English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :83/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة : الآية " 255 " آية الكرسي

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ محمد موسى حلوم و السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثالث والثمانين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الخامسة والخمسين بعد المئتين ، وهي ( آية الكرسي) وهي من أعظم آيات القرآن الكريم .

        يقول الله عزَّ وجل :

    " الله" عَلَمٌ على الذات ، الذاتُ الإلهيةُ اسمها (الله) وهو علَمٌ على الذات ، أو علمٌ على واجب الوجود ، لأن هناك واجبَ الوجود ،  وممكن الوجود ، ومستحيل الوجود ، فالله جل جلاله واجب الوجود ، والكون ممكن الوجود ، ممكنٌ أن يكون ، وممكنٌ ألا يكون ، وإذا كان فهو ممكنٌ على ما هو كان ، أو على غير ما هو كان ، لكن الله جل جلاله واجب الوجود .

        فكلمة لله) علمٌ على الذات الإلهية ، صاحب الأسماء الحسنى ، والصفات الفضلى ، خالق السماوات والأرض ، لا إله إلا هو ؛ الرحيم ، الكريم ، البَرّ ، الغفور ، الفعَّال لما يريد، القاهر فوق عباده ، القوي المتين ، ذو الجلال والإكرام ، الحَكَمُ العدل ، فإذا قلت : الله ، فكل أسمائه الحسنى منطويةٌ في هذه الكلمة .

وجرت الآيات الكريمة أن الله جل جلاله إذا تحدَّث عن ذاته تحدث بضمير المُفْرَد .. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي(14)

( سورة طه )

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(1)

( سورة الكوثر )

وإذا تحدث عن أفعاله ، يأتي ضمير الجمع لأن كل أسمائه الحسنى في أفعاله ، فكل أفعاله فيها علمٌ ، وفيها حكمةٌ ، وعدلٌ ، ورحمةٌ ، ولُطفٌ ، إن تحدث عن ذاته ..

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى

( سورة يس : من الآية " 12 " )

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)

( سورة الحجر )

        وإن تحدث عن ذاته العليّة ..إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكــْرِي(14)

( سورة طه )

      فــ "الله" صاحب الأسماء الحسنى ، والصفات الفضلى ، والله علمٌ على الذات ، والله واجب الوجود ..

       فالإله هو المعبود ، والإنسان مَن يجب أن يَعبد ؟ وأن يعبد الذي خلقه ، فالله هو الخالق ، ومَن يجب أن يعبد ؟ أن يعبد الذي يعلم سرَّه ونجواه ، فالله يعلم السر والنجوى ، هو الذي ينبغي له أن يُعبَد ؟ يُعبَد مَن يستمع إليه إذا ناجاه ، الله هو السميع العليم ، ومن يجب أن يُعبَد ؟ يُعبَد من هو على كل شيءٍ قدير ، فالله على كل شيءٍ قدير ، ومَن ينبغي له أن يُعبَد ؟ يُعبَد الرحيم الذي يحبُّه ويرحمه ، فإذا قلت : لا إله إلا الله ، أي لا معبود بحقٍ إلا الله ، أي لا يستحق العبادة إلا الله ، ليس لك أن تَعبُد إلا الله ، أما إذا توجهت إلى غير الله ، فتوجَّهت إلى لا شيء ..إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ

( سورة فاطر : من الآية " 14 " )

       أنت مَن تعبد في الأصل ؟ تعبد جهةً موجودة ، فالله موجود ، وتعبد جهةً تسمعك إذا دعوت ، وتراك إذا تحرَّكت ، وتعلم ما في سرك ، فالإله يسمع ، ويعلم ، ويرى ، سميعٌ بصيرٌ عليم ، وأنت مَنْ تدعو ؟ تدعو مَن هو موجود ، وتدعو مَن يسمعك إذا تكلَّمت ، ومَن يراك إذا تحرَّكت ، ومَن يعلم ما أسررت إذا لم تتكلم ، فمَنْ تدعو ؟ تدعو مَن هو قديرٌ على كل شيء ، قادرٌ على أن يلبِّي حاجتك مهما عَظُمَت ، واللهُ كذلك ، فمَنْ تدعو ؟ تدعو مَن يحبك ، فأنت في الدنيا لا تسأل إلا جهةً موجودةً تسمعك ، وقادرةٌ على أن تلبيك ، وتحب أن تلبيك ، فإذا قلت :

      أي لا معبود بحقٍ إلا الله ، لا ينبغي لك أن تعبد إلا الله ، ولا يستحق العبادة إلا الله ، والله أهلٌ أن تعبده لأنه حيٌ باقٍ على الدوام ، فلو عبدت إنساناً يموت لضاعت كل آمالك ، وضاع كل عملك ..

 اجعـل لربك كل عزِّك       يـســـتقر ويثبــت

 فإذا اعتززت بمن يموت      فإن عزك ميـــــتُ

   *  *  *

      مَن يجب عليك أن تعبد ؟ أن تعبد الحيّ الباقي على الدوام ، الذي هو مطلعٌ عليك ، وعليمٌ بأحوالك ، ومقدرٌ لتضحياتك ، ومَن هو قادرٌ على تلبية حاجاتك ، ورحيمٌ بك ؛ وأنت في بطن أمك ، وأنت في القبر ، فهذا الذي يجب أن تعبده .

       وبالمناسبة (أَلِهَ) تحيَّر مِن شدة الوجد ، أي إنك تعبد إلهاً لو عرفته على حقيقته لذابت نفسك شوقاً إليه ، ولتحيَّرت لجماله ، وتحيرت لِكماله ، ولِقدرته ، وعطائه ، خلَقَك ليُسعِدك .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11)

( سورة الصف )

       يجب أن تعبد مَن إذا تاجرت معه ربحت منه ربحاً خيالياً ، فاللهُ صاحبُ الأسماء الحسنى، وهو الذي خلق ، وهو الذي ربَّى وأمد ، وهو الذي سيَّر ، وهو الذي يجب عليك أن تعبده ، فهناك مَن يعبد حجراً ، أو بشراً ، أو شمساً أو قمراً ، وهذه العبادة لا تعود على صاحبها بالنفع ، لأن هذا الحجر لا يتكلَّم ، كانت بعض قبائل العرب تصنع صنماً من التمر ، فإذا جاعت أكلته .

وأنت مخلوقٌ للعبادة ، وعلة وجودك أن تعبد الله ، وأنت في الدنيا من أجل أن تعبده .. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ(56)

( سورة الذاريات )

      هناك معنى دقيق أرجو الله أن أوضِّحه لكم ، قد تسأل : هذه الدائرة ، أو هذا المستشفى ، أو هذه الجامعة مَن رئيسها اليوم ؟ يقال لك : فلان ، فعرفت مَن يديرها ، تقول لهم : كيف أخلاقه ، هل هو إنسان جيد ؟ يقال لك : جيدٌ جداً ، فأنت تهتم ، مَن بيده الأمر؟ انظر إلى الجواب ، الله صاحب الأسماء الحسنى ، علمٌ على الذات ، واجب الوجود ، وهو المسير ..

     كما لو أنك زرت مستشفى وأنت طبيب ، فتقول : مَن مدير المستشفى ؟ فيقال لك فلان ، مخلص ، واختصاصي ، وعالم ، وحازم ونزيه ، و نظيف ، فيهمك شيئان ؛ أن تعرف مَن ، وكيف ، فالله صاحب الأسماء الحسنى ، والصفات الفضلى ..

   كيف نقول في بعض الأوراد : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له المُلك وله الحمد ، فهناك مَن له المُلك وليس له الحمد ، فرعون مَلَك ولا يُحْمَد على مُلكه ، وهناك إنسان ضعيف يُحمَد ولا يملك ، لكن الله عزَّ وجل له المُلك وله الحمد ..يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(2)

( سورة الحديد )

       فهذا المعنى ، (الله) علمٌ على الذات ، ولا يستطيع إنسانٌ على وجه الأرض أن يُسَمِّي نفسه بهذا الاسم ، وقد تحدَّى الله البشر جميعاً ..

    ( لا إله إلا هو ) ، فلو أن في الكون آلهةً هل يسكتون ؟ إنهم لا يسكتون ، فإذا لم يستطيعوا أن يتكلَّموا فليسوا آلهة ، وإذا تكلَّموا ولم يستطيعوا أن ينتزعوا الأمر من الإله الذي ادعى الألوهية وحده فليسوا آلهة ، لأن الله عزَّ وجل قال : لا إله إلا أنا ، فلو كان هناك إلهٌ لقال : لا ، أنا ، ليس أنت ..

       مَن يستطيع أن يقول هذا الكلام إلا أن يكون إلهاً ؟ وهناك دليل فطري ؛ فأنت حينما تستمع إلى إنسان يقول مثلاً : عيَّنا وزيرًا للمالية ، فمَن الذي يقول هذا ؟ رئيس وزارة ، تعرفه مِن كلامه ، ولو قال شخص : لقد راقبت نظافة الشارع ، فمعنى هذا أنه مراقب بلديّة ، وهناك فرق طبعاً ، فمِن كلامه تعرف مَن هو ، يقول الله لك :

    مَن يستطيع أن يقول هذا الكلام إلا أن يكون إلهاً عظيماً ، موجوداً ، وواحداً ، وكاملاً ..

       الحقيقة (الحي) مِن أسماء الذَّات ، وأسماء الذات لا نقيض لها ، والله عزَّ وجل يعطي ويمنع ، وهذه من أسماء الأفعال ، ويرفع ويخفض ، فمن أسماء الأفعال ، وكذلك يعز ويذل ، لكن الحي ليس لها نقيض ، فالله عزَّ وجل حي على الدوام ، فأسماء الله عزَّ وجل التي لا نقيض لها أسماء الذات ، والتي لها نقيض فأسماء الأفعال ، والله عزَّ وجل حي ، وتقول : فلان حيٌ يُرْزَق ، ولا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يسمي نفسه (الله) ولكن هناك إنسانٌ يقال له : حيٌ يرزق ، والله عليم ، وهناك مَن يقول : أنا عالِم ، والله رحيم ، وهناك من عباده مَن يرحم ، فإذا كانت حياةُ الله عزَّ وجل حياةً أزليةً أبديةً ، لم يسبقها عدم وليس بعدها عدم ، فحياةُ اللهِ غيرُ حياتنا ، والإنسان إذا كان حياً ، فقد سبقه عدم .. هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)

( سورة الإنسان )

       فالإنسان سبقه عدم ، وسوف ينتهي إلى عدم .. كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ(27)

( سورة الرحمن )

       فإذا قلنا : فلان حي ، فحياته ليست كحياة الله عزَّ وجل ، وكلمة "حي" تسبق في الذهن أيَّ اسمٍ آخر ، فهو حيّ عليم ، وهو حيّ قدير ، وأول اسمٍ يسبق إلى الذهن أنه حيّ ، هو حيّ ومصدر حياة الخلق ، وحياتنا منه ، واستمرار حياتنا منه ، فالوردة فيها حياة ، فإذا صنع إنسانٌ وردةً من مواد صناعية لا يوجد فيها حياة ، ويضعون في بعض الواجهات شكلَ امرأة لبيع الثياب والألبسة ، ولكن هذه بلا حياة ، فهي من الشمع ، والمرأة الحقيقية فيها حياة ؛ تتكلم، وتفكِّر ، وتتألَّم ، وتفرح ، وتعبّر عن ذاتها ، فالإنسان فيه حياة ، والوردة فيها حياة .

      وهذه البقرة تأكل الكلأ ، فتعطيك الحليب ، وليس ثَمَّةَ جهةٌ في الأرض بإمكانها أن تصنع من الكلأ حليباً ، وهذه الدجاجة تأكل ما تحت بصرها ، فأيّ شيء تأكلْه تعطِك منه بيضةً ، وهذه فيها حياة ، فالله عزَّ وجل هو حي ، حياته لم يسبقها عدم ، فهو قديم وأبدي ، ولا تنتهي حياتُه بعدم ، ثم إن الله عزَّ وجل مصدرُ حياةِ المخلوقاتِ ، مَن منحك الحياة ؟ اللهُ عزَّ وجل ، فإذا دخل الإنسانُ البيتَ ملأه راحةً ، وفرحاً ، وبهجةً ، وسروراً ، والأولاد استقبلوه بالترحاب، وجلسوا في أحضانه ، وقبَّلوه ، ونادوه بأحب أسمائه إليهم ، فإذا مات هذا الأب لا يجرؤ واحدٌ من أولاده أن يدخل إلى غرفته مدةَ شهرٍ أو شهرين أو ثلاثة ، فما الذي حدث ؟ هو هو ، ولكن سُحبت منه الحياة .

      والإنسان مصدر أُنْسٍ ، وسعادة لأولاده ، فإذا مات أصبحتْ غرفته التي استلقى فيها على السرير ومات مخيفةً ، وأنا متأكد أن بعض الأسر يبقى الأولاد شهراً أو شهرين يتحاشون دخول هذه الغرفة لأن أباهم مات فيها ، فما الذي حدث ؟ وما هي الحياة ؟ .

      هذا كبد يقوم بخمسة آلاف وظيفة ، فإذا مات الإنسان أصبح قطعةً من اللحم لا معنى لها إطلاقاً .

      وهذه عين ترى كل شيء بالألوان الدقيقة ، والأحجام الحقيقية ، فالعين آية من آيات الله الدالة على عظمته ، فإذا مات الإنسان أصبحتْ العين لا قيمة لها  ، وتلقى في المهملات .

       لقد مُنِحْنَا الحياةَ ، ومُنِحَ النباتُ الحياةَ ، فشجرة تجدها كالحطب ، ففي الربيع تزهر وتورق وتثمر بصمت ، فما هذه الحياة ؟ وحتى هذا التاريخ لا تزال الحياةُ سرًّا ، والله عزَّ وجل حي ومنح الحياة ، فتجد وردة جميلة قد نمت على كوم قمامة ، أي روث الحيوانات ، وهي وردة حمراء جميلة ، فمن منحها هذا الجمال وهذا الشكل وهذه الرائحة وهذه الحياة ؟ حياة الحيوانات ، وحياة النباتات ، وحياة الأطيار .

        وهنا الطير ، تجد طائرًا ولد لتوِّه وقد عصبت عيناه ونقل إلى الهند ، فإنه يطير ويعود إلى بريطانيا وقد وُلِد الآن ، فكيف تمَّ هذا ؟! طائر يقطع سبعة عشر ألف كيلو متر في رحلةٍ من شمال الأرض إلى جنوبها ، فكيف يعود إلى عشه ؟ طيور تجدها في الشام ، تهاجر في الشتاء إلى جنوب إفريقيا ، وفي العودة لو انحرفت درجة واحدة لدخلتْ مصر ، فكيف تعود إلى دمشق ؟ وإلى حي الصالحية ؟ وإلى حي الشيخ محي الدين ؟ وإلى بيتٍ من بيوت عشها الذي تركته ؟ من يسيِّرها ؟ الله جل جلاله ، هذه هي الحياة .

       سمك السلمون يولد في أعالي الأنهار في أمريكا ، ويهاجر إلى المحيط الأطلسي إلى شواطئ أوروبا ، ويعود هذا السمك إلى مسقط رأسه ليموت هناك ، فهذه الرحلة ؛ من ساحل فرنسا إلى الغرب ، لو انحرف درجة واحدة لكان في جنوب أمريكا بل صار في شمالها ، إلى النهر الذي خرج منه ، وهناك أسماك بمنابع النيل تسير برحلة طويلة جداً ، وتسير في أطول نهرٍ من أنهار العالم ، نهر (النيل) ، إلى البحر المتوسط ، وتتجه غرباً إلى أن ينتهي البحر المتوسط ، وتخرج من مضيق جبل طارق نحو الشمال إلى بحر المَانش ، ثم إلى بحر الشمال، ثم تعود ، فرُبَّانٌ يحمل شهادة الدكتوراه بالملاحة يضيع بدون بوصَلَة ، فهذه الحياة .

       مَن يهدي الأطيار ، ومَن يهدي الأسماك ، ومَن يُخرج من بذرة شجرةً ؟ تأكل تينةً ، كم بذرة فيها ؟ كل بذرة يمكن أن تكون شجرة ، فهذا النبات ، خمس غرامات من بذور البندورة تعطي عشرة أطنان ، فكل بذرة تعطي مليوني ضعف ، فهذه الحياة ، بذور وجدت داخل أهرامات مصر ، زرعت بعد ستة آلاف عامٍ فنبتت ، إذ فيها رشيم حي ، أما النمل فحينما يخزن البذار ليكون زاداً له في الشتاء يأكل الرشيم ، فإذا أُكل الرشيم ماتت البذرة ، فالرشيم يعيش ستة آلاف سنة ثم ينبت !! .

       الحياة لا تتسع لها مجلَّدات ، ولا دروس في سنوات ..

      هو حيٌ ، ومصدر حياة المخلوقات ، ومصدر استمرار حياتهم ، والموت يخلقه الله عزَّ وجل ، الموت لا علاقة له بالمرض ، فحينما ينتهي أجل الإنسان يموت ، فهو.. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا

( سورة الملك : من الآية " 2 " )

       حيٌ قيوم ، يقوم على العناية بخلقه ، ومما يؤكد ذلك ..

    أي إشراف دائم ؛ متابعة ، ومراقبة ، ومحاسبة ، ومُعالجة ، واهتمام ، وعطاء ، وأخذ ، وتأديب ، وإكرام ، ومتابعة ، وكل مؤمن بحسب معاملة الله له ، كأن الله عزَّ وجل ليس عنده مخلوق إلا هذا الإنسان ، وهو مع كل الخلق ، ومع كل المخلوقات ، ومع كل البشر ، ومع كل من تحت الشمس والقمر .

       حيٌ قيوم ، يقوم على العناية بخلقه ، لأنه رب العالمين ، والإنسان أحياناً يأتيه خاطر لا يعلمه أحدٌ إلا الله ، ويدفع الثمن ، ويعالجه الله عزَّ وجل على خاطر أحياناً ، فقيوم السماوات والأرض يقوم على إدارتها ، والعناية بها ، وتربيتها ، وإمدادها ، و ..

        مما يؤكد هذا أنه ..

     إنه حيٌّ باقٍ على الدوام ، وحيٌّ قيّوم ، وهو معكم أينما كنتم ، فمعكم بعلمه .. وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19)

( سورة الأنفال )

      ومعهم بالنصر ، والتأييد ، والحفظ ، والتوفيق ، وهناك معيَّة عامة ومعية خاصة ، والمعية العامة أنه مع المخلوقات بعلمه ، والمعية الخاصة بالإكرام ، والتأييد ، والحفظ ..

       كل هذا الكون له ، ولا تستطيع جهةٌ على وجه الأرض أن تفعل شيئاً إلا بإذنه ..

    لام المُلك ؛ فله المُلكُ خلقاً ، وتصرُّفاً ، ومصيراً ، أما أنت كإنسان فقد تملك بيتاً ولا تنتفع به ، إنها مُلْكِيَّة ناقصة ، فالبيت لك ولكنه مؤجَّر قبل السبعين ، فأجرته مئة ليرة في الشهر ، تملكه ولا تنتفع به ، وقد تنتفع به ولا تملكه ، وقد تملكه ، وتسكنه ، وتنتفع به ، فصدَر قرار تنظيم ، فأخذتَ عشرَ قيمته ، فذهبَ من يدك ، إنها ملكية ناقصة ، أما إذا قلنا :

     فإنه يملك الكون ؛ إيجاداً ، وتصرُّفاً ، ومصيراً ، فقد تبيع دولة طائرة ، وبعد أن باعتها أصبحت هذه الطائرة بيد مَن اشتراها ، غير أنَّ الله سبحانه وتعالى مُلكيته دائمة .. اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)

( سورة الزمر )

       فأمرُ هذه الطائرة بعد أن بيعَت ليس لصانعها بل للذي اشتراها ، لكن الله عزَّ وجل له الخلق والأمر ، وهو الخالق وهو الآمر .. خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)

   

    لا يمكن أن يقع شيءٌ في مُلكه إلا بإرادته ، لذلك قالوا : كل شيءٍ وقع أراده الله ، وكل شيءٍ أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المُطلقة، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق ، فالأمر بيده ..

     السماوات والأرض تعبيرٌ قرآني عن الكون ، فالكون كله له ،  والكون ما سوى اللهِ ، أيْ أيّ مكانٍ في الأرض ؛ ولذلك فالموَحِّد مرتاح ، وهو سعيدٌ سعادة كُبرى ، والموحد يرى أنه لا إله إلا الله ، ولا يرى مع الله أحداً ، ويرى أن يد الله وحدها التي تعمل ، والموحِّد لا يحقد ، ولا يتألم ، وليس عنده إحباط ، ولا سَأَم ، ولا ضَجَر ، ولا يأْس ، ولا خُذلان ، إنه موحِّد ، والأمر بيد الله ، وله مُلك السماوات والأرض.

        فلو دققنا ، ودخلنا في التفاصيل ، فقُطرُ الشريان التاجي بيده، أحياناًَ يضيق ، وأحياناً يبقى متّسعًا ، فإذا كان متسع فأنت مرتاح ، وعمل الكبد بيده ، والدَسَّامات بيده ، وعمل الكليتين بيده ، والأعصاب بيده ، ونمو الخلايا بيده ، فأحياناً يفلتها فيكون السرطان ، ويضيق الشريان ، فلا بد من قسطرة ، أو عملية القلب المفتوح ، ويتعطل الكبد ، فيُزرَع بستة ملايين، والنجاح ثلاثون في المئة ، فالإنسان مُحاط باحتمالات مخيفة ..

      أنت في ملكه ، وأنت في قبضته ، وأجهزتك وأعضاؤك بيده ..

        زوجتك بيده ، وعملك بيده ، ورزقك ، ومَن حولك ، ومَن هم فوقك ، ومَن هم دونك كلهم بيده ، فهو الذي يعطي وهو الذي يمنع ، سبحانه يرفع ويخفض ، ويعز ويذل ، فإذا أعطى أدهش ، وهناك رجل يعد خامس رجل ثري في تركيا ، ثروته بألوف الملايين ، كل أمواله بيوت بأجمل منطقة بتركيا ، أبنية فخمة ، وهو يقول متبجِّحاً : سأسكن كل إنسانٍ في بيت ، لقد جاء الزلزال بأمر الله فلم يُبقِ له من أبنيته كلِّها بيتاً واحداً ، فسكن تحت الخيمة ، وأمسك الصحن ليأكل الطعام الذي جاءت به الجمعيّات الخيرية ، وقد صوِّر ونشر هذا ، خامس غني سلبه الله عزَّ وجل كل شيء في ثوانٍ معدودات ..

        له شارع على البحر في ( إزمير ) بأكمله ؛ بأبنيته الشاهقة ، وبمركباته الأنيقة ، فابتلعه البحر ، وبعد حين نزلوا بغواصة وصوروا ، فإذا هذا الشارع كما هو في قاع البحر ، فالبناء مثلما هو ، وكذا الطوابق ، حتى بالتدقيق ؛ الأنترفون ، والاسم ، والسيارة بجانب البيت في قاع البحر ..

      فطائرة تطير ، وفي ثانية تسمع النبأ : لقد مات جميع ركَّابها ، إذ وقعت فوق فندق ..

 

      فالطائرة تطير بيده ، وفي أي لحظة تصبح كتلةً من اللهب ، والمركبة بيده ، والحَرُّ بيده، فدرجة أربعة وأربعين ، هذا جو مكة وليس جو دمشق ، والبرد الأمطار بيده ، فأماكن فيها مطر بكَمِّية ألف ومئتي ميليمتر ، وهناك منطقة في أمريكا فيها تسعة عشرَ ألف بحيرة فيها ، وهو أكبر تجمع مائي في العالم ، والنبي قال : " ما من عامٍ بأمطرَ من عام " .

       ( من كنز العمال : عن " ابن مسعود " )

       فكميات الأمطار في العالم واحدة ، ولكن كل سنة لها ترتيب ، يصرفها عن أُناس ويسوقها إلى أناس ، فيؤدب هؤلاء ويمتحن هؤلاء ..

     الأمر والحروب بيده ، الاجتياحات والحروب الأهلية بيده ، الأمراض ومرض (الإيدز) بيده ..

  كل ما في الكون له ، أمره له إحداثاً ، وإعداماً ، وتنميةً ، وتقليلاً ، والأمر بيده ، فهذا هو التوحيد ، لا ينبغي لك أن ترى مع الله أحداً .

       أرسلت أمريكا إلى الفضاء الخارجي مركبة سمَّوها ) المتحدي) بعد سبعين ثانية كانت كتلةً من اللهب ، ومات كل من فيها ، صنعت باخرة اسمها (تيتانيك) أعظم باخرة صُنعت في أوروبا ، مع نشرة صناعتها ، لها كتيب كتب فيه : إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة . فيها شيء يصعب تصديقه ، غرقت في أول رحلة ، وارتطمت بجبلٍ ثلجي شَطَرَها شطرين ، والآن يبحثون عن حلي النساء التي فيها ، فهي بمبالغ فلكية ، وفي هذه الأيام يغوصون ويدخلون إلى غرفها ، وهي منذ عام 1912 ، فتصوَّروا الماس ، والذهب، والفضة التي فيها ، أول رحلة .

       فالزلازل ، والبراكين ، والقحط ، والجفاف ، والأمطار ، والسيول الجارفة ، والأعاصير، وازدهار الأراضي ، وشُح المياه كلها بيده  ..

       كل ما تراه عينك بيده ، ولكن بحكمةٍ بالغة ، أعيد المقولة : كل شيءٍ وقع أراده الله ، وكل شيءٍ أراده الله وقع ، وإرادته متعلقةٌ بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق ..

 

      ملكية تامة ؛ إيجاداً ، وتصرُّفاً ، ومصيراً .. خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيــلٌ(62)

( سورة الزمر )

لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ

( سورة الأعراف : من الآية " 54 " )

وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ

( سورة هود : من الآية " 123 " )

 

مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)

( سورة الكهف )

 

وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ

( سورة الزخرف : من الآية " 84 " )

       والحوادث لا تعد ولا تحصى ..

        المعنى الواسع جداً : مَن يستطيع أن يجمع شيئين ؟ الشفع هو الزوج ، أي يجمع هذا العقرب مع هذا الإنسان ويلدغه ، مَن ؟ إلا بإذنه ، أبسط مثال : شخص في أثناء ينام في فلاة، فيها عقارب ، لا يستطيع العقرب أن يلدغ نائماً إلا بإذن الله ، ولا أن تدخل رصاصة إلى إنسان إلا بإذن الله ، شظية طائشة لا تجد هذا عند الله عزَّ وجل ، بل شظية مسوَّمة عليها اسم مَن تقتله ، " لكل شيءٍ حقيقة ، وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه " ..

      بالمعنى الواسع : إنّه لا يمكن أن يجتمع عنصران في الكون إلا بإذن الله ، فإنسان ينالك بأذى ، وليس عند الله علم ، هذا مستحيل ، ولكن بعلمه ، وإرادته ، وحكمته ، وعدله ، ورحمته، فلذلك " لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت " ..مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ

( سورة فاطر : من الآية " 2 " )

        

)عنده) في ملكه ..

       إذا نجح الطبيبُ في علاج ابنك ، يكون اللهُ قد سمح له ، وألهمه ، ومكَّنه ، وأطلعه على المرض ، ووفقه في تشخيصه ، ووفقه في الدواء ، وسمح الله للدواء أن يفعل فعله ..

      هذا التوحيد ، هذه آية التوحيد ، فأول شيء ؛ نحن في ملكه ،  فالحركة بأمره ، نحن في ملك الله ؛ الأرض ، والسماء ، والبحار ، والأطيار ، والأسماك ، والأراضي ، والنباتات ، والرياح ، والأعاصير ، والأمطار ، والسُحُب ، والبراكين ، كل شيء بيده ، والآن الحركة ، فلان ضرب فلانًا ، حركة ، لا يستطيع مخلوق أن يفعل شيئاً مع مخلوق إلا بإذن الله ، لا خيرًا ولا شرًّا ، فحينما ترى إنسانًا يُردي إنسانًا فهذا بأمر الله ، أو يكرمه فكذلك بأمر الله .

        فالشفع هو الزوج ، لا يلتقي عنصران في الكون إلا بإذن الله ، والمعنى الضيق الشفاعة التي ذكرها الله عزَّ وجل .. مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ

( سورة يونس : من الآية " 3 " )

       فهو الذي يشفع لمن ارتضى ، والشفاعة بمعناها المحدود بإذن الله عزَّ وجل ، أي إن النبي لا يشفع إلا من بعد إذن الله عزَّ وجل ..

 )ما بين أيديهم) أي أمامهم ..

  

   أيْ وراءهم ، أو ما ( بين أيديهم ) عالم الشهادة ، و ( ما خلفهم ) عالم الغيب ، فهذا الإنسان وُلِد ، تُرى ماذا سيكون ؟ تاجرًا أم عالمًا ؟ أم مصلحًا اجتماعيًّا ، أم مجرمًا ، أيموت إعدامًا ، أم يموت بحادث ، أم على فراشه ، أينجب أولادًا ..

  هو عالم الشهادة ، أي المشهود ، وعالم الغيب ، فنحن عندنا غيب الحاضر ، وغيب الماضي، وغيب المستقبل ، وغيب المستقبل ما سيأتي ، وغيب الحاضر ما كان بعيدًا ..

     عالم الشهادة ..

    عالم الغيب ، فهو الذي يعلم ، ولذلك قال الإمام علي : " علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون " .

  

    كل شيء تسمعونه عن اختراع ، واكتشاف ، وقفزة في عالم المجهول ، هذا كله مما سمح الله به ، قال الله عزَّ وجل :وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً

       ثم قال في آخر الآية : وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8)

( سورة النحل )

      عُزِيَ صنعُ الطائرة إلى الله ، هو الذي ألهم الإنسان صنع الطائرة ، وألهم الإنسان اكتشاف وقودها ، فإذاً كلُّ شيءٍ يفعله الإنسان هو من إلهام الله له .

      فالآن ، يقال لك : عرفنا جنس المولود ذكراً كان أو أنثى ..

      فقد شاء لهم ذلك ، أما الآية : وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ

( سورة لقمان : من الآية " 34 " )

      ما قال : يعلم مَن في الأرحام ، قال : ما ، ما تشمل كل المعلومات المبرمجة التي في النويَّة ، لأن هناك خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة ، هذه يعلمها الله ، سمح لهم أن يعرفوا ذكراً كان أو أنثى عن طريق الأجهزة ، أي إن كل شيء سمعتموه عن كشف علمي ، واختراع ، وتفوّق ، فهذا مما سمح الله به ، نقلوا الصورة من قارة إلى قارة ، وهذا مما سمح الله به ، ونقلوا الصوت ، واخترعوا طائرة ، واخترعوا مركبة وأرسلوها إلى الفضاء ، وغاصوا في البحار ، واخترعوا أجهزة حديثة ، كل شيءٍ علمه الإنسان هو مما سمح الله له به ، وانتهى الأمر ..

     وفي آية ثانية : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا(85)

( سورة الإسراء )

       فلدينا حموض أمينية ، ويحتاج حمض أميني واحد كي يأتي مصادفةً إلى حجم يزيد عن حجم الكون ، فتركيب الحمض الأميني معقَّد ، وهو الحمض الأساسي في الإنسان ، هل من الممكن أن يكون هذا الحمض مخلوقاً مصادفةً ؟ فأنت لو وضعت عشرة أرقام في كيس ، ثم سحبتها ، فاحتمالُ خروجِ هذه الأرقام بالتسلسل هو واحد من عشرة آلاف مليون ، عشرة أصفار ، واحد وبعده تخرج تسعة ، ثم يأتي الواحد ، واحد من عشرة ، وبعد الواحد اثنان ، واحد من مئة ، بعد اثنين ثلاثة ، واحد من ألف ، فعندنا عشرة أصفار ، الستة مليون ، والأربعة عشر ألف مليون ، أي أن تسحب عشر أرقام متسلسلة احتمالُها حالة واحدة من عشرة آلاف مليون حالة ، وتركيب الحمض الأميني معقد ، وقالوا : الكون بكامله لا يكفي أن يخلق حمضًا أمينيًّا واحدًا مصادفةً .

       فلا تدهش إذا سمعت عن كشفٍ علمي ، بل يجب أن توقن يقيناً قطعياً أن الله سمح لهم أن يعرفوه ، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل..

      وهذا الذي شاءه قليل جداً .. وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا(85)

( سورة الإسراء )

        وهناك مَن يؤلِّه الإنسان ، مع أنّ الإنسان عبد فقير ، وقال بعض العلماء المخترعون : العبقرية تسعة وتسعون بالمئة منها عَرَق ، أي تعب ، وواحد بالمئة إلهام ، وهذا الإنسان حينما صدق في كشف هذه الحقيقة التي سمح الله بها ، لأنّ الله لا يعطي الشيء بسهولة ، ولكن بصبر شديد ، وبإصرار عجيب ، فأيّ مُخْتَرَع ، أو أي كشف علمي لا ينبغي أن يزلزل الإنسان ، وهذه الآية تغطيه ..

     فالكرسي ، والعرش ، أسلم تفسير : أن نفوض أمرهما إلى الله ، لأنه هناك آيات لا تزيد عن أصابع اليد تتعلق بذات الله ، كيف أنه يأتي .. وَجَاءَ رَبُّكَ

( سورة الفجر : من الآية " 22 " )

        وكيف أن .. يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ

( سورة الفتح : من الآية " 10 " )

 

       وكيف أنه .. تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ

( سورة المائدة : من الآية " 116 " )

        آياتٌ لا تزيد عن أصابع اليد متعلقةٌ بذات الله تعالى ، أسلم تفسير أن نَكِلَ أمرها إلى الله، فالاستواء معلوم والكيف مجهول ، وهناك من أوَّلها تأويلاً يليق بكمال الله ، والأوْلى أن نفوِّض  ، فإن لم نفوض نؤوِّل بما يليق بكمال الله ، أما أن نجسِّد ، فهي عقيدة فاسدة ، وأما أن نُعَطِّل ، فالتعطيل عقيدة فاسدة ، فإذا أنكرنا أن لله سمعاً ، فهذا تعطيل ، وإذا قلنا : إذا كان  ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا ، فالخطيب نزل درجة ، وقال: ينزل كما أنزل ، فهذا تجسيد ، والتجسيد عقيدة فاسدة ، والتعطيل عقيدةٌ فاسدة ، والآيات القليلة التي لا تزيد عن أصابع اليد المتعلقة بذات الله فالأوْلى أن نفوِّض أمرها إلى الله ، أو أن نؤوِّلها تأويلاً يليق بكمال الله، والتفويض أولى .

       قال بعض العلماء : الكرسي علمه ..

     أي علمه ..

   أي لا يعجزه حفظهما ، ولا يتعبه حفظهما ، وما مسنا من لغوب ، اللغوب التعب ..

     فهذه الآية أيها الإخوة هي آية الكرسي ، هناك أحاديث كثيرة جداً في فضلها ، والإنسان يقرؤها قبل أن يسافر ، وقبل أن يستلقي إلى فراشه لأنها مُرِيحة ..

   فأحياناً ينشأ خطأ في البيت فيحترق البيت كله وهو نائم ، فإذا نِمتَ ، فأنت في رعاية الله .

       وهذه الآية تقرأ قبل السفر ، وعند الدخول إلى البيت ، وعند الاستلقاء للنوم ، وتعطيك التوحيد ، والأمر بيد الله ، وكان سيدنا رسول الله إذا سافر يقول كما روى عنه أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ قَالَ بِإِصْبَعِهِ وَمَدَّ شُعْبَةُ إِصْبَعَهُ قَالَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا بِنُصْحِكَ وَاقْلِبْنَا بِذِمَّةٍ اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الْأَرْضَ وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ *

( من كنز العمال : عن " جرير " )

       ولا يوجد في الكون إلا جهة واحدة ؛ هي معك في السفر ، ومع أهلك وأولادك في بيتهم

 

 

 

      ولعلك في الشام المباركة إذا دخلت إلى مئة بيت تجد تسعين بيتًا فيها آية الكرسي معلَّقة، طبعاً بخيوط من الذهب وإطار جميل ، ولكن الأفضل من ذلك ـ علقها فلا مانع ـ ولكن أن تفقه معناها ، وأن توحِّد الله عزَّ وجل ، وأن تطمئن لله عزَّ وجل ، ويجب أن تكون في قلبك وتزين بها جدار بيتك ، واجعلها في البيت فهي مفيدة جداً ، ولكن الأولى أن تعيش معانيها ، وأن تكون في مستواها ، وأن تقرأها وأنت فاهم لمضامينها .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi