English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :85/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة : الآيات " 256 - 358 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ محمد موسى حلوم و السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ،  اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس والثمانين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية السادسة والخمسين بعد المئتين ، وهي قوله تعالى:

       

أولاً : كلمة (دين) دان بمعنى خَضَعَ ، والإنسان بحسب جِبِلَّته ، وفطرته ، وبحسب ما أودعه الله فيه من عقلٍ لا يخضعُ إلا للكمال ، ولا يخضعُ إلا للمَنطق ، ولا يخضع إلا للحق ، والحق هو الشيء الثابت والهادف ، الشيء المتبدِّل ليس حقاً بل هو الباطل ، أما الشيء الثابت هو الحق ، ونقيضُ الحق الباطلُ ، ونقيضُ الحق اللعبُ ..

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ(38)مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ

( سورة الدخان )

       الحقُ نقيض اللعب ، والحق نقيض الباطل ، الباطل هو الشيء الزائل ، أمّا الحق فهو الشيء الثابت ، واللعب هو العَبث ، والحق هو الشيء الهادف .

       فقد نبني جناحاً في معرض من القماش ، من ورق مقوَّى ، لأنه سيبقى أسبوعين ، أما حينما نبني وزارةً عتيدةً ، أساسيةً في الحياة ، نبنيها من الحَجَر ، فهذه الوزارة بُنيت لتبقى ، أما هذا الجناح في المعرض فقد أنشئَ ليزول ، فالحق الشيء هو الثابت ، لا يتأثر لا بمكان ، ولا بزمان ، ولا بتطورات ، ولا يخضع لتقلُّبات ، ولا يقبل الحذف ولا الإضافة ، لأن الله هو الحق ، وحقَّ الشيءُ أيْ استقر ، فأنت مع الحق ، أنت مع الشيء الثابت الذي لا يتأثر ، وهذا الدين العظيم دين حق ، كم من العلوم والفنون جاءت ، فهل استطاعت أن تقوِّض دعائمه ؟ إطلاقاً ، مهما تقدَّم العلم ، مهما وصل إلى أعلى مستوياته فلا يستطيع أن يهز حقيقةً من حقائق الدين ، ولن تجد في كتاب الله كلَّه آيةً أصبحت مثار جدل ، وكلما تقدم العلمُ أكَّدَ حقائقَ القرآن .

        كلمة (حق) شيء ثابت لا يتغير ، لا بمكان ، ولا بزمان ، ولا بنزعات ، ولا بأهواء ، لا يضاف عليه ، ولا يحذَف منه ، لا يُستحيا به ، لا يخشى البحث ، لا يحتاج أن تكذب له ، ولا أن تكذب عليه ، هذا هو الحق ..مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ

( سورة الدخان : من آية " 39 " )

       أما الباطل فهو شيء زائل ، حائط بُنِيَ بلا شاقول ، فلابدَّ أنْ يقع ، أما حائط بُنِيَ على أصولٍ علمية فسيبقى ، لذلك كم من المذاهب الوضعية انهارت ، كم من المذاهب الوضعية أصبحت في الوَحْل ، كم من المذاهب الوضعية رفضها الناس واحتقروها ، لأنها باطل ، فإذا قلت كلمة (حق) أي الشيء الثابت والهادف ، ليس باطلاً يزول ، وليس لعباً هو العبث ..مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ

( سورة الدخان )

       فالإنسان بعقله الذي أودعه الله فيه ، وبفطرته التي فطره الله عليها لا يخضع إلا للحق ، أي لا يدين إلا للحق ، فَسُمِّيَ الدين ديناً لأنه يُدان له ، قل : الإله شمس ، لا ، فإذا أفلت مَن يرعاني عند أفولها ، قل : الإله نار ، لا ، هذا غير منطقي ، قل هذا الصنم إله ، هو جماد ، هو حجر ..

أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ(95)وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96)

( سورة الصافات )

         قل : الإله هو بقرة كما يزعمون في الهند ، البقرة مخلوقة ، انسب الآن صفة عظيمة لإنسان ، هذا الإنسان يموت ، وكل مخلوقٍ يموت ، فأي ألوهيةٍ لغير الله فإنّ النفس لا تخضع لها، ولا تقبلها ، وتعافها وتَمُجُّهُا النفوس ، فسمي الدين ديناً لأن النفوس ذوات الفطر السليمة والعقول النيِّرة تخضع له .

       حينما أسلم سيدنا خالد ، وقد أسلم متأخراً ، وعاش في الإسلام سبع سنوات فقط ، خاض خلالها زهاء مئة معركة ، مئة معركة خاضها في سبع سنوات ، حينما أسلم قال له النبي عليه الصلاة والسلام : " عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً " .

       فلماذا يكون الإكراه في الدين ؛ الدين واضح ، الدين جليٌّ ، كل شيءٍ في الكون يدل على الله ، وكل شيءٍ في الكون يدل على أن هذا الدين حق ، لذلك كلما حاولت أن تحارب هذا الدينَ ازداد قوةً ، وكلما حاولت أنْ تقمعه ازداد ثبوتاً ، كهذا الذي يريد أن يطفئ النار بالزيت ، فكلما صبَّ على النار الزيت ازدادت تألُّقاً ولمعاناً ، هذا هو (الدين) ، أيْ الشيء الذي تخضع له ، أما المذهب الوضعيّ فأنتَ لا تخضع له ، لأنه يعتمد على التمييز .

         جاء الألمان بنظرية العِرْق المتفوِّق ، حيث اعتبروا أنّ ما سوى الألمان شعوب من سقط المتاع ، وهذه نظرية غير معقولة ، وما من نظريةٍ جاءت إلا وسقطت في الوحل ، لأنها ليست حقاً ، والناس لم يدينوا لها ، وكم من نظرياتٍ لا تعد ولا تحصى كلها سوف تنتهي إلى الزوال لأنها باطلة ، أما حينما تقول : لهذا الكون إلهٌ عظيم ، ولهذا الإله منهجٌ قويم ، وهذا المنهج مبنيٌ على مصالح الخلق ، وأن الناس سواسية كأسنان المشط ، وأنه لا فضل لعربيٍ على أعجميٍ إلا بالتقوى ، وأنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ، هذا منطق ، وعدل ، ورحمة ، وهذا شيء مقنع .

         ماذا قال بعض العلماء ؟ الشريعة رحمةٌ كلها ، عدلٌ كلها ، مصلحةٌ كلها ، حكمةٌ كلها ، فأيَّةُ قضيةٍ خرجت من العدل إلى الجَور ، ومن المَصلحة إلى المَفسدة ، ومن الحكمة إلى خلافها ، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل .

       الدين الذي تخضع له ، هو ما يخضع له عقلك ، وتخضع له فطرتك ، الدين هو المنهج الذي ترتاح نفسك له ، ويطمئن قلبك له ، تشعر أنك وجدت نفسك ، تشعر أنك تعرَّفت إلى ذاتك ، تشعر بأنك اصطلحت مع الكون كله ومع خالق الكون ، هذا هو الدين .

        أولاً : إنّ الإنسان قَبِلَ حمل الأمانة ، وقد أعطى اللهُ الإنسانَ مقوِّماتِ الأمانة ، ومن أهم هذه المقومات حريّة الاختيار ، فما دام الإنسان حراً في اختياره فلا يمكن أن يكون ثمّةَ إكراهٌ في الدين ، لا يمكن أن يكون إكراهٌ في الدين ، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، مستحيل أن يُجبر الله عباده على الدين ، لو أجبرهم لما سعدوا به ، لأن الله عزَّ وجل بنى هذا الدين على المَحْبوبيَّة ، الله عزَّ وجل لا يريدك أن تؤمن قسراً ، ولا إكراهاً ، ولا إرغاماً ، يريدك أن تؤمن طَوْعاً ، حُباً، شَوقاً ، بمبادرةٍ منك ، بإقبالٍ منك على الله ، لذلك الإكراه في الدين يتنافى مع سعادة الإنسان ، خلقك ليسعدك ، وإنَّك لن تَسعد إذا كنت ديِّناً مكرهاً ، لن تسعد بدينٍ قسري ، إنك تسعد إلا بعملٍ طوعي .

       لو أمسك شخصٌ حاجة ثمينة بيده ، وجاء إنسان معه مسدس ، وقال له : أعطني هذه الحاجة وإلا قتلتك ، فأعطاه إياها ، هذا الذي أعطى هذه الحاجة هل يشعر أنه قدَّم هديةً ؟ على أنه عمِلَ صالحاً ؟! إنّه مقهور يمتلئ غيظاً ، أما لو جئت إلى إنسان وقدَّمت له هديةً ، فكلما التقيت به تألق وجهك ، لأنك فعلتَ معه معروفاً ، فحينما تجبَر على العمل سقطت قيمة العمل ، وسقطت قيمة العمل ، وحينما تفعل هذا العمل اختياراً ، وطواعيةً ، عظمت قيمة العمل ، فالاختيار يثمِّن للعمل ، فالإكراه في الدين ُينهي الدين ، الإكراه في الدين يلغي ثمار الدين ، الإكراه في الدين يلغي السعادة النابعة من الدين .

       لذلك شاءت حكمة الله أن يكون هذا الدين في بداياته ضعيفاً ، فماذا يفعل النبي ؟ ليس عنده دنيا يُغري بها ، وليس عنده قوة يُخيف بها ، ومع ذلك يؤمن به أصحاب النبي إيماناً طوعياً عن رغبةٍ وحُبٍّ ، هذا الإيمان صحيح ورائع ، لأنه جاء بمبادرة شخصية ، وجاء باختيارٍ طيب ..

       

هذه (لا) نافية للجنس ، إذا سألَك شخص : هل عندك رغيف خبزٍ ؟ إذا قلت : ليس عندي رغيف خبز ، لو أردت أن تناقشه ، قد يكون عنده رغيفان ، لكنه ماذا نفى ؟ ليس عندي رغيف خبز ، نفى الرغيف الواحد ، أما إذا قال لك : لا رغيف عندي ، فهذه نافية للجنس ، لا تنفي الرغيف الواحد ، بل تنفي جنس الخبز ، تنفي القمح ، وتنفي مشتقات القمح ، ونفي الجِنْس مِن أبلغ النفي .

          مثلاً ، عندنا ( لا ) التي تعمل عمل ( ليس ) ، فتقول : لا طالبٌ في الصفِ ، هذه "لا" تعمل عمل ليس ، فتقول : بل طالبان ، ماذا نفيت بها ؟ نفيتَ المفرد ، أما إذا قلت : لا طالب في الصف ، بل طالبةٌ ، فقد نفيتَ جنس الذكور ، وكلمة لا طالبٌ في الصف نفيت بها المنفرد ، أما لا طالبَ في الصف فنفيتَ جنس الذكور ، ولا تنس أن كلمة التوحيد لا إله إلا الله ، فأبلغ أنواع النفي نفي الجنس ..

      

يعني كل أنواع الإكراه ، هناك إكراه حاد ، إن لم تؤمن بهذا تُقتَل ، هذا إكراه حاد ، وهناك إكراه أقلّ منه ، أي إنْ لم تؤمن فليس لك ولا ميِّزة ، مثلاً ، هناك أنواع منوَّعة من الإكراهات ، كل أنواع الإكراهات القاسية والحادة ، والمخففة ، والمباشرة وغير المباشرة ، والصريحة وغير الصريحة ، والمعلنة والمبطنة غير موجودة في دين الله .

      

والله جل جلاله يريدك أن تأتي إليه طائعاً ، يريدك أن تأتيه مُحِبًّا ، يريدك أن تأتيه مختاراً ، يريد أن تأتيه مشتاقاً ، فلو أجبرك على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرك على المعصية لبطل العقاب ..

      

ولكن ما هو الدين ؟ قال تعالى :

        

إنّ الدين هو الرشد ، وخلاف الدين هو الغي ، وهذه حقيقة أيها الإخوة ، هناك طريق الحق ، وطريق الباطل ، ولا ثالث بينهما ..فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ

( سورة القصص : من آية " 50 " )

        إن لم تكن على الحق - لا سمح الله ولا قدَّر- فأنت على الباطل قطعاً ، وإن لم تستجب لله ، فأنت مستجيبٌ لغير الله - قطعًا - وعندنا شيء في الدين اسمه الاثنيْنيَّة ، أي هناك حق وباطل ، خير وشر ، صدق وكذب ، إخلاص وخيانة ، إنصاف وظلم ، إقبال وإدبار ، تألُّق وانكماش ، فإن لم تكن على أحد الخطين فأنت على الثاني ..

      

الدين هو الرُشْد ، الدين كما قال الله عزَّ وجل : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ

( سورة الإسراء : من آية " 9 " )

         في صحتك ، في زواجك ، في حرفتك ، في علاقاتك ، في جدَّك ، في لهوك ، في إقامتك، في سفرك ، حياة المسلم رائعة ، منضبطة وفق منظومة قيَم ، وفق سلسلة مبادئ ..

       

قدِّم لمئة ألف إنسان نموذجَ المسلم يرمقونه بأبصارهم ، قدِّم لهم نموذج المنحرف يزورّون عنه ، الناس يكرهون الكذاب ، يكرهون المنافق ، يكرهون الدجال ، يكرهون المؤذي ، يكرهون المغتاب، يكرهون النمَّام ، يكرهون المتغطرس المتعالي ، يحبون المتواضع ، الرحيم ، المنصف ، الصادق ، الأمين ، العفيف ..

      

والدين هو الرشد ، هناك معنى آخر : إذا قُدِّم لإنسان - فرضاً - وهو جائع طعامٌ طيبٌ ونفيسٌ ، وقُدِّم له صحنٌ آخر فيه لحمٌ متفسخ ، تفوح رائحته النتنة ، فهل هناك حاجة أن تكره هذا الإنسان على أكل الطعام الطيب ؟ يتّجِه إليه بفطرته ، ضع صحن طعامٍ طيب وطعام خبيث ، وقل له : أنا لن أكرهك على أن تأكل الطعام الطيب ، طبعاً سيأكله ، وسيشكرك عليه ، وسيذوب محبةً لك .

       هناك معنى آخر ، فضلاً عن أن الله لا يقبل مؤمناً مقهوراً ، ولا مؤمناً مكرهاً ، ولا صلاةً فيها ضغطٌ وإكراهٌ ، بالمقابل دين الله بتألُّقه ، ومنطقيته ، وكماله ، وكيف أنه قدَّم تفسيراً رائعاً للكون ، وكيف أن فيه قيَماً ، واللِه من أحدُ ألد أعداء المسلمين في بلد غربي بعيد قال في احتفال : إن القيم التي نؤمن بها هي نفس القيم التي جاء بها الإسلام ، هكذا قال . فالإسلام عظيم ..

      

(الغي) الانحراف ، الغي الطغيان ، الغي الظلم ، الرشد أن تنسجم مع فطرتك ، وأن تنسجم مع الحق ، وأن تنسجم مع علَّة وجودك وغاية وجودك ، هذا هو الرشد .

        طالب في المدرسة ، ما هو الرشد ؟ أن يدرس ، وما هو الغي ؟ ألاّ يدرس ، أن يذهب إلى دور اللهو هذا هو الغي ، وأن يقبع وراء كتابه هذا هو الرشد ، والتاجر ما هو الرشد له ؟ أن يربح ، الغي أن يكذب على الناس ، وأن يظلمهم ، في كل حقل هناك رشد وهناك غَيّ ..

        (الطاغوت) صيغة مبالغة ، كأن تقول : جبروت ، كأن تقول : رحموت ، طاغوت ، أي طاغي ، والمؤمن يكفر بهؤلاء الذين يطغون ، فالطاغي قوي ، لكنّ المؤمن كفَر بالطاغوت وآمن بالله ..

      

أي يكفر بالكفر ، يكفر بالذي يستخدم قوته لإمتاع شهواته ، بالذي يقهر الناس ..

       

أي إنك حينما تؤمن بالله ، تكفر بالطاغوت ، المشكلة أيها الإخوة هي التداخل ، فهو مؤمن ولكنّه مع أهل الدنيا ، ومع الأقوياء ، ومع الأغنياء ، في فسقهم وفجورهم ، لا تسخو نفسه أن يدعهم ، لن تقطف ثمار الدين إلا إذا آمنت بالله وكفرت بالطاغوت ، لا بدّ أن تكفر بالكفر حتى تُفْتَح لك أبواب السماء ..

        

أنتَ بعيدٌ عن اللهِ ما دمت تعقد الأمل على طواغيت الأرض ؛ الفسَّاق ، والفجار ، والذين جاؤوا بالمذاهب الوضعية ، والذين أرادوا الدنيا وغفلوا عن الآخرة ، الذين أرادوا الشهوة وغفلوا عن القيَم ، الذين أرادوا المال ، وغفلوا عن الأخلاق هؤلاء كلهم طواغيت ، قد يكون الإنسان محاطًا بطواغيت ، يقول لك : لي جار مادي ، لي عم لا يحلل ولا يحرِّم ، كل إنسان طغى وبغى ونسي المبتدى والمنتهى فهو طاغوت ، فما دمت متعلِّقاً بأهل الكفر ، علمًا أنهم قد يكونون أقوياء ، وقد يكونون أغنياء ، تعقد الأمل عليهم ، ترجو عطاءهم ، ترجو ودَّهم ، تحذر من غضبهم ، تحسب لهم ألف حساب ، ما دمت مؤمناً بهم ، متعلقاً بهم ، تعلِّق عليهم الآمال ، ترجو الخير منهم ، فالطريق إلى الله غير سالك ..

      

حتى في تاريخنا القديم والحديث ، تجدنا متعلقين بالأقوياء ، ونظن أن اتصالنا بهم رحمةٌ لنا ، وأن تقليدهم رُقي ، وأن إرضاءهم ذكاء، وأن التعلق بوعودهم أمل ، هؤلاء لا يعطوننا شيئاً ، إلا أنهم يستغلوننا ، وتجربتنا مع العالم الغربي منذ خمسين سنة ماضية ، فماذا أخذنا منهم ؟ لم نأخذ شيئاً ، أخذوا منا كل شيء ، ولم يعطونا شيئاً أبداً ..

      

كل جهة طغت ، وبغت ، واستكبرت ، واستغلَّت ، وقهرت ، وأرادت الدنيا ، وكفرت بالآخرة ، أرادت العِلمانية وكفرت بالدين ، كل قوةٍ جبارة عاتيةٍ طاغيةٍ ينبغي أن تَنْفِضَ يديك منها ، أما إذا كنت متعلقاً بها ، راغباً بما عندها ، ترجو رضاها ، تخشى غضبها ، تعلق الآمال على رضاها ، فالطريق إلى الله ليس سالكاً ..

       

يجب أن تؤمن به خلاَّقاً ، وأن تؤمن به فعَّالاً ، وأن تؤمن به متصرِّفاً ، وأن تؤمن به إلهاً في السماء وإلهاً في الأرض ، وأن تؤمن أن الأمر كله بيده ، وأنه إذا شاء شيئاً فعل ، ووقع ..وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ

( سورة الرعد : من آية " 11 " )

        وأن كل شيءٍ بيده ، بيده مقاليد السماوات والأرض ، هذا هو الإيمان ، فيجب أن تكفر بالطاغوت ، وأن تؤمن بالله ، كم مسلم في العالم يرتكب المعاصي والآثام تقرباً إلى أهل الدنيا ، تقرباً إلى أهل الباطل ، تقرباً إلى الطواغيت ..

       

(العروة) هذه التي تمسكها ، تتعلَّق بها ، ترجو أن تبقى متَّصلة ، فأنت حينما تتمسك بالشريعة ، وتتصل بالله عزَّ وجل ، ليس في الكون كله جهةً تستطيع أن تقطعك عن الله ..مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ

( سورة فاطر : من آية " 2  )

       

أي إذا تمسَّكت بالقرآن والسُّنة ، وعضضت عليهما النواجذ ، أنت متمسك بعروةٍ وثقى .

         سمعت أن لبعض الشاحنات عروة في نهايتها من أجل أن تجرَّ مقطورة ، قال : هذه العروة لها اختصاص نادر ، وهي مصنَّعة من أدقّ أنواع الفولاذ المطرَّق ، لأن المقطورة تزن عشرين طنًا ، ولو أن هذه العروة تفلَّتت لوقع حادث مخيف ، فهذه العروة التي توضع في نهاية الشاحنات لها صناعة متميِّزة ، ومن أمتن أنواع الفولاذ المُطَرَّق ، أي معالج بالطرق ، لا بالصب ولا بالسحب ، فهذه عروة وثقى .

        فربنا عزَّ وجل قال : أنت إذا كفرت بالطاغوت ، أيُّ طاغوت ؟ كل جهة تنكر وجود الله عزَّ وجل وتؤثر الدنيا ، تطغى وتبغي ..

       

إن آمنت بالله آمنت بكتابه ، إن آمنت بالله صدقته ، إن آمنت بالله صدقت نبيَّك ، إن آمنت بالله تقرأ الحديث الشريف وكأنه من عند الله عزَّ وجل ، قال الله لك : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(58)

( سورة الذاريات )

       لا تيأس ، لا تذل ، لا تستخذِ ، لا تتضعضع أمام غني .." من دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه " .

( من زيادة الجامع الصغير )

        لا تمدح فاسقاً ، لا تجيَّر لإنسان أنت مجيَّر للواحد الديَّان .

      

كأن هذا الدين حبل نجاة ، أحياناً يلقى لإنسان حبل متين لكنه متين ، يمسك به فينجو ، أحياناً إنسان في حالة صعبة تأتيه طائرة هليكوبتر فتمدّ له حبلاً ، يمسك به نجا ، فترفعه شيئاً فشيئاً فينجو .

       

مهما كنت في خطر ، مهما كنت في خطرٍ شديد ، إذا تمسَّكت بالأمر الإلهي في القرآن ، والأمر النبوي في السنة ، كأنك تمسكت بالعروة الوثقى لا انفصام لها ، نجوت .

 

      

يسمع قولك ، وعليمٌ بحالك .

       أيها الإخوة الكرام ، ثم يقول الله عزَّ وجل :

       

لا بدَّ من أمثلة ؛ تصور أبًا متفرغًا لابنه ، عالمٌ ، غنيٌ ، قويٌ ، مربٍّ ، مثقف ثقافة تربوية عالية ، إيمانه قوي ، قوي مادياً ، عالِم ، له ابن، متفرِّغ له ، يسأله عن صحته ، عن طعامه ، عن شرابه ، عن هندامه، عن وظائفه ، عن بيته ، عن مدرسته ، عن أصدقائه ، يجلس معه، ينبِّهه ، يذكره ، يقوم اعوجاجه ، يسأله ، يصحح خطأه ، أبٌ متفرِّغٌ لابنه ..

        

انظر إلى هذا المثل ، الله عزَّ وجل وليُّ الذين آمنوا ، يرعاهم ، يؤدبّهم ، يبشِّرهم ، يخيفهم ، يصحح مسارهم ، قد يشعرهم بالخوف ليأتوا بابه طائعين ، قد يشعرهم بالأمن ليشكرهم على طاعتهم له ، ولي ، وليٌ كامل ، لذلك أشد الناس شقاءً من خرج من ولاية الله ..

      

(الظلمات ) جاءت جمعًا ، لأن الباطل يتعدد ، بينما ( النور ) جاء مفرداً ، لأن الحق لا يتعدد ، ما قال : من الظلمات إلى الأنوار ، وما قال : من الظلام إلى النور ، بل قال :

       

وهي جمع ..

وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ

( سورة الأنعام : من آية " 153 " )

        كان في ظلام المعصية فصار في نور الطاعة ، كان في ظلام البُعد فصار في نور القُرب، كان في وحول الشهوات فصار في جنات القربات ، كان مخطئاً فأصاب ، كان ضائعاً فوجد نفسه ، كان منحرفاً فاستقام ، كان ضالاً فهداه الله عزَّ وجل ، كان قاسياً فصار ليِّناً ، كان غضوباً فصار حليماً ، كان جاهلاً فصار عليماً ، كان حقوداً فصار متسامحاً ، كان منحازاً فصار منصفاً ..

      

كان في  الظلمات ، في الأفكار غير الصحيحة ، والقيم غير الصحيحة ، فصار في النور ، في نور الحق ، ونور الكمال ..

       

واللهِ ذات مرَّة استمعت إلى آية قرآنية - صدقوا أيها الإخوة - أنها دخلت إلى أعماق أعماقي .. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ(11)

( سورة محمد )

        تصور ابنًا في الطرقات يتيم الأب والأم ، ملقى ؛ يوم في المخفر ، ويوم في الأحداث ، ويوم في المستشفى ، ينام على الطرقات ، يسرق ، ينحرف أخلاقياً ، ليس له ولي ، ولا مَن يحاسبه ، ولا مَن يسأله أين كنت ؟ليس هناك مَن يرعاه ، ولا من يقدّم له طعامًا ، ولا يوجَد مَن يغسل ثيابه ، أو يضمُّه إلى صدره ، وازن بين ابنٍ بين أبوين عالمين ، مؤمنين ،  رحيمين ، وبين طفل بلا أب ولا أم ( لقيط ) في الطرقات ، ينام في مدخل بناية ، يوم في مخفر ، ويوم في المستشفى ، ويوم بالسجن ، ويوم يفعل به الفاحشة ، ويوم يفعل الفاحشة ، قذر ، ووسخ ، هذا هو، والله لا أبالغ الفرق بين الطفل المربَّى تربية عالية ، وله أم وأب ، وبيت وعناية ، ومتابعة ودقَّة ، وبين طفل مشرَّد ، أخلاقه سيئة ، كلامه بذيء ، جائع ، قذر ، وسخ ، يسرق ، يفعل الفاحشة ، تُفعل به الفاحشة ، هذا الفرق بين مؤمنٍ وكافر ..

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ(11)

( سورة محمد )

        إخواننا الكرام ؛ إذا أدَّبَ اللُه عزَّ وجل المؤمنَ ، وتابعه ، ضيَّق عليه ، وأخافه ، ساق له مرضًا ، ساق له شدَّة ، يجب أن يشكر الله عزَّ وجل شكراً لا حدود له ، لماذا ؟ لأنه ضِمْن العناية المشددة ، أنا أقول : هذا جبر خاطر : إذا استفقدك الله بمعالجة ، ولفت نظرك ، وخوَّفك ، وساق لك مصيبة ، فهذا لأنه يحبك ، ولأنك خاضعٌ للتربية ، ولأنك ضمن العناية المشددة .

        أما إذا تفلَّت الإنسان كالدابة ، لا يحاسبه الله ، تجده يأكل ما يشتهي ، ويلتقي مع مَن يشتهي ، ينهب الأموال ، يقترف الموبقات ، يزني ، يشرب الخمر ، وجسمه مثل البغل ، هذا ما مشكلته ؟ هذا خارج العناية المشددة ، هذا خارج التربية ، هذه هي المصيبة ، ليست المصيبة أن تصاب بمصيبة ، لا والله ، المصيبة أن تكون منحرفاً ، وألا تصاب بمصيبة ، فأشدُّ الناس مَقْتاً عند الله عزَّ وجل هم الذين ينحرفون ولا يصابون بمصيبة ، هذا سمَّاه بعض العلماء ( العفريت النفريت ) منحرف ، أخلاقه سيئة ، لكنه صحته طيِّبة ، دائماً متمكِّن ، أما الإنسان المؤمن فيُعالج ، ويؤدَّب .. " أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي ، وتمرري ، وتكدري وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي".

        

كانوا في بيئة محافظة فتفلَّتوا ، كان صادقًا فكذب ، كان مستقيمًا فانحرف ، كان لا يقبل دخلاً غير مشروع فقَبِل ، كان يحفظ زوجته فأطلق سراحها ، وجعلها تتفلَّت ، الشيطان دائماً ينقلك من الحق إلى الباطل ، من الخوف من الله إلى عدم الخوف منه ، من الانضباط إلى التفلت ، وأخيرًا يصبح المرءُ دابةً متفلِّتة .

       

احرص حرصاً لا حدود له أن يكون اللهُ وليَّك ، احرص أن تنتفع بالدين ، أن تنتقل من تقصير إلى تفوُّق ، من انحراف إلى استقامة ، من ضعف إلى قوة ، من لين إلى شدة أحياناً ..

       

أحياناً يؤتى الإنسان المُلك فيكفر ، يرى نفسه قوياً ..أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي

( سورة الزخرف : من آية " 15 " )

 

إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي

( سورة القصص : من آية " 78 " )

 

       

هذا الذي آتاه الله المُلك بدل أن يشكر ، وأن يتواضع لله عزَّ وجل ، ويسخر ملكه في خدمة الخلق، نسي الله عزَّ وجل ، وطغى وبغى ونسي المبتدى والمنتهى ..

       

قال له : مَن ربك يا إبراهيم ؟ قال له :

      

ظنَّ هذا الملك النمرود أنه يحكم على إنسان بالإعدام فيميته ، يعفو عن إنسان حُكم عليه بالإعدام فيحييه ، هكذا ظن ، الآن متابعة هذا النقاش تحدِث إشكالاً ، قضية مركَّبة ، هو توهَّم الإحياء أن يعفو عن مقتول ، والإماتة أن يحكم على حي بالقتل ، هذه طريقة للمناقشة ، فهذا النبي الكريم ترك هذا الموضوع ، لو تابعه لصار هناك إشكالية ، صار يحتاج إلى حُجَج مركَّبة ، معقدة ، فتركه ..

         

كأن القرآن يعلِّمنا أن تكون حجَّتك قوية ، ناصعة لا ردَّ عليها ، الأولى تركها ، صار هناك إشكال ، صار هناك توهُّم ، صار هناك تأويل ، أوَّل الإحياء بالعفو ، وأوَّل الموت بالقتل ، إبراهيم عليه السلام يقصد شيئاً آخر، اللهُ يخلق الحياة ، ويميت ، أي يخلق الموت مِن دون قتل ..

       

توهَّم النمرود أنه هو يحي ويميت ، توهم الإحياء والموت تأولاً ، لذلك المحاورة بين متأولين لا تنتهي إلى يوم القيامة ، كل واحد يتصوَّر شيئًا ، وهذا درس بليغ في الحوار ، إذا وُجِدَ تأويل فدَعْك من الحوار ، قال له :

       

أيها الإخوة ؛ أدق آيتين في هذا الدرس هي :

        و ..

      

لأن الدين أساسه الاختيار ، أساسه المحبوبية ، ثم إن الدين ناصعٌ جليٌّ كالشمس المشرقة ، فلا يحتاج إلى إكراه ، أنت جائع والطعام طيب نفيس ، فلا داعي أنْ ترفع السلاح وتقول : كُل ، هو سيأكل ، هذا المعنى الثاني لأن الدين هو الحق ، ولأن الدين هو الصدق ، ولأن الدين هو الرحمة، والعدل ، والمصلحة ، والفوز ..

       

أو لا يمكن أن تسعد بدينٍ فيه إكراه .

        أيها الإخوة ؛ نتابع هذه الآيات في درسٍ قادمٍ إن شاء الله .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi