English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :81/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة :الآيات " 240 ـ 252 ".

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الواحد والثمانين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الأربعين بعد المئتين ، وهي قوله تعالى  :

    ذكرت أيها الإخوة في الدرس الماضي أن آية حافظوا على الصلوات جاءت مقحمةً بين آيات الطلاق وبين آيات الجهاد ، وبيَّنت أن الالتزام بأحكام الشريعة وهو أدنى تصرف إسلامي ، وبين بذل النفس وما يتبعها من غالٍ ورخيص ، يحتاج إلى اتصال بالله عز وجل ، لأن الاتصال بالله عز وجل هو الطاقة التي تمدك بقوةٍ لا حدود لها ، تمدك بحماس لا نهاية له، تمدك بسعادة لا توصف ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول :" أرحنا بها يا بلال " .

( مختصر تفسير ابن كثير )

       الآية التي جاءت بعد آية الصلاة :

  يعني رجل توفي وله زوجة ..

    أي إذا اقترب أجلهم ، إذا حضرتهم الوفاة ، إذا شعروا بدنو أجلهم ، عليهم أن يوصوا أن تبقى أزواجهم في بيوتهن حولاً كاملاً مع الإنفاق والسكنى ..

     إلى نهاية العام ..

       قبل أن نمضي في شرح هذه الآية هناك آية أخرى :

(سورة البقرة : من آية " 234 " )

       الجمع بين الآيتين على النحو التالي : المرأة عليها أن تعتدَّ ببيت زوجها ، وأن يُنْفَقَ عليها هي وأولادها أربعة أشهر وعشرا على وجه الإلزام ، لعله لم يأت خاطب ، لعل أهلها مسافرون ، يجب أن تبقى في بيت زوجها إلى نهاية العام ، تسكن وينفق عليها ، فعندنا عدة المتوفى عنها زوجها ، أربعة أشهر وعشر ، هذه عدةُّ إلزامية ، أما الإحسان أن يوصي الزوج أن تبقى زوجته في بيته ، وأن يُنْفَق عليها إلى العام ، إلى نهاية العام ، قال :

      ينبغي أن تُمَتَّع ؛ أن تسكن في هذا البيت ، وأن تأكل وتشرب ، أن تبقى فيه إلزاماً أربعة أشهر وعشر ، وأن تبقى فيه اختياراً إلى نهاية العام، مع الإنفاق عليها ..

  

    دون أن تُخْرَج من بيت زوجها بعد موته ..

     إذا خرجت من تلقاء نفسها مختارةً ، وقد خطبها خاطب ، قال :

   المرأة إذا توفي عنها زوجها وكانت شابةً ، هي بحاجة إلى زوجٍ يحميها ويعتني بها ، فإذا تزيَّنت للخُطَّاب وإذا طمحت إلى زواج وفق الشريعة الإسلامية ، وفق الأصول والآداب الإسلامية ..

   

   وكلمة ) معروف ) من أروع ما تفسر به هذه الكلمة أن هذا الدين دين الفطرة ، فالنفوس السليمة والعقول الصريحة تقبله وتأبى غيره ، فالمعروف ما عرفته النفوس السليمة والفِطَر السليمة ، والمُنكر ما أنكرته الفِطر السليمة ، طبعاً استطراداً ، هناك بعض المحاكم في بلاد الغرب يعتمدون على الفطرة السليمة ، فيأخذون من عَرْض الطريق مجموعة من الأشخاص ، يعرضون عليهم وقائع جريمة ، هؤلاء غير منحازين ، ليس لهم مصلحة لا في إدانة المذنب ولا في تبرئته ، ينطقون بشكل عفوي أن يُبْقى الذي ينبغي أن يكون ، فلذلك المعروف ما عرفته الفِطَر السليمة ، والمنكر ما أنكرته الفِطَر السليمة ، فالفتاة حينما تعتني بهندامها وتعتني بمظهرها لمن يخطبها ، هذا شيء طبيعي ، هذا مركب في أصل فطرتها ، فالمرأة إذا كانت امرأة صالحة وفيّة وتوفي زوجها ، وهي في مقتبل العمر ، وأمضت العدة الشرعية في بيت زوجها ، ثم أرادت أن تنتقل إلى بيت أهلها، لتستقبل الخطاب مثلاً ..

  قال :

   أي المرأة التي طُلِّقت هذه فقدت أعظم شيء في حياتها ، زوجها ، فهذا الزوج فضلاً عن إعطائها المهر ، وعن تسريحها بإحسان ، ينبغي أن يُمَتِّعَها ، قال بعض الفقهاء : أني يمتعها بنصف مهرها إكراماً لها ، تعويضاً عن فقد الزوج ، هذا شيء الآن يبدو خيالي ، حينما يزمع الرجل أن يطلق زوجته ؛ تنشأ الخصومات ، وتتراشق التُهَم ، وكل طرف يجعل الطرف الآخر في الوحل ، ويتكلم في عِرض المرأة ، ويتكلم في بخل الزوج ، وتجري هذه القصص بشكل غير معقول ، أما لو كان هناك طلاق إسلامي ، وانقطعت المصلحة بين الزوجين ، فقال تعالى :

(سورة البقرة : من آية " 229 " )

       التسريح بإحسان هو أن تعطيها مهرها كاملاً ، وأن تعطيها نصف مهرها متاعاً من باب الإحسان ، لذلك يقول الله عز وجل :

     الذي يتِّقي الله عز وجل ، والذي يخشى اليوم الآخر ، والذي أودع الله في قلبه رحمةً تجاه المرأة ، انقطعت المصلحة بينهما ، وكان الطلاق أولى ، لا ينبغي أن يُنْشَر عِرضها على الملأ، لا ينبغي أن يذكر ما ليس فيها من عيوب ، من أجل أن يبرر عمله ، التسريح بالإحسان ينبغي أن تسرحها سراحاً جميلاً ، وأن تصمت عن عيوبها ، وهذه طرفة ، قيل لإنسان عنده زوجة سيئة جداً : ألا تطلقها ؟! قال : والله لا أطلقها فأغش بها المسلمين ، على كلٍ :

  

    يروى أن امرأةً فرَّق شريح بينها وبين زوجها ، فلما طالبه بأن يمتعها ، قالت : ليس عليه متاع ، لأن هذا المتاع حقٌ على المحسنين وحق على المتقين ، وهو ليس كذلك ، على كل يقول الله عز وجل :

      أحكام الشريعة تحتاج إلى إيمان ، تحتاج إلى إنسان يعرف الواحد الديَّان ، تحتاج إلى إنسان يخشى اليوم الآخر ، فلذلك الإنسان قد يتخلّى عن بعض حقوقه خوفاً من الله عز وجل ، أما المنافق إذا خاصم فجر ، والذي نراه رأي العين أنه إذا نَشِبَت مشكلةٌ بين زوجين ، واقترب الأمر من الطلاق ، كل طرف يبالغ في الحديث عن الطرف الآخر إلى درجة أنك تتوهَّم أن الطرف الآخر سيِّئ إلى أبعد الحدود ، والأمر ليس كذلك .

    بعد الأربعة أشهر والعشر ، وهي عدة إلزامية ، بعد هذا الوقت عدة اختيارية ، فإذا رأت الزوجة التي توفي عنها زوجها أنها بحاجة إلى مَن يخطبها ، وانتقلت إلى بيت أهلها ..

     من تلقاء أنفسهن ..

    عامةً ، وللمطلقات إجمالاً ..

      " كفى بها نعمة ـ كما ورد في الأثر ـ أن يتصاحب المتصاحبان ثم يفترقا ، ويقول كل منهما للآخر : جزاك الله خيراً " ، هل عندك إمكان أن تفك شركةً وأن يقول لك شريكك : جزاك الله خيراً على هذه المدة التي أمضيتها معك ، هل عندك استعداد أن تطلق امرأة وأن تقول لك : جزاك الله خيراً على إحسانك غير المتناهي ؟ الواقع غير ذلك ، أما هذا هو الموقف الإسلامي السليم ، حتى لو افترقت ، حتى لو طلَّقت ، حتى لو فصمت شركةً ، حتى ولو أنهيت علاقةً ، ينبغي أن تنتهي هذه العلاقة على قلب طيبٍ ونفسٍ هنيئة ..

   ثم يقول الله عز وجل ، وقد انتقل الموضوع إلى موضوع الجهاد يقول:

     مَن هم ؟ لم تأتِ هذه الآيات على ذكر أسمائهم ، ولا على ذكر أماكنهم ، ولا على ذكر أزمانهم ، لا أسمائهم ، ولا أماكنهم ، ولا أزمانهم .

       وقد يقول قائل : كيف يقول الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام : " ألم تر " ، مع أن النبي لم ير ذلك ، قال علماء التفسير : حينما يخبرك الله عز وجل ، ينبغي أن تتلقى هذا الإخبار وكأنه شيء تشاهده ، لأن الله عز وجل يقول : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا(87)

( سورة النساء )

       مَن أصدق من الله حديثاً ؟! فإذا أخبرك الله عن شيء ، يجب أن تتلقاه وكأنك تراه ..أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1)أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ(2)

( سورة الفيل )

       يقول الله عز وجل :

      بعضهم يقول : لعل عدواً يتهددهم ، فنزحوا عن بلادهم خوفاً منه ، وهذا ما يجري الآن، حينما تنشب حرب طائفية أو حرب أهلية في مجتمع ما ، مئات الألوف تنزح عن أرضها ، وترجوا السلامة في بلدٍ آخر ..

     أو أن مرضاً يتهددهم ، إلا أن الله عز وجل لم يذكر السبب ، ولكن ذكر النتيجة ، خرجوا من ديارهم وهم ألوف مؤلَّفَةٌ حذر الموت ، وبعضهم قال : هم ألوف متآلفة قلوبهم وليسوا أعداء ، ولكن خطراً تهددهم ، إما خطر عدوٍ داهم ، أو خطر مرضٍ عُضال ، على كلٍ :

  أماتهم بكلمةٍ واحدة ..

    بكلمةٍ ثانية ..

    لعل من أوجه التفاسير : أن هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، خرجوا خوفاً من عدو متربِّصٍ بهم ، وكأنَهم توهَّموا أن هذا العدو هو الذي سيقضي عليهم ، هو الذي سينهي حياتهم ، فخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، ولكن الله أكَّد لهم أن الموت بيد الله ، هم خرجوا طلباً للسلامة ، فأماتهم الله ، ثم أراد الله أن يحيهم فأحياهم ، فالموت والحياة بيد الله وحده ، الله عز وجل قطع سلطان البشر عن شيئين: عن الأجل ، وعن الرزق ، فرزقك عند الله ، وأجلك بيد الله ..

" إن روح القُدُس نفثت في روعي ، أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله عباد الله ، وأجملوا في الطلب ، واستجملوا مهنكم " ، هكذا ورد في الأثر ، لذلك هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، خرجوا خوفاً من الموت ، فأماتهم الله بكلمةٍ واحدة ، ثم أحياهم ، لذلك ورد في القرآن الكريم : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ

( سورة الجمعة  : من آية " 8 " )

        أحياناً الإنسان يتوهَّم الموت عن طريق القلب ، فإذا هو يموت بحادث ، أحياناً يتوهَّم الموت في مكان خَطِر ، في خط مواجهة ، فيذهب إلى مكانٍ عميقٍ في الداخل ، يأتيه الموت هناك .. قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ

( سورة الجمعة  : من آية " 8 " )

       قد تفاجؤون بموتٍ لم يخطر على بالكم ، فلذلك هم خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت خوف الموت ..

   مِن أعظم فضل الله علينا ، أن حياتنا بيد الله ، وأن رزقنا بيد الله، وأن يد البشر مقطوعةٌ عن أن تتحكم بأرزاق العباد ، وعن أن تتحكم بآجالهم ، ولو بدا ذلك للسُذَّج من الناس ، أو لضعاف العقول ، أو لضعاف الإيمان ، أن زيداً أو عُبيداً بيده الرزق الوفير أو القليل ، وبيده الحياة أو الموت ..

      أي أنه ما أمرك أن تعبده ، إلا وقد طمأنك أن أمرك كله إليه ..وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ

( سورة هود : من آية " 123 " )

       لا يعقل أن يأمرك أن تعبده وأمرك ليس بيد الله ، بيد زيد أو عُبيد ، إذا كان أمرك بيد زيدٍ أو عُبيد كيف يقول الله لك :وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ

( سورة هود : من آية " 123 " )

       من أجل النِعَم أن أمر الحياة والموت بيد الله عز وجل ، يحي ويميت ، وأن أمر الرزق بيد الله عز وجل ، وقد قيل : " كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً " ، لكن ضعف الإيمان ، وضعف الإدراك ، والبُعد عن جوهر هذا الدين ، يلقيان في القلب الخوف والهلع .

       ثم يقول الله عز وجل :

    كنت أقول لكم دائماً : هناك جهاد النفس والهوى ، وهذا الجهاد جهاد النفس والهوى هو الجهاد الأوّل ، لأن المهزوم أمام نفسه لا يمكن أن يبذل لا من ماله ولا من حياته ، لابد أن تعرف الله ، لابد من أن تجاهد نفسك كي تعرف الله وكي تطيعه ، إذا جاهدت نفسك وهواك ، عندك جهادٌ دعوي ، وهذا الجهاد الدعوي متاح والحمد لله في معظم البلاد الإسلامية ، الجهاد الدعوي ، قال تعالى : وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا(52)

( سورة الفرقان)

       وقد سماه جهاداً كبيراً ، أما حينما تكون قوياً ، وتستطيع عن طريق الجهاد القتالي أن تنشر هذا الدين في الآفاق ، وأن تكون في أعلى مستوى من القدوة الحسنة ، عندئدٍ يتوجب الجهاد القتالي .

       ويجب أن تقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فمَن قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا ، فهو في سبيل الله ..

      قل ما شئت ، يسمعك ، لكن لو قلت كلاماً طيِّباً ولم تكن أنت كذلك ، فإن الله عليم بما في الصدور ، لا تخفى عليه خافية ..

       ثم ، ودققوا في هذه الآية ، يقول الله عز وجل :

     ذاتُ الله العليَّة جعلها ربنا جل جلاله في موطن أن تقرضه ، إنك إن فعلت خيراً مع عباده، فكأنما أقرضته قرضاً حسناً ، إن أعنت الناس ، إن يسَّرت على مُعسرهم ، إن كشفت عن كُربتهم ، إن نفست عن كربهم ، إن أفرجت عن أسيرهم ، إن أعطيت فقيرهم ، إن عالجت مريضهم ، إن فعلت خيراً تجاه عبدٍ من عباد الله ، فإن هذا العمل الطيب هو فرضٌ إلى الله عز وجل ، وسوف تأخذه أضعافاً مُضاعفة ، هذا المعنى يؤكِّده الحديث القدسي الصحيح : " يا داود مرضت فلم تعدني . قال : يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟! قال مرض عبدي فلان فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ، يا داود ، استطعمتك فلم تطعمني . قال : كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟! قال : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ... "  إلى آخر الحديث .

( الدر المنثور في التفسير المأثور )

       هذا المعنى أيها الإخوة لو تأمَّلناه تأمُّلاً دقيقاً لذابت نفوسنا ، خالق السماوات والأرض ، الذات الكاملة ، يقول لك : إذا أحسنت إلى عبدٍ من عبادي كائناً مَن كان ، أو إلى أحسنت إلى مخلوقٍ من مخلوقاتي كائناً مَن كان ، فهذا قرضٌ لي ، وسأؤديه لك أضعافاً مضاعفة ، هذا المعنى أيها الإخوة ، لو تمثلناه لانطلقنا في خدمة الخلق ، أي إنسان إياك أن تسأله من أين أنت ؟ هذا عبدٌ لله ، في عنده كُربة ، يجب أن تنفث عنه ، هذا محتاج، يجب أن تساعده ، هذا مريض ، ينبغي أن تمرِّضه ، هذا أخرق ، ينبغي أن ترشده ، هذا جاهل ، ينبغي أن تعلمه ، هذا منكسر ، ينبغي أن تجبره ، هذه الأعمال الطيِّبة ، ابتسامةٌ تلقى بها أخاً كريماً ، مبلغ من المال تقرضه لأخ محتاج ، زيارةٌ لمريض ترفع بها معنويَّاته ، هذه الأعمال الصالحة ، ومثيلاتها ومثيلاتها هي بمثابة قرضٍ حسنٍ لله عز وجل ، وسوف يضاعفه الله لك أضعافاً كثيرة ، هذا معنى قوله تعالى :

     بشكل مبسَّط أيها الإخوة ، قد تجد صديقاً لك عزيزاً عليك ، ابنه معه ، وفي جيبك قطعة حلوى ، إنَّك تقدِّم هذه القطعة لابنه الصغير ، إكراماً لأبيه ، قد لا تنتبه إلى الابن بقدر ما تنتبه إلى الأب ، فهذه القطعة التي قُدِّمت لهذا الصغير ، هي في حقيقتها قُدِّمت للأب ، إنك إن أكرمت ابنه فكأنما أكرمته ، هذا المعنى لو تمثَّلناه جميعاً ، إنك حينما تُحسن إلى عبدٍ من عباد الله كائناً مَن كان ، أو إلى مخلوقٍ من مخلوقات الله كائناً ما كان، فهذا قرضٌ لله عز وجل .

        وهذه المرأة التي وجدت كلباً يأكل الثرى من العطش ، نزلت بئراً، ملأت خُفَّها ماءً ، ثم صعدت فسقت الكلب ، فشكر الله لها ، فغفر لها ، هكذا المسلم ، جميع المخلوقات أمامه سيَّان، بشر ، وغير بشر ، مخلوقات لله عز وجل ، فإذا طمأنهم ، وتلطَّف بهم ، وأحسن إليهم ، وأكرمهم ، ودلَّهم على الله ، وأعانهم على أمر دينهم ودنياهم ، فهذه الأعمال الطيِّبة هي بمثابة قرضٍ حسنٍ لله عز وجل ..

     ومن باب التقريب ، تصور مَلِكاً وهو يملك كل شيء ، قال لإنسان فقير : أقرضني درهماً، وخذ مكانه قصراً ، أقرضني درهماً ، وخذ مكانه منصباً ، أقرضني درهماً ، وخذ مكانه ثروةً ، إذا أحجم هذا الإنسان الفقير عن أن يقرض المَلِك درهماً واحداً ، ليأخذ مكانه قصراً منيفاً ، أو ثروة طائلة ، أو منصباً رفيعاً ، فهو أحمق ، هذا الذي أحجم عن أن يقرض ملكاً، الملك غني ٌ، ولكن أراد أن يكون هذا القرض سبباً لإكرام هذا الفقير، وكأن الله عز وجل أراد من هذه الآية ، أن يكون إقراض العبد له ، سبباً لإكرامه يوم القيامة ..

  بالمقابل ، هذا الذي يؤذي عباد الله ، هذا الذي يغُشُّهم ، هذا الذي يأكل أموالهم بالباطل ، هذا الذي يملأ قلوبهم رعباً ، هذا الذي يفسد علاقاتهم ، هذا الذي يشتت أُسَرَهم ، هذا الذي يفسد طبيعتهم السليمة ، إنسان يعيش من ترويج الفساد في الأرض ، يروِّج فيلماً ، أو يروِّج قصة داعرةً ، أو يروج عقيدة زائغة ، لإفساد عقائد الناس ، أو لإفساد أخلاقهم ، هذا ماذا فعل ؟ هذا فعل عكس ما أراده الله عز وجل ، أراد الله منك أن تقرضه قرضاً حسناً ليضاعفه لك أضعافاً كثيراً ، هذا بدَل أن يقرض الله قرضاً حسنا ، أساء لخلق لله عز وجل ،  لذلك :" الخير بيدي ـ كما ورد في بعض الأحاديث القدسية ـ والشر بيدي ، ولكن طوبى لمن قدَّرت على يديه الخير ، والويل لمَن قدَّرت على يديه الشر " .

       إما أن تكون أداة خير ، وإما أن تكون أداة شر ، وإذا أردت أن تعرف مقامك ، فانظر فيما استعملك ..

     هناك قصة ، امرأة صالحة مسنة ، تسكن في أحد بيوت الشام القديمة ، وفي هذا البيت شجرة ليمون ، تحمل ما يزيد عن خمسمئة حبة كل عام ، وقد أَلِف أبناءُ الحي أنهم كلما احتاجوا إلى حبَّة ليمون ، يطرقون هذا الباب : أعطونا ليمونة ، وهذه المرأة الكريمة الوقورة المتقدِّمة في السن لا ترد سائلاً ، وهذه الليمونة تحمل أعداداً مخيفةً كل عام ، وكأنها رزق أهل هذا الحي ، ماتت سيدة هذا البيت ، وكانت زوجة ابنها شابةً جاهلة رَعْناء ، فلما طُرق الباب أول مرَّة لطلب ليمونة ، ردتهم وطردتهم ، وانتهى الأمر ، الليمونة يبست وماتت، انتهى الأمر .

       تعطي يعطي ، تبخل لا يعطيك ، فأنت حينما تتعرَّض لسؤال واحد يسألك ، يجب أن تفرح لأن الله إذا أحب عبداً جعل حوائج الناس عنده ،  أنت حينما تتصوَّر أن أي عمل صالحٍ مع أي مخلوق ؛ لو أنقذت نملة من الغرق وأنت تتوضأ ، هذا قرضٌ حسن لله عز وجل ، لو أنقذت فراشةً ، لو أزحت من أرض المسجد قشةً ، وضعتها في جيبك ، أي عمل مهما تتصوره صغيراً ، هو قرض لله عز وجل ، وسيضاعفه لك أضعافاً كثيرة.

        ثم يقول الله عز وجل ..

     الكلام سهل ..يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ(2)

( سورة الصف)

       كلام سهل ، يبدو أن هذا النبي الكريم كان خبيراً بهم ، فـ..

     الآن أنتم تتمنون أن تقاتلوا في سبيل الله ، لو أن الله فرض عليكم القتال ، هل ممكن ألا تقاتلوا ، قالوا :

نحن مطرودون من بلادنا ، ونحن خسرنا أبنائنا ، فلمَ لا نقاتل في سبيل الله ؟!

     عند المِحَك تفتقد الرجال ، عند الغنائم يجتمع الرجال ، أما عند الشدائد لا ترى معك أحداً ..

      مَن هم الظالمون ؟ الذين ظلموا أنفسهم بعدم استجابتهم لأمر ربهم..

     طالوت هذا اسمه ، بعثه الله لهم ملكاً يقود جهادهم لاسترداد أرضهم، ولاسترداد كرامتهم ، فقالوا ، ولهم مقاييس دنيوية ..

      يعني المَلك عندهم الذي يقودهم إلى الخير ، ينبغي أن يكون وجيهاً ، غنياً ، مُتْرَفاً ، مشهوراً ، أما أن الله اختار لهم إنساناً فقيراً ، لكنه شجاع ومؤمن وقوي ، هذا بمقاييسهم قد رُفِض ..

    هنا المشكلة ، المشكلة : أن هذا المجتمع وأي مجتمع ، له مقاييس ، وأن الله جل جلاله عنده مقاييس ، قد تتعارض مقاييس الإله العظيم مع مقاييس البشر ، الناس مَن يعظِّمون ؟ يعظِّمون الغني ، ويعظِّمون القوي ، ويتجاوزون عن أخطائهم ، أما الفقير يضعونه تحت المجهر ، حتى لو قال: لا إله إلا الله يحاسبونه عليها ، أما الغني قد يرتكب الموبقات ، وقد يأتي بالسفاهات ، وقد يأتي بالأشياء غير المقبولة ، ومع ذلك يغضّون الطَرْف عنه ، هذه مقاييس بني البشر ، فلما :

     هذا الذي يقود أمةً إلى معركةٍ مصيرية ، ينبغي أن يكون عالماً قال:

     أي أمدَّه بعلمٍ عميق ، وبقوة جسميّة قوية ..

      أنت لا تعترض ، فالله عز وجل يؤتي ملكه مَن يشاء ، لحكمةٍ بالغة بالغة ..

       ثم قال هذا النبي الكريم :

      اختلف العلماء حول هذا التابوت ، التابوت ورد في قصة سيدنا موسى ..أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ

( سورة طه : من آية " 39 " )

       قالوا : هذا التابوت الذي نجَّى الله به موسى ، كان محبوبٌ عند بني إسرائيل ثم ضاع منهم ، بحثوا عنه فلم يجدونه ، فكان من علامة أن هذا المَلك اختاره الله عز وجل ، طالوت ، أن يأتيهم التابوت ، وبعضهم قال : إن التابوت صندوق فيه التوراة ، وفيه الآيات التي أنزلها الله على نبيه موسى عليه السلام ، لكن المعنى الثاني أوجه ، وقال :

     هذا التوراة الذي كما أنزله الله عز وجل ، ليس المحرف ، هذا التوراة إذا قرأه الإنسان ، وهو كلام الله عز وجل ، امتلأ قلبه سكينة واطمئناناً ، فيه سكينة من ربكم ..

    أقوال هذا النبي ، كيف أنه في ديننا ، هناك كتابٌ كريم هو القرآن الكريم ، وهناك أحاديث شريفة ، تبيان النبي عليه الصلاة والسلام لما في القرآن الكريم ، كذلك هذا التابوت ، الصندوق ، الذي كانت فيه ألواح سيدنا موسى ، وما فيها من آيات مُحْكَمات ..

 

     فعلامة أن طالوت اختاره الله لكم ، ليقودكم في جهادٍ تستردون فيه أرضكم وكرامتكم ..

    بنهر فيه ماءٌ عذب ..

    طبعاً ، إضافة إلى أن هذه الآية جزءٌ من القصة ، فيها إشارة إلى حقيقة علمية ، وهي : أن الإنسان إذا بذل جهداً عالياً جداً جداً في وقت حر شديد ، ثم وصل إلى ماء بارد عذب كالفرات ، وشرب حتى ارتوى ، ربما يموت من لحظته ، لأن حرارة الجسم في أعلى مستوى، فإذا أدخلت إلى جوفك ماءً بارداً فجأة ، هناك عصبٌ في المعدة اسمه العصب الحائر، هذا عصبٌ مربوطٌ بين المعدة والقلب ، وهناك حالات كثيرة لوفاةٍ مفاجأة ، تمت بسبب شرب ماءٍ بارد جداً عقب جهدٍ كبير جداً ، هذه حقيقة ، فهناك مَن يموت فجأة ، هؤلاء الذين ضلوا في الصحراء ، إذا وصلوا إلى ماء بارد ، وشربوا منه حتى ارتووا ، ربما أصابتهم سكتة قلبية ، هذه حقيقة ، لكن هنا سياق الآيات ..

     امتحان آخر ، مع أنه حقيقة طبيةٌ ، امتحان ..

       معنى ذلك أن الإنسان إذا بذل جهد كبير جداً ، وعالي جداً ، وكان في أعلى حالات العطش ، له أن يشرب كميةً قليلةً جداً ، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً " .

( الدر المنثور في التفسير المأثور )

       فإذا شرب ما يملأ كفَّه ، ومصه مصاً ، لعل الأمر لا يقع ، الخطر..

      الذي قاتلوا معه قليل مِن كثير ، والذي امتنعوا عن شرب ماء النهر أيضاً قليل من كثير ..

   هنا الحقيقة ، الحقيقة أن الإنسا