English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :70/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآية " 208 " - السلم هو الإسلام .

تفريغ الشريط  : م . م . حسان العودة .

تدقيق لغوي    : الأستاذ موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس السبعين من دروس سورة البقرة ومع الآية الثامنة بعد المائتين ، وهي قوله تعالى :

( سورة البقرة : 208) .

أيها الأخوة الكرام : يخاطب الله الذين أمنوا به ، أمنوا به وبكماله ووحدانيته ، وآمنوا بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، وبعلمه ، وحكمته ، وقدرته ، ورحمته " ادخلوا في السلم كافة " ، يعني الأصل أن تؤمن بالله ، فإن أمنت به الآن اتبع أمره ، ما هو أمره ؟ ادخلوا في السلم " ، السلم هو الإسلام ، لم سمي هنا السلم ؟ لأنك إن أطعت الله عز وجل كنت في سلام مع الله ، لا تنتظر من الله إلا كل إكرام ، فيجعل الله لك نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة ، وإذا كنت مطيعاً لله فأنت معه في سلام ، لأن المعاصي والآثام هي سبب كل المصائب والآلام ، فإذا كنت مع الله في سلام فأنت في حصنٍ حصين ، وأنت في سلام ، إن أطعته فأنت في سلام ، وإن أطعت الله عز وجل كنت في سلام مع نفسك ، والسلم هنا هو السلام أي أنت في سلام مع نفسك ، لأن النفس جبلت على طاعة الله ، والقرب منه ، إن أطعت الله عز وجل ارتاحت نفسك وأراحتك ، وإن عصيت الله أتعبتها وأتعبتك أكثر الأمراض النفسية ، والعقد هي بسبب خروج الإنسان عن فطرته، إذاً أراد الله من الإسلام أن يكون سلماً ، لأنك إن أسلمت حقيقة أنت في سلام مع الله ، وفي سلام مع نفسك ، ومع من حولك ، فالمطيع يحبه كل من حوله ، لأنه وقاف عند حقوقه ، لا يأخذ ما ليس له ، ووقاف عند حقوق الآخرين ، فالإنسان المسلم يحبه كل من حوله ويتمنى القرب منه ، ويثني عليه كل من حوله ويحاول أن يخدمه ، لأنه أخذ ماله وترك ما ليس له ، هذا هو الحد الأدنى : العدل الإحسان ، المؤمن محسن ، والإحسان يجلب القلب ، يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم ، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها ، فالنقطة الدقيقة هو أن الإنسان حينما يستقيم على أمر الله يعيش حالة السلم ، أي حالة السلام ، مع كل المخلوقات ، فالشجرة مثلا تسبح الله عز وجل ، لقول الله عز وجل :

( سورة الإسراء : 44 ) .

هي مسبحة لله ، فإذا كنت أنت مع الله كنت في سلام معها ، كان عليه الصلاة والسلام يخطب من على المنبر ، ويضع يده على جذع النخلة ، إكراماً لها ، في سلام مع المخلوقات ، أعرف حجراً في مكة كان يسلم علي وأسلم عليه ، حتى الجمادات نفوس ، قال تعالى :

( سورة الإسراء : 44 ) .

وقال النبي عليه الصلاة والسلام : يا حنظلة ، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ، ولزارتكم في بيوتكم ، أي لما يكون الإنسان مع الله عز وجل ينشأ عنده حالة شفافية ، كأنه يحس بمشاعر الحيوانات ، يحس بشعور النبات ، في سلام مع النبات ، مع الحيوان ، والجماد، وفي سلام مع نفسه ، وجيرانه ، وأقربائه حتى مع عدوه ، فهناك منهج يحكمه ، لا يوجد تطاول ، ولا عدوان ، هناك حرب شريفة ، ليس فيها تنكيل ، ولا تمثيل ، ليس فيها كيل الصاع عشرة ، يعني الله عز وجل لحكمة أرادها الله عز وجل سمى الإسلام سلماً ، بمطلق معاني هذه الكلمة ، سلم مع الله ، والنفس ، والأهل ، والأولاد ، والجيران ، والمؤمنين ، والناس كافة ، والمخلوقات ، والجماد ، والنبات ، والحيوان ، المخلوقات غير المكلفة ، مسبحة لله عز وجل ، فإذا كنت مع الله أنت كنت صديقاً لها ، أما المؤمن حينما يموت تبكي عليه السماء والأرض ، بينما الكافر فما بكت عليهم السماء والأرض ، معنى السماء نفوس لها مشاعر ، والأرض نفوس لها مشاعر ، فإذا كنت مع الله كنت في وئام وانسجام مع بقية المخلوقات ، هذه الوحدة ، لأنك متناغم مع كل المخلوقات ، فلا يوجد لك عدو ، كلها مخلوقات مسبحة لله عز وجل ، وأنت مع الله ، إذاً هناك انسجام ، فالمؤمن صديق النبات ، وصديق الحيوان ، فإذا قتله ليأكله لا يعذبه ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، وليحد أحدكم شفرته ، ويرح ذبيحته ، ما قبِل النبي عليه الصلاة والسلام أن تذبح شاة أمام أختها ، قال له هلاّ حجبتها عن أختها ! أتريد أن تميتها مرتين ؟ القضية دقيقة جداً ، فقد سمى الله عز وجل الإسلام سلماً ، أنت حينما تنصاع لله عز وجل ترتاح نفسك وتريحك ، يرتاح من حولك ، ويريحونك ، اسأل زوجة كان زوجها شاردًا ، ثم تاب إلى الله ، تجده قد انقلب 180 درجة ، وصارت أخلاقه أرضية ، عنده رحمة ، وصار منطقيًا ، وواقعيًا ، وأصبح يحترمني ، ويريحني ، وقد كان وحشًا ، كان في خصومات مع زوجته ، فصار في سلم معها ، عندما يصطلح التاجر مع الله عز وجل يحبه كل من حوله  ، كان أنانيًا ، ووصوليًا ، وماديًا ، وكان يكذب ، ويحتال ليربح ، وقد أصبح الآن يأخذ ماله ويدع ما ليس له ، لا توجد كلمة أروع لتعبر عن الإسلام من كلمة السلم " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم " ، كن مسلمًا ، هل يمكن أنْ تعذب سمكة ، لا يمكن ، الآن اصطدتها لابد أن تجب جنوبُها ترتاح ، بعدئذٍ تنزع أحشاءها ، شاهدت مرة إنسانًا يذبح دجاجة ، وبعد أن ذبحها مباشرة غمسها في ماء يغلي لينزع ريشها بسهولة ، وهي لا تزال حية ! هذا عدو للدجاج ، وللحيوان ، وللطبيعة ، وما يجري من تلويث للطبيعة فالكفر سبب هذه البيئة الملوثة ، هناك رغبة جامحة لتجميع أموال الأرض كلها ، إذاً قضية النمو والصناعة هذه كلها على حساب نقاء الجو ، وعندما صار غاز الفحم بكميات أكبر مما ينبغي ارتفعت الحرارة ، وتبدلت خطوط المطر ، وحدَثَ تبدل جذري في المناخ الآن ، ويمكن أن تلاحظوا شيئًا غير طبيعي ؛ رياح عاتية اجتاحت أوربا ، سرعتها عالية جداً ، ناقلة نفط شطرتها شطرين في استنبول في الفوسفور ، أشجار عملاقة اقتلعت من جذورها ، صور الدمار الذي أصاب أوربا بسبب هذه الرياح العاتية يفوق حد الخيال ، أمطار في فينزونلا قتلت100 ألف إنسان، وشردت 200 ألف ، ومدن بأكبرها غمرت بالأوحال في فنزويلا ، هنا جفاف منقطع النظير الدنيا ، فقد بلغتْ درجة الحرارة عشرين درجة في أيام الشتاء القارس ! في أيام الثلوج ، والأمطار ، لبرد ، المدافئ والمعاطف ، جو ربيع ، وجو صيف ، وهناك تخريب للبيئة ، لأن الإنسان لوث البيئة بصناعته ، حتى الفضاء الخارجي ملوث بهذه الإرساليات التي تملأ الفضاء الخارجي ، الجو ملوث ، هناك من يقول : إن الجو العام بسبب هذه الشحنات الكهراطيسية صار الجو غير سليم ، فقضية ادخلوا في السلم أي الإسلام ، أنت إن أسلمت فأنت في سلم ، مع كل الأطراف ، وجمال الحياة أن تكون على وئام وود مع كل من حولك ، شجرة تقطعها بلا سبب فتلعنك ، وإنسان يبول في أصل شجرة تلعنه الشجرة ، لأن أصلها مكان ليس مكان البول مثلاً ، فالكافر متفلّت كالدابة ، يلعنه كل شيء ، ويحتقره كل شيء ، لأنه يؤذي كل شيء ، أما المؤمن إذا مشى مشى متواضعاً ، لا يدوس على نملة ، ولا على مخلوق يسبح الله عز وجل ، ولا يشوه نباتاً ، ولا يقطع نباتاً من دون سبب وجيه ، الذي أريد أن أقوله عندما قال ربنا عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة " يعني ادخلوا في الإسلام الذي هو سلم مطلق ، سلم مع كل الجهات ، فالكون متناغم ، الكون مسير ، وكله مسبح لله عز وجل ، فأنت حينما تسلم أنت تتناغم مع الكون ، وكأنك صرت لبنة في بناء شامخ ، وليس لغمًا مهدما ، فمن يضع لبنة في بناء ليُتمِّمْهُ ليس كمن يضع قنبلة تفجر من حوله ، الكافر قنبلة مدمرة ، حتى في صناعته ، حتى في قضية إنتاج الكهرباء من الذرة صار هناك تلوث إشعاعي ، إنه شي مخيف ، كل شيء يأتينا من بلاد حدث فيها انفجار ببعض المحطات النووية ملوث ، فالحليب ملوث ، والخضار ، والفواكه ، ولحم الدجاج ، والخرفان ، تلوثًا إشعاعيًا يسبب السرطان ، فالكافر أفسد الحياة الدنيا إذ أفسد الأجواء ، وشوه طبيعية الإنسان ، وأفسد نقاء الإنسان ، والأطفال ، السلم يعني سلامًا ، وكما قلت قبل قليل بدءً من الله سلام مع الله ، وسلام مع الذات ، ومع الأهل ، والأولاد ، والجيران ، والمؤمنين ، والخلق ، والناس كلهم ، والحيوانات ، والأطيار ، والأسماك ، والنبات ، والجماد ، له في كل موقف حكم شرعي  مثلاً :

ما حكم صياد يمارس هواية الصيد ؟ قتل مئات الطيور ، ثم ألقاها في الطريق ؟ أناس كثيرون يذهبون إلى البادية في أيام الصيد يصطادون هواية ، وهذا الذي اصطادوه لا يأكلونه ، بل يلقونه في الطريق ، ماذا يقول ؟ يأتي هذا الطائر يوم القيامة وله دوي تحت العرش ، يقول : يا رب سله لم قتلني ؟ المؤمن قد يصطاد طائراً ليأكله في سفر ، وهو مضطر أن يأكله ، فحينما يصطاد الطائر ويؤكل ، له عمل صار الطائر ، قدم لك خدمة ، أنقذك من الموت ، أما قتلته ، وألقيته في الطريق ، هذا الذي أريد أن يكون واضحاً لديكم " ادخلوا في السلم " ادخلوا في الإسلام ، أي إنّك إن طبقت كلامه فأنت في سلام مع الله ،  تشعر أن الله معك ، لا توجد مفاجأة ، ولا مرض عضال ، ولا دمار ، ولا قهر ، ولا فقر مدقع ، ولا فضائح ، الله معك ، يحفظك ، لأنك أنت معه فهو معك ، كن مع الله تر الله معك  عندما تكون أبًا مسلمًا ، تكون محسنًا لأولادك ، ينعكس إحسانك لهم محبة منهم لك ، تجد أولاد الأب المسلم يحبونه حباً جما ، والزوج المسلم تحبه زوجته، لأنه وقاف عند كتاب الله ، إن أحبها أكرمها ، وإن لم يحبها لم يظلمها ، وموظف مسلم يحبه كل من حوله ، لا يستكبر عليهم بل يعاملهم بالود والرحمة والإحسان ، أينما ذهب ، وتاجر مسلم يبيع بضاعة جيدة بسعر معقول ، لا يغش الناس ، لا يحتال عليهم ، فأينما حل المسلم هناك من يحبه ، ويلتف حوله ، ويقدره ، ويمحضه الود والإخلاص ، دخل في السلم معناها ، انظر إلى المؤمن ليس له عدو تقريباً ، ما دام مطبقًا للشرع فكل الناس يحبونه : " ادخلوا في السلم " ، لكن هناك نقطة في كلمة " في " .

" في " تعني الظرفية ، نقول : الماء في الكوب ، أي أنّ الماء كله في الكوب ، والكوب ظرف ، استوعب المظروف ، إذا قال الله عز وجل :" ادخلوا في " أي يجب أن تدخل كلك في الإسلام ، ليس أن تؤدي عبادات شعائرية بالمسجد ، بل أن تدخل أنت وتجارتك ، وزواجك ، وتطليق زوجتك ، وأفراحك ، وأتراحك ، وسفرك ، وإقامتك ، أنت ككيان بكل حركاتك ، وسكناتك ونشاطاتك ، وجوانب شخصيتك ضمن الإسلام ، لا يوجد لك نزاعات نافرة ، ولا أشياء خارجة عن الإسلام   ولا أفكار غير صحيحة وشاذة ، ليس لك سلوك شاذ ، ولا تصرفات شاذة : " ادخلوا في " يعني أدخلنا هذا الماء بالكأس ، فاستوعب الكأسُ الماءَ كله ، ولا ماء خارج الكأس ، فكلمة " في " تعني شيئا في شيء .

الطلاب في الصف ، يعني جميع الطلاب في قاعة الصف .

الأخوة الكرام في المسجد ، كلهم في المسجد ، أي استوعبهم المسجد .

إذا أنت دخلت في الإسلام يعني طبقت فيه العبادات الشعائرية ، والعبادات التعاملية ، وطبقت عملك وفق الإسلام ، وتجارتك ، هذه " ادخلوا في " ، أما إنسان ربعه ضمن الإسلام ، وثلاثة أرباعه خارج الإسلام ، وسفره غير إسلامي ، وبيته ، وعمله ، ودخله ، وإنفاقه ، واستثماره للمال غير إسلامي ، بقول لك : والله يا أخي هذا الفندق يعطي أرباحًا طائلة ، فندق خمسة نجوم ، كله معاص وآثام ، طبعاً هناك أرباح طائلة ، أنت جزء من مالك مستثمر بطريق غير مشروع مثلاً ، فأنت لست بكلك في الإسلام ، ما أدخلت الإسلام كلك ، ثمة قسم لم يدخل في الإسلام ، فجزء من دخلك غير إسلامي ، جزء من لهوك غير إسلامي ، جزء من علاقاتك الاجتماعية غير إسلامي ، أي أنت ما دخلت كلك في الإسلام ، بل بقي بعضك خارج الإسلام ، أما الآية : " ادخلوا في السلم " كلك ضمن الإسلام ، بتفكيرك ، وبعقيدتك  وبلهوك ، ومرحك ، بجدك ، وحزنك ، وفرحك ، وتجارتك ، وإقامتك وسفرك ، وعلاقاتك ، وعطاءك ، ومنعك ، وصلتك ، بقطيعتك  وغضبك ، ورضاك ، كلك للإسلام ، تطبق منهج الله عز وجل ، هذا معنى " ادخلوا في السلم " السلم الظرف وأنت مظروف ، الظرف يجب أن يستوعب المظروف ، فأنت ينبغي أن تكون كلك ضمن الإسلام.

النقطة الدقيقة أيها الأخوة ، أن الله عز وجل سمى الإسلام سلمًا ، وليس هناك أجمل من حالة السلم فأنت مرتاح ، إذا كان شركة فيها مشاكسة ، فالحياة فيها جحيم ، أما مثلاً إذا كان فيها ود ، وتفاهم، وتسامح ، وتكافئ ، تجد منها راحة نفسية ، أجمل بيتٍ بيتُ المسلم ، الشرع مطبق فيه ، الزوجة لها حقوق ، وعليها واجبات ، والزوج كذلك ، والابن له منهج ، هذا معنى قول الله عز وجل " : ادخلوا في السلم " أي إنّك ضمن المنهج في بيتك ، وعملك ، ولهوك ، وفرحك .

أما النقطة الدقيقة جداً هنا كلمة " كافة " ، ولتوضيح المعنى أورد هذا المثل : لو كان عندك هاتف، ولك خمسون صديقًا لا يملك أيٌّ منهم هاتفًا ، فما قيمة هاتفك ؟ لم يعد له قيمة إطلاقاً ، أما قيمة هاتفك إذا كان عند كل أصدقائك هواتف ، أنت صادق ، والكل يكذبون ، هم انتفعوا بصدقك ، وأنت لحقك ضرر بكذبهم ، هذا يحدث دائماً ، المؤمن صادق ، وسبيله الصدق ، وعنده حسن ظن، كل من حولك يكذب عليك ، أما هو فيصدق معهم جميعاً ، الثمرة المرجوة لم تتحقق ، لأنهم ما دخلوا في السلم كافة ، بل دخل واحد واثنان ، والبقية كذابون ، أنت لا تغش ، أنت مخلص ، والبقية يغشون ، فأنت ضاعت ميزتك مع فيضان الغش في المجتمع ، ما ظهر الدين ، الآن مشكلة الدين أنه ما ظهر ، والأكثرية يكذبون ويغشون ويحتالون وينافقون ، فالصادق المخلص الجريء الواضح لا يظهر ، أما لو طبق الكل الإسلام ، تجد له روعة ما بعدها روعة ، الكل صادقون ، والكل أمناء .

قدم أحد الإخوة إلى بيتي ليدهن البيت ، تركت البيت كما هو ، وذهب الأهل إلى بيت أهلهم ، استغرب الجيران ، ذلك لأنّهم ما عرفوا أنّ المؤمن مؤتمن على الروح ، الإنسان المؤمن ترتاح معه ، لا تخشى منه أنه يغدر بك ، أو يسرق منك ، أو يغشك ، التعامل مع المؤمن مريح جداً .

والنقطة الدقيقة أنه إذا توسع الإسلام ، وانتشر فإنّ ثماره تظهر الآن على مستوى مسجد ، كل الإخواة صادقون ، لا يكذبون ، ولا يغشون ، أعفة مثلاً ، تجد أنّ لقاءاتهم ممتعة ، فهناك سعادة ، وثقة مريحة جداً ، حتى في التعامل التجاري الأمر مريح ، لا يوجد كذب ، ولا احتيال ، ولا غش، ولا غدر ، ولا قنص ، أما الآن فالناس كل واحد لغم ، لا تدري متى ينفجر ، فيحطم من حولـه ، أما المؤمن فهو مسالم ، يعيش ثلاثين سنة لا يشكو منه أحد ، وليس له قضية في مخفر إطلاقاً ، يعرف حدوده ، وقاف عند كتاب الله ، يعلم ما له ، وما عليه .

هذه أول نقطة " ادخلوا في السلم كافة " تعود كافة على المؤمنين .

هناك معنى ثان " ادخلوا في السلم كافة " تعود على الإسلام ، أي خذوه بأكمله ، لا تأخذوا بعضه، إذا أخذتم بعضه وتركتم بعضه الآخر لم تقطفوا ثماره ، فالإسلام منهج كامل ، فيه عبادات شعائرية ، صوم وصلاة حج وزكاة ، وفيه عبادات تعاملية ، وآداب ، وعقائد ، فأنت يجب أن تدخل في الإسلام كله ، بعقائده ، فلا يوجد عندك بالعقائد خلل ، تصورات غير صحيحة ، أفكار غير صحيحة عن الآخرة ، تتهم الله في عدله وأنت لا تشعر ، تتهم النبي في كماله ، وأنت لا تشعر ، أما إذا دخلت في الإسلام عقيدة  وعبادة ، وتعاملاً ، وأخلاقا ، وتفوقاً ، أي دخلت في الإسلام كله " ادخلوا في السلم كافة " يعني جميعاً ادخلوا وطبقوا أحكامه جميعاً .

النقطة الدقيقة هي أن الإنسان حينما يشرع ، يشرع لمصلحته ، فكل مشرع منتفع بتشريعه ، أردنا أن نعيّن تعويضات ، فمن يضع لنفسه التشريع رقمها فلكي ، أما تعويضات الطبقة الدنيا فرقمها رمزي ، أي مبلغ بسيط جداً ، لأن المشرع وضع لنفسه أكبر مبلغ ، لا يجوز أن يشرع من ينتفع بتشريعه ، فتنشأ منازعة ، يقول لك فلان شرع وأنا مثله ، يجب ألاّ أنفذ كلامه ، أو أن احتال عليه ، فأكثر مشكلات البشر ، أن المشرع بشر ، والمشرع له بشر ، وقد يكون أذكى من المشرع ، تنشأ منازعات ، لأن المشرع منتفع بتشريعه ، أما إذا كان التشريع من عند الخالق ، انتهى الأمر ، الكل ينصاع ، سبب انتظام المجتمع الإسلامي ، لأن الله عز وجل هو المشرع ، والله وحده فوق الخلق في التشريع ، نحن مشرع عليه ،  يعطي الله البنت نصف الذكر ، لا أحد يعترض ، أما لو كان قانونًا لاعترض الناس ، ما دام خالق الكون قال :" للذكر مثل حظ الأنثيين " .

( سورة النساء : 11 ) .

الذكر يقبل والأنثى تقبل ، المشرع خالق الكون أعطى توجيها معينًا منع شيئا ، وسمح بشيء ، لا وصية لوارث ، انتهى الأمر ، فليس هناك وصية لوارث ، هذا التشريع ليس أرضياً ، وليس من بني البشر ، المشرع هو الله عز وجل ، إذاً أسباب المنازعات بين البشر سبب العناد بين الأشخاص اختلاف الأهواء ، لأنّ الأهواء متناقضة ، والأشخاص أقوياء وضعفاء ، فصاحب الهوى الأقوى ينتصر ، ويذل الآخرين ، تكاد تكون أكثر مشكلات الأرض تقريباً من تنازع الأهواء ، أما المجتمع الإسلامي المشرع هو الله ، فكل الخلق يخضعون لهذا التشريع ، ويحدث انسجام ، يعني لما يكون المبدأ كبيرًا من عند خالق الكون يكون المتبعون لهذا المبدأ على رضى ، وعلى سرور ، وعلى طاعة تامة ، لأن طاعتهم لهذا المبدأ ليس قهراً لهم .

أما أن يقهرك إنسان مثلك بأمر ، يمنعك من شيء ، وأنت مثلك مثله لا تحتمل ، تنشأ منازعة ، أما أن يمنع الخلق هذا الشيء فإنّ تقبله برضى تامّ أوضح مثل الصيام ، يعني لو أن إنسانًا شرع الصيام ، أو دولة شرعت الصيام ، كم إنسانًا يصوم صيامًا حقيقيًا ؟ ولا واحد ، يدخل البيت يشرب ، طبعاً بالطريق لا يشرب ، ولا بمكان العمل ، لأنه مراقب ، يشرب بالبيت ، أما عندما يشرع الله الصيام يكاد الواحد يموت عطشاً ، وهو بالبيت وحده ، والماء بارد كالزلال ، ولا يشرب نقطة ماء ، فعندما يشرع الله فالكل يخضع ، يطبق التشريع بحذافيره ، وبتفاصيله ، وبدقائقه ، إذاً النقطة الحساسة أنّه يجب أن يكون المشرع غير منتفع بتشريعه ، من الذي لا ينتفع بالتشريع ؟ هو الله وحده ، فالمشرع هو الله ، نحن يشرع لنا ، وإذا علمنا أن المشرع هو الله عز وجل نخضع له جميعاً دون أن نتنازع ، مشكلات الأرض في التنازع ، والتنازع تضاد للأهواء ، تنازع الأهواء ، أنّ الإنسان لن يخضع لإنسان آخر إلا إذا رآه أقوى منه ، إذ يخضع له مقهوراً ، أما الإنسان حينما يؤمن بالله عز وجل يخضع له طائعاً ، فالحياة لا تصلح إلا بتشريع سماوي  وهذا التشريع تنتفي عنه الأهواء ، والمصالح ، وهو عدل ، لأن الله هو العادل إذاً : " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين " .

وقفنا وقفة عند " يا أيها الذين أمنوا " وقفنا وقفة عند " ادخلوا في " معنى " في "فيجب أن تدخل كلك في هذا الإسلام ، بكل كيانك وكل نشاطاتك وحركاتك ، وسكناتك ، وأوقاتك ، وأمكنتك " ادخلوا في السلم كافة " هذه بمعنى في ، أما " السلم " فتعني الإسلام ، الإنسان حينما يسلم فهو في سلام مع الله ، لأنه في طاعته .

" ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم " .

( سورة النساء : 147 ) .

هو في سلام مع أهله ، لأنه عرف ماله وما عليه ، وقف عند حدود الله عز وجل ، فأحبه أهله ، وهو في سلام مع من حوله ، فمع أقربائه ، وأمه وأبيه ، وأولاده ، وجيرانه ، وكل الخلق هو في سلام ، حتى الملائكة تحبه ، حتى مع الجماد ، يبكي عليه .

" فما بكت عليهم السماء والأرض " .

(سورة الدخان : 29 ) .

وحتى السماء تبكي عليه حينما يموت ، والجماد يتبارك بمشي الإنسان فوقه ، إذاً السلم هنا هو الإسلام ، أنت حينما تطيع الله في سلام مع نفسك أول شيء ، أهم شيء نفسك ، التي جبلت على طاعة الله ، وهي مصممة أن تطيع الله ، فإن أطعت الله عز وجل كنت في سلام معها ، والآية اليوم : " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين" .

والحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi