English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :69/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآية " 207 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ موسى حلوم والسيد أحمد مالك.

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس التاسع والستين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية السابعة بعد المئتين ، وهي قوله تعالى :

(يشري) بمعنى يبيعُ ويشتري ، وسياق الآية يُحَدِّد معنى يشري بمعنى يبيع ، أيْ ومن الناس من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله ، يقول الله عزَّ وجل : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111)

( سورة التوبة )

        أيها الأخ ... خُلقت لِجَنَّةٍ عرضها السماوات والأرض ، ثمنها أن تأتي إلى الدنيا ، وتقدِّم شيئاً يرضي الله ؛ فقد تُقَدِّم مالك ، وقد تقدم وقتك ، وقد تقدم علمك ، وقد تقدم حياتك ، والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ ، وكلٍ إنسان لم يقدم شيئاً فهذا أشقى الأشقياء ، لأنه جاء إلى الدنيا ليقدِّم، فلما نسي أن يقدم خسر الآخرة ، وخسر الحياة الأبدية في جنةٍ عرضها السماوات والأرض.

      وملخَّص الملخص أنت مخلوقٌ لجنة لك فيها ما تشاء ، فيها من كل الثمرات ، فيها حورٌ عين ، وأنهارٌ من كل الأنواع ؛ من لبنٍ لم يتغير طعمه ، ومن عسلٍ مصفَّى ، ومن خمرٍ لذةٍ للشاربين ، ومن ماءٍ غير آسن ، وفيها ولدانٌ مخلَّدون ، وفيها نظرةٌ إلى وجه الله الكريم ، وفيها رضوانٌ من الله أكبر ، هذه الجنة إلى أبد الآبدين ؛ لا مرض ، ولا قلق ، ولا حزن ، ولا جوع ، ولا انتكاسة شيخوخة ، ولا شيء مُزْعِجًا ، خُلقْت لهذه الجنة .

      إلا أن هذا العطاء الكبير يحتاج إلى ثمن تدفعه في الدنيا ، الثمن أن تقرض الله قرضاً حسناً، أيْ أن تعمل عملاً صالحاً مع عباده ، الإيمان درجات ، فهناك إنسان طبَّق منهج الله وفعل بعض الصالحات وهذا ناجي ، وهناك إنسان تفلَّت من منهج الله وأساء للخلق فهذا هالك في الدنيا والآخرة ، لكن هناك طبقة أولى ؛ هؤلاء السابقون السابقون ، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله ، وقتهم كله لله ، ومالُهم كله لله ، وعلمهم كله لله ، وذكرهم كله لله ، وكل أفعالهم وأحوالهم ، وإقامتهم وسفرهم ، وعطائهم وأخذهم ، وصلتهم وقطعهم ، وغضبهم ورضاهم في سبيل الله ، هؤلاء لهم الطبقة الأولى ، فهناك سابقٌ في الخيرات ، وهناك مقتصد ، وهناك ظالمٌ لنفسه ..

فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ(88)فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ(89)وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِيــن (90)فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ(91)وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ(92)فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيـم (93)وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ(94)إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ(95)فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ(96)

( سورة الواقعة )

      هذه الحقيقة كليَّة أيها الإخوة ، حقيقة أساسية جداً في حياة الإنسان، لأنك من بني البشر فأنت مخلوقٌ لجنة الآخرة ، جئت إلى الدنيا من أجل أن تعمل لها ، أن تدفع ثمنها ، فأكبر خسارة هو أن تخسر جنة الله ، وهي ليست خسارة مقتصرة على خسران الجنة فقط ، ولكن لابدَّ من عذاب النار، "فو الذي نفس محمدٍ بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار " ، لا يوجد حالة ثالثة ، من هنا قدَّم الله الموت على الحياة .. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا

( سورة الملك : من آية " 2 " )

        أيها الإخوة ... إن صحَّت عقيدة الإنسان تحرَّك في الدنيا حركةً صحيحة ، نقلته إلى الجنة، كأنْ يذهب أحدهم إلى بلد ليأتي بالدكتوراه ، ولتكن باريس ، ولتكن مدينة لندن ، فهذه المدينة مغرية جداً ؛ فيها مسارح وملاهٍ ، ودور سينما ، وحدائق ، ومتاحف ، وأماكن طبيعية جميلة جداً ، وفيها جامعة ، فأنت حينما تأتي إلى هذا البلد من أجل أن تنال الدكتوراه ، لك هدف واحد هو نيل هذه الشهادة ، الآن كل شيء في هذا البلد يقربك من هذا الهدف ، تأخذ به ، وقفت أمام مكتبة ، فوجدت قاموسًا ، أنت بحاجةٍ إليه ، فاشتريته ، ووجدت شخصًا سبقك إلى هذا البلد قبل سنتين ولغته قوية جداً ، فتمنيت أن ترافقه كي تتعلّم من لغته ، هذه تقربك من الهدف ، هذا مثل ، الآن توجد دار لهو ، هذه تبعدك عن الهدف ، ولذلك تركتها ، فأنت أمام مليون خيار ، أي إن عرفت لماذا أنت هنا في الدنيا ؟ إن عرفت الهدف من وجودك ، أي شيء تعرضه على الهدف، فإن كان في خدمته أخذت به ، وإن كان يبعدك عن هدفك تركته ، وهذه هي فلسفة الحياة.

      الحياة الآن مغرية جداً ، فمن الممكن أن يشتري الإنسان جهازًا مستقبلاً حديثًا جداً ، فيه ثلاثمئة وخمسون محطَّة ، لا يوجد عنده ملل أبداً، إذا أراد أن يمر على عُشر هذه القنوات الفضائية في المساء ، أخذه الوقت إلى الساعة الواحدة أو الثانية ليلاً ـ مثلاُ ـ وهناك محطات ، وأخبار ، ومجلاّت ، ومَعارض ، ونُزهات ، وفنادق ، وملاعب ، ومباريات ، وسهرات حارة ، وملاعب كُرَة ، الحياة ممتلئة ، وأنت كإنسان عاقل لماذا أنت في الدنيا ؟ كما سألنا طالب في فرنسا : لماذا أنت في باريس ؟ من أجل الدكتوراه ، عندك مليون خيار ، كل خيار جزئي تعرضه على الهدف الكبير ، إن كان يخدمه آخذ به ، وإن كان يتناقض معه أدعه ، هناك خطة واضحة في ذهن المؤمن ، أنا هنا من أجل أن أصل إلى الآخرة ، إلى الجنة ..

     فلو فرضنا دخلت إلى مسجد فيه درس تفسير ، فهذا يقربني من معرفة الله عزَّ وجل ، هناك درس حديث ، ودرس سيرة ، ودرس فقه ، وجدت كتاب آيات كونية عن عظمة الله ، كذلك هذا يقرِّبني ، وجدت صديقًا لك إيمانه عالٍ ، وأخلاقه عالية جداً ، ومنضبط ، وملتزم ، مصاحبة هذا الإنسان تفيدني ، فكل شيء ، كل خيار يوضع أمامك ـ وما أكثر الخيارات الآن ـ تعرضها على هدفك الكبير ، فإن كانت في خدمته، أخذت بها ، وإن تناقضت معه ركلتها بقدمك والمؤمن ـ بالتعبير الدارج ـ في برأسه موَّال ـ وفي ذهنه هدف كبير ؛ هو أن يصل إلى الجنة ، الجنة التي تحتاج إلى علم ، واستقامة ،وعمل صالح ، وتريد صحبة ، وجماعة مؤمنة تعيش معها ، ويعطونك حماسًا ، ويقوونك ، ويرفعون معنويَّاتك ، وتأنس بهم ، تحتاج مجتمع مسلم ، تختار أصدقاء مؤمنين ، فمادام هدفك واضح تنتقي من الوسائل ما يخدم هذا الهدف ، وتركل بقدمك من الخيارات ما يتناقض مع هذا الهدف ، هذا هو العقل ..

       " وما كل ذكيٍ بعاقل " ، قد يصل الإنسان إلى أعلى درجة في الاختصاص ، وهو ذكي جداً باختصاصه ، وماهر جداً في تجارته ، وصناعته ، ولكنه ما عرف هدفه في الدنيا ، فهو ليس عند الله بعاقل ، هو ذكيٌ ، وليس بعاقل ..مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2)

( سورة القلم )

      فالإنسان الذي يعيش في بلاد إسلامية هناك هدف أمامه ، وهناك وسائل ، أما الإنسان الذي يعيش في بلاد الغرب فهو إنسان بلا هدف ، الدنيا كل همه ، ومبلغ علمه ، وشهوتُه إلهه ..أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ

( سورة الفرقان : من آية " 43 " )

      شهوته إلهه ، ومعبوده الدِرْهَم والدينار ، وأمله الدنيا ، وقد التقيت ذات مرة مع شخص أجنبي ، بعدما انتهى العمل بيننا أردت أن ألفت نظره إلى الدين ؛ فما إن ذكرت الكون ، وخالق الكون ، ومنهج الله ، حتى قال لي : هذه الموضوعات لا ألتفت إليها إطلاقاً ، ولا أعنى بها ، ولا أصغي لها ، ولا أعبأ بها ـ ذكر مجموعة مُرادفات ـ إن أشياء ثلاثة تعنيني في الدنيا ؛ امرأةٌ جميلة ، وبيتٌ واسع ، ومركبةٌ فارهة ، فقطع عليّ الطريق ..وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23)

( سورة الأنفال : من آية " 23 " )

 

      فهذه النقطة الدقيقة في الدرس ، أنت لماذا وجدت في الدنيا ؟ كأن نسأل طالبًا في باريس : لماذا أنت في هذه المدينة ؟ تركت أهلك ، تركت أباك وأمك ، وتنام وحدك ، وتعمل وتدرس ، فلماذا أنت هنا ؟ هنا من أجل نيل الدكتوراه ، ففي باريس ، أو لندن ، أو بأي مدينة أخرى مليار خيار ، بإمكانه يمضي الليل بملهى ، أو بنادي ، أو بمسرح ، أو بمتحف ، وببيته وراء التلفزيون ، بإمكانه يمضي الليل في ألف خيار ، ولكنه جاء إلى هذه البلدة من أجل الدكتوراه ، لا يوجد عنده غير خيار واحد ، هو أن يدرس ، يشتري قاموسًا ، يصاحب طالبًا لُغته قوية جداً ، يشتري مجلة علمية من اختصاصه ، يحضر ندوة ، يحضر محاضرة ، يجلس مع الأستاذ الجامعي ، قد يزوره في بيته ، أنا آتي لك بمئة نشاط ، ولكن كل هذه الأنشطة في خدمة هدف واحد هو نيل الدكتوراه .

       وكذلك المؤمن في الدنيا ؛ يتاجر ، يتزوج ، يؤسس مثلاً معهدًا ، يؤسس عملاً ، أو مصنعًا، فهدفه أن يجمع مالاً ينفقه في سبيل الله ، وهدفه أن يجمع مالاً يوظِّفه في الحق إذا كان تاجرًا ، وإذا اختار العلم هدفه أن يتعلم علمًا متينًا يقوي المسلمين ، فالمؤمن هدفه الجنة ، هدفه رضوان الله والجنة ، فلذلك أمام مليار خيار ، ويختار من هذه الخيارات ما يوظف لهدفه الكبير ، ويركل بقدمه من هذه الخيارات ما يتناقض مع هدفه .

       فالمؤمن أشياء يقبلها ، وأشياء أخرى يرفضها بإصرارٍ عجيب ، وقد تكون أشياء مغرية جداً ، لكنه يضعها تحت قدمه ، لأنها تتناقض مع هدفه ، وقد تُعْرَض عليه الدنيا من أوسع أبوابها، وقد يعرض عليه مالٌ كبير ، أو مكانةٌ علية ، يركلها بقدمه لأنها تتناقض مع الجنة ومع رضوان الله ، وقد يبذل جهد جهيدًا ، وقد يعمل بالتعتيم ، وقد يعمل جنديًا مجهولاً لأنه يرضي الله عزَّ وجل .

       والنقطة الدقيقة التي أحرص على توضيحها : إنك إن عرفت سر وجودك ، وغاية وجودك، فالآن تقيَّم أي شيء في الدنيا ، تقييمًا في ضوء الهدف ، فإن كان في خدمته أخذت به ، وإن تناقض مع الهدف ركلته بقدمك ، فلديك سياسة واضحة تسير عليها ، وهناك منظومة قيَم ، فكل شيء يقيَّم تقييمًا في ضوء الآخرة ، وكل شيء قرَّبك إلى الله أخذت به ، وكل شيء أبعدك عن الله أعرضت عنه ، أيْ قد تُعْرِض عن قراءة كتاب ، كتاب فارغ، مثلاً ( الإلياذة والأوديسَّا ) لهمُرس، قصيدة قالها شاعر إغريقي ، وكلها آلهة ، ليس لك علاقة بها ، هناك إنسان يشتري مجلة فيقرأها كلها ، وقتك ثمين ، اقرأ المقالة التي تعنيك ، أما قصة تافهة ثمانمئة صفحة .

       جذب نظري هؤلاء الأجانب ، في الطائرات يقرؤون ، في المطارات يقرؤون ، كل واحد معه كتاب ثمانمئة صفحة ، شيء عجيب ؛ رحلة تستغرق عشر ساعات وهو يقرأ ، أنا لم أدرِ ماذا يقرؤون ؟ ثم تبيَّن لي أنهم يقرؤون قصصًا ، هم مغرمون بقراءة القصص ‍‍‍‍! فإذا كان فيها مغزى ثمين ، فهو كملعقة سكر محلولة بوعاء فيه عشرين مترا مكعبا ، فمن أجل أن تدخل هذه الملعقة إلى جوفك يجب أن تشرب عشرين مترا مكعبا ، هذه القصة ، مُمَيَّعة ؛ بحوادث ، وتفصيلات ، وشخصيات ، وحوارات ، وبداية وعقدة ، ونهاية وحل ، الوقت ثمين جداً .

       فالمؤمن إذا عرف هدفه ، وعرف سرَّ وجوده ، وغاية وجوده اختار من الدنيا ، واختار من الأصدقاء ما يقرِّبه إلى الله ، لا تصاحب إلا مؤمناً ، رفيق تافه ، حديثه عن الدنيا ، شهواني ، وَقِح، مزاحه جنسي ، لا أصاحبه أبداً ، ولا أسمعه ، ولا أضيع وقتي معه ولا دقيقة ، أنا أجلس مع إنسان أزداد منه علماً وقرباً من الله عزَّ وجل ، أختار الأصدقاء المؤمنين في ضوء الهدف ، وفي ضوء الهدف اختار حرفة فيها نفع للمسلمين ، لا أختار حرفة تهدم البيوت ، ولكنها رائجة جداً ، فثمة حرف تهدم البيوت ؛ إشاعة الفساد في البيوت ، وتأجير أفلام رابحة كثيرًا ، وإنشاء مقصف وملهى ، والناس يأتون زُرافات ووحدانًا يدفعون بغير حساب ، ولكن هذا على حساب القيَم ، رقص ، وغناء ، وخمر ، فعندما تعرف هدفك تركل بقدمك مئة مليار ولا تندم عليها ، وتسعى إلى مئة ليرة من حلال ، هذه تخدُم هدفك ، فأنت تختار حرفة مناسبة ، وأصدقاء مُناسبين، وتختار زوجة مؤمنة ، ذات دين ، وتؤثرها على ذات الجمال ، لأنه إن لم تفعل تربت يداك .." تنكح المرأة لجمالها ، ولحسبها ، ولمالها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك " .

( من الدر المنثور : عن " أبي هريرة " )

      فإذا آمنت بالآخرة ، وأنك مخلوق للجنة ؛ يكون زواجك إسلاميًا ، عملك إسلاميًا ، أصدقاؤك مؤمنين ، حتى لهْوَك ، لا يوجد عندك لهو منحرف ، ولا عندك حفلة مختلطة مثلاً ، يمكن أن تجلس مع إخوانك يكون هناك مزاح بريء ، وقد يكون هناك طعام ، وود ، وسرور ، حتى وقت اللهو الذي أباحه النبي لك هو وقت لهو مشروع ، فأنت تمشي على  منظومة قيَم ، وهذه النقطة الدقيقة التي إذا عُرِف الهدف قيَّمت الوسائل كلها لخدمة الهدف ، فكل وسيلةٍ في خدمة الهدف آخذ بها ، وأية وسيلةٍ تتناقض مع الهدف أركلها بقدمي .

       إذاً :

وقته رخيص في سبيل الله ، وماله رخيص .

   ـ يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟

   ـ قال : الله ورسوله .

      فالصحابة فعلوا أفعال مُذْهلة ، عندما قال ربنا عزَّ وجل :لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ

( سورة آل عمران : من آية " 92 " )

      أحد الصحابة انتقى أجمل بستان ووهبه لله عزَّ وجل ، كان النبي يحب هذا البُستان ، فيه نبع ماء ، وفيه أشجار وارفة ، انتقى أجمل شيء، هو ماذا فعل ؟ اشترى الآخرة ، أو اشترى جنة الله عزَّ وجل .

      هناك قصة أرويها كثيراً ، ولكن من المناسب الآن أن أرويها مرة ثانية : آذن ورث أرضًا ، فجاء من يشتريها ليجعلها مسجداً ، الذي اشتراها مليونير ، فلما عَلِمَ هذا الآذن المستخدم الذي معاشه أربعة آلاف ليرة ، وهو قد تملَّك من الإرث أرضًا ثمنها أربعة ملايين ، أو ثلاثة ملايين ونصف ، فلما علِم أنها ستكون مسجدًا مزَّق الصك ، وقال للمشتري : أنا أحقُّ منك أن أقدِّمها لله ، صار له قصر في الجنة ، الأعمال الصالحة دقيقة جداً ومحفوظة .

       فنحن إن صحَّت عقيدتنا صح سلوكنا ، وصرنا نتحرك على منظومة قيَم ، فهذا معنى بيع النفس ، أي باع وقته لله ، لا يوجد عنده كلمة ( أنا مشغول ، لا يوجد لدي وقت ) ، تجد الشخص يسترخي ساعات طويلة ، يجلس جلسة فيها كلام فارغ ، وقد يلتقي لقاء فيه معاص كثيرة ، قد يغتاب المسلمين ، أما إذا دُعي إلى حضور درس علم يقول : والله  إنّني مشغول فاعذرني ، درس علم ساعة لا يقبل ، أما أربع أو خمس ساعات في مجلس غيبة ، ونميمة ، واختلاط يقبله ، لأن هدفه واضح ، فهدفه الدنيا والمُتعة ، أما درس علم لا يوجد فيه شيء ، فهو ناشف بالنسبة له ، بل يريد جلسة أخرى فيها شيء من المتعة الرخيصة .

       فنحن نريد أن نؤكِّد في هذه الآية أنك إذا عرفت سر وجودك ، وغاية وجودك قيَّمت كل ما حولك ، وكل من حولك ؛ قيمت الأموال ، والأصدقاء ، والبيوت ، قد ترفض بيتاً لا يناسب مكانتك الدينية، قد ترفض عملاً لا يناسب اتجاهك الديني ، أو امرأةً تتزوجها إلا أن تكون طائعةً لله عزَّ وجل ، فأنت عندما تؤمن بالله ، وتعمل للآخرة ، صار عندك منهج واضح ، وخطة واضحة ، وهذا معنى قوله تعالى :

بالمناسبة : في أعمال جيّدة ولكن ليست ابتغاء مرضاة الله ، فأهم شيء في العمل أن يكون وفق سنة رسول الله ، وأن يكون خالصاً لله.

      لخَّص هذا الإمام الفُضَيْل بن عياض فقال : " العمل لا يُقْبَل إلا إذا كان خالصاً وصواباً " . خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ، وأن أعمل صالحاً ترضاه .

      إذاً من أجل ماذا يتعلم الإنسان الفقه ؟ من أجل أن يعبد الله بما تعلَّم ، بالكون تعرفه ، وبالشرع تعبده ، فأنت تتعلم الفقه كي تقف عند حدود الله ، وألا تتعدَّى عليها .

      طبعاً هذه ( مِن) للتبعيض ، ما كل الناس كذلك ، لكن بعضهم ، هؤلاء السابقون السابقون ، هؤلاء المتفوقون ، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله ..

قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)

( سورة الأنعام )

     فكل أعمال المؤمن خالصة لوجه الله ، حتى أعماله الدنيوية المَحْضَة هي عند الله عبادات ، لأنه نوى بها التقوى على طاعة الله ، والتقرب بها إلى الله عزَّ وجل ، أما المنافقون فحتى عباداتهم هي عاداتٌ لا ترقى بهم عند الله عزَّ وجل .

      والمعنى الثاني : سيدنا خُبَيْب بن عدي وقع أسيراً في مكة ، واشتراه من أراد أن يقتله ثأراً ، فلما وُضِعَ ليصلب ، سأله أبو سفيان فقال :

      ـ أتحب أن تكون في أهلك معافىً ، ويكون النبي مكانك ؟ عليه الصلاة والسلام .

      ـ فقال قولاً يقشعر منه الجلد ، قال : " والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي ـ أي مع زوجته وأولاده قاعدًا في بيته ـ وعندي عافية الدنيا ونعيمها ـ بيت مُدَفَّأ ، الخزان ممتلئ بالوقود، المؤونة كاملة ، البراد مملوء ، وباقة أزهار ، وتكييف بالصيف ، وتدفئة بالشتاء  ، ولا يوجد أيّ نقصٍ في البيت ـ وأن يصاب رسول الله بشوكة " .

      ـ فقال أبو سفيان : " ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً " ، هذا باع نفسه .

       امرأة أنصاريةٌ بلغها أن النبي قد قُتِل في أحد ، فانطلقت إلى ساحة المعركة ، فإذا أبوها مقتول ، لم تعبأ بذلك ، فإذا ابنها مقتول ، لم تعبأ بذلك ، تقول : ما فعل رسول الله ؟ فإذا أخوها مقتول ، فإذا زوجها مقتول ، أبوها ، وزوجها ، وابنها ، وأخوها في ساحة المعركة قد استشهدوا ، وتقول : ما فعل رسول الله ؟ فلما رأته بعينها ، واطمأنت على حياته قالت : " يا رسول الله كل مصيبة بعدك جَلَل " .

       رجل أسلم مع رسول الله ،  وشارك في غزوة من غزوات النبي ، فانتصر النبي ، ووزِّعت الغنائم على الجنود ، أصابته الغنيمة ..

     ـ قال : ما هذه ؟

     ـ قالوا : هي غنيمةٌ لك .

     ـ قال : أنا ما على هذا أسلمت ، أنا أسلمت على الذبح ، أنا أسلمت من أجل أن أقتل في سبيل الله ، واستشهد في معركةٍ أخرى ، فبلغ النبي ذلك فبكى عليه الصلاة والسلام ، فلما عرف قصَّته قال : " هو هو ؟ " فقالوا : هو هو ، باع نفسه في سبيل الله ..

لكن ..

تصور بدلة اشتريتها بأعلى ثمن بعد أول لبسة ، هل تخلعها ؟ مستحيل ، أما إذا دفعوا لك ثمنها مئة مليون وكان ثمنها خمسين ألفًا هل تخلعها ؟ تخلعها ، فهذا الجسم بدلة ، فالذي مات في ساحة المعركة شهيداً ، تخلَّى عن البدلة فقط ، الله عزَّ وجل قال :وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169)

( سورة آل عمران )

      في أحاديث عن الشهيد كثيرة جداً ، لأن الشهادة شيء لا يصدق ، أيْ أنك ضحيت بحياتك ..

يعطيك عطاء مذهل ، " من شغله ذكري عن مسألتي ـ ليس الاستشهاد ، إذا الإنسان انشغل بذكر الله عن سؤاله ـ أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " .

( من الدر المنثور : عن " عمر بن الخطاب " )

      أيها الإخوة الكرام ... هذه الآية مهمة جداً في حياتنا ، إن عرفت الهدف ، اخترت الوسيلة ، وأعرضت عن كل وسيلةٍ مضادَّة ، كل شيءٍ يبعدك عن هدفك إن عرفت سرّ وُجودك أعرضت عن كل شيء، فأنت مخلوقٌ لجنةٍ عرضها السماوات والأرض ، وفي الكون حقيقةٌ واحدة هي الله، أيُّ شيءٍ قرَّبك إليه ، خذ به ، وأيّ شيءٍ أبعدك عنه ، فتخلّ عنه ..

أي إذا كنت كريمًا هو أكرم .." ما ترك عبد شيئًا لله إلا عوضه خيراً منه في دينه ودنياه " .

      حدثني أخ مقيم في الجبل قال : فررت بديني في أيام المِحَن التي أصابت تركيا في أيام أتاتورك ، فررت بديني وأولادي ، فقال لي : أكرمني الله إكراماً منقطع النظير ، لا يوجد إنسان يدع شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ، والله هو الفعَّال ، فإذا اختار الإنسان مرضاة الله تأتيه الدنيا وهي راغمة ، مـن أحبنـا أحببنـاه ، و من طلب منا أعطيناه ، ومـن اكتـفى بنا عما لنـا كـنـا لـه ومـا لـنـا

" أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاستخدميه ، ومن خدمني فاخدميه " .

" أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد " .

       نكتفي بفكرة واحدة في هذا الدرس هي : أن تعرف الهدف ، وأن تختار الوسائل الفعَّالة التي توصلك إليه ، وصار عندك رؤية صحيحة ، واختيار صحيح ، تختار الزوجة ، تختار العمل ، والأصدقاء ، والحركة ، وكل حركتك في رضوان الله عزَّ وجل .

     وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى ننتقل للآيات التالية .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi