English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :77/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات  " 222- 225 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : السيد محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

‏ بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس السابع والسبعين من دروس تفسير سورة البقرة ، ومع الآيات الثانية والعشرين بعد المئتين وما بعدها ، وهي قولـه تعالى:

       سأقف عند كلمة " ويسألونك " .. لمجرد أن تتعرَّف إلى الله عز وجل ، وتريد أن تتقرَّب إليه، ما مِن شيءٍ يقربك إليه إلا أن تطيعه ، وطاعته تحتاج إلى علمٍ بأمره ونهيه ، فلا تكون الطاعةُ طاعةً إلا إذا بُنِيَت على أمرٍ ونهي ، إذاً " يسألونك " والمؤمن الصادق يسأل ، والمؤمن الصادق يُثْقِلُ مرجعه الديني بالسؤال ، المؤمن الصادق لا يقرّ له قرارٌ إلا إذا عرف الحكمَ الشرعيَّ في كل شيء ؛ في كسبه للمال ، وفي إنفاقه ، وفي أفراحه وأتراحه ، وفي علاقاته ، ولهوه البريءِ المسموحِ به ، وفي حزنه ، وسفره وإقامته ، وفي زواجه  وتطليقه ، في كل شيء ، ولذلك فعلامةُ المؤمن أنّه يسأل : ما حكم الشيء ؟

      وقال تعالى : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ

(سورة النحل : من الآية " 43)

       من هم أهل الذِكْر ؟ هم أهل الوحي ، لدينا ثقافة أرضية مِنْ صنع البشر ، وعندنا حقائق من عند خالق البشر ، قال تعالى : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ

(سورة النحل : من الآية " 43)

       فأنت هل تريد كلام الخبير أم كلام غير الخبير ؟ الوحي هو كلام الخبير ،وكلام الناس كلام غير الخبير ، والإنسان أمام ملايين المقولات في شتىَّ الموضوعات والتي ليس لها أساس من الصحَّة ، ولا أساس من الواقع ، ولا أساس من منهج الله عز وجل ، فأنت تريد وسط ركام المقولات أن تبحث عن أمر الله ونهيه ، وعن الحُكْم الشرعي ، عن منطوق الوحي في هذا الموضوع ، لذلك :

       إن عرفت الله تسأل ؛ ما الذي يرضيه ، وما الذي يغضبه ؟ ما الذي يقربك إليه وما الذي يبعدك عنه ؟ وما الذي تسعد به ، أو تشقى به ؟ وهناك في الكون حقيقة واحدة هي الله .

       الخير كل الخير في التقرُّب إليه ، والشر كل الشر في البُعد عنه أي شيءٍ يقربك إلى الله عز وجل فهو حق ، وأي شيءٍ يبعدك عن الله عز وجل فهو باطل ، فالذي يقربك هو الحق ، والذي يبعدك هو الباطل .

         كنت مرة في جلسة ، وطَرَحْتُ أسئلة ، فلم يجب أحد ، فقلت لهم : هل لكم من سؤال ؟ هذا السكوت له تفسيران : إما أنه سكوت القانع ، أو سكوت عدم المبالي ، فإذا كنت قانعاً تسكت ، وإن كان هذا الموضوع لا يعنيك تسكت ، فالإنسان المؤمن حينما يؤمن ، وحينما يعظِّم الله عز وجل ، ويرجو رحمته ، ويخشى عذابه ، يتحرَّى أمره ونهيه ، وأنا أنطلق من كلمة  :

       ليكون سِمَةَ المؤمن ، السؤالُ :فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(43(

(سورة النحل : من الآية " 43 (

       فمفتاح العلم السؤال ، ومن استشار الرجال استعار عقولهم ، وأنت بالسؤال المؤدَّب يمكن أن تأخذ خبرة خمسين عامًا في أي موضوع ، فاسأل ، لا تستحِ أن تسأل ، وهناك إنسانان لا يتعلَّمان؛ المتكبِّر والمستحيِي ، فالمستحيِي لا يتعلم ، والمتكبر لا يتعلم ، والله عز وجل يأمرك أن تسأل أهل الذكر ، وضرب لك مثلاً نبياً كريماً من أولي العزم ، التقى بسيدنا الخضر قال له : هل تعلمني مما علمت رشدا ، فهل تسمح لي أن أصاحبك كي أتعلم من علمك ؟

       أيها الإخوة  ..الموضوعات التي يمكن أن تسأل عنها كثيرةٌ جداً ، فبعضها شديد الخصوصية ، وبعضها كبيرٌ جداً ، وهناك موضوعات على مستوى دولي ، في العلاقات الدولية ؛ السلم ، والحرب ، وما إلى ذلك ، وهناك موضوعات في منتهى الخصوصية ، كل هذه الموضوعات لها قيمة  ، لأن مخالفتها تحجب عن الله عز وجل ، فالآن موضوع دقيق جداً ..

       لحكمةٍ بالغة بالغة ، جُعِلَت المرأة مكاناً للحرث ، أي مكاناً لاستنبات الوَلَد ، قال تعالى :وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً

( سورة الروم : من الآية " 16 " )

       قال بعض علماء التفسير : المودة والرحمة التي بين الزوجين هي الوَلَد ، وقد جعل الله للمرأة مبيضاً ، فيه عدَدٌ محدود من البويضات ،ودققوا في كلمة " عددٌ محدود " لو لم يكن عدد البويضات محدوداً لكان هناك حملٌ في التسعين ، وحملٌ في المئة ، وهذا شيءٌ لا يمكن أن نتصوَّره، فلحكمة بالغةٍ بالغة كان بإمكان الرجل أن ينجب وهو في التسعين ، بينما في مِبْيَضِ المرأة عددٌ محدودٌ من البويضات ، فإذا جاءها حوينٌ لقَّحها ، وكان الوَلَد ، وإن لم يأتها الحوين كان الحيض ، وفي وقت خروج البويضة من المبيض إلى الرحم يستعد استعداداً عجيباً لاستقبال البويضة الملقحة ، ويستعد بغشاء من الدم الكثيف في الرحم ، فإذا جاءت البويضة ولم تكن ملقحةً، خاب أمله ، وانقشعت هذه الطبقة في الرحم فكان الحيض ، فالحيض من لوازم النساء ، أي حينما لا تلقح البويضة التي تخرج كل شهرٍ من مبيض المرأة يكون الحيض ، وإذا كان هناك حملٌ فليس هناك حيض.

       إذاً لابد من خروج دمٍ من جهاز المرأة التناسلي ، وهذا الدم هو دم الحيض ، ويبدو من خلال الأحكام الشرعية ، أن هذا الدم حينما يخرج يصيب المرأة بالضعف والوهن ، ولذلك أكثر النساء في أيام الحيض يعانين من وهنٍ وضعفٍ في الجسم ، لذلك كان الشرع حكيماً حين أعفى المرأة من الصلاة والصيام في أيام الحيض ، أعفاها من الصلاة دون أن تقضيها ، وأعفاها من الصوم على أن تقضيه ، وهذه بعض الأحكام الشرعية في موضوع الحيض .

       بقيت قضيةٌ ثانية مهمة جداً ، عن اللقاء الزوجي ، فهو في أثناء الحيض مُؤذٍ جداً ، ذلك لوجود هذه الكمية من الدماء ، والدم كما تعلمون بيئةٌ صالحةٌ إلى درجة غير محدودة لاستنبات الجراثيم ، فلو أننا أردنا أن نستنبت جرثوماً نضعه في دم ، فالدم طاهر ما دام يجري في الجسم ، أما إذا سُفِح ، وإذا خرج من الجسم ، فهو بيئةٌ صالحة لنمو الجراثيم بكثرةٍ كثيرة ، ولذلك فإنّ هذا الجهاز التناسلي في أيام الحيض بؤرةٌ مملوءة بالجراثيم ، فإذا تم اللقاء الزوجي في هذا الوقت ، تأذّى الرجل والمرأةُ ، فقد يكون الرحم في حالة هيجانٍ شديد ، وفي حالة تبدُّلٍ ، وعندها قد يصاب الرجل ببعض الإنتانات ، والله عز وجل هو الخبير ،والخالق ، والحكيم ، ولا ينبئك مثل خبير قال:

       للرجل والمرأة ، لطرفي اللقاء ..

"أذىً " مُنَكَّرة تنكير شمول ، وتنكير تعميم ..

       لكم ..

       إخواننا الكرام ؛ حدَّثني أحد الأطباء : أن هناك ثلاثمئة مليون مريض في العالم بأمراض القذارة ، ولكن العالم الإسلامي معافىً مِن هذه الأمراض ، لسببٍ بسيطٍ جداً ، هو أن دينه دين نظافة ، فنحن نتوضأ في اليوم خمس مرات ، ونحن بعد قضاء الحاجة نتطهر تطهراً عالي المستوى ، وفق أحكام ديننا ، ونحن لا نقرب نساءنا في المحيض ،ونحن نختتن ، فالختان صحة ، وعدم قرب المرأة في المحيض صحة ،والتنظيف الشديد عقب الخروج صحة ، فثلاثمئة مليون إنسان في العالم يعانون من أمراض القذارة ، وهذا إحصاء منظمة الصحة العالمية ، بينما العالم الإسلامي يعدُّ نظيفاً من هذه الأمراض ، لسببٍ بسيطٍ جداً هو أن المسلم يطبق أحكام دينه ، فهو طاهرٌ من الداخل والخارج ، ومن أعلى ومن أسفل .

       إلا أن اليهود تطرَّفوا ، فإذا حاضت المرأة لا يؤاكلونها ، ولا يقتربون منها ، ويعزلونها عن حياتهم وكأنها شيءٌ قذر ، ولكن الإسلام دينٌ وسطيّ ، بين أهل الغرب الذين يفعلون كل ما يريدون في أثناء الحيض ، وكأنها ليست حائضًا ، وبين اليهود الذين نبذوها ، وأبعدوها ،ولم يؤاكلوها ، ولم يعاشروها ، فالإسلام وسطٌ بين هؤلاء وأولئك ،والمسلم ؛ يعيش مع زوجته ، ويأكل من طبخها ، ويعاملها أطيب معاملة ، ولكنه لا يقربها في مدَّة الحيض .

       أما المحيض ، فتعني دم الحيض ، وتعني أيام الحيض ، وتعني مكان الحيض ..

       هذا كلام خالق الكون ، أمراضٌ كثيرة أيها الإخوة يعاني منها العالم الغربي ؛ فسرطان عُنُق الرحم قليلٌ جداً في العالم الإسلامي ، إلى درجة أنه منعدم ، وأحد أسبابه أن يقرب الإنسان امرأته في أيام الحيض ، مرض انقلاب الرحم ، وهو مرضٌ لا تعاني منه المرأة المسلمة ، لأن علاج هذا المرض حركاتٌ كحركات الصلاة ، أمراضٌ كثيرة  نحن في منجاةٍ منها بحكم ديننا ، وشريعتنا ، وطاعتنا لربنا  ..

       فالرجل له ما فوق السرة ، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا ثُمَّ شَأْنَكَ بِأَعْلَاهَا *

(رواه مالك)

 فالمرأة وهي حائض تنام مع زوجها ، وشأنه بأعلاها ، ويؤاكلها ،ويعاشرها دون أن يقترب من مكان الحيض .

       طبعاً الفقهاء على اختلافٍ فيما بينهم حول أقل مدة الحيض ، وحول أكثر مدة الحيض ، ولكنهم بين أقل مدة الحيض ثلاثة أيام ، وأكثر مدة الحيض خمسة عشر يوماً .

       ويقول العلماء : هناك دماء ثلاثة ؛ هناك دم الحيض ، وهو داكن ، وهناك دم النفاس ، وهناك دم الاستحاضة ، فدم الحيض هو الذي يخرج من المرأة في أيام الحيض ، وقد يتفلَّت عرقٌ في رحمها فيخرج منه دمٌ فاتح ، فهذه استحاضة ، فتتوضأ لكل صلاة ، ودم النفاس معروف ، هو الدم الذي يخرج من المرأة عقب الولادة ، أقصاه أربعون يوماً على مذهب ، وستون يوماً على مذهب ، ولا حد لأقله ..

       يطهرن أي حتى ينقطع الدم ..

       إذا تطهرن أي اغتسلن ، ويطهرن ينقطع الدم .

       فأتوهن كنايةٌ لطيفة عن الجماع ..

       أي في صمام واحد في القُبُل ..

       حينما نهى سيدنا لوط قومَه عن مقاربة الفاحشة الشاذة ، قالوا :

إنهم أناسٌ يتطهرون ، فقال بعض العلماء :

       الذين يفعلون ما أراد الله جل جلاله ..

       الذين لا يفعلون فعل قوم لوط في زوجاتهم ..

      أيها الإخوة الكرام ، لابد من حديثٍ دقيقٍ حول بعض معاني هذه الآيات ، فهناك مَن يتَّهم الإمام مالك رحمه الله تعالى بأنه أجاز الصمام الآخر ، وقد أَنْكَرَ ذلك في حياته أشدَّ الإنكار.

       ما معنى كلمة " حرث " الحرث : مكان الزراعة ، ومكان النبات ، وهل في المرأة إلا مكانٌ واحد يخرج منه الولد ؟‍ فكلمة :

       مع وجود أحاديث كثيرة جداً تنهى نهياً قطعياً عن الصمّام الآخر ..

"أنَّى" تفيد المكان والزمان والكيفية ، فبأية كيفيةٍ ، وبأي مكانٍ ، وبأي زمانٍ ، شريطة أن يكون في مكان الحرث ، وانتهى الأمر ، وهذا كلام دقيق وواضح ..

       هذه أحكامٌ فقهية يجدها الإنسان في كُتُب الفقه ، ولا يحتاج إلى تفاصيل أكثر إلا عند الضرورة ، ولكن الشيء الذي أتمنى على الله عز وجل أن يوفقني لشرحه مطولاً هو قوله تعالى :

       فهذا الذي يبتغي من الزواج المتعة الحسية ، ولم يعبأ بإنجاب ولدٍ صالح يدعو له من بعده ، أو بإنجاب ولدٍ صالحٍ يكون ذُخراً له ، أو يكون استمرارًا لعمله الصالح قال تعالى :

       أي لا يكن همك من الزواج هماً حسياً ، ولا استمتاعياً ، فالمؤمن يقوم إلى زوجته وفي نيَته أن يرزقه الله ولداً صالحاً يدعو له من بعده ، فهذه الآية لها معانٍ كثيرة ، قدِّموا لأنفسكم الخير من هذا الزواج ، فالإنسان حينما يتزوج يجب أن يبحث عن المرأة الصالحة التي إذا نظر إليه سرَّته ، وإذا غاب عنها حفظته ، وإذا أمرها أطاعته ، فهذه المرأة الصالحة سوف تكون أم أولادك ، والولد الصالح أعظم كسب الرجل على الإطلاق ، فإذا قدَّم لهذا الولد المُسْتَقْبَلِيّ أماً صالحةً ترعاه ، فقد قدَّم الخير لنفسه ، قال تعالى :

        وفي بعض التفاسير أن التقديم للنفس في هذه الآية معناه : أن الإنسان إذا أراد أن يلتقي مع امرأته ينبغي له أن يدعوَ " اللهم جنبني الشيطان وجنب ذريتي الشيطان " ، فهذا الطفل ، وهذا المولود جاء مع دعاء شريف ، ومع نفسٍ طاهرةٍ مقبلة ، فالله جل جلاله يجنِّب هذا الولد الشيطان .

       فأنا أكاد أوقن يقيناً قطعياً ، أنه ما من لقاءٍ سبقه دعاء كهذا الدعاء إلا كان الولد صالحاً ، أما الإنسانُ فقد يُرزَق أحياناً ولدًا ينسيه كل شيء مِن شدة انحرافه وعقوقه ، ولعله جاء في غفلة عن هذا الدعاء ..

       أي اجعلوا من الزواج وسيلة للعمل الصالح ، فالله عز وجل له طرق كثيرة ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، ومن هذه الطُرُق أن تنجب ولداً صالحاً ينفع الناس من بعدك .

       فيا أيها الإخوة الكرام ؛ ليس هناك بيت لا يوجَد فيه أولاد ، لكن لو علم الأب أنه إذا اعتنى بهذا الابن عناية فائقة ، فربّاه تربية صالحة ، أيْ اعتنى بعقله وجسمه وإيمانه وخلقه ، ونشَّأه على طاعة الله ، وعلى محبة رسول الله ، ومحبة آل بيت رسول الله ، وتلاوة القرآن ، فهذا الطفل الذي جاء عن طريق الزواج هو أثمن ثمرةٍ في الزواج  ،وأكثر الناس يتزوجون للمتعة ؛ يقول لك : هناك دافع جنسي ، ورغبة جنسية ، فهذه الرغبة محققة وأنت في أعلى مستويات القرب مع الله عز وجل ، ولكن البطولة أن تنوي من هذا الزواج العمل الطيب .

        وهناك آيةٌ متعلقة بالجهاد يمكن أن نستفيد منها في الزواج ..

 

( سورة النساء : من آية " 104 " )

       أي شاب سعى إلى الزواج فلا بد من مشقةٍ بالغةٍ في العثورِ على بيتٍ وتأثيثِه ، وتأمين نفقات الزواج ، ونفقات العرس ، ونفقات الحلي ،وفرش البيت بالأثاث ، وقد يكون الدخل محدودًا ، وهناك أزمة سكن مستحكمة ، والمكاسب قليلة ، والمطالب كثيرة ، والحياة صعبة ومعقدة ،فهو يتألَّم ، لكن ألم المؤمن يرافقه أنه يرجو من الله في زواجه ما لا يرجوه غير المؤمن ، فزواج غير المؤمن متعةٌ فقط ، بينما زواج المؤمن متعة ورسالة ، فالبيت المؤمن المسلم متميز ، إنّه بيت مبدأ ورسالة و منهج وتربية ، فالابن المربى في بيتٍ إسلامي ابن متفوِّق ، كأن الله عز وجل يقول :

       أي قدِّم عملاً صالحًا من خلال هذا الزواج ، وقدِّم عملاً طيباً ، وابحث عن زوجة صالحة تعينك على تربية أولادك ، وابحث من خلال لقائك الزوجي عن هدفٍ نبيل تسمو به في الآخرة .

       وقال بعضهم : إن الرجل والمرأة لا ينبغي لهما أن يقعا على بعضهما كما يقع البعير بلا مقدمات ، هذا فهمٌ إشاري لهذه الآية ، فلابد من مقدمات تليق بالإنسان ، أما بلا مقدمات ، فقد صار عمله كعمل البهائم ، إذاً هناك معنى مستنبط من قوله تعالى :

       أنت إنسان فلابد من كلمة طيبة ، ولابد من مؤانسة وابتسامة ، فهذا التقديم يليق بالإنسان في اللقاء الزوجي ، أو أن هذا اللقاء الزوجي ينبغي له أن يكون مناسبة لعملٍ صالح مستمر بعد موت الإنسان ، وهو إنجاب ولدٍ صالح يدعو إلى الله من بعده .

       أيها الإخوة ؛ هنا قضية وهي هذا السؤال :

       أي أن الإنسان حينما يطبق أمر الله عز وجل ، ولو لم يقف على دقائق حكمته ، يقطف كل ثماره ، ذلك أن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به ، وكنت أضرب على هذا مثلاً دقيقًا : إنسان لا يقرأ ولا يكتب وعنده جهاز تكييف ، يكفي أن يضغط على مفتاح التشغيل حتى يأتيه الهواء البارد ، لقد انتفع بهذا الجهاز دون أن يعلم دقائقه ، ويأتي آخر يحمل دكتوراه في التكييف ، فيضغط على مفتاح التشغيل ، فيأتيه الهواء البارد ، فالإنسان الثاني انتفع بهذا المكيِّف مع العلم بدقائق عمله ، والأول انتفع بالهواء البارد مع الجهل بدقائق عمله .

       فكان العمل الصالح لمجرد أنهم عرفوا أن هذا حرام وانتهى الأمر ، فلما كفوا عنه سعدوا في دنياهم وأخراهم ، فلو جاء إنسان مفلسف وفهم دقائق الأمر التشريعي ، ولم يعمل به ، يدفع ثمنه باهظاً ، فالعبرة أن يقف الإنسان عند حدود الأمر والنهي .

       ذكرت اليوم موضوعًا لطيفًا : أنه ما من مشكلة على وجه الأرض حصراً إلا وراءها مخالفة لمنهج الله ، وذكرت أيضاً أن من قواعد اكتشاف الجريمة ، واكتشاف أسبابها ، أن ضباط الأمن الجنائي إذا رأوا جريمة يقولون : ابحثوا عن المرأة ، وراء كل جريمة امرأة ، وهذه القاعدة مع التعديل ، في أيّة مشكلة يعاني منها المجتمع اليوم أنا أقول :ابحث عن المعصية ، لأن المعصية وراء كل مشكلةٍ يعاني منها الإنسان اليوم ، وكأن هذا الإنسان مصممٌ على أن يعيش عمراً مديداً صحيحاً معافىً ، جسماً ونفساً وقلباً ، أما الأمراض التي تأتيه من كل حدبٍ وصوب ، والمشكلات التي يعاني منها في كل شؤون حياته ، كلها بسبب خروجه عن منهج الله .

       إذاً يمكن أن تكون هناك قاعدة : ما من مشكلةٍ على وجه الأرض إلا وراءها معصية ، وما من معصيةٍ إلا بسبب الجهلِ ، فالجهل هو أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، وهذا الشرع أمامكم ، فحاول أن تحلِّل أيَّةَ مشكلةٍ ؛ زوجية ، أو تجارية، أو اقتصادية ، أو اجتماعية ، أو نفسية ، أو علمية ، حاول أن تحلل أيَّ مشكلة يعاني منها الإنسان، تجد هذه المشكلة لها سبب واحد هو : خروج الإنسان عن منهج الله عز وجل ، وهذا القرآن الذي بين أيدينا هو منهج عظيم ، وصراطٌ مستقيم ، وحبل الله المتين .

       ماذا نفهم من هذه الآيات ؟ نحن فهمنا الدين عباداتٍ شعائرية وكفى ، فهمناه صوماً وصياماً وحجاً وزكاة ، ولكن أن بنودَ الدين كثيرة جداً ، هو منهج شمولي ، ومنهج تفصيلي ، ففي أدق علاقتك بزوجتك الشرع له حكم ، فلذلك حينما يطلب الإنسانُ العلمَ ماذا يفعل ؟ يصون نفسه ، " يا بني العلم خيرٌ من المال ، لأن المال يحرسك وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة والعلم يسمو على الإنفاق ، يا بني مات خزان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ،وأمثالهم في القلوب موجودة " .

       فأنت حينما تأتي إلى مجلس علمٍ ، تتعلم أحكام الشريعة الغراء ،وبهذا توظِّف الوقت لصالحك ، لأنّ أيَّ خطأٍ يقع في الشأن الخاص له مضاعفات خطيرة . فالإنسانُ تقريباً  أعْقدُ آلةٍ في الكون ، ولهذه الآلة صانعٌ حكيم ، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فإذا كان هذا القرآن بآياته التشريعية ، فهي سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام بتفصيلاتها البيانية ، كانت تعليمات الصانع في التشغيل والصيانة ،فالإنسان انطلاقاً من حبِّه المفرِط لذاته ، لذلك كان عليه أن يتِّبع تعليمات

الصانع فيسعد ويرقى .

       أيها الإخوة ، تفاصيل الحديث عن هذا الموضوع يمكن أن نتابعها في أي كتاب فقه ، لأن الإنسان يحتاجها عند الزواج . ثم يقول الله عزوجل :

       اتقوا معصية الله ، واتقوا سخطه وعقابه وناره ..

       هناك رادع ، وهناك مشجِّع ، فالمشجِّع هي الجنة ، والرادع هو النار ، ولنعلم علم اليقين أن الله بكل شيءٍ عليم .

       ثم يقول الله عز وجل :

      أي حينما يحلف الإنسانُ يميناً في ساعة غضب ، كأنْ يُقسِم ألاَّ يزور أخته أو شقيقته ، ثم يجد الخير كله في زيارتها ، وفي التواصل معها ، وفي العناية بها ، وفي إرشادها ، وفي نُصْحها ، فهو بهذه اليمين منع الخير عن نفسه ، فالله عز وجل يقول لنا : إن كانت هذه اليمين الذي أقسمت به سيكون مانعاً لك عن فعل الخير ، فينبغي ألاَّ تكون هذه اليمين سبباً لامتناعك عن الخير ، فلا بأس عليك ، كَفِّر عن يمينك ،واصنع الخير .

       وهذه حقيقة ، لأن القصد أنك في هذه الحياة الدنيا مخلوقٌ للعمل الصالح ، فإذا أقسمت في ساعة غضب ألاَّ تعمل صالحاً ، وألا تقرض إنساناً ، وألا تزور أخاً ، وألا تساعد صديقاً ، ثم وجدت أنك بهذا اليمين حرمت من الخير كله ، ماذا نفعل ؟ فنقول لك : افعل الخير وكَفِّر عن يمينك، ولا تتخذ من هذه اليمين وسيلةً للكف عن هذا الخير ..

       فينبغي للإنسانِ بشكلٍ أو بآخرَ ألاَّ يحلف ، لقوله تعالى : وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ

( “سورة المائدة : من الآية " 89  )

       وكان بعض الأئمة الكرام ، وهو الإمام أبو حنيفة النعمان ،رحمه الله تعالى يدفع ديناراً ذهبياً عن كل يمين أقسم بها صادقاً ، ويعاقب بهذا الدينار نفسه ، فكيف إذا كان غير صادق ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ *

(رواه البخاري)

       والآن أكثر البائعين يحلف كل كلمتين يمينًا : بربه ، بدينه ،بالكعبة ، بالقرآن ، برأس مالها ، بأقل برأس مالها ، هذه الأيمان التي يحلفها البائع ليروِّج سلعته ، هي أيمان تمحق البركة ، ولعلها تنفق السلعة ، ولكنها تمحق البركة ، لذلك فعلى الإنسان أن يحفظ لسانه عن حلف اليمين ، ودائماً حينما يحلف الإنسانُ كأنه يتَّهم نفسه بالكذب ، عوِّد نفسك أن تقول كلاماً بلا أيمان ، فهذا السامع يجب أن يحترم كلامك من دون يمين ، فإن كان لا يصدقك إلا باليمين فيجب أن تحدثه .

       أَمْرٌ غريب ، وصفةٌ شائعة بين المسلمين مع كل كلمة يمين ،وأيمان منوعة ، وبعض الأيمان محرِّم أن تحلفها : بأولادي !! من كان حالفاً فليحلف بالله العظيم ، ولا ينبغي لك أن تحلف بغير الله أولاً ، فإذا حلفت فاحلف بالله ، ويجب أن تحفظ أيْمانك من أن تكون في موضوعاتٍ يومية مبتذلة ، أما حينما تحلف - لا سمح الله ولا قدر - ، يميناً غموساً لتقتطع به حق امرئ مسلم فقد خرجت من الإسلام ، وهذه اليمين الغموس لا كفَّارة له ، لأنه يخرجك من الدين ، وتحتاج بعد اليمين الغموس إلى تجديد إسلامك ، وإلى توبة نصوح ، وإلى أن تشهد أنه لا إله إلاّ الله وأنَ محمدًا رسول الله  ، لأنك بهذه اليمين الغموس خرجت من الإسلام ، فهذا الذي يحلف يميناً أمام القاضي ليقتطع به مبلغاً أو مالاً من حق أخيه المسلم ، إنه بهذا يخرج من دينه ، فهذه اليمين الغموس

موضوع آخر ، أما هنا فلو حلفت يميناً في ساعة غضب ، ومضمون اليمين ألاّ تنصح إنساناً ، أو ألا تعينه إنساناً ، أو ألا تزور أخاً ، أو ألا تعالج مريضاً ، أو ألا تقرض مسكيناً ، فلو حلفت مثل هذا اليمين ثم وجدت أن الخير في الحِنْث بها ، فيجب أن تكفِّر عنه وأن تفعل الخير ،هذا هو المعنى الأول ..

       أي هذا اليمين بينكم وبين الخير ، وأنت مخلوقٌ للخير ، وللعمل الصالح ، فلا تجعل هذه اليمين بينك وبين الخير .

       أن تفعلوا الخير ..

       وأن تقفوا عند حدود الله ..

       ومن صفات المؤمن الأساسية أيها الإخوة أنه يصلح بين الناس ،لقول الله عز وجل : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ

( سورة الأنفال : من الآية " 1 " )

       ولقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ *

( رواه الترمذي عن الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ )

       فالإصلاح بين الناس دَيْدَنُ المؤمن ، وطاعته لله دَيْدَنُهُ أيضاً ، ودَيْدَنُهُ أيضاً ؛ العمل الصالح ، والطاعة ، والإصلاح بين الناس ، ولذلك قال تعالى : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ

 ( سورة النساء : من الآية " 114 " )

      ومن صفات المؤمن أنه يُقَرِّب ، ويوفِّق ، ولا يفرِّق ، ولا يُباعد ،ولا ينفِّر ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ليس منا من فرق بين اثنين " .

       إذا حلفت يميناً في ساعة غضب ، ومنعت بها خيراً عن نفسك ، يقول الله لك : لا تجعل هذه اليمين مانعاً لك من فعل الخير ، بل كَفِّر عنه ، وافعل الخير ، ثم يقول الله عز وجل :

       اللغو أناس كثيرون :[ تفضَّلْ كُلْ ، واللهِ لا أقدر ، قال : والله ،تفضل كُل : والله لا أشتهي ] ، وهو في أشد حالات الجوع ، ولكنه أَلِفَ أن يقول : إِي والله ، ولا والله ، فهذه يمين اللغو ، هذه اليمين نرجو الله أن يعفو عنّا به ، ولكن الأولى ألا نحلف إطلاقاً ..

         حينما يحلف الإنسان يميناً مُنْعَقِدةً ، وينوي وراءه شيئاً ، فهذا اليمين محاسبٌ عليه أشد المحاسبة ، ولهذا اليمين تبعات كثيرة ..

       فهذا القلب ينظر اللهُ إليه ، هو منظر الرَّب ، ورد في بعض الآثار القدسية : أن عبدي حَسَّنت منظر الخلق سنين ، أفلا حسنت منظري ساعة ؟ قلبك ينظر الله إليك ..

يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ(88)إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)

( سورة الشعراء )

       وأنت مخلوقٌ للعمل الصالح ، فيجب أن تفعله في كل الأحوال ،ولو حلفت يميناً منعقدةً ألاّ تفعل خيراً ، كفِّر عنه ، وافعل الخير ، افعل الخير ، واتَّقِ أن تعصي الله ، واصلح بين الناس ، والله يعلم متقلَّبكم ومثواكم .

       أما هذه الأيمان التي نلقيها في أثناء الحديث اليومي ، فنرجو الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا بها ، ولكن يؤاخذنا بالنيَّات المنعقدة في القلوب ، والتي قد لا ترضي الله عز وجل ، والآية الكريمة يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ(88)إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)

( سورة الشعراء )

       إذا تبتَ إليه فهو غفور ، وإن لم تتب فهو حليم ، يعطيك فرصةً تَتْلُو فرصةً ، حتى إذا آن الأوان شُدَّ الحبلُ ، فكنتَ في قبضةِ اللهِ عزَّ وجلَّ .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi