English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :68/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيتان  "204 ـ 205 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

         أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثامن والستين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الرابعة بعد المئَتين ، وهي قوله تعالى :

        هناك حقيقةٌ أيها الإخوة هي أن لحكمةٍ الله ، ولكرمٍ كثير جعل للإنسان ظاهرًا وباطنًا ، فباطنه محجوبٌ عن الناس ، الناس لهم الظاهر ، ولولا ذلك لو تكاشفتم لما تدافنتم ، لك ظاهر ، والناس لهم الظاهر ، ولك باطن ، لو أن كل واحدٍ منا كشف باطن أخيه ، وكان في باطن أخيه غِل أو حقد أو حسد ، لتدابر الناس ، ولكن جلَّت حِكمة الله إذ جعل الباطن محجوبًا .

       النقطة الدقيقة أنه بإمكان الإنسان أن يتكلم كلامًا طيبًا ، ويعمل عملاً طيبًا ، وينتزع إعجاب الناس ، وهو ألدّ الخصام ، وهو عدوٌ لدود، ربنا عز وجل حجب باطنه عن الناس ، ولكن إذا كان باطن الإنسان سيّئ ، وأصر عليه ، واستمر ، يتولى الله في عليائه فَضْحَهُ .

مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ

( سورة آل عمران : من آية " 179 " )

       فالحقيقة أن للإنسان باطنًا لا يعرفه إلا هو ، ويعرفه ربُّه ، وله ظاهر يعرفه به الناس ، وقد ورد في بعض الأقوال : أن الإنسان قد يستطيع أن يضلل بعض الناس كل الوقت ، أو أن يضلل كلَّ الناس بعض الوقت ، أما أن يضلل كل الناس لكل الوقت ، فهذا مستحيل ، وهذا يأباه الله عز وجل .

      فالباطن مخفي ، وهذا رحمة من الله ، حينما أُثْنِيَ على سيدنا الصديق قال : " اللهم أنت أعلم بي من نفسي ، وأنا أعلم بنفسي منهم ، اللهم حقق في ما يقولون ، واجعلني خيراً مما يقولون ، واغفر لي ما لا يعلمون " .

       كلام دقيق : "اللهم أنت أعلم بي من نفسي ، وأنا أعلم بنفسي منهم ، واجعلني خيراً مما يقولون ، بل وحقق في ما يقولون ، واغفر لي ما لا يعلمون" ، فالله عز وجل ستر الإنسان ، والله اسمه السِّتِّير ، داخلك محجوب عن الناس ، فقد يزور الإنسان شخصًا وفي باطنه حقدٌ عليه ، أو حسدٌ ، أو غلٌ وهو محجوب ، لو أن الإنسان بعد حينٍ تاب إلى الله ، وشفي صدره من هذا المرض ، فالطرف الثاني ما رأى شيئًا .

       فالله أعطانا فرصة ، إذا كان هناك في الباطن شيء سيّئ ، فيمكن أن تصحح ، وإذا كان في الباطن غل ، أو حسد ، أو تقصير ، أو عُجب ، فأنت مدعو إلى إصلاح الباطن ، ففي فترة إصلاح الباطن أنت في بحبوحة ،  لأن الإنسان لا يغفر ، ولو بلغك عن شخص أنه قال في حقك كلمة سوء ، لا تنساها له حتى المَوْت ، ولو أن الناس تكاشفوا لتدابروا ، ولتخاصموا ، ولما تدافنوا أساساً ، ولكن رحمة الله أنه حجب باطنك عن الخَلق ، وأبقاه بينك وبينه ، فأنت بالإمكان أن تستغفر ، وبالإمكان أن تُقْلع ، وبالإمكان أن تتوب ، وبالإمكان أن تصحح ، قال تعالى عن نموذج من هؤلاء :

      

أي بعض الناس ..

         فقد يكون الإنسان ذكيًا ، والذكي يمثِّل ، والتمثيل يحتاج إلى قدرات عالية جداً ، فالذكي يمثِّل ، قد يقول كلاماً يُرضيك ، لأنه يعرف اتجاهَك ، ولدى بعض الناس قدرة عجيبة على التلون ؛ فإذا جلس مع أهل الدنيا فهو في قمة أهل الدنيا ، وإذا جلس مع أهل الدين يتلبس ، ويقول : لا إله إلا الله ، الله يغفر لنا ، له كلمات رائعة مع أهل الدين ، فيها توكُّل ، وفيها إنابة ، وفيها شوق إلى الله ، وهو يحفظ عدّة أبيات من الشّعر ، وإذا جلس مع أهل دينٍ آخر قرَّب ديننا من دينهم ، فأصبح ديننا مثل دينهم تماماً ، أينما جلس يتلوَّن ، هذه قدرة عالية بالإنسان .

قوله يعجبك ، يرضيك ، يعرف الوَتَرَ الحساس ، يعزف عليه ، يتلاعب بعواطفك ، إنه ذكي ، لكن المشكلة أن هذا  لا يُمَرَّر على الله ، وعلاقتك مع الله ، هناك نقطة دقيقة : باطنك محجوب عن الخَلق رحمةٍ من الله ، والله كاشف باطنك رحمةٍ من الله أيضًا ، والمؤمن يعلم ، ولذلك ينضبط وهذا لصالحه ، فحينما توقن أن الله يعلم تنضبط ، أيّ إنسان يوقن أن الله يعلم فسينضبط ، فصار الحساب داخليًا ، المؤمن الصادق لا يجرؤ أن يحمل حقدًا أو غِلاًّ لأحد ، ولا أن ينافق .

        فرحمة الله رحمتان ، الرحمة الأولى أنه مُطَّلعٌ على بواطننا ، وهذا اطلاع على بواطننا أكبر رادع لنا ، أيْ يا عبدي لا تخفى علي خافية ، تكلَّم ما شئت فأنا أعرف الحقيقة ، أعرف ماذا تنطوي عليه.

       وهناك أمثلة كثيرة جداً ، فالطبيب عندما يفحص امرأةً ، إذا اختلس النظر إلى مكانٍ لا تشكو منه ، ليس في الأرض كلها إنسان بإمكانه أن يكشف الحقيقة إلا الله .

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19)

( سورة غافر )

       ولو أن صديقة زوجتك جاءت زائرةً ، والوقت شتاءً ، وقلت لزوجتك : تعالوا إلى هنا ، الغرفة هنا دافئة ، أنت ماذا أعلنت ؟ أعلنت حرصك أن يكونوا في غرفة دافئة ، ولكن ماذا تُبطن؟ الله وحده يعلم ماذا تبطن بهذه الكلمة ، هذا مثل طبعاً ، فلو أردت أن ترى شكل صديقة زوجتك ، ودعوتهما إلى غرفة الجلوس ، حيث المدفأة مشتعلة ، مَنْ يعرف النيَّة ؟ الله ، فباطنك مكشوفٌ عند الله ، وهذه من رحمة الله بنا ، من أجل أن ننضبط ، لذلك يعلم السر ما أخفيته على الناس ، ويعلم ما خفي عنك أنت ، أيْ أنَّ علم الله عز وجل كامل ؛ علم ظاهرك ، هو سميعٌ بصير، ويعلم باطنك ، ويعلم ما خفي عنك . وهذا معنى قول الإمام علي : " علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون " ، فأن يعلم الله باطانك فهذه من نعم الله الكبرى ، وأن يحجب عن الناس باطنك ، فهذه من نعم الله الكبرى ، فالناس يتراحمون بالظاهر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال : " إنما نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " .

 ( من تخريج أحاديث الإحياء )

       فإنسان مقيم في بلد أجنبي ، ذهب إلى مركز إسلامي مع فتاةٍ أعجبته في هذا البلد ، وعقد عليها عقداً شرعياً فيه ؛ إيجابٌ ، وقبولٌ ، ومهرٌ ، وشاهدان ، وليس في الأرض كلها من يكشف حقيقة نيته من هذا الزواج ، هو ينوي أن تبقى معه طوال مُدَّة دراسته ، فإذا أنهى دراسته طلَّقها . وعند الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى : كل زواجٍ ليس فيه نية التأبيد فهو زنا ، فأنت عقدت عقدًا في مركز إسلامي فيه إيجاب ، وفيه قبول ، وفيه شاهدان ، ومهر ، فهذا عقد شرعي مئة في المئة، أما إذا كنت تنوي أن تطلّقها بعد انقضاء مُدَّة الدراسة فهذا لا يعلمه إلا الله .

       فالله عز وجل حجب باطنك عن الخلق ، وأبقى لهم الظاهر ، وأنا أحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر ، إخلاصك لا يعرفه إلا الله ، ونياتك الطيبة لا يعرفها إلا الله ، وهناك أمثلة دقيقة جداً : يوجد عندك ألف دنم أرض بمنطقة غير منظَّمة ، وجئت ، وتبرَّعت بألف متر من هذه الأرض لبناء مسجد ، وفي نيَّتك أنه حينما تتبرع بهذه المساحة تنظَّم الأرض ، فإذا نُظّمت ارتفع سعرها أربعة أضعاف ، يقال لك : ما شاء الله ، جزاه الله خيرًا ؛ عمَّر جامعًا ، أنت لك الظاهر ، وقد ينوي هو أن يرفع ثمن أرضه فقط ، ولا علاقة له بالدين إطلاقاً ، فمَنْ يكشف هذه الحقيقة ؟ ربنا عز وجل : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ(18)

( سورة الحاقة )

       وأنت حينما تعلم أن الله يعلم كل شيء ، هذا أكبر دافع للإخلاص، وأكبر دافع لتطهير الباطن ، وأكبر دافع لسلامة النيَّة ، فالله عز وجل رحمنا حين أعلمنا أنه يعلم ، ورحمنا حين حجب باطنَنا عن الخلق ، ستراً لنا ، فباطننا مستور ، وظاهرنا مكشوف ، ولكننا مكشوفون عند الله ظاهراً وباطناً ..

أيْ بَعْضُ الناس ..

يعجبك قوله في الحياة الدنيا فقط ، أما لو قال في الآخرة كلاماً طيباً ، هو في الحقيقة إنسان طيب، لأن الله عز وجل قال : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا(51)

( سورة الكهف )

       ففي الدنيا تكلَّم ما شئت ، أما في الآخرة لن توفَّق في كلامك إلا إذا كنت مخلصاً ، لأن الله لو سمح لك أن تقنع الناس بالآخرة ، وأنت لست كذلك ، فهذا غشٌ لهم ، أما في الآخرة فلن يسمح لك أن تقول قولاً يُعجبهم ، أما في الدنيا فلك أن تقول قولاً يعجبهم ، وهذا مقيَّد ..

وهذا منتهى الفجور ، كان عند أحدهم  مخالفة ، لزمه شاهد ، فذهب إلى شاهد زور ، فطلب منه خمسة آلاف ، وقال له : إني شاهد زور ، فلم أكن موجوداً ، دخل الشاهد إلى المحكمة فرأى أن هناك قرآنا ، فقال : أريد عشرة ، لأنه يوجد يمين ، وهناك شخص مستعد أن يفعل كل شيء .

هذا النموذج شائع جداً ، يواجهك إنسان ، فيُثْني عليك ثناء ، يمدَحك مديحًا يجعلك تخجل ، وبعد أن تدير ظهرك ، يتكلم بعكس ما مدحك به ، ذو الوجهين لا يكون عند لله وجيهاً ، كن بطلاً ، وكن موحَّدًا ، وكن واضحًا .

      ـ قال له : يا أمير المؤمنين أتحبني ؟

      ـ قال : والله لا أحبك .

      ـ قال : وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي ؟

      ـ قال : لا والله .

      ـ قال : إذاً إنما يأسف على الحُبّ النساء .

         كن صريحًا ، فهذا الشيء يؤلم كثيراً ، إذ تلتقي مع إنسان يثني ثناء عاطر على كل شيء، تصدقه أنت ، تعدّه من طرفك ، فإذا به في غيبتك يطعن في كل شيء ، وهذا النموذج ممقوت عند الله عز وجل ، كن واضحًا ، فكلمة الحق لا تقرِّب أجلاً ، ولا تقطع رزقاً ، فالذي تمدحه امدحه صادق ، والذي لا تحبه لا تمدحه ، اسكت عن مدحه ، وإلا فأنت منافق ، ومن أرضى الناس جميعاً فهو منافق .

الباعة أكثرهم : بذمتي ، بديني ، بأولادي ، بصحتي ، بالكعبة ، بايعك دون رأس ماله . وهو رابح مئة بالمئة ، هذا حلف كاذب ، اليمين الكاذبة منفقةٌ للسلعة ممحقةٌ للبركة ، يمكن الزبون يخجل ، فيشتري ، لكن ممحقةٌ للبركة ، لا توجد بركة ، تأتي مخالفة يضع لها مبلغاً من المال قد تبلغ ثلاثمئة ألف ، الذي جمعته فرادى دفعته دفعةً واحدة ..

واجهك ، مدحك ، وأشهد الله على ما في قلبه ، وهذا الشيء واضح جداً ، إن جلس مع أهل الإيمان ، تجده شيخ ، بل شيخ ونصف ، ويعلمهم ، وإن جلس مع أهل الكفر يقول لك : كل هذا الدين أفيون الشعوب ، الدين حالة ضعف بشري ، حكى كلامًا آخر ، يتلوَّن ، مع كل فئة له موقف ..

عنك ..

"تولى " لها معنيان هنا ، تولى عنك أي : ترك المجلس ، تولى ؛ كان عمله سيِّئًا ، هو أشهد الله على ما في قلبه ، أنه مؤمن ، وصادق ، ومحسن ، ومستقيم ، فإذا تركك وانصرف إلى جماعةٍ آخرين ، أفسد الأرض ومن عليها ، فهذا معنى .

       والمعنى الثاني : إذا تولى شيئاً ، أو مهمةً ، أو استلم عملاً ، فإنه يريد الاختلاط ، والفسق ، والفجور ، والمال الحرام ، أنت كنت تدّعي أنّك شيخ الإسلام ، فما الذي حدث ؟

             فالفساد أيها الإخوة لا يمكن أن يكون إلا بتدَخُّل بشري ، لأن كمال الله عز وجل مُطْلَق ، وكل شيء خلقه الله عز وجل كامل إطلاقاً ، فنحن نفسد ، خلق الله الطفل الصغير مثل المَلَك ، ولو كان ابن مجوسي ، أو ابن أفسق إنسان فهو مَلَك ، فالأسرة تفسد الابن أو تصلحه ، كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ، إذاً هذا الإنسان الذي يقسم لك أنه مخلص ، ومحب لله ، ومستقيم ، وطاهر ، ويحب الله ورسوله ، وهو ألد الخصام ، فما الذي يكشفه ؟ إذا انتقل إلى حقل آخر ، إلى مكان آخر ، إلى جماعة آخرين ، هذا ورد ي في سورة البقرة أيضاً : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)

( سورة البقرة )

       إنّه ملوَّن ، " فتولى " أي انصرف ، أو استلم عملاً فجعل الفساد همَّه ..

فالفساد تدخُّل بشري ، وأصل الفساد كائن مخيَّر ، ومعه شهوة ، وترك المنهج ، ولو أمسك بالمنهج ما صار فساد ، فعلاقة إنسان بامرأة وفق المنهج زواجٌ ، وبلا منهج زنًى ، ودعارة ، وأعمال لا ترضي الله عز وجل ، علاقته بالمال ؛ وبالمنهج كسب مشروع ، إذ لا توجد مشكلة ، بلا منهج ؛ بل سرقة ، واحتيال ، وخداع ، وربا ، وما شاكل ذلك .

الحرث له معنيان ، المعنى الأول : النبات ، أيْ : أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ(63)أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ(64)

( سورة الواقعة )

       فهناك فساد حنى بالنبات ، الله عز وجل صمم الخلق أكمل تصميم ، فجاء الإنسان وأفسد ، النبات وضع للنبات هرمون نمو ، هذا يعطيه حجمًا كبيرًا ، وألوانًا زاهية ، لكنه مسرطن ، فاستخدم هرمونات للنمو ، مثلاً هناك كثير من الأشياء تزيد من ملوحة التربة ، فكل المبيدات الكيماوية مؤذية جداً ، صمم ربنا مبيدات حيوية ، فنحن استخدمنا المبيدات الكيماوية فصار هناك    فساد ، الأدوية الراقية أدوية نباتية ، نحن استخدمنا أدوية كيماوية لأجسامنا ، صار في مضاعفات، أمراض كثيرة جداً من أدوية نستعملها بشكل مثير ، الشراب الطبيعي استبدلناه بشراب كيماوي ، فأكثر أنماط السلوك أنماط مُبْتَدَعَة ، ليست في أصل التصميم ، فنشأت أمراض وبيلة ، نشأ ارتفاع نِسَب السرطان ، فهذا من باب إهلاك الحرث وإفساده .

       والمعنى الثاني : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ

( سورة البقرة : من آية " 223 " )

       فالإنبات يأتي عن طريق الأرض ، وعن طريق المرأة ، فالأرض فسدت ، والمرأة أُفْسِدَت، فصار هناك إفساد للحرث ، بالمعنى النباتي الأرضي ، وبالمعنى الإنساني أي المرأة ، والمرأة إذا فسدت حدث شيء مخيف ، وهناك قصص عن فساد المرأة ؛ ممكن أن تقيم مشكلات لا تنتهي إذا فسدت ، فشيئان إذا فسدا فسد المجتمع ، المرأة أحد هذين الشيئين ، وقد يحارب المسلمون بالمرأة، فأكبر حرب تُشَن على المسلمين إفساد أخلاقهم عن طريق ما تأتي به الفضائيّات ، فهذا إفساد ، المرأة فسدت ، فالزواج فسد ، حدثني أخ كريم قاض شرعي ، قال لي : نسب الطلاق في سوريا كانت اثنين بالألف ، الآن خمسة عشر بالمئة ، وغالب هذا الطلاق أساسه هذه المحطات الفضائية.

        إذاً :

حتى النسل ، أيْ الأولاد ، فالابن كل شيء يدعوه إلى الشهوة ، وكل شيء يدعوه إلى معرفة الله مُغَيَّب عنه ، بعيد عنه ، فالجيل فسد ، طبعاً الفساد عندنا أقل بكثير جداً من بلاد أخرى ، في أيّ مكان في العالم قد يمارس الجِنس في المدارس ، في الحمامات ، يضعون واقيًا في الحمام ، شيء طبيعي جداً ، فالفساد عَم العالم ، فالإنسان حينما تولى أفسد الأرض ، أفسد نباتها ، وأفسد المرأة ، وأفسد الولد ..

والله صمم المرأة زوجة ، وصممها ؛ أختً ، وبنتًا ، وأمًا ، ولكنه لم يصممها مومسًا ، لم يصممها مخلوقًا يبيع جسده بالمال ، ولم يصممها مُتْعةً في الطرقات ، أو سلعةً رخيصةً ، بل صممها كائناً راقياً ، وأماً قدِّيسة ، وزوجةً وفية ، وأختاً رحيماً ، وأماً رؤوماً ، ولم يصممها سكرتيرة مثلاً ، مهمتها أن تلبي حاجة مديرها ، هذه علاقة غير مشروعة ، الإنسان أفسد ، إذ جعل المرأة متعةً في أي مكان .

والجيل حينما يفسُد ، حينما تفسد أخلاقه ، ونحن والحمد لله الدعاية للتدخين ممنوعة في بلدنا ، وهذه نعمة كبيرة ، أما حينما يلقى في روع الشاب أنك تكون عظيمًا إذا دخَّنت ، وتكون بطلاً إذا دخنت !!! كان في بعض أجهزة الإعلام رجل محترف الدعاية للدخان ، مات بسرطان  الرئة ، وهو على فراش الموت قال : كنت أكذب عليكم ، الدخان قتلني ، أنت حينما تغري الشاب أن يدخن ، وأن يتلف صحَّته ، وأن يُتلف ماله ، أنت ماذا تفعل ؟ حينما تفتح ناديًا ليليًا ، أو ملهى ماذا تفعل أنت ؟ حينما تعرض الجنس في هذه النوادي الليلية ، ماذا تفعل ؟ تفسد الشباب ..

الله يحب الطُهْر ، يحب العفاف ، ولم يحرمك شيئاً ، كل شيء خلقه الله سمح لك به في قناةٍ نظيفة، في علاقةٍ شريفة وواضحة ، فهذا الفساد يرفضه الله عز وجل ، عندك شهوة ، هذه الشهوة لها قناة نظيفة ، تحرَّك من خلالها .

وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ

( سورة القصص : من آية " 50 " )

       المعنى المخالف : من يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه ، لا يوجد حرمان الإسلام ، ولكن يوجد تنظيم ، يوجد طهر ، المؤمن كيسٌ فطنٌ حذر ، فلا جهل ، ولا حمق ، يفتِّح الله له بصيرته ، يعطيه إدراكًا عميقًا ، والمؤمن يكشف المنافق ، الذي يتخذ شخصية ازدواجية والدليل :

فمعنى ذلك أنه انكشف ، المؤمن يكشف ، قال أحدهم لسيدنا علي : لمَ انصاع الناس لأبي بكر وعمر ولمْ ينصاعوا لك ؟ فهو بهذا يريد أن يستهزئ به ، قال له : " لأن أصحابهم أمثالي ، وأصحابي أمثالك " .

       فهناك مواقف ذكيّة ؛ مدح  أحدهم سيدنا عمر ، فقال له : " أنا دون ما تقول ، وأعلى مما في نفسك " .

       فقصدي أن المؤمن لا يمرر عليه شيء حيث وهبه الله الكياسة ، والمؤمن كما قال النبي : " كيسٌ فطنٌ حذر " .

( من الجامع الصغير : عن " أنس " )

       ودليل كشفه قوله تعالى :

هذا الإنسان المنافق ؛ ذو الوجهين ، المتلوِّن ، الذي يعجبك قوله في الحياة الدنيا ..

فهذا الإنسان ..

ينتصر لباطنه ، ولمعاصيه ، ولانحرافه ، ولما يفعله من موبقات ، يفلسفها فلسفة .

والإنسان إما أن يعتزّ بالله وإما أن يعتز بالإثم ، كلٌ يعتز بما يعتقد ، قال الشاعر :

اجـعل لربك كل        عـزك يستقرُّ و يثبتُ

فإذا اعتززت بمن        يموتُ فإن عزك ميِّتُ

*  *  *

       فيمكن أن تعتز بقوي ، لكن القوي سيفنى ، وسيهلك ، ممكن أن تعتز بالمال ، وبالنَسَب ، وبالوسامة ، وبشهادة عُليا تحملها ، فينبغي لك أن تعتز بالله ، صار عندنا عز بالله ، وعز بغير الله، قد تعتز أنَّك حققت دخل فلكيًا من عمل فيه معصية كبيرة ، قد ربحت من حِرْفَةٍ لا ترضي الله، ربحت ملايين مُمَلْيَنَة من عملٍ فيه شقاء للناس ، فأنت اعتززت بهذا الدخل ، واعتززت بهذا القوي ، فهذه عزةٌ ليست لله ، سبحانك إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت " .

       قد تعتز إلى حين ، إذ للباطل جولة ثم يضمحل ، هذا أخذته العزة بالإثم ، فالعبرة بالنهاية ، وبالخاتمة ، العبرة بمن يضحك أخيراً ، وينبغي أن تعتز بالله ، أن تعتز أنك عبدٌ لله ، وأنك مستقيمٌ على أمر الله .. فحسبه جهنّم : أيْ تكفيه جهنَّم ، ولبئس المهاد .

 

أيها الإخوة ... مرةً ثانية بشكل مختصر : لحكمةٍ بالغةٍ ، ولفضلٍ عميم ، ورحمةٍ عظيمة ، الله حجب الباطل عن الخلق ، فأنت مستور ، مهما فكَّرت ، مهما أتتك خواطر لا تُرضي الله ، الناس لا يعرفونها ، نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ، ومن رحمة الله بنا أنه أعلمنا أنه يعرف بواطننا، معرفة باطننا رحمةٌ بنا ، هذا أكبر ردع لنا ، ردع ، وباعث إلى الطاعة ، وتطهير الباطن ، فأنه يعلم ، رحمة ، وأنه أخفى عن الخلق الباطن رحمة أيضاً ، رحمتان ، إلا أنّه عندما يبطن الإنسان الشر ويتمادى ، فيتولّى الله كشفه ، وعندما يرقى المؤمن عند الله يعطيه بصيرة ، " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر من نور الله " .

       فعندنا باطن محجوب ، وظاهر مُعْلَن ، فرحمة الله بنا أن هذا الباطن محجوب ، ورحمة الله بنا أنه يعلم باطننا ، والله بعد حين يفضح ، والمؤمن الموفَّق يكشِف ، هناك إذًا رادعان ، الله يعلم وسيفضح ، والمؤمن بفطنته وفِراسته يكشف ، إذاً رحمةٌ من كل الأنواع تقريباً ، والفساد محصور بالإنسان ، لأنه مخيَّر أودعت فيه الشهوات ، ولم يتبع منهج الله حينما يتحرَّك ، والعزة ؛ ينبغي أن تعتز بالله ، لا أن تعتز بسواه ، من اعتز بغير الله ذَل ، فمن اعتز بماله ضَل ، ومن اعتز بالقوي اضمحل ، فينبغي أن تعتز بالله .

اجـعل لربك كل        عـزك يستقرُّ و يثبتُ

فإذا اعتززت بمن        يموتُ فإن عزك ميِّتُ

*  *  *

       وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قوله تعالى :

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi