English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :75/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيتان  (218-219) .

تفريغ          : عبد الرحمن التكريتي .

تدقيق لغوي    : السيد محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة الكرام مع الدرس "75" من دروس سورة البقرة ومع الآية 219 ، والتي قبلها ، قال تعالى :

(سورة البقرة)

الحقيقة تحديد المصطلحات جزء من العلم فالله عز وجل حينما يقول :

آمنوا أي الإيمان الذي يريده الله عز وجل ، وآمنوا الإيمان الذي ينجيهم ، وآمنوا الإيمان الذي يحملهم على طاعة الله عز وجل ، فليس كل إيمان عند الله إيماناً ، وليس كل إسلام عند الله إسلاماً.

قَالَتْ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا

(سورة الحجرات 14)

يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا

معنى ذلك أن إيمانهم ليس مقبولاً عند الله عز وجل ، فالله جلّ جلاله إذا قال : "آمنوا" القصد من هذا الكلام الإيمان الذي بني على بحث ودرس وتأمل ، والإيمان الذي تستكمل فيه أركان الإيمان من إيمان بالله موجوداً وواحداً وكاملاً ، وإيمان بأنبيائه و رسله ، وإيمان بكتبه ، وإيمان بالملائكة، وإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى ، بمجمل هذا الإيمان ينبغي أن تطيع الله عز وجل .

هاجروا بالمعنى الواسع والمعنى الضيق ، فبالمعنى الواسع هجر المنكر ، وهجر كل معصية ، وهجر كل شبهه ، وبالمعنى الضيق ترك بلداً منع فيه من إقامة شعائر الدين ، وهاجر إلى بلد أتيح له أن يعبد الله فيه .

أي بذلوا الجهد ، فنحن في دار عمل ، وفي دار ابتلاء ، فالتكليف طبيعته ذو كلفه ، وهناك شهوات أودعت في الإنسان وهناك منهج الله عز وجل يقنن لك هذه الشهوات ، يقننها بقنوات نظيفة ، فأن تحمل نفسك على طاعة الله وعلى أن تقنن هذه الشهوات في أقنية نظيفة طاهرة تفضي بك إلى الآخرة ، وإلى دار السلام فهذا هو الجهاد ، ولذلك فالجهاد مراتب  ثلاث أولاها : أن تجاهد نفسك وهواك لأن المهزوم أمام نفسه لا يمكن أن يفعل شيئاً مع غيره ، والجهاد الثاني : الجهاد الدعوي ، أن تتعلم القرآن وأن تعلمه ، وقد يتاح للإنسان الجهاد القتالي . والأصل أن تحمل نفسك على طاعة الله عز وجل وأن تجاهد نفسك وهواك .

الإنسان المؤمن يرجو ويخاف ، فلو بنيت علاقته مع الله على الرجاء دون الخوف اختلت هذه العلاقة ، ولو بنيت علاقته مع الله على الخوف دون الرجاء لاختلت هذه العلاقة ، فالأنبياء والمرسلون والمؤمنون الصادقون يعبدون الله خوفاً و طمعاً ورغبة ورهبة ، فهذا الوضع المتوازن يعني ترجو رحمته وتخاف عذابه ، ترجو رحمته بحيث لا تطمع فيها فتقع في معصية ، وتخشى عذابه بحيث تحملك هذه الخشية على طاعته دون أن تيئس من رحمته . فهي قضيه فيها توازن دقيق ، ترجوه دون أن تطمع في رحمته طمعاً يحملك على معصية الله ، وتخافه خوفاً دون أن يحملك على اليأس من رحمة الله ، فالخوف طبيعي ما لم يحملك على اليأس ، والرحمة طبيعية ما لم تحملك على معصية ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك ، إنهم يعبدون الله رغباً ورهباً ، فهولاء الذين آمنوا الإيمان الحقيقي وهاجروا تركوا المنكر ، وجاهدوا في سبيل الله ، وبذلوا الجهد ليصلوا إلى مرضاة الله عز وجل وهؤلاء في الأساس يرجون رحمة الله ، ولذلك دعا النبي عليه الصلاة والسلام فقال : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَعَمَلٍ لَا يُرْفَعُ وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَقَوْلٍ لَا يُسْمَعُ.

(مسند الإمام أحمد 13180) .

فأنت لو عملت عملاً صالحاً يجب أن تبقى قلقاً لعل في هذا العمل نية لا ترضي الله ، ولعل في هذا العمل حظاً من حظوظ الدنيا ، استعذ بالله من عمل لا يرفع ، ولذلك فقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الجنة التي هي فضل الله عز وجل لا يكفيها العمل بل لا بد من رحمة الله ، هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل .

إلا أن يتغمدني الله برحمته .

فالجنة محض فضل ، تحتاج إلى رحمة الله ، إن كل عملك في الدنيا لا يكفي ثمناً للجنة ، ولكنه قد يكون سبباً لدخول الجنة ، وفرق كبير بين أن يكون العمل سبباً ، وبين أن يكون العمل ثمناً ، كل عملك الصالح لا يكفي ليكون ثمن الجنة .

إلا أن يتغمدني الله برحمته .

والجنة محض فضل ، والنار محض عدل .

 أيها الإخوة :

ما هي رحمة الله ، الله عز وجل يقول : وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)

(سورة الزخرف)

فأي شخص يملك أعمالاً تجاريه تدر عليه ألوف الملايين .

وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)

وإنسان يملك شارعاً بأكمله بكل أبنيته في أروج عواصم العالم .

وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)

وإنسان يملك شركه متعددة الجهات والفروع ولها حجم مالي   خيالي .

وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)

إن رحمة الله عز وجل مطلق عطائه من معانيها السلامة سلامة الصحة ، وسلامة القلب ، وسلامة النفس ، ومن معانيها أن يحبك الناس وأن تكون آمناً مطمئناً ، وأن تصل نعم الدنيا بنعم الآخرة ، وأن تنتهي بك دنياك إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، ورحمة الله أثمن شيء يملكه الإنسان .

إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)

(سورة الأعراف)

وإن كل عطاء الله ، وكل علم الله ، وكل رحمة الله ، وكل عدل الله ، وكل قوة الله ، وكل ما عند الله من خير متمثل في رحمته .

مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ .

(سورة فاطر2)

فإذا حجبت عنك رحمة الله وجاءتك الدنيا بحذافيرها فأنت أشقى الأشقياء ، ولو حجبت عنك الدنيا كلها ومنحت رحمة الله فأنت أسعد السعداء ، ورحمة الله أنك مع الله .

إنك تستفيد من علم الله ، ومن قدرة الله ، ومن فضل الله ، ومن غنى الله ، وكل ما عند الله بين يديك إذا كنت موصولاً به ، وكل ما عند الله محجوب عنك إذا كنت مقطوعاً عنه ، إذاً رحمة الله مطلق عطاء الله عز وجل .

والصحابة الكرام عاشوا حياة خشنة لكنهم كانوا مغموسين برحمة الله ، بينما أناس كثر في أعلى درجات الغنى والقوة حجبت عنهم رحمة الله فهم في أشقى حال .

والنبي عليه الصلاة والسلام من شدة أدبه مع الله قال في دعائه الشريف : نسألك موجبات رحمتك.

فالرحمة لها موجبات ومن موجبات الرحمة أن تكون مستقيماً على أمر الله حتى تستحق رحمة الله، ومن موجبات الرحمة أن تكون مخلصاً لله حتى تستحق رحمة الله ، وأن يكون لك عمل صالح يرضي الله حتى تستحق رحمة الله عز وجل .

أيها الإخوة الكرام ... الآية التي تليها .

 تحدثت بادئ ذي بدء في درس سابق على ما أذكر أن كلمة "يسألونك" تعني الشيء الكثير ، فأنت حينما تعرف الله تسأل عن أمره ونهيه ، وحينما تعرف الله فلا بد من أن تتوجه إليه أو لا بد من أن تتقرب إليه ، فكيف السبيل إلى التقرب إلى الله عز وجل ؟ .

إنسان من بني جلدتك تحب أن تتقرب منه تزوره ، وتقدم له هدية ، وترعى ابنه ، وتعين من حوله ، فهذه وسائل التقرب إلى البشر أما إذا أردت التقرب إلى الله عزوجل فما السبيل ؟ أن تطيعه ، وأن تنتهي عما عنه نهاك ، وأن تأتمر بما أمرك به ، فأكبر وسيلة للتقرب إلى الله عز وجل أن تأتمر بما أمرك وأن تنتهي عما نهاك .

والتسلسل المنطقي حينما تتعرف إلى الله وحينما ترى أن الله هو كل شيء وأن الأمر كله بيد الله وأن العطاء كله من عند الله وأن الله هو المعطي ، وهو المانع ، وهو الرافع ، وهو الخافض ، وهو المعز ، وهو المذل ، فكيف السبيل إلى التقرب إليه ؟ .

نحن في حياتنا الدنيا إذا التقيت بإنسان على شيء من العلم أو شيء من الخلق تتمنى أن تلتقي به ، وأن تزوره ، كيف السبيل إلى أن نلتقي ؟ إلى أن نجلس معاً ؟ إلى أن نزورك ؟ إلى أن تزورنا ؟ أنت حينما ترى إنساناً متفوقاً قليلاً تتمنى أن تلتقي به .

إنك إن عرفت الله عز وجل فالشيء الأول بعد هذه المعرفة كيف أتقرب منه ؟ وكيف أتصل به ؟ وكيف أنتفع برحمته ؟ وأنال من عطائه ؟ وأسعد بقربه ؟ فلذلك يسألونك ، ومعنى ذلك الذي لا يعرف الله لا يسأل أبداً لم السؤال ؟ كله عنده سواء ، أما الذي يسأل فهو الذي يعرف الله ، وهل هذا يرضي الله ؟ وهل هذا العمل يحجبني عن الله ؟ وهل هذا العمل يسخط الله علي ؟ يسألونك مادام هناك سؤال فهناك اهتمام وهناك معرفة .

أولاً هناك حقيقية لابد من أن تكون واضحة وهي لكم أمور العقيدة التي لا مهادنة فيها ، ولا تدرج فيها ولا مداراة فيها ، الحق هو الحق .

وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9)

(سورة القلم)

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

(سورة محمد 19)

تجد القرآن الكريم في تشدد يفوق حد الخيال في شؤون العقيدة.

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

(سورة محمد 19)

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ .

(سورة الحاقة 44 ـ 47 )

وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ، وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا .

(سورة الإسراء : 73 ـ 75 ) .

وهناك تشدد مذهل في شؤون العقيدة والتوحيد والرسالة ، أما في شؤون التشريع فهناك تدرج ، وهناك تشدد في شؤون العقيدة ، وأما في شؤون التشريع فهناك تدرج ، وليس معنى التدرج أنه نقيض التشدد لا ولكن مادام الناس قد ألفوا شيئاً فلا بد أن نأخذ بيدهم برفق إلى الصواب  وهذا ماذا يعلمنا ؟ لو أنك التقيت مع إنسان يجهل كل شيء عن الدين ورأيت في بيته مئات المعاصي فينبغي لك أن تبدأ بعقيدته ، وأن تتعامى عن هذه المعاصي إلى حين ، ثم تأخذ بيده مرحلةً مرحلة، ودرجة درجة ، وخطوة خطوة ، كي تخلصه من كل هذه المعاصي والآثام ، أما لو قلت له في بيتك مئة شيء محرم فيجب أن تقلع عنها فوراً ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، فهناك على سبيل الطرفة أناس في بعض البلاد الإسلامية أسلم على أيديهم عدد كبير من وثنيي آسيا ، أول خطوة أمروهم بها أن يختتنوا ، فلم يقبلوا ، فجعلوا الختان شرطاً لازماً لقبول إسلامهم ‍‍، والاختتان لابد منه ، لكن تمهل قليلاً ، بدؤوا بالختان فرفض الإسلام .

لا مهادنة في أمور العقيدة ، ولا يوجد حل وسط ، ولا تساهل ، ولا مساومة ، ولا قبول ، أما في أمور التشريع فهناك تدرج ، والتدرج لا يتناقض مع التشدد ، فالتشدد يقابله التساهل أما التدرج فشيء آخر هذه نقطه مهمة جداً .

قال الله عز وجل :

وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا

(سورة النحل 67)

 يعني التمر والعنب تصنعون منه مادة مسكرةً من دون تعليق ، ورزقاً حسناً ، فهم أن هذه المادة المسكرة ليست رزقاً حسناً ، هذه أول إشارة في القرآن الكريم إلى أن الخمر مادة ضارة .

وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا

قد أقول هذه مادة غذائية أمامك ، وهذه مادة غذائية نافعة ، فعندما وصفت المادة الثانية بأنها نافعة فهم أن المادة الأولى ليست نافعة ، يعني هذه المادة الغذائية فيها فساد .

تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا

هذه أول إشارة في كتاب الله إلى الخمر ،ولكن سمح لهم ، ثم كان بعض أصحاب رسول الله يصلي فقرأ قوله تعالى : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1)لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2)

(سورة الكافرون)

وكان في سكر ، فنزل قوله تعالى : لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ

(سورة النساء 43)

المرحلة الثانية ، ولكن متى يشرب ؟ ينبغي له أن يصلي الفجر بوقته ويذهب إلى عمله ، وينبغي له أن يصلي الظهر وبعدها العصر وبعدها المغرب وبعدها العشاء فما بقي إلا أن يشرب كأساً في منتصف الليل ضاق الوقت ، أول آية :

تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا

الآية الثانية :

لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى

الآن :

الخمر هو الستر ، والخمار هو الحجاب ، وخامره خالطه ، فالخمر مأخوذة من الستر ، والعقل يغيب بالخمر ، دققوا :

العقل أشرف شيء في الإنسان ، وحينما يشرب الإنسان الخمر يغيب عقله عنه ، وقد سمعت مرة عن رجل مرموق جداً اجتماعياً وله مكانة كبيرة جداً كان في جلسة وتناول الخمر فتكلم كلاماً فصار في الوحل لأنه غاب عقله فانحرف قوله .

فالله عز وجل منح الإنسان أعظم نعمة على الإطلاق نعمة العقل وقد جعل الله العقل مناط التكليف وسبب التكليف هو العقل ، وهل يعقل أن يأتي الإنسان مختاراً بفعل يغيب عقله عنه وهو أشرف شيء في حياته ؟ وهل يخفى عليكم أن مقاصد الدين الكبرى حفظ الدين ، وحفظ النفس  وحفظ العرض ، وحفظ المال ، وحفظ العقل ؟ وأن العقل سبب في حفظ هؤلاء جميعاً ، فمتى تبحث عن طريقة تحفظ بها دينك ؟ إذا كان عقلك يقظاً ، ومتى تبحث عن وسيلة تحفظ بها حياتك ؟ إذا كان عقلك سليماً ، ومتى تبحث عن أساس تحفظ به عرضك ؟ إذا كان عقلك سليماً . والشواهد لا تعد ولا تحصى أن الإنسان وهو في حالة سكر ـ وقد ورد هذا في بعض الأحاديث قد يقع على أمه أو على عمته أو خالته أو على ابنته ، تعطل العقل ، فيمكن أن يأتي عملاً يجعله في الوحل ، يمكن أن يقدم على قتل أولاده و الشواهد كثيرة جداً .

لماذا حرمت الخمر ؟ لأن أشرف شيء منحك الله إياه هو العقل ، وهذا الخمر يغيب عنك عقلك فإذا أنت تتحرك حركة عشوائية ضالة منحرفة .

الخمر تحجب عقل الإنسان عنه .

         

الميسر من اليسر ، إنسان يعمل سنة بأكملها ليجمع مبلغاً من المال ينفق منه طوال العام ، قد يكسب في جلسة واحدة أضعاف هذا المبلغ بالقمار . وإنسان سافر واشترى بضائع وباع البضائع وجمع ثمن البضائع وهناك بضائع رجعت له ، مشكلات لا تنتهي ، يأتي المقامر في جلسة واحدة فيكسب أضعاف أضعاف هذه التجارة المشروعة الرابحة في ليلة واحدة .

فسمي الميسر ميسراً من هذا القبيل ، لكن لماذا هو حرام ؟ لأنك حينما تجلس إلى أخيك هدفك أن تأخذ كل ما في جيبه ، أية أخوة هذه أن تجلس إلى أخيك لتأخذ كل ما في جيبه ، أو أن يأخذ كل ما في جيبك ، فالذي يلعب القمار يألف الكسب السهل بلا جهد وقد يدفع كل ما يملكه بهذه الجلسة قال بعض الشعراء :

هو الداء الذي لا برء منه      وليس لذنب صاحبه اغتفار

تشاد له المنازل شاهقات       وفي تشييد ساحتها الدمار

نصيب النازلين بها سهاد       وإفــلاس فيأس فانتحار

الآن إن لم يجد المقامر من يقامر معه ، وهو قد تعود على الكسب السهل لجأ إلى السرقة أو إلى الاحتيال و حينما يفور دم المقامر فمن أجل أن يكيد لصاحبه قد يبيع أساس بيته وقد يضحي بعرضه وقد يفعل شيئاً لا يفعله عاقل في الأرض ، فهذا هو الخمر الذي يحجب عنك عقلك وهذا هو الميسر الذي يفقدك مالك .

فأساس الميسر كسب غير مشروع ، إن كسب مال بلا عمل   ونحن عندنا قاعدة : الأموال تأتي  في الإسلام من الأعمال ، وإذا أتت الأموال من الأعمال توزعت بين الناس جميعاً ، فالكتلة النقدية التي بين أيدي الناس توزعت بين الناس جميعاً ، أما إذا ولد المالُ المالَ ، أو لم تأتِ الأموال عن طريق الأعمال فهذه مشكلة كبيرة جداً ، فأنت حينما تسمح في مجتمع ما أن تكتسب الأموال من دون أعمال تجمعت الأموال في أيد قليلة وحرمت منها الكثرة الكثيرة ، فالآية الكريمة :

 

هذه الآية ليست هي الآية الفاصلة في الخمر لازلنا في التدريج .

                                                                                               

إنسان يضيع عقله باختياره أو إنسان باختياره يأخذ ما في جيب أخيه أو يسمح له أن يأخذ ما في جيبه ، يعني كسب للمال أو فقد للمال بلا سبب مقنع خطأ .

المنفعة هنا هي تصور أصحابها أن هناك تجارة رابحة بالخمر أو أن الإنسان ينسى همومه بالخمر هكذا يدعي بعضهم ، وهذه نقطة عليها جواب دقيق ، يا ترى إذا غاب الإنسان عن همومه هل ألغيت همومه ؟ أم إذا غاب عن همومه فهل توقف مصدر الهم ؟ لا الهم قائم ، فماذا ينبغي له أن يفعل ؟ بدل أن يأخذ المنوم ليغيب عن همه يجب أن يكون يقظاً ليعالج مشكلته . هذا الجواب الدقيق . فأنا حينما أكون غارقاً بالديون أيهما أفضل أن يشرب الإنسان الخمر لينسى هذه الديون أم أن يبحث عن عمل يسد هذه الديون ؟ فالجواب الدقيق أنه من يدعي أن شرب الخمر ينسيه الهموم فهذه دعوى باطلة كما تفعل النعامة حينما يتبعها عدو مخيف فتغمس رأسها بالرمل لئلا ترى ، هل عدم رؤية العدو يلغي وجوده ؟ أو يلغي بطشه ؟ أبداً العكس ، فشارب الخمر تماماً حينما يشرب الخمر لينسى همومه كالنعامة تماماً تغمس رأسها بالرمل لئلا ترى العدو والعدو وراءها وسينهشها.

إذاُ هذا المنافع للناس شاربو الخمر يتوهمون أن شرب الخمر تنسيهم همومهم قال تعالى :

 


فالإثم أكبر بكثير ونحن في حياتنا اليومية ، لو فرضنا أن إنساناً عمل عملاً ربح منه مئة وخسر مليوناً فهل يفعله ؟ مستحيل ، فربح مئة وخسارة مليون لا يفعله .

والخير المطلق والشر المطلق لا وجود له ، والأشياء المحرمة إثمها أكبر من نفعها ، وسهرة مختلطة فيها شيء من السرور ولكن فيها عواقب وخيمة جداً ، تخرب البيوت ، وتنفر الأزواج من زوجاتهم ، أما في أثناء السهرة فقد تبدو ممتعة للحاضرين ولكن كل واحد ينظر إلى زوجة الآخر ويتمناها له ، فتقع مشكلة .

فلذلك أيها الإخوة ... الشر قد ينطوي على بعض الخير ، والخمرة التي حرمها الله بنص القرآن الكريم أثبت الله لها بعض النفع

هذا اسمه أمر إرشادي ، ونحن في عندنا أمران أمر تكليفي وأمر إرشادي ، وأنا أقول لإنسان إن شئت فعلت هذا وإن شئت لا تفعل فهذا اسمه أمر إرشادي ونحن لازلنا في الأمر الإرشادي .

انتبهوا ... أما حينما قال الله عز وجل : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ

(سورة المائدة 90)

صار هناك أمر تحريم ، فهنا أمر إرشاد .

وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا

هذا إشارة ثم تحريم زمني .

لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ

فمن إشارة إلى أن الخمرة ليست رزقاً حسناً إلى تحريم زمني إلى توجيه إرشادي إلى حكم شرعي. فإشارة ، تحريم زمني وتوجيه إرشادي ثم توجت هذه المراحل بالأمر التشريعي .

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ

أما كلمة فاجتنبوه فهي أشد أنواع التحريم على الإطلاق ، ولو أن الله عز وجل قال : حرمت عليكم الخمرة مثلاً يجوز أن تبيعها وحِرم عليك شربها ، فيجوز أن تبيعها ، وأن تتاجر بها ، وأن تنشئ معصرةً لعصرها  وأن تروج بها ، وأن تعلن عنها ، أما حينما قال الله عز وجل : فَاجْتَنِبُوهُ

يعني يجب أن تبقي بينك وبينها هامش أمان كبير ، فكلمة "فاجتنبوه" دقيقة ، فوزير الكهرباء إن نصب أعمدةً لتيار عالي التوتر يضع لوحات فيقول : توتر عالٍ ولا يقول : ممنوع المس ، بل يقول : ممنوع الاقتراب لأن التوتر العالي له ساحة ، والإنسان إذا دخل هذه الساحة يجذبه التيار   وسيحرقه فوراً .

فالبلاغ الحكيم لا أن تقول ممنوع مس التيار ولكن ممنوع الاقتراب من التيار لشدة خطره ، فإذاً المعاصي الخطيرة يجب أن تبقي بينك وبينها هامش أمان ، قال : وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى

(سورة الإسراء 32)

والزنى معصية خطيرة ، ولها مقدمات ، ولها منطقة محرمة فإذا اقتربت من هذه المنطقة المحرمة وقعت بالزنى دون أن تدري .

فالشريف هو الذي يهرب من أسباب المعصية لا من المعصية بذاتها إذاً هناك آية كريمة :تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا

(سورة البقرة 187)

فيجب أن تبقي بينك وبين حدود الله هامش أمان .

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ

انتهى الأمر ، وفي آخر الآية :فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ(91)

(سورة المائدة)

الصحابة الكرام قالوا : لقد انتهينا يا رب .

ففي ليلة واحدة أغرقت كل دنان الخمر وانتهى الأمر ، ولكن أرأيت إلى هذه الحكمة التشريعية  إشارة لطيفة ثم تحريم زمني ثم أمر إرشادي ثم حكم شرعي هكذا التدرج وهذا درس للدعاة ، فيمكن أن تتساهل وأن تغض البصر عن إنسان تأخذ بيده إلى الله عن بعض المخالفات ، وليس معنى هذا أن تقول له إنها مباحة لا بل اسكت عنها وغض البصر إلى أن يقوى عوده .

طبعاً ممنوع الآن بعد آية الخمر التحريمية أن تقول لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، فالآيات السابقة كلها نسخت ، ولكن يجوز أن تستضيء بهذا التدرج التشريعي في معاملتك لمن كان بعيداُ عن الدين وأن تأخذ بيده خطوة خطوة دون أن تقول له هذا مباح ، فإن الحرام حرام ولكن بين أن تجعل له كل حياته معصية فيبتعد عنك وبين أن تتغافل عن بعض مخالفاته لتأخذ بيده إلى الله عز وجل .

فالآيات التي سبقت آية التحريم كلها الآن منسوخة ، ولا يجوز أن نقول لشارب خمر صلِّ ولكن اشرب بين الصلوات فهذا كلام مرفوض الآن ولك أن تغض البصر عن بعض المخالفات تطبيقاً لمنهج هذه الآية في التدرج التشريعي فهذا ممكن ، مثلاً هناك شخص يدخل إلى بيت فيجد فيه عصفوراً معلقاً فتقول هذا حرام ، نعم إنه حرام ولكن عنده ألف مخالفة أهم من هذه ، هو لا يصلي بالأساس فقبل أن تعطيه قائمة المحرمات التي رأيتها في بيته دله على الله أولاً . فالدعاة يحتاجون إلى حكمة في نقل هذا الدين  والإنسان متعلق بأشياء كثيرة جداً غض البصر عنها موقتاً وعرفه بالله عز وجل فإذا عرف الله عز وجل باع روحه في سبيله .

 

قال العلماء العفو هو الزيادة أي أن الشيء الذي يزيد عن حاجتك يجب أن تنفق منه . هذه الآية جاءت قبل آية الزكاة المقننة .

وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(19)

(سورة الذاريات)

فهذه الآية : قل العفو ، أي أنت آكل ، شارب ، مرتاح ، ساكن في بيت ، وعندك شيء زائد عن حاجتك ، فهذا ينبغي أن تنفقه تقرباً إلى الله عز وجل وفي آية أخرى :

فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ

(سورة البقرة 178)

أي من ترك له فالشيء المتروك أو الشيء الزائد هذا الذي يمكن أن تنفقه وذلك في أصل الإنفاق قبل أن تأتي آيات الزكاة الدقيقة .

 

فبالمناسبة مثل هذه الآيات يسألونك وردت في القرآن الكريم في أكثر من ثلاث عشرة آية وفي آية واحدة لم تأتِ كلمة [ قل ] بين السؤال والجواب :

  

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ

(سورة البقرة 222)

....إلخ ، إلا في آية واحدة :

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ

(سورة البقرة 186)

استنبط العلماء أنه ليس بين العبد وربه حجاب ، ففي أمور العلم هناك وسيط أما في أمور القرب فليس بينك وبين الله حجاب .

أيها الإخوة ... قبل أن ينهار التحاد السوفييتي بسنوات حرم الخمر كلياً ، وفي حيثيات هذا القرار شيء لا يصدق ، يعني تقريباً خُمْسُ ساعات العمل التي يبذلها الناس في العمل تذهب سدى لأنهم مخمورون ، والإنفاق على الخمر أرقام فلكية ، والخمر أعاق تقدم الأمة ولذلك حرم الخمر لا لأمر تعبدي بل لأمر مصلحي . فيجب أن نعلم دائماً أن الشيء الذي حرمه الله ضار في كل زمان ومكان وفي كل عصر ومصر ، فالخمر حرمتها أمريكا في عام 1933 وبذلت جهداً في تحريمها . في مقال قرأته لا أذكر تفاصيله فمئات الأشخاص أعدموا و مليارات المبالغ أصبحت غرامات ومئات المطبوعات ثم أطلق الأمر لاستحالة التحريم هذا حينما يحرم بشر أما حينما يحرم خالق البشر فاجتنبوه فقد انتهى الأمر .

قد تجد المسلم في بحبوحة كبيرة قضية الخمر خارج أي نشاط له أما غير المسلم أَلِفَ الخمر واعتاد عليها ودخلت في دمه فالمشكلة كبيرة جداً .

فأيها الإخوة ... أردت أن أقول إن هذا الدين عظيم وأحد وجوه عظمته أن الشيء الضار محرم قطعياً ، فالمسلمون في عافية كبيرة لأنهم بعيدون عن هذا الشراب الذي يغيب عقولهم ، وتروي بعض الكتب أن إنساناً خُيِّرَ بين أن يقتل وبين أن يزني وبين أن يشرب الخمر هو بوهمه رأى أهون شيء أن يشرب الخمر فلما شربها زنى وقتل ، ولقد سماها النبي أم الكبائر جُمِعَ الشر كله في بيت ثم أرتج عليه فكان مفتاحه السكر  فالخمر أم الخبائث فالله عز وجل عافانا جميعاً من هذا الشراب الذي يضيع عقل الإنسان .

 

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi