English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :73/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآية "215 " . سؤالين .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : السيد محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الثالث والسبعين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الخامسة عشرة بعد المئتين ، وهي قوله تعالى:

      أيها الإخوة ... حينما تهتم بموضوعٍ ما تسأل عن تفاصيله ، هذه قاعدة ، وحينما تقتني آلةً ، غاليةً ، معقَّدةً ، عظيمة النفع ، تعكف على كُتيِّبها فتقرؤه كلمةً كلمة ، أو تترجمه كلمةً كَلمةً ، وقد تُرسل إلى الشركة رسالة : ماذا تعنون بهذه العبارة ؟ لم أفهمها ، وكيف ينبغي لي أن أصون هذه الآلة ؟ وكيف أعتني بها ؟ وكيف أرفع من مردودها ؟ هذا شيء طبيعي في الإنسان ، حينما يهتمُّ بشيء يسأل عنه ، علامة المؤمن الصادق يسأل ؛ هل هذا العمل حرام أم حلال ؟ هل يرضي الله أم لا يرضي الله ؟ هل أكون عند الله مسؤولاً ؟ وهل يقبلني الله بهذا العمل أم يرفضني ؟ علامة الصدق السؤال ، وعلامة السَيْر في طريق الحق أن تستوْضح ، وأن تسأل ، والله عزَّ وجل يقول :فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(43)

( سورة النحل )

     في شؤون الدنيا اسألوا أهل الذكر ، وفي الشؤون المتعلقة بالله عزَّ وجل فاسأل به خبيرا ، لابدَّ لك من جهتين هما مرجعان لك ، جهةٌ ترجع إليها في أمور الدنيا ـ وهذا الذي علَّمنا إياه النبي عليه الصلاة والسلام ـ علَّمنا الاستخارة ، وعلَّمنا الاستشارة ، وينبغي لك أن تسأل أهل الخبرة من المؤمنين في شؤون الدنيا ، وأن تسأل العلماء الصادقين، المخلصين ، العاملين في شؤون الآخرة .

      إنك بمجرَّد أن تهتم بشيء تسأل عن دقائقه ، وتفاصيله ، ومَداخله ، ومخارجه ، وأخطاره ، وأبعاده ، وملابساته .. إلخ ، ولذلك فعلامة صدق أصحاب  رسول الله أنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام  .

 

       فالسؤال دليل الصدق ، وحينما لا يسأل الإنسان هناك احتمال جيِّد لصالحه ، قد يكون الأمر واضحًا جداً له فلا يسأل ، وقد يلقي أستاذٌ درساً ، ويسأل الطلاب : هل هناك من سؤال ؟ فإذا كان الدرس واضحاً جداً ، والطلاب استوعبوا دقائقه فلا أحد يسأل ، فهذه حالة ، أما الطالب البعيد عن موضوع الدرس ، والشارد ، الذي يعيش بجسمه في قاعة الدرس ، وقلبه خارج الدرس ، فهذا إذا قيل له : أتسأل ؟ يقول : لا يوجد سؤال ، لا يسأل ، فالذي لا يسأل إما لوضوحٍ شديدٍ عنده ، أو لعدم اهتمامٍ بأصل الموضوع .

       فعلى كلٍ العلم مِفتاحُه السؤال ، ولأن تسأل فتكون في نظر الآخرين جاهلاً ، أفضل ألف مرة من أن تخطئ ، ولا تسأل ، وليس العارُ أن تكون جاهلاً ، ولكن العار أن تبقى جاهلاً ، وليس العار أن تخطئ ، ولكن العار أن تبقى مُخطئاً ، والمؤمن الصادق يسأل ، ولا يعبأ كثيراً بمكانته ، لأن هناك رجلين لا يسألان ؛ المُستحيي والمُتَكَبِّر ، والحياء في العلم جهل ، والكبر في العلم جهل.

      لكن بقي موضوع دقيق في موضوع السؤال ، هذا الإنسان الذي يُسأل ، إذا علَّق تعليقاً قاسياً على سائلٍ منع السؤال ، فينبغي له أن يتقبَّل السؤال بصدرٍ رحبٍ واسعٍ ، وأن يحترم السائل ، وأن يُثني عليه ، حتى يشجِّع غيره أن يسأل .

      وأحيانًا يسأل الابن أباه سؤالاً ، قد يكون سخيفاً ، فيصب الأب جام غضبه على ابنه ، ولم يدر الأب أنه أجرم في حق ابنه ، لن يسأله بعد ذلك سؤالاً ، لا ، مهما بدا لك السؤال سخيفاً تافهاً يجب أن تحتفل بالسائل ، وأن تثني عليه ، وأن تقول له : بارك الله بك ، هذا دليل اهتمامك ، وهذه النقطة التي أثرتها جوابها : كذا وكذا وكذا ، فموقف المسؤول سوف يُسأل عند الله يوم القيامة ، مفتاح العلم السؤال ، كم من إنسان كره مادةً في التعليم من أستاذٍ قاسٍ في ملاحظته ! فاسأل ما بدا لك ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال : " تواضعوا لمن تعلِّمون ، وتواضعوا لمن تعلَّمون منه ".

( من العهود المحمدية )

      يجب أن تتواضع لمن تُعَلِّم ، طبعاً هناك قصص تُروى ، وهي للتَنَدُّر ولا يؤخذ منها حكمٌ شرعي ، تروي الكُتب مثلاً أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يعاني من ألمٍ في مفاصله ، وكان يلقي درساً أمام تلامذته المقرَّبين ، وكان ماداً رجله ، فدخل رجلٌ قويم الهيئة ، طويل الجثّة ، عريض المَنكبين ، يرتدي عمامةً ، يبدو أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى استحيا منه فرفع رجله ، فجلس في مجلسه ، وبعد أن انتهى المجلس سأل ـ الموضوع كان حول صلاة الصبح ـ قال له : يا إمام كيف نصلي الصبح إذا طلعت الشمس قبل الفجر ؟ قال له : عندئذٍ يمدُّ أبو حنيفة رجله.

      طبعاً هذه قصة للتنَدُّر ، أما أن يؤخذ منها حكمٌ شرعي ! الحكم الشرعي نأخذه من موقف رسول الله عليه الصلاة والسلام ، الحكم الشرعي نأخذه من الكِتاب والسُنَّة ، هذا هو الحق ، فالنبي مشرِّعٌ في أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، كان يُسأل بغلظة ـ أعطني من هذا المال يا محمد ، فهو ليس مالَك ولا مال أبيك ـ وكان بإمكان النبي أن يلغي وجود هذا السائل الفظ ، ولكنه قال : "صدق إنه مال الله " .

      المؤمن متواضع لمن يسأله ، مهما بدا لك السؤال سخيفاً ، تواضع لمن تتعلَّم منه ، وتواضع لمن تعلِّم ، فهذا التعليق على كلمة :

     

      أنت حينما تسأل تستعير خبرة المسؤول ، وقد تزيد عن خمسين سنة ، خبرات متراكمة خلال عمر طويل ، تأخذها مجَّاناً بسؤال مؤدَّب ، اسأل ما بدا لك ..

      أيها الإخوة الكرام ... حينما يصحُّ الإيمان ويتحرَّك الإنسان ، إذ لا يوجد إنسان مؤمن سكوني ، وحينما ينعقد الإيمان في قلب المؤمن ، أو حينما تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن ، تعبِّر عن ذاتها بحركة نحو الخَلْق ، ماذا أفعل ؟ وماذا أُنْفق ؟ وماذا أقول ؟ ومع مَن أجلس ؟ ومَن أصاحب ؟ وكيف أمضي وقتي في البيت ؟ الصادق يسأل ، أنت إنسان محدود الإقامة في الدنيا ، وخُلقت لجنةٍ عرضها السماوات والأرض ، وحُمِّلْتَ أمانة التَكْليف ، فوقتك ثمين جداً ، إنه وعاء عملك ، فكل شيء تفعله محاسبٌ عليه ، وكل شيءٍ مسجلٌ عليك ، وإنك تحت المُراقبة ..

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)

( سورة النساء )

      فحينما تستقرُّ حقيقة الإيمان ، وهي أن الله خلق الكون ، وخلق الإنسان ليجعله في أعلى مقامٍ في الجنة ، وإن هذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء ، وإنها دار تكليف لا دار تشريف ، ودار عمل لا دار جزاء ، فحينما توقن ؛ تؤمن بالله ، وتؤمن بسرِّ وجودك ، وغاية وجودك ، وتؤمن بمنهج ربك ، وتسأل إذاً .

       وهناك بعد ذلك نقطة دقيقة ، إنك لن تستطيع أن تدخل إلى أيّ مكتبٍ في البلد إلا وفي جيبك مال ، ولن تستطيع أن تدخل إلى عيادة طبيبٍ إلا ومعك أجرة المُعاينة ، ولن تستطيع أن تُقابل محامياً إلا وأجور الأتعاب في جيبك ، سأل أحدهم محاميًا :

    ـ أأدخل بهذه القضية في القضاء ؟ أهي رابحة أم خاسرة ؟

    ـ قال له : خاسرة .

    ـ قال له : شكراً لك .

    ـ فقال له : أين الأجرة ؟

    ـ قال له : خاسرة .

    ـ قال له : هذه نصيحة قدَّمتها لك ، فضجر ، وذهب إلى محامٍ آخر ، قال له :

    ـ هكذا فعل معي .

    ـ قال له : معه حق ، فانصرف فقال له :

    ـ أين الأجرة ؟ . 

         لن تستطيع أن تدخل إلى مكانٍ إلا وفي جيبك أتعاب هذه الاستشارة إلا في المسجد ، فاسأل ما بدا لك ، هؤلاء الذين سخَّرهم الله لنشر دينه يعملون لحساب الله عزَّ وجل ، ويرجون رحمة الله ..

إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا(9)

( سورة الإنسان )

      لن تجد هذا إلا في الحقل الديني ، ولن تجد إنساناً يخطب ، ويصلي ، ويؤم الناس حِسبةً لوجه الله تعالى إلا في المسجد ، هو لا يريد شيئاً ، فهذا الشيء ميسَّر ..

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ

( سورة القمر :من آية " 17 " )

      يسَّرنا هذا الدين للنشر ، ويسرنا الحق ليكون واضحاً بين الناس ..

فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(43)

( سورة النحل )

فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)

( سورة الفرقان )

    الحقيقة في الإسلام حركة سلبيَّة ، وحركة إيجابيَّة ، الامتناع هو الاستقامة ، امتنع عن الكذب أمر جيد ، صادق ، امتنع عن الغيبة ، وعن أكل المال الحرام ، وعن الإيقاع بين الناس ، وعن محاكاة الآخرين ـ تقليدهم ـ فالذي يقول : أنا لم أغتب ، ولم أزنِ ، ولم أسرق ، ولم أقتل ، ولم ولم ، هناك مئة ألف بند تسبقها لَم ، ومعنى هذا أنت مستقيم ، الاستقامة تؤدي إلى السلامة ، ولكن الأعمال الأخرى أعمال إيجابيَّة ؛ إنفاق ، وطلب علم ، وتعليمه ، والإصلاح بين الناس ، ورعاية الأيتام والأرامل ، وطُلاَّب العلم ، فهذه أعمال إيجابيَّة ، فبالأعمال السلبية تسلم ، ولكنك بالإيجابيَّة ترقى ، وتحتل عند الله مقعد صدقٍ عظيم ، بالأعمال السلبية تسلم ، وبالإيجابيَّة تسعد ، والسلامة والسعادة مَطْلَبَان أساسيان عند كل إنسانٍ كائناً من كان .

      لدينا الإنفاق ..

 

          الإنفاق عندنا ـ هنا في الآية ـ بديهي ، سألوا النبي : ننفق أو لا ننفق ؟ قال : ماذا نُنْفِق ؟ كم ننفق ؟ ولمَن ننفق ؟ وما نوع الذي ننفق ، أما الإنفاق كإنفاق أمرٌ فمقطوعٌ به ، هذا المعنى أحياناً يستشف من آية أخرى ..الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا

( سورة الملك : من آية " 2 " )

       لا ليبلوكم أتنجحون أم تسقطون ؟ لا ليبلوكم أتحسنون أم تسيؤون ؟ لا ، ينبغي لك أن تكون محسناً ، وهذا مفروغٌ منه ، أما الامتحان .. أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا .. الجامعات الراقية جداً ، والتي اختارت طُلاَّبها بعنايةٍ فائقة ، وبمجموعٍ عالٍ جداً ، هذه الجامعات تعطي امتحاناً لا ليفرز الناجحون مِن الراسبين ، لا ، لا ، لأنهم ناجحون كلهم ، ولكن ليصنَّف الناجحون في مراتب ، امتحانات الجامعات الراقية يكون لتصنيف الناجحين في مراتب ، لا لفرزهم إلى ناجحين وراسبين، الرسوب ليس وارداً إطلاقاً .

      وفي هذه الآية عدم الإنفاق ليس وارداً إطلاقاً ، أما الذي يجب أن يكون فهو الإنفاق ، لم يُسأل النبي عن الإنفاق ، ولكن سئل : ماذا ننفق ؟ ولمَن ننفق ؟

      والحقيقة للإنفاق معنىً موسَّع جداً ؛ أن تنفق مما رزقك الله ، لا يوجد إنسان على وجه الأرض لا يوجد عنده شيء ، إنسان عنده عِلْم ، وإنسان عنده خِبْرَة ، وثالث عنده قُدْرَة ، ورابع عنده مهارة ، وخامس عنده مال ، وسادس عنده مكانة وجاه ، وسابع عنده قدرة على الإقناع ، فماذا تنفق ؟ أنفق مبدئياً مما رزقك الله .. وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)

ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)

( سورة البقرة )

     أيْ إنَّ شطر الدين الأكبر (الإنفاق) شطره أن تعرف الله ، وأن تستقيم على أمره ، وأن تُنْفِق، فإنسان لا ينفق هذا إنسان لا يؤكِّد صِدْقَهُ ، لماذا سمَّى الله الصدقة صدقةً ؟ لأنها تؤكد صدق المؤمن، فهناك أشياء لا تكلِّفك شيئاً ، فأن تأتي إلى بيت من بيوت الله شيء لطيف ، فالإنسان قد يستمتع إلى درس ، وقد يلتقي مع إخوانه ، وأن تتوضأ ، وتصلي في الصيف ، الصلاة نشاط ، وأن تذهب إلى العمرة شيء لطيف، وسفر مريح ، وتسكن في فندق ، تأكل وتشرب ، وتطلع ، وتطوف حول البيت وتأتي ، وعملنا عمرة ، أما حينما تؤمر أن تنفق من مالك ـ المال محبَّب ـ وطبعك يقتضي أن تأخذه لا أن تنفقه ، فحينما تنفق المال هذا يؤكِّد صدق المؤمن ، فالحقيقة الصدق يظهر في الأعمال المُتْعِبَة ، ولذلك سمىَّ الله عزَّ وجل التكليف تكليفاً لأنه ذو كُلْفَة .

      إذاً الإنفاق مفروغٌ منه ، لم يُسأل عنه النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن سُئل : ماذا ننفق ؟ فجاء الجواب إجابةً للسؤال وزيادةً عليه ، ما هي الزيادة ؟ فقال الله عزَّ وجل :

( خير ) يجب أن تنفق خيراً ، أي تنفق مالاً حلالاً ، وأن تعطي علماً نافعاً ـ لا أن تُعَلِّم السحر ـ وأن تنفق من مالٍ حلال ، وأن تطعم طعاماً طيِّباً تأكله أنت وتقبل عليه ، لا أنك إذا كرهت الطعام أنفقته ، فهذه كلمة ( خير) واسعة جداً ، إن كانت بالجاه يجب أن تعين مظلوماً بجاهك ، لا أن تعين ظالماً على أكل مال الناس بالباطل ، تقول : إنني وضعت مركزي كله ، لا ، وضعت مركزك كله لنصرة الظالم لا المظلوم ، ( خير ) ، إن أردت أن تنفق من جاهك فيجب أن يكون هذا الإنفاق خيراً ، لنصرة المظلوم ، وإن أردت أن تنفق من مالك يجب أن يكون هذا المال مالاً حلالاً ، جمَّعته مِن كَدِّ يمينك وعرق جبينك ، إن أردت أن تنفق علماً يجب أن تنفق علماً نافعاً ينتفع به المتعلم في الآخرة، لا أن تنفق علماً يفسد حياة المسلمين .

       هناك مِهَنٌ كثيرة ، أساسها إفساد أخلاق المسلمين ، وإفساد البيوت ؛ أنا أعلِّمك تصليح هذه الأجهزة ، أنت ما فعلت شيئاً ، أنت ما أنفقت ، هذا العلم الذي تعلَّمته ، والذي تعلِّمه للآخرين أساسه إفساد البيوت المُسلمة ، الإنفاق يجب أن يكون إنفاقاً خيراً ؛ إنْ في المال ، أو في العلم ، أو في الجاه ، أو في أيّ شيء آخر .

       فهذه الزيادة ، أجابهم الله عزَّ وجل عن سؤالهم ، وزاد عن إجابتهم بشرطية أن يكون الإنفاق من خيرٍ ..

أقرب الناس إليك ، وأقرب إنسانين في الدنيا هما والداك ، اللذان هما سبب وجودك ، فالله عزَّ وجل جعل وجودك في الدنيا بسببهما ، لذلك ربنا عزَّ وجل رفع برَّ الوالدين إلى مستوى عبادته ، قال تعالى : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا

( سورة الإسراء : من آية " 23 " )

     وأعظم مظهر صارخ في حياة المسلمين بِرُّ الوالدين ، بينما في بلاد الغَرْب يقيمون يوم الأم ، لأن الأم مهجورةٌ سنةً بأكملها ، فينبغي لها أن يذكرها ابنها في السنة كلها يوماً واحداً ، أما عندنا ـ والحمد لله ـ إذا لم يرَ الأب والأم ولدهما كل يوم تكون هذه مشكلة ، فليس من المعقول ، ولا المقبول ، ولا اللائق بإنسان كان أبوه وأمّه سبب وجوده أن يهملهما ، " ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يُغْفَر له " ، ولا تشارك عاقاً لوالديه ، لو كان فيه خيرٌ لكان لوالِديه ..

       والحقيقة في الحياة دروس بليغة ، البارُّ بوالديه موفقٌ في الدنيا ، فهو قدَّم شيئًا لوالديه اللذين كانا سبب وجوده ، وكانا يتمنيان أن يجوعا ليشبع ، وأن يعريا ليكتسي ، كم من أب يُهْمِل شراء حاجاته الشخصيَّة من أجل أولاده ‍، وكم من أب يخرج من دمشق ـ البلدة ـ إلى ريفها ليزوِّج أولاده ، بفرق سعر البيوت بين الشام وبين ريفها ، هؤلاء الآباء أبطال ، فهذا الأب الذي عاش من أجل أولاده ، ألا يقتضي أن يكون أولاده طَوْع بنانه ، وفي خدمته ؟ ..

      أيها الإخوة ؛ يوجد شيء في الإسلام دقيق جداً ، إذا اهتم كل إنسان  بوالديه ، واهتم بإخوته الذكور والإناث ، واهتم بأعمامه وأخواله ، وعمَّاته وخالاته وأولادهم جميعاً ، صار هناك دائرة ضمان اجتماعي ، وإذا اهتم كل واحد بوالديه ، وإخوته الذكور والإناث ، وأخواله وأعمامه ، وخالاته وعماته وأولادهن ، يكون المجتمع بأكمله - دون أن نشعر - في ضمانٍ اجتماعيٍ موحَّد، فهذه الدوائر تتصل وتشكِّل المجتمع بأكمله ، وهذا نظام الإسلام ، الأقربون أولى بالمعروف ، لا تُقبل زكاة إنسانٍ وفي أقربائه محاويج ، لأن الناس أنت لهم وغيرك لهم ، أما أقرباؤك المُقَرَّبون إليك ، لأنك تعلم سرَّهم ونجواهم ، وتعلم أوضاعهم ، ومعيشتهم ، وحاجتهم ، وكل ظروف حياتهم، مَن لهم غيرك ؟ فهذا الذي يُهْمِل أهله ، يهمل والديه ، ويهمل أقرباءه ، وذَوي قرابته ويهتم بالغرباء ، هذا إنسان توازنه مختل ..

       ولذلك وصلة الرَحِم مِن أعظم الأعمال في الإسلام ، إن صلة الرحم مغطَّاة بأربعين حديثاً صحيحاً ، لعلَّها تزيد في الرِزق ـ كما قال عليه الصلاة والسلام ـ وتنْسأ في الأجل ، أي يمتلئ عمرك بالأعمال الصالحة فكأنه زاد ، بهذا المعنى تقريباً .

      صلة الرحم أيها الإخوة تبدأ بزيارة ، وتتابع هذه الصلة بتفقُّد أحوال من حولك ، ثم بالمُساعدة ، ثم بالدعوة إلى الله . فهناك دعوةٌ إلى الله خاصةٌ لأقربائك ، قال تعالى : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(214)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215)

( سورة الشعراء )

       فإذا اهتم كل واحد بأخواته ، وأصهاره ، وأولاد عمِّه وعمته ، وأولاد خاله وخالاته ، وزارهم ، ودعاهم إلى الله ، قدَّم لهم شريطًا ، وقدَّم لهم هدية ، وأعناهم ، وعمل لقاء أسبوعيًا شرح لهم فيه آية أو حديثًا ، وإذا اهتم كل واحد بأقربائه ، بدعوة إلى الله ، فهذه أعلى درجة من الدعوة . ولا تنسَ أيها الأخ الكريم أن الدعوة إلى الله فرض عين ، لا تُعفى من الدعوة إلى الله إطلاقاً لأن الله عزَّ وجل يقول : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي

( سورة يوسف :من آية " 108 " )

      كلام الله عزَّ وجل ، علامة اتباعك لرسول الله أنك تدعو إلى الله، إما أن تتكلَّم ، وإما أن تقدِّم للناس شريطاً ، أو تدعوهم إلى مسجد ، لابدَّ من أن تقدِّم شيئاً لهؤلاء ، فهذه دعوة إلى الله ، في حدود ما تعلم ، ومع من تعرف هذه فرض العين ، وأساساً الدعوة إلى الله رُبْع النجاة ..وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)

( سورة العصر )

أما اليتيم ، وهو الذي فَقَد والده ، أو فَقَد أمه ، أو فَقَدهما معاً ، فحينما يهمله المجتمع ، ويرى رفاقه في بحبوحة ، وفي بِشْر ، وفي سعادة ، آباؤهم معهم ، يغدق آباؤهم عليهم كل خير ، تجده يحقد على المجتمع ، وقد يحقد على القدر الذي أفقده والده ، وقد يكفر بالله ، أما إذا وجد اليتيم رعاية كافية مِن عمِّه ، ومِن خاله ، ومِن جده ، ومِن صديق والده ، ووجد رعاية كاملة ؛ وصلة ، وإكرامًا ، حُلَّت المشكلة ، فاليتيم أي يتيمٍ يحتاج إلى أن تنفق عليه ؛ إما من وقتك ، وإما مِن اهتمامك ، وإما من مالِك ، من أجل أن تنسيه فقده لوالده ..

   

و ( المسكين ) هو الذي لا يستطيع أن يكسب رزقه ، هذا أولى الناس بأن يأخذ من مالك الذي تنفقه في سبيل الله .

المنقطع ، فعظمة هذا الدين ، إذا كنت مسافرًا ، وسُرقت محفظتك، فأنت الآن فقير فقرًا طارئًا ، لك بلد ، ولك محل تجاري ، ولك شركة ، وتملك ما تملك ، أما هنا فأنت لا تملك شيئاً ، جعل الله لهذا نصيباً من الزكاة ، أرأيت إلى هذا التضامن ؟ لو كنت مسافراً في أيّ بلدٍ إسلاميّ ، وفقدت مالك فجأةً بعملٍ عدواني ، فأنت مَعْنِيٌّ بهذه الآية الكريمة :

 

     وحينما يُنْفِق الإنسان ، دققوا ؛ حينما تنفقون فيما بينكم ، وحينما يشتري أحدٌ منَّا هديةً ليقدِّمها لصديق ، فأهم شيءٍ يحرص عليه أن يعلم هذا الصديق أن هذه الهدية منه ، خطأ كبير جداً ، إنني إذا قررت أن أهدي فلانًا هذه الهدية ، ألقيها في البيت أو أرسلها مع ابني ، يدفعها وينتهي ، فهذا الذي قُدِّمت له الهدية ينبغي له أن يشكرك عليها ، ولكنه لا يعرف مَن أنت ، فيسأل : من جاء بهذه اللوحة ؟ والله لا نعرف ، طفل دفعها وراء الباب وذهب ، ولم يقل لنا أية كلمة ، هذا خطأ كبير ، لأن النبي علَّمنا أن نرُد على الهدية بهديةٍ مثلها فقال :" تهادوا تحابوا " .

( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )

      وعلَّمنا إن لم نرد عليها بمثلها أن نشكره عليها ، هكذا الأصول ، من أسدى إليكم معروفاً فكافِئوه ، فإن لم تجدوا فادعُوا له ، يا أخي ، جزاك الله خيراً على هذه الهدية ، أما لا تعرف من أين جاءت ‍‍!؟ والله هذه مشكلة ، فدائماً المُنْفِق يحب أن يعلم الذي أنفق له أن هذه منه ، وهذه المشكلة عند الله محلولة ، قال :

حجم عملك بالضبط ، مقدار التضحية ، وثمن الشيء ، الوقت الذي بُذِلَ من أجله ، والعقبات التي زُلِّلت ، والصوارف التي تجاهلتها ، كله عند الله معلوم ..

ولذلك سبب سعادة المؤمن أن علاقته مع الله ، والله يعلم ، الله عزَّ وجل لا يحتاج إلى بطاقة ، ولا إيصال ، ولا قَسَم ، ولا شهود ، بل يعلم السر وأخفى ..

(من) لاستغراق أفراد النَوْع ، أيْ أنك إذا قدَّمت كأس ماء لإنسان عطشان فهذا خير ، وأجلست امرأة متقدِّمةً في السن مكانك في السيّارة العامَّة ، فهذا العمل عند الله محفوظ ، أو سقيت قطةً ، وأصغيت الإناء لهرَّة ، وأطعمت كلباً ، وتلافيت أن تقتل نملةً ..

كل أعمالك سوف تُعْرَض عليك يوم القيامة عملاً عملاً ، هذا العمل هو الذي يرقى بك عند الله عزَّ وجل ، والعمل الصالح يرفعه ، بل إن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح فقط ..وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا

( سورة الأنعام : من آية " 123 " )

       أيها الإخوة ... السِمَة البارزة للمؤمن الإنفاق ، هو مخلوقٌ لينفق لأن الإنفاق ثمن الجنَّة ، وحجمك عند الله عزَّ وجل بحجم عملك الصالح ، لوكل إنسان مكانة عند الله بحسب عمله الصالح ، والعمل يُقبل بشرطين : إذا كان صواباً وخالصاً ؛ صواباً ما وافق السُنَّة ، وخالصاً ما ابتغي به وجه الله عزَّ وجل . ونحن في الدنيا من أجل العمل الصالح ، لأن الإنسان عند الموت يقول :رَبِّ ارْجِعُونِ(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا

( سورة المؤمنون )

      والعمل الصالح إيجابي ، والإسلام إيجابي ، ولا يوجد إسلام سَلْبي ، وليس هناك مؤمن متقَوْقِع ، ولا مؤمن مُنْسَحِب مِن الحياة ، ولا مؤمن يعيش وحده ، فالإسلام إيجابي ، ومتحرِّك ، والإيمان حركة نحو الله عزَّ وجل ، ونحو الخلق ، نحو الله عبادة ، ونحو الخلق إحسان ..وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)

( سورة مريم )

       أيها الإخوة آيات الدرس القادم متعلقةٌ بالقتال :

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

     توجد بعض الأسئلة وردتني :

    ـ س1 : مـا الدليل على أن الإسلام دين الله ؟

      الشيء الثابت في الكون هو الكون ، هذا الكون أكبر دليل على وجود الله ، سنبدأ بالتسلسل ، الشيء الثابت عند أهل الأرض كلهم ؛ وعند الكافر ، والمؤمن ، والمسلم ، وغير المسلم أن الشمس والقمر ، والليل والنهار ، والنبات والحيوان ، والبحار والجبال ، والأطيار والأسماك هذا كلُّه دليل على وجود الله ، وجود الله الخالق ، المُرَبِّي ، المسيِّر ، العليم، الرحيم ، الحكيم ، هذا أكبر دليل يقرؤه كل إنسان ، فالكون قرآنٌ صامت يقرؤه العربي ، وغير العربي ، والمسلم ، وغير المسلم ..

( سورة البلد )

       هذا الابن الذي هو بضعةٌ مِنْك ، ألا تعلم كيف تخلَّق ، نقطة ماء ؛ صار له جهاز عظمي يتحمل وزن خمسمئة كيلو ، عظم عنق الفخذ ، هذا الابن الذي أصله ماء أكيد ، وأنت تعلم هذا علم اليقين صار له أسنان ، ثاني أقسى عنصر في الأرض بعد الماس ، فأولاً الكون أكبر ثابت يدل على الله .

وفي كل شيءٍ له آيةٌ    تدل عـلى أنه واحـدُ

*  *  *

      هذا الإله العظيم من لوازم كماله ألا يهمل خلقه ، أن ينبههم ، تصور أبًا قاعدًا بالشتاء ، اقترب ابنه من المدفأة وهو صغير ، هل يظل الأب ساكتًا ؟ ألا يتحرَّك ؟ مستحيل ، لما في قلبه من الرحمة ، قد يقوم من مقعده ليمنع ابنه من أن تمسَّ يده المدفأة ، فلابدَّ مِن أن يرسل الله لعباده بيانًا ..

     أنا ذكرت في مؤتمر قبل أيام ، أن الله خلق السماوات والأرض بالحق ، وهو نور السماوات والأرض ، خلقهما بالحق ، ونورَّهما بالوحي ، والوحي رحمةٌ كله ، وعدلٌ كله ، ومصلحةٌ كله ، وحكمةٌ كله ، وقلت : وأية قضية خرجت من العَدل إلى الجَوْر ، ومن الرحمة إلى القسوة ، ومن المصلحة إلى المَفْسَدَة ، ومن الحكمة إلى خلافها فليست من الوحي ، ولو أُدخلت عليه بألف تأويلٍ وتأويل .

     فالله عزَّ وجل لابدَّ من أن يوحي لعباده ، وينوِّر لهم السَبيل وأن يعرفهم بذاته ، فهنا كتب سماوية ، هذا الكتاب الذي لنا نحن ، هذا دليل على أنه كلام الله وإعجازه ، فمن جاء بهذا القرآن ؟ الذي جاء به رسول الله لأنه معجز ، الذي يستطيع ـ مثلاً ـ أن يجعل البحر طريقاً يبساً حتماً فهذا فوق طاقة البَشَر ، ومعنى هذا رسول الله ، فعندما يرسل ربنا إنسان يقول : أنا رسول الله . يقال له : أنت كاذب ، ائتنا بشيء يدل على ذلك . فيكون معه معجزة ، والمعجزة لا يستطيعها إلا خالق الكون ، وهذا الكتاب معجزة مستمرة ، والعلم تقدم تقدُّمًا مذهلاً ، ولم تظهر أية حقيقةٍ علميةٍ متناقضةٍ مع هذا الكتاب ، أبداً ، هذا معجزة مستمرَّة .

       ذكرت مرة : أن الله عزَّ وجل قال :

( سورة الواقعة )

     والآن عرفوا أبعد مجرَّة حتى الآن تبعد عشرين مليار سنة ضوئية ، فهذه المجرة كانت في هذا الموقع قبل عشرين مليار سنة ضوئية ، وانطلق ضوؤها إلينا ، وبقي هذا الضوء الذي يمشي بسرعة ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية ، يمشي عشرين مليار سنة حتى وصل إلينا ، لكن النجم الذي أطلق هذا الضوء أين هو الآن ؟ هو يسير بسرعة مائتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية ، فإذا قال الله : مسافة بين النجوم ، فهذا كلام غير مقبول ، فقال :

 

كلمة (موقع) لا يعرفها إلا عالِم فلَك ، النجم سار ، النجم أرسل الضوء وسار ، ولا يعلم إلا الله موقعه الآن ، من كلمة (موقع) . القرآن كل آيات كونية دالَّة على عظمة الله .

       فنحن التسلسل : هذا الكون يدل على خالق عظيم ، ومن كمال الخالق أن ينوِّر الأرض والكون بوحيٍ ، والوحي دليل أنه كلام الله وإعجازه ، والذي جاء بهذا الكلام هو رسوله ، وانتهى دور العقل ، والعقل أوصَّلك أن الكون له خالق ، وهذا الخالق له كتاب ، والكتاب دليل إعجازه ، والذي جاء بهذا الكتاب رسول الله .

      الآن جاء دور النقل ؛ افعل ولا تفعل ، فهذا القرآن كلام الله من إعجازه ، وهذا القرآن متطابقٌ مع الكون لأن المصدر واحد ، والذي خلق الكون هو أنزل هذا القرآن ، والذي جاء بهذا الكتاب رسوله لأن معه معجزة ، وهذا النبي بيَّن هذا الكتاب .

      وهذا الجواب على قولك : ما الدليل على أن الإسلام دين الله عزَّ وجل .

*  *  *

   ـ س 2 : إنسان سمع حديثًا: " إن أحب الخلائق إلى الله عز وجل شاب حدث السن في صورة حسنة ـ إذا لم تكن صورته حسنة ، فماذا يفعل الشاب بنفسه ؟ الكلام النبوي صعب أن يكون له مأخذ ـ جعل شبابه وجماله لله وفي طاعته ، ذلك الذي يباهي به الرحمن ملائكته يقول : هذا عبدي " .

( من كنز العمال : عن " ابن مسعود " )

      قال : سمعت هذا الحديث من أحد العلماء فهل هو وارد عن رسول الله ؟

      أنا والله لم أقرأه في الصحاح ، ولعلَّه حديث ضعيف ، و- على كلٍ الشاب المؤمن الطائع لله عزَّ وجل ، هذا بأحاديث كثيرة جداً صحيحة ، فالنبي صلى الله عليه و سلم أثنى عليه .

" إن الله ليباهي الملائكة بالشاب المؤمن ، يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي " .

بل ما من شيءٍ أكرم على الله من شابٍ تائب ، إنسان بالثمانين التحق بالمساجد ، والله على العين والرأس ، أهلاً وسهلاً ، ولكن هذا هرم خالص ، تحتاج إلى شاب أول حياته ، كله شهوات ، منضبط ، غض بصره ، وضبط لسانه ، وضبط دخله والآخر مقبول وعلى العين والرأس ، ولكن شتَّانَ بين شابٍ مُتَّقدٍ شهوةً ، ومتقدٍ نشاطاً وقد ضبط نفسه في طاعة الله .

      فهناك أحاديث كثيرة جداً تثني على الشاب المؤمن . النبي الكريم عيَّن شابًا قائد جيش (سيدنا أسامة ) ومن جنود الجيش ( سيدنا عمر بن الخطَّاب ) قال له سيدنا الصديق : أتأذن لي بعمر ! لأنه قائد جيش ، عمره سبعة عشر عاماً ، مشى الصديق في ركابه ، قال له : والله يا خليفة رسول الله لتركبن ، أو لأمشين ، قال له : " والله لا ركبت ولا نزلت ، وما عليَّ أن تغبرَّ قدماي ساعةً في سبيل الله "  لا يوجد دين بالأرض اعتنى بالشباب ، واعتنى بالصغار كعناية رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم .

     ولدينا مئات الأحاديث التي تجعل من الشباب شُعْلَة الأمة ، وريح الجنة في الشباب ، والآن بأي مشروع تريد أن ينجح عيِّن فيه شباب ، الشاب طاقة هائلة جداً ، والكبير يمل ، فلذلك الشباب مُحترمون في النصوص أيما احترام ، ونحن غير مضطرين لحديث ضعيف ، شكله حسن ، ولكن ماذا لو كان شكله غير حسن ، سيدنا بلال ما كان أبيض اللون مثلاً ، لكن سيدنا عمر خرج إلى ظاهر المدينة لاستقباله ، خليفة المسلمين يخرج إلى ظاهر المدينة لاستقبال سيدنا بلال ، وكان أصحاب النبي إذا ذكروا بلالاً قالوا : هو سيدنا ـ عن سيدنا الصديق ـ وأعتق سيدنا ـ يعنون بلالاً ـ هذا هو الإسلام :

( سورة الحجرات :من آية " 13 " )

       في الإسلام : الشيخ حدثٌ إذا كان جاهلاً ، والعالم شيخٌ ولو كان حدثاً ، ومراتب الدين مراتب دقيقة جداً ، يتسنَّمها الطائعون ، والعلماء ، والمخلصون ، علم وطاعة وإخلاص ، أما مراتب السِن ، ومراتب الجِنْس ، واللون والعرق فهذه لا قيمة لها إطلاقاً .

*  *  *

    ـ س 3 :  ذكرتم أن الحكم الشرعي يؤخذ فقط من الكتاب والسُنَّة ، هل يمكن إلزام إنسان أن يأخذ أحكامًا من أفعال الصحابة الكرام ؟

      سيدنا عمر كيف هاجر ؟ سيدنا عمر هاجر متحدياً ، قال : " من أراد أن تثكله أمه فليتبعني إلى هذا الوادي " ، والنبي كيف هاجر ؟ هاجر خفيةً ، وسار مُساحلاً ، وهيَّأ كل الأسباب ، وعيَّن من يمحو الآثار ، ومن يأتيه بالأخبار ، وعيَّن دليلاً مشركًا ، غَلَّب الخبرة على الولاء ، وفعل كل أسباب الهجرة ، وسيدنا عمر ما هابه شيء ، مشى في الطريق هكذا أمام الناس .

       من هو الذي يؤخذ منه الحكم الشرعي ؟ النبي الكريم ، لو أخذنا حكماً شرعياً من عمر في الهجرة ؛ لعُدَّ اقتحام الأخطار واجباً ، ولعدَّ أخذ الحيطة حراماً ، هلكت الأمة من بعد رسول الله . أما إذا أقرَّ النبي عمر على شيء فيجب أن نأخذ من عمر .

      والنبي له سنة ، سنته أٌقواله وأفعاله وإقراره ، فقد يفعل عمر شيئاً أمام النبي ، فالنبي يقرُّه عليه ، فأصبح سنةً ، لأن النبي مستحيلٌ أن يقر على خطأ ، أما إذا فعل صحابي شيئًا فهذا موقف شخصي ، وهذا الموقف مسجَّل له عند الله ويرقى به ، لكنه ليس حكماً شرعياً .

 

      وسيدنا الصديق شرب لبناً حراماً فاستقاءه ، فإذا أكلت أكلة فتبين لك أن ثمنها مال حرام ، فهل أنت مكلَّف أن تخرجها بعملية إفراغ معدة ؟ لا لست مكلَّفًا ، بل تتوب إلى الله وتستغفره .

 

      فعندنا موقف شخصي ، وهناك حكم شرعي ، الحكم الشرعي يسع كل المسلمين ، ويؤخذ من الكتاب والسُنَّة ، والسنة فيها سنة تقريرية ، وهي أفعال الصحابة ، ولكن لست أنت الذي تستنبط من أفعال الصحابة ، فالذي يستنبط العلماء والفقهاء من أفعالهم شيئاً .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi