليحقق مصالحه بالصدق ، كما يفعل الأجانب ؛ صدقهم ، وأمانتهم ، وإتقانهم ، واحترامهم للآخرين ، هذه مصلحة ، مصلحتهم في أن يفعلوا هذا .

       إذاً هذه عبادة تعاملية ، تقطف ثمارها في الدنيا ، ولو كنت كافراً بمن أرسلها ، أما العبادة الشعائرية ليس لها أي مصلحة في الدنيا ، الذهاب للحج إنفاق أموال ، وتحمُّل مشاق ، ومكابدة الحر والقَرّ ، ومكابدة الازدحام ، وتضييع الوقت ، والحرمان من الأهل ، والبيت ، والعمل ، والأقارب .

       فإن لم يكن الإنسان الذي يحج بيت الله الحرام مستقيماً على أمر الله ، إن لم يكن دخله حلالاً ، إن لم يكن تائباً ما معنى هذا الحج ؟ لا معنى له ، لذلك من حج بمالٍ حرام ، ووضع رجله في الرِكاب وقال : لبيك اللهم لبيك . يناديه منادٍ ويقول له : لا لبيك ، ولا سعديك ، وحجك مردودٌ عليك .

      من لوازم قَبول الحج أن يكون بمالٍ حلال ، وتسعة أعشار الاستقامة في كسب المال ، فمن كان ماله حلالاً كان حَجُّه مقبولاً ، لا يُقبل حج الحاج قبل أن يؤدي ما عليه من حقوقٍ للناس ، وقبل أن يستسمح من الناس ، و أن يعطيهم حقوقَهم ، وأن يؤدي ما عليه من ديون ، وواجبات .

       إذاً هذا هو الفصل الدقيق بين العبادة التعاملية والشعائرية ، فالعبادة التعاملية إن لم تصح لا تصح معها العبادة الشعائرية ، فالحج يحتاج إلى استقامة ، وإلى توبة ، وإلى أداء حقوق حتى يصبح الحج مقبولاً عند الله عز وجل .

         قد يقول قائل : الحج شحنة العمر ، بينما الصيام شحنة العام ، وبينما خطبة الجمعة شحنة الأسبوع ، وبينما الصلوات الخمس ؛ كل صلاةٍ شحنةٌ إلى صلاة ، فأنت بحاجة إلى غذاء لجسمك، وإلى غذاء لقلبك ، فأغذية القلب هي العبادات ، فبالصلاة تُشحَن ، وبصلاة الجمعة تُشحَن ، وبصيام رمضان تشحن ، وبالحج تشحن ، لكن الحج أكبر عبادة وهو يؤدَّى في العمر مرةً واحدة، وما دام يؤدَّى في العمر مرةً واحدة إذاً ينبغي أن يكون في المستوى المطلوب .

         الحج يحتاج إلى تفرُّغ ، فأنت تصلي في بلدك ، وتصوم في بلدك ، وبيتك ، وغرفتك ، ومكان إقامتك ، وحيث تكون زوجتك وأولادك ، وحيث يكون عملك ، ولكن الحج هذا العبادة الشعائرية ينفرد بخصيصة ؛ لا بد من التفرُّغ ، ولا بد من أن تدع بيتك ، وأن تدع زوجتك ، وأولادك ، وبناتك ، ومكتبك ، وتجارتك ، وبلدتك وأن تذهب إلى مكان بعيد متجشماً مشاقَّ السفر، ونفقاته ، والحج عبادة مالية وبدنية وشعائرية ، فهو مالية إذ يحتاج إلى نفقة ، بدنية يحتاج إلى صحة قوية ، وأنا أتمنّى على كل إنسان أن يحج في أقرب وقت ممكن لأنه بحاجةٍ ماسةٍ إلى جُهد، فالطواف والسعي ، والوقوف في عرفات ، ومزدلفة ، ومنى ، هذا الحج عبادة بدنية مالية شعائرية، يحتاج إلى تفرغ ، وأنت حينما تفرِّغ نفسك لله ، فهناك شيء مع الحج اسمه "التفريغ " ، فأنت فرغت نفسك لله ؛ وتركت بلدك ، وأهلك ، ومالك ، ومكتبك ، وتركت الثياب ،إذ لابد من أن تخلع هذه الثياب ، والناس يتفاوتون في ثيابهم ، والثياب تدلُّ على غنى الإنسان ، فقد يلبس الإنسان ثياباً غاليةً جداً ، فهذا الذي يمكن أن يكون موضع فخرك يجب أن تنزعه ، وأن ترتدي ثوبين ، رداءً وإزارًا أبيضين ، بلا شيء مخيط ولا محيط ، وبلا نعل ساتر للكعبين ، فلا بد من خُفٍ لا يستر ظاهر القدم ولا الكعبين ، ولا بد من إزارٍ ورداء ، وهذه هي الثياب ، إذاً هناك تقشف حتى في الثياب ، ويمنع عليك أن تتعطر ، وأن تحلق ، وأن تقلم أظافرك ، إذاً يريد الله عز وجل أن يذكِّرنا بالرحلة الأخيرة ، إن صح التعبير الحج رحلةٌ قبل الأخيرة ، عندما يقوم الناس جميعاً لرب العالمين .

        وهناك ترى الناس في عرفات ؛ أغنياؤهم ، وفقراؤهم ، أقوياؤهم، وضعفاؤهم ، وقد وقفوا على صعيدٍ واحد بثيابٍ موحدة ، بتضرعٍ واحدٍ إلى الله عز وجل ، وحدة الإنسان مع أخيه الإنسان تبدو واضحة في الحج ، فلو جاء مَلكٌ ليحج بيت الله الحرام لابد أن يخلع ثياب المُلْك ، ولابد من أن يقوم بمناسك الحج مع دَهْمَاء الناس ، إذ لا يوجد أماكن خاصة لأصحاب الألقاب ، ولا طواف خاص للملوك ، ولا سعي خاص لأصحاب الشأن ، فوحدة المسلمين تبدو واضحة جداً في مناسك الحج .

       إذاً الحج عبادةٌ ماليةٌ شعائرية بدنية ، تحتاج إلى تفرُّغ ، وإلى ترك البلد ، والأوطان ، والأهل ، والخُلاَّن ، ثم تحتاج إلى أداء مناسك ، وكل مَنْسَك له حكمةٌ بالغةٌ لا يعرفها إلا من ذاقها، يقول الله عز وجل :

طبعاً كل أمرٍ يقتضي الوجوب ،ولكن هناك آية أخرى جعلت الوجوب فرضاً وهي قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ

( سورة آل عمران : من آية " 97 " )

       " مَنْ كَفَرَ " قال : من لم يحج البيت وهو مستطيع ، أو من أنكر حج البيت ، أو من استغنى عن أن يحج لله في بيته الحرام ، فقد وقع في نوعٍ من الكفر .

وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ( 97 )

 ( سورة آل عمران : من آية " 97 " )

       قال :

ما دام الأمر " وأتموا " .

فالإحصار نوعان ، إحصار قدري ، وإحصار بشري ، فأحياناً ـ لا سمح الله ، ولا قدر ـ يقع ابن أحد الناس من شرفةٍ فيقع ميتاً ، هذا قدر ، أما إذا ساق الإنسان مركبته بشكلٍ أرعن ودهس طفلاً ، فهذَا مُقَدَّر ، القدر من الله مباشرةً ، والشيء المُقَدَّر قد يأتي على يد إنسان ، أنت في القدر ليس لك غريم ؛ هو فعل الله مباشرةً ، أما بالمقدر ، فأمامك غريم ، إذ أمامك إنسان يمكن أن تقاضيه ، ولذلك قال تعالى : وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ( 17 )

( سورة لقمان)

وقال أيضاً : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ( 43 )

( سورة الشورى )

       قد يأتيك المُقَدَّر على يد إنسان ، فأنت حينما تصبر على قضاء الله ، وتصبر على غريمك الذي جعل الله هذه المصيبة على يديه ، فإن هذا من عزم الأمور ، فقد يمنع الحُجاج مانعٌ إلهي ؛ كزلزال ، أو فيضان ، أو أمر قاهر ، أو طاعون ، أو مرض شديد ، هذا مُقَدَّر ، أمر إلهي .

من قِبَلِ القدر ، أو قد يكون إحصاركم من قبل البشر ، أي منعكم أُناسٌ منعوكم من الحج ؛ كما منع النبي عليه الصلاة والسلام من أن يؤدّي العمرة في وقت الحُديبية ، فهناك إحصار قدر ، وهناك إحصار بشر إذا منعت أن تتم مناسك الحج ، يقول الله عز وجل :

إذا مُنِعْتَ إما من قبل القَدر أو من قبل البشر أن تؤدي مناسك الحج قال :

" الهَدْي " الدابة التي تذبحها ، وتطعمها الفقراء ، وتهديها إلى الله عز وجل ، هديةٌ إلى الله ، فإذا أحصرت بفعل القَدر أو البشر ، فعليك أن تقدِّم هدياً إلى الله عز وجل ، وتفك إحرامك ، وتعود إلى بيتك .

قال :

أي أن مال الهدي مُيَسَّر لك ، أو ميسَر لك شراؤه ، قد تجد المال ولا تجد المُثَمَّن ، وقد تجد المثمن ولا تجد الثمن ، فالتيسير هنا أن تجد الثمن والمُثمن ، وأحياناً واحد معه مال ، وهو بحاجة إلى دواء ولكن الدواء غير موجود ، الثمن موجود أما المثمن فغير موجود ، وأحياناً يكون الإنسان فقيرًا فالدواء موجود ، ولكن لا يملك ثمنه ، معنى :

 

أي ما تيسَّر لكم من الهَدْيّ امتلاكاً لثمنه أو توفراً لعينه .

طبعاً كلكم يعلم أن من مناسك التحلُّل الحلق ، قال :

أيْ يجب أن تتأكد أن هذا الهَدْيّ وصل إلى بطونٍ جائعة ، فما الذي كان يحصل قبل سنوات عديدة ؟ هناك مليونَا حاج ، تقريباً ، وما يقرب من خسمئة ألف دابَّة تذبح في منى ، وتلقى في العراء في حرٍ لا يحتمل، وقد حدَّثني صديقٌ لي ، قال لي : تبقى روائح اللحم المتفسِّخ في منى أشهرًا طويلة. فهل يعقل أن يكون هذا منهج الله ؛ أي أن نذبح هذه الأنعام ، ونلقيها في العراء ، ليصبح الجو فاسداً بتفسُّخها ، وهل هذا هو الدين ؟ الآن والحمد لله هذه الذبائح تذبح ، وتوضع في البرَّادات ، وتنقل هديةً إلى فقراء المسلمين ، وهذا أمر معقول، الآن هنا :

فهذه الشاة إن العبادات هادفة تذبح كي يأكلها الفقراء ، أما أن تذبحها ، وأن تلقيها في الطريق ، ليس هذا نُسْكَاً ، ولا منهجاً إلهياً بل هو إتلافٌ للمال .

أيْ هذا الذي لا يستطيع ، أن يحلق رأسه وهو محرم ، ماذا عليه أن يفعل ؟ يجب أن يصوم ، أو أن يتصدق ويطعم ستة مساكين، أو أن يذبح هدياً . والتسلسل تصاعدي ؛ تصوم وحدك ، أو تطعم ستة أشخاص بالصدقة ، أما بالهدي تطعم عشرات الأشخاص .

       أيها الإخوة ... صار معنى قول الله عز وجل :

وإن حال بينك وبين إتمامها قدرٌ أو بشر ، فلابد من أن تسوق الهدي ، وأن تُبَلِّغَهُ إلى أهله ، أي أن يصل إلى بطونٍ جائعة ، فهذا هو الشرع ، وهذا هو الدين فأنت تتقرب إلى الله بإطعام الجائعين، لا بإفساد الجو .

طبعاً اختلف العلماء في أيهما أفضل أن تحج مفرداً وأن تأتي بعمرةٍ في سفرةٍ أخرى ، أي أن تجعل لكل منسكٍ ، من الحج والعمرة سفراً خاصاً ، أو أن تجمع العمرة إلى الحج ؟ إذ هناك كما تعلمون بالفقه ، لدينا حج مفرد ، وحج قارن ، وحج متمتع .

       فالمفرد لا هدي عليه ، أما المتمتع فعليه هدي ، والقارن عليه هدي ، وهو الذي يحرم بعمرةٍ ، ويبقى محرماً إلى الحج فيتابع حجه ، أيْ يجمع بين العمرة والحج بإحرامٍ واحد ونُسُكٍ واحد ، وهذا يحتاج إلى جهد كبير، فقد تأتي قبل عشرة أيام ، ويجب أن تبقى محرماً فيها .

       أما المُتَمَعِّ فهو الذي يحرم بعمرة فيؤديها ويتحلل ، ويبقى متحللاً إلى اليوم الثامن من ذي الحجة ، وبعدها يحرم بحجٍ ويتابع حجه ، فماذا فعل ؟ اعتمر ، وتحلل ، وحج ، فهذا متمتع ، وعليه هدي أيضاً ، لكن العلماء قالوا : هدي المتمع هدي جَبر ، أما هدي القارن فهدي شكر ، لأن الله أمدَّه بقوة ، وجعل بدنه صحيحًا ، وتمكن أن يعتمر ويحج بشكل مستمر .

       فهناك حجٌ مفرد ، أن تحج فقط ، وهناك حجٌ قارن أن تجمع بين العمرة والحج معاً ، وهناك حجٌ متمتع ؛ أن تحرم بعمرة ، وأن تتحلل منها ، وفي اليوم الثامن من ذي الحجة تحرم بحج ، فعلى المتمتع هديٌ وعلى القارن هديٌ ، لكن هدي القارن هدي شكرٍ ، بينما هدي المتمتع هَدْيُ جبرٍ لنقصٍ حصل في حجِّه ، ولك أن تحج مفرداً من دون عمرة فلا هدي عليك ، وهناك من يحج مفرداً ، وبعد أن ينتهي من الحج ، وفي خامس أيام العيد يأتي بعمرة منفصلة عن الحج ، هذه هي الخيارات التي أمامنا في موضوع الحج والعمرة .

لو أحرم إنسان بعمرةٍ ، وأداها ، وتحلل منها ، وبقي إلى اليوم الثامن من ذي الحجة متحللاً ، وفي اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بحج ، فهذا متمتع ، وعليه هدي ، ولكنه فقير ، قال :

هناك في الإسلام في بدائل دائماً ، والإسلام لكل الناس ، هو تشريع لكل الناس ، إنسان حاج فقير ولا يوجد معه ثمن هدي ، نقول له : صم ثلاثة أيامٍ في الحج ، وسبعةٍ إذا رجعت ..

هذا اسمه الإنسان الآفاقي ، الذي بلده خارج المواقيت ، أما إذا كان من ضمن البيت الحرام ، أي من ضمن حرم مكة لا عمرة عليه ، فهناك خريطة للمواقيت ، وهناك خريطة للحرم ، وعندنا بيت الله الحرام، المسجد الحرام شيء ، وحوله منطقة هي الحَرم ، وهناك التنعيم بالجنوب ، الجعرانة في اتجاه آخر ، فهناك منطقة تحيط بالحرم ، إنها منطقة الحرم ، وهي في حكم الحرم ، وعندنا مواقيت للحج ، وعندنا خارج مواقيت ، من كان سكنه ضمن الحرم فلا عمرة عليه ، لماذا ؟ لأنه في الأعم الأغلب يطوف دائماً ، فبيت الله الحرام تحيته الطواف ، فأنت إن دخلت إلى مسجد تؤدي ركعتين تحية المسجد ، أما إن دخلت إلى بيت الله الحرام تحية هذا المسجد الطواف ، فإذاً الإنسان المكي الذي يعيش ضمن حرم مكة هذا لا عمرة عليه ، فهذا الحكم عنده مُعَطَّل ..

ويمكن أن نلخص هذه الآية الدقيقة : أن الحج عبادةٌ كبرى في الإسلام، وهي فريضة ، فرضٌ عينيٌ على المستطيع بدنياً ومالياً ، معنى الفرض العيني أي لابد من أن يؤدَّى .

        لذلك من يقول : أنا أريد أن أزوج ابني؟ أقول له : أن تحج حج نفل وابنك بحاجة إلى زواج ، أما الحج الفريضة فلا يقدَّم عليه شيء ، وفرقٌ كبير بين حج الفريضة وحج النَفل ، وهناك من يحج عشرات المرَّات ، وأهله في أمسِّ الحاجة إلى المال ، وبإمكان ولي أمر المسلمين أن يمنع نافلةً أدت إلى ترك واجب .

       والحج والعمرة ما دام هناك عطف فهما يشتركان ويختلفان ، يشتركان في أنهما يؤديان في بيت الله الحرام ، ويختلفان في أن للحج وقتًا مخصوصًا ، ومكانًا مخصوصًا ، وأفعال مخصوصة، بينما العمرة تؤدى  في أي وقت بأفعالٍ مخصوصة ، وليس فيها وقوف في عرفة .

إذا تيسر لك ثمنه أو المثمن .

أيْ يجب أن يصل الهدي إلى بطون الجياع .

      

شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة .

فالحديث عن النساء ممنوع في الحج ، ومقدِّمات الجماع ممنوعة ، وأي حديث يثير الشهوة فهذا ضمن الرفث .

ولا معصية أيضاً ..

حتى  المجادلة والمشاحنة فهي ممنوعة في الحج ، إنك أَتَيْتَ إلى بيت الله الحرام من مكانٍ بعيد ، لا من أجل أن تحرق أعصابك بالمُشاحنات والجَدَل .

 

أيْ يجب أن تفعل الخير في الحج ، فأنت تؤدي أرقى أنواع العبادات، فهذا الحاج الذي يضرب إخوانه من أجل أن يُقَبِّل الحجر ، وهذا الذي لا يعمل هناك عملاً صالحاً ، لا يفقه حقيقة الحج .

فأنت بالحج في أرقى عبادة ، يجب أن تؤدي أرقى معاملة ، أن تكون في أعلى درجات الصبر ، والتسامح ، والعطاء ، والإكرام .

ولا يجوز لإنسان أن يذهب إلى الحج ، متكففاً عطاء الناس فلا بد من أن تكون مستطيعاً ، بل إن بعض الأحكام الشرعية تعتبر أنّ الإنسان لا يُعَدّ مستطيعًا إذا كان لا يملك أجرةً نومٍ في مكة والمدينة ليس مستطيعاً ، أما أن يذهب إلى بيت الله الحرام وينام في الطرقات ، وزوجته إلى جانبه وقد تتكشف في الليل !! فليس هذا هو الحج ، إنْ لم تملك أجرة سكنٍ في مكة والمدينة لا تعد مستطيعاً ، الحج عبادة مالية فرضها الله على المستطيع ، فإن كنت غير مستطيع فلا تقترض من أجل أن تحج ، إذ ليس عليك حج ، لا تتسول ، وأنت في الحج ، لا تكن عبئاً على أحدٍ ، وأنت في الحج ، أما أن تملك مالاً كافياً كي تذهب ، وتعود ، وأن تقيم في بيت في مكة وفي المدينة ، وإلا فلا حج عليك .

للحج ، ولكن :

أحد  الناس يحج على باب الله كما يدَّعي ، هذا ليس فقيهاً ولا يوجد معه مال، وعينه على ما يأكل الناس ، يحشر نفسه معهم ، ويكون عبئاً عليهم ، فليس هذا هو الحج ، بل ينبغي لك أن تحج وأنت عزيز ، ينبغي أن تحج ومعك نفقة هذا الحج ، لأنها عبادة مالية تجب على المستطيع فقط .

أيْ إذا كان للإنسان فرضا عملاً أثناء الحج ليس له علاقة بالحج ، هذا لا يلغي الحج ، كمن ذهب إلى الحج ، وبعد الحج قام بعمل تجاري ، هذا لا يمنع الحج .

       المشعر الحرام : مكانٌ ينبغي أن نذكر الله فيه .

معنى ذلك أن الإنسان حقق هدف كبير جداً من الحج .

كان لشُرَفاء مكة قبل الإسلام لهم مكان إفاضة خاص ، وقد ألغي هذا في الحَج من خلال هذه الآية:

الحج عبودية لله عز وجل في أعلى درجاتها ، فإذا ذهب الإنسان إلى هناك ونفسه أنه يحتل مكانة اجتماعية معينة ، إذ له رتبة خاصة، فهذا مما يفسد الحج ، ويجب أن تذهب إلى هناك وقد خلعت مع ثيابك كل الأقنعة المزيَّفة ، وكل مراتب الدنيا .

فالنقطة الدقيقة في الصيام والحج هي : أنّ بعد انتهاء رمضان يجب عليك أن تستمر فيما أنت عليه في رمضان ، وبعد انقضاء الحج يجب عليك أن تستمر فيما أنت عليه في الحج ، من كثرة ذكر الله عز وجل ، والله عز وجل اصطفى رمضان من بين أشهر العام ، لينسحب ما يحصل للصائم في رمضان ، على كل أشهر العام ، وحينما اصطفى مكان كبيت الله الحرام ؛ حيث فيه الصفاء ، والإقبال ، والدعاء ، والعبادة ، لينسحب هذا الصفاء ، والإقبال ، والدعاء ، والعبادة على كل الأماكن ، وحينما اصطفى سيد الخلق ليكون مثلاً أعلى ينبغي أن ينسحب هذا المثل على كل الخلق، اصطفى الله مكانًا ، وزمانًا ، وشخصًا .

       فقد اصطفى رمضان ، لتكون كل أشهر العام كرمضان ، واصطفى بيت الله الحرام ، ليكون كل مكانٍ كبيت الله الحرام ، واصطفى محمداً سيد الأنام ، ليكون كل البشر على شاكلة محمدٍ عليه الصلاة والسلام .

ويتضِّح من خلال هذه الآية أن للأب مكانةً كبيرة ، بل إن الله جل جلاله ينتظر من العِباد أن يذكروه كما يذكرون آباءهم ، كلما قويّ إيمان الإنسان فالأب معزز مكرم في المجتمع ، وإذا ما ضعف إيمانه فالأب لا يعزز ولا يكرم .

وهذا موجود في معظم بلاد العالم ، دنياهم في أعلى مستوى ، وما لهم في الآخرة من خلاق .

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ( 44 )

( سورة الأنعام )

من الممكن أن تحصِّل الدنيا بذكاء ، لكن الآخرة لا تحصل إلا بعبادة ، منهج الله كما قلت قبل قليل هو منهج موضوعي ، إذ لو طبقه كافر لقطف ثماره ، فأنت إن أردت الدنيا فقد تعرف أبوابها ومداخلها ومخارجها، ولكنك إن أردت الآخرة فلابد من أن تعبد الله العبادة الصحيحة .

أيها الإخوة الكرام ... آيات الحج هذه مهما قرأناها ، ومهما تأمَّلنا في معانيها ، ومهما وقفنا عند تفاصيلها ودقائقها ، تبقى معلوماتٍ نظريّة ولابد من أن تحج بيت الله الحرام ، واسألوا الله من أن يمكنكم من حج بيت الله الحرام ، لأن الحقيقة أن هذه العبادة كبيرة ، وأنها مديدة وأنها متنوعة ، وأنها مالية ، وشعائرية ، ومناسك ، فإذا أدِّيَت كما أراد الله عز وجل عشت في سعادةٍ لا توصف وكانت شحنةً كبيرةً جداً .

       والله أيها الإخوة ... تستمع إلى بعض الحجاج بعد أن يعودوا من بيت الله الحرام فتصعق ، يحدثك عن كل شيء إلا الحج ، يحدثك عن كل شيء أين سكن ؟ ماذا أكل ؟ والتكييف ؟ والماء البارد ، والطرقات ، والأقواس ، وبيت الله الحرام ، والإضاءة ، وتكبير الصوت ، يحدثك عن كل شيء ، لكن بماذا شعرت وأنت تطوف ؟ ماذا فعلت وأنت بين الصفا والمروة ماذا فعلت ؟ ماذا دعوت وأنت في عرفات ؟ معظم الناس إن جهلوا حقيقة الحج يحدثونك عن كل شيءٍ إلا الحج .

        وهناك بعضٌ من هؤلاء يحدّثك عمّا شعر وهو في هذه المناسك ، تشتهي أن تذهب إلى الحج فوراً ، وتشتهي أن تحج كل عام ، وتشعر أن الله قد استضافك ، وأنت ضيف الرحمن ، وأكرمك إكراماً لا حدود له ، فهل من المعقول أن تترك بيتك ، وولدك ، وزوجك ، ومالك ، ومتجرك ، ومحلك ، ومكانتك ، ووظيفتك ، ورتبتك ، ولباسك ومركبتك ، وأن تذهب إلى بيت الله الحرام ‍! يتابع الكلام دون انقطاع .

        تكون إنسانًا عاديًا جداً لا أحد يعرفك ، وتؤدي مناسك الحج في وقتٍ حارٍ جداً ، تنفق نفقة باهظة ، الأسعار غالية جداً هناك ، هكذا دون أن تكافأ !! قال : من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له . فهل من المعقول أن تأتي من بلادٍ بعيدة ، قد تأتي من الصين ، وقد تأتي من أمريكا ، وقد تأتي من استراليا ، تركب الطائرة عشرين ، أو ثلاثين ساعة، تدفع مئتين أو ثلاثمئة ألف ليرة ، وأن تقف في عرفات هكذا ؟!

       والله سمعت من يتحدَّث عن الدنيا في عرفات ، فهل من المعقول أنّ إلهًا عظيمًا قال لك : تعالَ إليّ يا عبدي . قلت : لبيك اللهم لبيك ، وتأتي إلى عرفات وتنشغل بحديث دنيوي ، أو تنام ، يقول لك : أنا أخذت معي فرشة للنوم ، أهذا هو الحج الذي أمرنا الله به ؟ فهل من الممكن أن تدخل على ملك وتدير له ظهرك ؟ أممكن أن تدخل على ملك في مقابلة تجد مقعدًا مريحًا فتنام ، وتغط في النوم ! ما هذا اللقاء ؟ الحج لقاء مع الله عز وجل ، الحج عرفة ، فتجد في الحج أشياء لا يقبلها الدِّين ولا العقل ، أيُمكن أن تؤذي المسلين من أجل أن تُقَبِّل الحجر ؟! تدفع هذا بيدك ، وتدفع الآخر بقدمك من أجل أن تقَبِّل الحجر وأن تؤذي جميع المسلمين ، هناك جهلٌ كبير في الحج.

       أيها الإخوة :

هذه أيام ما بعد الوقوف في عرفة ، والنزول إلى مزدلفة ، ورمي جمرة العقبة ، هناك أيام ثلاثة أو يومان ترمي فيها الجمرات الثلاث وتؤدَّى بعض المناسك .

فينبغي لك أن تبيت بمنى ، وأن ترجم الجمرات الثلاث ؛ الكبرى والصغرى والوسطى .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi