English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :79/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :  الآيات  " 231ـ 237 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : السيد محمد موسى حلوم والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس التاسع والسبعين من دروس تفسير سورة البقرة ، ومع الآية الواحدة والثلاثين بعد المئتين ، وقبل أن نبدأ بشرح هذه الآيات لابد من استعراض آيات الدرس السابق لأنها على اتصالٍ شديدٍ بدرس اليوم ، ولذلك سأقرؤها ، وأقف وقفاتٍ سريعةً عند بعض أحكامها :

لا يجوز أن تكون قطيعةٌ بين الزوج وزوجته أكثر من أربعة أشهر ، فإن فاء إلى رشده ، وعاملها كزوجة ، وعاشرها كزوجة ، فعليه كفَّارة اليمين ، وإلا فيجب أن يطلقها ، أما أن يبقيها كالمعلقة ؛ لا هي زوجة ولا هي مطلقة ، فهذا مما يرفضه الشرع الإسلامي الحنيف ..

سميعٌ لما تقولون ، عليمٌ بواقعكم ، فقد يأتي إنسان لحل مشكلةٍ زوجية ، كلٌ يقول على مزاجه ، ويلصق بالطرف الآخر التهم التي يريد ، ويبرِّئُ نفسه من تهم كثيرة ، فالله سميع لما يقول هؤلاء وهؤلاء ، ولكن فوق أنه سميع هو عليمٌ بالحقيقة ، وعليم بالواقع ، وعليم بكذب بعض الأطراف ..

الطلاق يحتاج إلى عزم ، وإلى مراجعة ، وإلى نية ، جمع ، وطرح ، وقسَم ، وضرب ، ووازن ، وحقَّق ، ومحَّص ، ودقَّق ثم اتخذ قرارًا ، فالطلاق مبنيٌّ على دراسة ، أمّا لأتفه سببٍ ؛ لصحنٍ كسر ، أو لتأخرٍ في إعداد الطعام ، أو لمشكلة طارئةٍ ، يحلف يمين الطلاق ، أيرتكب أحدكم أحموقته ، ويقول : يا ابن عباس يا ابن عباس " ، وهذا ما يحصل في معظم بلاد المسلمين .

فالمرأة حينما تُطلَّق تقتضي السنَّة أن تطلَّق طلاقاً رجعياً ، أي طلقةً واحدةً في طهرٍ لم يمسَسْها فيه، وهذه الطلقة تتيح لها أن تبقى في بيت الزوجية ، وأن تأكل معه ، وأن تطبخ له ، وأن تتزيَّن له ، وهي في متناول يده ، وتحت سمعه وبصره ، وما من مشكلةٍ بين زوجين إلا وتتلاشى بعد أيامٍ معدودة ، والشرع الحنيف قال : ثلاثة قروء ، أي تسعين يومًا ، ولو طبِّق الشرع الحنيف ، لو طلَّق الرجال الطلاق السُّني ، ما وقع طلاق من مئة ألف طلاق ، ولكن مباشرةً طلقات ثلاث دفعة واحدة ، ولأتفه سبب ، ويطردها إلى بيت أهلها .

      ذكرت لكم ، وفي الإعادة إفادة ، أن أي مشكلة وقد خرجت الزوجة إلى بيت أهلها تتفاقم إلى أن تنتهي بالطلاق ، وإن أصغر مشكلةٍ وقد خرجت المرأة من بيتها ، أو أخرجها زوجها ، هذه المشكلة الصغيرة ، في الأعم الأغلب تتفاقم حتى تنتهي إلى الطلاق ، وإن أكبر مشكلةٍ ، والزوجة في بيت الزوجية ، لا هي خرجت ، ولا زوجها أخرجها ، فهذه المشكلة الكبيرة تتلاشى بعد أيام .

       إذاً ينبغي لك أن تطلِّق طلقةً واحدة في طهرٍ ما مسسْتها فيه ، وأن تبقَى عندك في البيت تحت سمعك وبصرك وفي متناول يدك ، وتتزين لك ..

        ففي العالم الإسلامي ، وفي عالم الإيمان ، لابد من مراقبة الواحد الديان ، ولابد من أن يخشى الإنسانُ ربَّه فيما بينه وبينه ، فهناك في الحياة الزوجية أسرار لا يمكن أن نضبطها إلا باعتراف الزوجة ، وفي الطلاق أسرارٌ لا يمكن أن نضبطها إلا باعتراف الزوج ، فالزوج ينبغي أن يتِّقي الله في تطليقه ، والمرأة ينبغي أن تتقي الله في عدتها .

         مضت ثلاثة قروء ، تسعون يومًا وهي في بيته ، تتزين له ، وهي في متناول يده ، تحت سمعه وبصره ، ولم يراجعها لا بالقول ولا بالفعل ، ولو راجعها بالقول أو بالفعل ، ليس لها خيارٌ في ذلك ، ويجب أن ترجع إليه ، لأنها زوجته ، أما  إذا مضت تسعون يوماً ، ثلاثة قروء ، ثلاث حيضات ، أو ثلاثة أطهار ، فقد ملكت نفسها ، وهذه أول مشكلة ، فهذه الزوجة الآن بإمكانها أن ترفض العودة إليه ، وهذا من حقها ، ولكن إذا وافقت فبإمكانه أن يعيدها إليه بعقدٍ ومهرٍ جديدين ، ولا شيء عليه ، ولو كان المهر رمزياً .

       ثم لك أن تطلقها طلقةً ثانية ، وأن تتربص في بيتك ، وأن تبقى في بيتك ؛ تحت سمعك وبصرك ، وفي متناول يدك ، تتزين لك ، وتصنع لك الطعام ، تسعون يوماً ثانية ، ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار ، فإن لم تراجعها لا بالقول ولا بالفعل ففي هذه المدة ملكت نفسها ، قال تعالى :

( سورة البقرة : من الآية " 229 " )

       أزواجهن ..

فهو يرجعها لا ليضرها ، ولا ليغيظها ، ولا لتبقى تحت سيطرته ، فهذا إرجاعٌ فيه ضرر ..

الآن ، القانون الذي يضبط العلاقة الزوجية :

كما تحب أن تتزين لك ، يجب أن تتزين لها ، وكما تحب أن تحترم أمك لأنها أمك ، فينبغي أن تحترم أمها ، إن تكلَّمت كلمة على أمك تقيم عليها الدنيا ولا تقعدها ، أما أنت فتمضي سهرةً طويلة في السخرية من أمها ، لا ، هذا خلاف الشرع ..

كما تحب إذا أتى أهلك إلى البيت أن تنهض وتصنع العشاء لأهلك ، فينبغي لها إن أتى أهلها أن تحتفل بهم كما تأمرها أن تحتفل بأهلك ، انظر إلى هذا القانون ..

كما أنه إذا مرضت أمك ، تغيب عن البيت أياماً طويلة لخدمة أمك وأبيك ، وكذلك إذا مرض أبوها أو أمها ينبغي أن تسمح لها بالذهاب إليهما ، فالإنسان المؤمن المستقيم ، بالتعبير المعاصر الحضاري يتمثّل قوله تعالى :

فكل إنسان يعرف ما ينبغي له أن يفعله ، ولكن لابد في هذه المؤسسة من مدير ، أو قائد ، أو صاحب قرار ..

درجة واحدة ، هي درجة القرار ، فلابد من إنسان واحد يقول : لا ، أو نعم . فلو أراد الابن يريد أن يسافر وحده إلى بلد غربي ، وهو مراهق ، وأغلب الظن أنه سيسقط في الفاحشة ، فالأم بدافع من عاطفتها العمياء تحبه أن يسافر ، والأب صاحب قرار ، فإن قال : لا فقد انتهى الأمر ، لأن بعد نظره كبير ، وقراره حاسم ، وإدراكه أعمق ، ومعرفته بالحياة أدق ، وخبرته بالمشكلات أعمق ، فلابد من صاحب قرار ، والقرار هو هذه الدرجة ، درجة القيادة ..

        تسعون يومًا ، ثم تسعون يومًا ، بعد هاتين المرتين :

أي أن تعاشرها كزوجة ، تحترمها كزوجة ، وشريكة حياتك ، لها مثل ما لك ، وعليها مثل ما عليك ..

فلا تهجر ، ولا تضرب ، ولا تقبِّح ، ولا توبِّخ ..

ما هو التسريح بالإحسان ؟ إذا سرَّحتها وطلقتها ، يجب أن تكف عنها ، أما أن تفضحها ، وأما ألا تدع عليها ستراً ، وأما أن تبالغ في أخطائها ، فهذا خلاف الآية الكريمة ..

لماذا طلقتها ؟ لم يكن لي منها نصيب ، ولم يكن ثَمَّة انسجام ، هل تشكو من أخلاقها ؟ أنت لا تشكو من أخلاقها ؟ لا والله ، فهي امرأة عفيفة ، وهل تشكو من رقَّة دينها ؟ لا والله ، هذا الزوج المؤمن ..

فإما أن تعاملها كزوجة معاملة طيبة ..

وقد قدَّمت لها مهراً وهو من حقها ، والطلاق يوجب المهر ، المُعَجَّل والمؤجَّل ، وقدمت لها هدايا وهي من حقها ، إلا أن هذه المرأة  إذا  كرهت زوجها كراهيةً ربما أوقعتها في الحرام يمكن أن تفتدي نفسها  ، أهل جهلة يزوجون بنتًا في السابعة عشرة إلى رجلاً في الستين ، أو في الخمسة والستين طمعاً في ماله ، فهذه البنت إن لم تطق هذا الزوج  لهذا الفارق الكبير في السن ، ولم تطق مرضه ، ولا متاعبه ، ولا شيخوخته وهي في ريعان الصبا ، فربما زلَّت قدمها ..

ـ قالت : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ ؟

   ـ قال : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ .

   ـ قال : اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً.

( رواه البخاري )

         فالمرأة  إذا  كرهت زوجها كراهية لا تحتمل ، فيمكن أن تفتدي نفسها بحدود المهر ، وأن تسامحه بالمهر ، وربما ردَّت إليه الهدايا ، وهذا هو الخُلع ..

        الإيلاء أن يحلف الزوجُ ألاَّ يقرب امرأتَه دون أربعة أشهر ، وجاز له إذا حلف ألا يقربها ثلاثة أشهر ، ثم وجد الأمر لا يستدعي ذلك ، وهي مظلومة ، فإذا حنث بيمينه فعليه كفارة ، ومسموح لك أن تقاطعها ، أو تهجرها دون أربعة أشهر ، أما أربعة أشهر فإما أن تمسكها زوجة ، أو أن تسرحها سراحاً جميلاً .

        الآن ، الطلاق السني أن تطلق في طهر لم تمسسها فيه تطليقة واحدة ، ثلاث حيضات بثلاث حيضات ..

قال :

المرة الثالثة ، الآن اشتدّ الأمر ..

زواجٌ طبيعي مع الدخول على التأبيد ، فإن كانت العلَّة من الزوجة ، في الأعم الأغلب فسيطلِّقها الثاني ، فإن طلَّقها الثاني اقتنعت الزوجة أنها هي السبب ، ويمكن أن ترجع إلى الأول ، وتغيِّر سياستها معه ، وإن كان هو السبب الزوج ، فالثاني لا يتخلى عنها ، وقد فقدها الزوج نهائيًا ، أما هذا الذي يتزوج المرأة ليلةً واحدة ليحللها إلى زوجها!! فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ*

( رواه أبو داود )

       وسمي هذا في الفقه (التيس المستعار) ، وحينما أراد الله عز وجل أن يقول :

أراد بهذا أن يردع الأزواج عن أن يجعلوا الطلاق ديدنهم ؛ طلق وأرجع ، طلق وأرجع ، مرتين ، ليس هناك أكثر ، فهذه امرأة لها كرامتها ..

 

فإذا طلقها الزوج الذي تزوجها زواجاً طبيعياً ، ودخل بها ، وعلى نية التأبيد ، فإن طلقها لعلةٍ فيها ظهرت له ، قال :

هذا ملخص الدرس الماضي .

*  *  *  *  *

       صدقوني أيها الإخوة ، لو طبَّق المسلمون أحكام الطلاق كما أراد الله عز وجل ، لا يثبت طلاقٌ في المئة ألف طلاق ، ولكن مشكلة المسلم أنهم يطلق تطليقات ثلاثًا في وقت واحد ، فعطَّل بذلك القرآن ، ماذا قال الله عز وجل ؟ قال الله عز وجل :

جعله مرة واحدة ، قال :

فإنْ لم يعزم الطلاق ، كان ارتجاليًّا ، هذه اثنتين ، قال : لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا

( سورة الطلاق )

       عطَّل هذه الآية ، هذا الذي يطلق طلاقاً ارتجالياً ، أيْ تطليقاتٍ ثلاثًا في مجلس واحد ، وفي قضيةٍ واحدة ، فقد عطَّل ثلاث آيات ، وهذا هو الطلاق البدعي ، مثلاً :

   * أن تطلقها في طهر مسستها فيه ، فهذا طلاق بدعي .

   * أو أن تطلقها في حيضة ، فهو طلاق بدعي .

   * أو أن تطلقها وأنت في أشد حالات الغضب ، فهذا الطلاق له شروط كثيرة ، قد لا يقع عند الذي يغضب غضباً شديداً ، فلا يعرف السماء من الأرض ، ولا الطول من العرض .

   * أو إذا طلقها لقضيةٍ لا علاقة لها بها ، مثلاً اختلف مع شريكه في العمل ، فحلف يمين طلاق، والشريك حنث باليمين ، طلُقت زوجته .

        إذاً ، الطلاق البدعي ألا تكون الزوجةُ طرفاً في الموضوع ، و أن تطلق تطليقات ثلاثًا في جلسة واحدة ، وأن تطلق في طهر مسّها فيه ، أو في حيضة .

*  *  *  *  *

        إلى درس اليوم ؛ يقول الله عز وجل :

طلَّق المرأة ، فمضت أول حيضة ، وثاني حيضةٍ ، وثالث حيضةٍ ، وكادت المرأة أن تطهر من حيضها ، أي اقترب الأجل ..

تسعون يومًا إلا ثلاثة أيام ..

يجب أن تراجعها ؛ لا إضراراً بها ، بل رحمةً بها ، أمسكها بمعروف ، أي ادخُل إلى البيت هاشًّا وباشًّا ، وأطعمها مما تأكل ، وألبسها مما تلبس ، ولا توبِّخ ، ولا تضرب ، ولا تسفِّه ، وعاشرها كزوجة ، وأعطها حقها ، وهذا هو الحكم الشرعي ..

ولكن هناك من يريد أن يضر بزوجته ، واللهِ أيها الإخوة كل أسبوع تأتيني قضايا من هذا النوع ، لا يطلقها قبل أسبوع ؛ بل يراجعها لئلا يدفع مهرها ، وكلما اقترب انقضاءُ العدة راجعها ، لا بقصد أن يعيدها زوجةً، لا ، بل بقصد أن يضرها ، قال :

فالآن ، إذا اقترب انقضاءُ العدة ، إما أن تمسكها ، أيْ أن تراجعها ، وإما أن تسرحها ، الإمساك بقصد إصلاح العلاقة الزوجية ، والتسريح بقصد الطلاق الذي أمر الله به ، سراحاً جميلا ، من دون فضائح تفتريها عليها ، فإن الله كبير .

      والله سمعت عن رجل ، مهرُ زوجته عالٍ جداً ، ضايقها لينجو من هذا المهر ، وأهانها ، وضربها ، وأجاعها ، وجعلها خادمة في بيت أهله ، إلى أن افتدت نفسها بكل شيء ، فلما طلقها صار يتندر بطلاقها ، وقد أعانته أمه على ذلك ، في لحظة واحدة ارتكب حادث سير هو وأمه وأصبحا قطعاً قطعاً ، فالله كبير ، وإياك أن تظلم من لا ناصر له إلا الله ، وإياك ودعوة المظلوم ، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب .

        يقولون إن يحي البرمكي كان من أقرب الناس إلى هارون الرشيد ، كان الرجل الثاني ، عزًّا ، وجاهًا ، ومالاً ، وقصورًا ، فهو الشخص الثاني في البلد ، والدولة العباسية كانت تحكم ثلث العالم تقريباً ،  كأمريكا الآن ؟ وهكذا كانت ، فجأة غضب عليه هارون الرشيد وأودعه في السجن، فمرة قال له أحدهم : انظر إلى ما كنت فيه ، وما أنت فيه !! فقال هذا الإنسان : لعلها دعوة مظلوم غفلنا عنها ، وربنا عز وجل يقول :

كمن يقول : نعم نراجعها ، وهذا استهزاء بالآية ، نراجعها حتى نغيظها ، راجعتكِ ، ويبعدها عن نفسه ..

وربما لا يتاح لشخص أن يتزوَّج ، لا يملك بيتًا ، ولا دخلاً ، ويتمنى الزواج !! أما هذا المتزوج الذي عنده زوجة ، فهذه نعمةٌ كبرى ، فالذي يؤذي زوجته ، ويبعدها عنه ، ويبالغ في إهانتها ، فهذا يكفر نعمة الزواج ، ماذا فعل الزوج المسيء لزوجته ؟ لقد كفر نعمة الزواج ، والزوجة المسيئة لزوجها ، كفرت نعمة الزوج ، فعَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ *

(رواه الترمذي)

من غير بأس ؛ تسكن في بيت ، وتأكل وتشرب ، ولها مكانة ، ثم تقول : طلقني ، فهناك زوجات حمْق ، تطلب الطلاق لأتفه سبب ، فهذه امرأة تكفر نعمة الزوج ، والزوج الذي عنده زوجة فاضلة ، ويعاملها بإساءةٍ بالغة ، فأيضاً هذا الزوج يكفر نعمة الزوجة ، وهذا معنى قوله تعالى :

أنت معك منهج ؛ وهو افعل ولا تفعل ، وعندك تفاصيل دقيقة جداً في العلاقة الزوجية ، و " الحكمة " قال بعض العلماء : الحكمة هي السنة ، الكتاب هو القرآن ..

الآن ..

أول شيء :

اقترب ميعاد انتهاء العدة ، أما الآن :

هنا الآية الأولى :

أي اقترب أجلهن ، قبل أن تنتهي العدة بأيام ، إما أن تمسك ، وإما أن تسرِّح ، أمسك بمعروف ، أو سرِّح بإحسان ، أما الآية الثانية :

 

أي انتهى الأجل ، وهناك اقتراب الأجل ، وهنا انتهاء الأجل ، هكذا قال المفسرون ، قال :

 

إذا طلقت امرأة خُلْعاً ، أي طلقتها تطليقة واحدة ، ردت لك الحديقة ، أو ما أعطيتها إياه ، ثم ندمت أشد الندم على فعلتك ، وأردت أن تستعيدها ، فأهلها أحياناً لا يوافقون ، بل يصرون ، ويتعنَّتون ، ويحاربون ابنتهم إذا قِبلَتْ أن تعود إليه إذا  كان الطلاق خلعاً ، فهي تطليقة واحدة ، تبين منه بتطليقة واحدة ، لو أنه ندم وهي ندمت ، قال :

هناك آباء لا يرضون ..

        أرأيتم أيها الإخوة إلى دقَّة الشرع ، فما من واحد متزوج أو مُقدم على الزوج إلا وبحاجة لهذه الأحكام ، صار الخلع ، ثم هناك ندم ، وتعنّت الأهل ، وبما أنها ندمت ، وراجع الزوجُ نفسَه ورغب في زوجته ، فيا أيها الأب ، ويا أيها العم ، ويا أيها الأخ لا تكن حجر عثرة في عودة هذا الزواج إلى ما كان عليه ، طبعاً :

لا تمنعوهن ..

       والإنسان يحب أحياناً أن يروي غليله ، ويحب أن يوقع الأذى بالآخرين ، أما المؤمن فليس عنده هذا الموقف .

       والآن حدث طلاق :

العرب تقول "حولين" لحولٍ وكسر الحول ، لسنة وكسر السنة يقال حولين ، لكن العلماء اكتشفوا أن الطفل في طور الرضاع ، لا يمكن أن يستقبل الحليب الطبيعي إلا بعد عامين ، وقبل هذا التاريخ لا يهضم إلا حليب أمه ، وأجهزته لا تستطيع أن تعمل بانتظام إلا بعد عامين ، ولذلك جاء قوله تعالى :

تأكيداً على تمام الحولين ، لأن الذي شرع هذا التشريع هو الذي خلق الإنسان ، ولقد حضرت مؤتمرًا علميًا عن إعجاز القرآن الكريم في الكتاب والسنة ، وقد ألقيت محاضرة استغرقت ساعتين حول هذه الآية ، بأدلة بالغة الدقة ، وكيف أن الأجهزة في جسم الطفل لا يمكن أن تهضم  حليب البقر إلا بعد عامين ، أما قبل العامين فكل ما عند الطفل مهيَّأ لهضم حليب أمه ، ولذلك جاءت الآية الكريمة :

تأكيداً على تمام الحولين ..

الآن ، هذا الطفل الذي طُلِّقت أمه ، ما مصيره ؟ الجواب :

 

على أبيه الذي ولد له ، ومن كلمة ولد له ، ينسب الابن إلى الأب ، ويتحمَّل الأب نفقة ابنه ..

بالمعروف أي حسب دخله ، فكل إنسان له دخل ، وله مستوى في الإنفاق ، فكسوة هذا الطفل ، وطعامه وشرابه بمستوى دخل أبيه ، والقاضي يقرر كم دخل الأب ، ويفرض لولده الرضيع رزقاً يتناسب مع دخله ..

ولدت ، وجاءها خاطب ، وعدتها أن تضع حملها ، فإذا جاءها خاطب ، لا ينبغي للأب أن يلزم الأم المطلقة بإرضاع ابنه ، إنه إن فعل هذا ألغى زواجها ، وجعلها بائرة ، إذاً :

فالأم موجودة ، وهي أمه ، والأب طلق ، ويجب أن ترضع الأم ابنها ، فهل لاحظتم أيّة إشارة إلى حليب القوارير هنا ؟! فهل الله عز وجل غفل ـ والعياذ بالله ـ عن طريقة أخرى للإرضاع ، هي حليب بالقوارير؟ لا نحتاج لمرضع ، ولا نحتاج لأم ، القضية الآن محلولة ، نغذي هذا الطفل من حليب القوارير ، ولكن هنا لا نجد ذلك ؛ إما أن ترضع الأم ، وإما أن تأتي بمرضع ، ولذلك فهذا الذي سأقوله لكم : لا شيء يعدل حليب الأم ، أجهزة المولود لا يمكن أن تهضم إلا حليب الأم ، فإن سقيته حليب البقر ، أو حليب الغنم ، أو حليب الماعز ، فما الذي يحصل ؟ أربعة أخماس الأحماض الأمينية تبقى في الدم ، وهذه تصيب المولود حينما يكبر بآفاتٍ قلبيةٍ ووعائية ، بل إن هناك تجربةً ، أو دراسة رصينة عميقة حول علاقة الذكاء بالإرضاع الطبيعي ، جاءت النتيجة أنّ ذكاء أولاد سكان ( جزر الباسيفيك ) في الدرجة الأولى ، بسبب أن أهل هذه الجزيرة لا يعرفون الإرضاع الصناعي إطلاقاً .

       والشيء الذي لا يصدق : أن حليب الأم ، تتبدل نسبه في أثناء الرضعة الواحدة ، فيبدأ في أول الرضعة بأربعين من المئة دسمًا وستين من المئة ماء ، وينتهي بأربعين من المئة ماء ، وستين بالمئة دسمًا ، فتتبدَّل نِسَب الحليب كل يوم بقدرة قادر ، وهو حليب معقَّم ، يهضم في ساعة ونصف ، وفيه مواد مضادة للجراثيم ، وفيه مواد تحوي مناعة الأم بأكملها ، بارد صيفاً ، دافئ شتاءً ، ومعقم تعقيماً تاماً ، يهضم في أقل وقت ، ولا يبقى منه أثر في الأوعية ، ولذلك فهذه آية من آيات الإعجاز القرآني ، ولا تجد في كل هذه الآيات ما يسمَّى بالإرضاع الصناعي ، فالحليب للطفل ، إما أن ترضعه أمه ، أو أن ترضعه مرضع ..

مات الأب ، أو طلَّق ومات ، فعلى الوارث أن يؤمن نفقة إرضاع ولد وريثه ، ومن هذه الآية استنبط باب النفقة في الفقه : أن الغُرم بالغُنم ، الذي يرث بعد الموت ينفق في الحياة ..

أرادا أن يفطما هذا الولد ..

إن أردتم لسببٍ قاهر ، طلق زوجته ، وجاء من يخطبها ، ولم يجد مرضعًا ، ومضى على إرضاعه سنة وثمانية أشهر ، فاتخذ الأب والزوجة المطلقة قراراً بإنهاء الإرضاع ، قال :

تعطيها الأجرة الكافية ، مالاً يكفي أن  تأكل كي يصنع الحليب من طعامها ، وتعطيها مالاً مقابل ضياع وقتها ..

فالله عز وجل سميعٌ إذا قلتم ، بصير إذا تحركتم ، عليمٌ بنواياكم ، سميعٌ بصير عليم ، بالكلام يسمع كلامكم ، وبالحركة يرى تحرككم ، ويعلم سرائركم .

       أما هذه المرأة التي يتوفى عنها زوجها ، فهذه ليست مطلَّقة ، وهناك ود بين الزوجين ، توفي عنها زوجها ، فعدتها ليست عدة براءة للرحم كالمخلوعة ، ولا عدة احتمال صلحٍ كالمطلقة ، فبراءة الرحم تكفيه حيضةٌ واحدة ، فالتي تطلب الطلاق خلعاً ، هذه لا تحتاج إلى ثلاث حيضات ، بل حيضة واحدة ، إذ يبرأ بهذه الحيضة رحمُها ، وأما التي تطلق طلاقاً رجعياً ، فلعل الأمر يصلح فيما بعد ، جاءت السنة فجعلت عدتها ثلاث حيضات ، أما هذه التي توفي عنها زوجها ، وانفصم عقدٌ من أقدس العقود ؛ إنه عقد الزوجية ، وهذه عدتها أربعة أشهرٍ وعشرا ، وليست قضية براءة رحم ، ولا احتمال صلح ، لقد توفى الزوج ، إنها قضية حداد على الزوج ، ولو أن امرأة بلغت الثمانين ، ويئستْ من الحيض ، ومات زوجها ، فعدتها أربعة أشهرٍ وعشرا ..

فأيُّما امرأة توفي عنها زوجها ، وأتمت العدة ؛ عدة الوفاة ، ثم تشوَّفت إلى زواجٍ آخر ، فلا مانع، وممن حقها كامرأة ، أما في الهند فإذا توفي الزوج فيجب عليها أن تحرق معه ، إلى سنوات وحتى في الريف الآن يموت الزوج فيحرق ، وتستلقي زوجته إلى جنبه ، فيحرقان معاً ، هذا تشريع أهل الأرض ، أما تشريع خالق الكون :

دقق في رحمة الله عز وجل ، توفي عنها زوجها ، لم تنجب ، ولم يكن لها أحد ، وهي في سن مقبول بالثلاثين أو الأربعين ، تشوفت إلى زوج، وجاء زوج ، فلا مانع ، ما فعلت شيئاً ، أما هذا الحزن المديد فغير شرعي ، ولكن في كتاب ( الأدب المفرد ) للإمام البخاري حديث واحد ، وهذا الحديث ليس إلزاماً بل إحساناً ..

" أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا امرأة تنازعني ، تريد أن تدخل الجنة قبلي قلت : مَن هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأةٌ مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجهل " .

       هذه امرأة يمكن أن تنازع رسول الله دخول الجنة ، لأنها ضحت بحظها من الزواج من أجل تربية أولادها ، ففي الأعمِّ الأغلبِ إنْ تزوجت زوجاً قد لا يرضى زوجها أن يبقى أولادُها معها ، إذَا عاشوا عند بيت جدَّتهم أو جدِّهم ، ولا يوجد هناك انضباط ، فالجد والجدة ليسوا في مستوى حتى يضبطا هؤلاء الأولاد ، فقد ينحرف بعضهم  .

        أعرف امرأة مات عنها زوجها في الثانية والعشرين ، وهي على جانب كبير من الجمال ، وخطبها رجالٌ قِمَم من علية القوم ، وعندها ولدٌ واحد ، فعكفت على تربيته التربية المُثلى ، وتربية علمية وأخلاقية ، تربية جسمية ، حتى صار علماً من أعلام البلد ، فهذه امرأةٌ ضحَّت بحظها من الزواج في سبيل تربية ولدها ، ولها عند الله أجر كبير ، لكننا لا نُلزم أية امرأة توفي عنها زوجها وهي في ريعان الشباب أن تمتنع عن الزواج ، فهذا من حقها ، أما في الهند فيجب أن تحرق معه ، وقد يكون حارقًا قلبها بحياته، وعندما مات حرقتْ معه ..

ثم يقول الله عز وجل :

امرأة مات عنها زوجها ، فقلت كلمة لإنسان قريب لها ، أو لامرأة من محارمك قريبة لها : واللهِ أنا معجب بأخلاقها ، وهناك احتمال أني أتزوجها عندما تنتهي عدتها  ..

لا لقاء ، ولا خلوة ، إلا أن تنتهي عدة وفاة الزوج ، بعدئذٍ تخطبها خطبةً رسميةً كأية امرأة ..

لا يمكن أن ينعقد زواجٌ في عدَّة المتوفى عنها زوجها أبداً ..

أي حتى تنقضي عدة الوفاة ؛ أربعة أشهر وعشرا ..

أي لا تخفى على الله خافية ؛ إن أسررت أو أعلنت ، أو أخفيت أو أظهرت ، أو نطقت أو سكت ، فأنت عند الله سواء ، ثم يقول الله عز وجل :

فصار هناك عقد زواج ، عقد شرعي بإيجابٍ وقبولٍ وشاهدين ، ومهر ، ولم يتمّ الدخول ..

قال :

عندنا قاعدة في الشرع  : إذا  تزوَّجت ولم تسمِّ المهر فالعقد ناقص ، والعقد فاسد ، لكن العقد الناقص أو الفاسد يصحح بمهر المثل ، أما إذا كانت هناك رضاعة بين الزوجين فالعقد باطل ، والعقد الباطل لا ينعقد أصلاً ، وأما العقد الفاسد فيصحح ، فإنسان تزوَّج امرأة ولم يسمِّ المهر ، فلابد إنْ طلَّقها أن يعطيها شيئاً تتمتع به من المال لأنها خدشت ، فصار هناك عقد ، وعند الناس جميعاً هذه المرأة تزوَّجت ، وبارك الناس لها زواجها ، وبالمناسبة يقول بعضهم : زواج الرجل أحد فصول حياته ، ولكن زواج المرأة هو كل فصول حياتها ، فإذا تزوجت ، وبارك الناس لها ، فهذا هو الزواج ، وفرحوا بزواجها ، وفرحت هي بزواجها ، ثم فوجئت أن الزوج لا يريدها ، إنها هذه مشكلة ؛ شيء انثلم ، بناء انكسر ، مشكلة ظهرت ، فلابد من أن تكرمها إكراماً ينسيها هذا الإخفاق ..

لم يكن هناك دخول ، ولكن الفقهاء احتاطوا : فأيّة خلوةٍ تعد كالدخول..

كل زوج له دخل معيَّن ، فالموسع يجب أن يكون المبلغ كبيراً ، والمقتر مبلغه بحسب دخله الشهري ..

لأنه لا يوجد مهر ، قدم لها مبلغًا من المال ، قطعة ذهبية ثمينة ، شيئًا يرمم هذا الثُلْم الذي جرحها، أو هذا الكسر الذي أصابها ، أما :

عقَدَ عقدًا ، وبعد ي