English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :86/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة : الآيات " 258 - 260 " .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ محمد موسى حلوم و السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ،        اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السادس والثمانين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الثامنة والخمسين بعد المئتين ، وهي قوله تعالى :

      

        يعلمنا ربنا عز وجل أنك إذا حاورت إنساناً فابْدَأ بحجةٍ قويةٍ لا ردَّ عليها ، وسيدنا إبراهيم بدأ بهذه الحجة ..

      

جاء برجلين ، كما تروي الروايات ، فقتل أحدهما وعفا عن الآخر ، فالذي قتله أماته ، والذي عفا عنه أحياه ، هذا الملك المتألِّه ، تأوَّل الحياة والموت على طريقة شرحها لمَن حاجَّه ، لإبراهيم عليه السلام ، فما دام متأولاً ، فالحوار لا ينتهي معه إلى يوم القيامة ، والحوار بين متأولين لا ينتهي إلى يوم القيامة ، أنا أقصد كذا وكذا ، فأجابه الثاني : أنا أقصد كذا وكذا ، نقاش مستحيل ، الطريق مسدود ، فلما تأوَّل هذا الملك المتألِّه أنَّ الإحياء هو العفو ، والموت هو القتل ، سيدنا إبراهيم لم يقصد ذلك ، قَصَدَ أنّ واهبَ الحياة هو الله ، وأنّ الذي ينهي الحياة هو الله ، فالموت يحتاج إلى خلق ، قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ

( سورة الملك : من آية " 2 " )

       فالحياة تحتاج إلى خَلق ، والموت يحتاج إلى خَلق ، والله جل جلاله الحيُّ القيوم ، هو حيٌ باقٍ على الدوام ، يَهَبُ الحياة لكل مخلوق ، ربي الذي يحي ويميت ، هذه الشجرة مَن أوْدع فيها الحياة ؟ تكون في الشتاء يابسةً  ، فإذا جاء فصل الربيع وسقاها الله بالمطر العميم اهتزت وربت ، أزهرت فأورقت فأثمرت ، هذه الحياة ، هذه البقرة مَن وهَبهَا الحياة ؟ تأكل هذا الكلأ ، فتعطيك حليباً هو الغذاء الأول للإنسان ، لكن حينما تموت البقرة تصبح جيفةً ، ماذا فقدت ؟ فقدت الحياة .

       إذاً ، واهب الحياة هو الله ، وخالق الموت هو الله ، هذا الملِك المتألِّه تأوّل الحياة على أنها عفوٌ عن مقتول ، والموت إيقاع القتل بالإنسان ، ماذا فعل هذا النبي الكريم ؟ لما رآه متأوِّلاً ترك الموضوع ، وجاءه بموضوعٍ غير قابل للتأويل ..

      

قال :

      

        أيها الإخوة ؛ حينما يقول الله عز وجل : وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ

( سورة الأنعام : من آية " 83 " )

       إبراهيم ذو حجة ، قياساً على هذه الآية ، وأيُّ مؤمنٍ لا يكون إيمانه قوياً إلا إذَا كانت معه حجة ، وإذا لم يستطِع المؤمن أنْ يحاور كافراً ، أو مدعياً بنظرية ما ، معنى ذلك أنّ إيمانه ضعيف ، فالمؤمن الذي لا يصمد أمام كافر إيمانه ضعيف ، لا بد من أن تمتلك حجةً قوية ، لا بد أن ترى الحقائق ناصعة ، لا بد من أن تمتلك إجابة عن كل سؤال تقريباً ، حتى تكون مؤمنا ، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ، ولو اتَّخذه لعلَّمه .

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83)

( سورة الأنعام : من آية " 83 " )

       رجل كان من علماء الرياضيات المُلْحدين في أمريكا ، له قصة عجيبة ، عكف على القرآن الكريم فقرأه ، وبعد حوارٍ طويل مع نفسه أعلن إسلامه ، وهو الآن داعية ، وصار يصلي في المسجد بعد أن أسلم ، رآه صديقٌ له غير مسلمٍ ، فقال : ما هذه الصلاة التي تصليها ، إنك تستمع إلى قراءة باللغة العربية ، وأنت لا تفقه هذه اللغة ، فما معنى صلاتك ؟ فأجابه : إنّ هذا الطفل الذي ولد لتوِّه ، يشعر بنشوةٍ حينما تضمُّه أمُّه إلى صدرها ، فماذا يفهم من لغة أمِّه ؟ إنّه لا يفهم شيئاً ، والمؤمن إذا أوى إلى المسجد ، وإذا أوى إلى الله عز وجل ، فكما يأوي هذا الطفل الصغير إلى صدر أمه ، فأسكته بهذه الحجة ، رآه بعض أصدقائه يصلي في الصيف ، والكتف إلى الكتف، فقال له زميل له معترضًا : الجوُّ حارٌّ لِمَ هذا الالتصاق ببعضكم بعضاً ، تباعدوا ؟ قال : إن الله عز وجل يحب أن نكون متصلين به ، وفي الوقت نفسه نشعر بمَن حولنا ، واللهُ يحبُّ أنْ يعيش الإسلامُ مع المجتمع .

       أنا ما قصدت من هذين المثلين أن يكونا مثلين صارخين ، ولكن مِن المستحيل أن يؤمن الإنسان إيماناً حقيقياً إلا ويهبه الله عز وجل الحجة ، يهبه الحجة القوية ، فإنسان مؤمن لا يصمد أمام مبتدع ، أمام مُنكر ، أمام إنسان شارد ، إنسانٌ ليس معه حجة ، ما هذا الإيمان ؟!! أنت مع الله ، أنت مع العليم ، أنت مع الحكيم ، لابد من أن تكون لك حجة تدلي بها .

       

التقيت مرة بإنسان من اليابان ، حدثته عن هذا الدين ، قال : إن الله ظلمنا ، لأن هذا الدين باللغة العربية ، ونحن ولدنا في اليابان ولا نفقه من هذه اللغة شيئاً ، إذاً نحن قد ظُلِمنا ، قلت له : لماذا تعلمت اللغة الإنجليزية ؟ قال : من أجل التجارة ، قلت : إذا أردت الحقيقة ، وأن تصل إلى الجنة فتعلَّمْ اللغة العربية كذلك ، فأنتَ من أجل كسب المال تعلَّمتَ لغة أخرى .

         إنسان يقول لك : هناك مفتٍ أفتى لي في هذا الموضوع ، أقول له : لو أن عندك بيتاً هل تبيعه لأول مشتري ، أم تسأل أناساً كثيرين ؟ لماذا اكتفيت بهذه الفتوى ؟ فما مِنْ حجة يأتي بها أهل الدنيا إلا وهناك حجة تدحضها وتردُّها .

         أيها الإخوة ... على كلٍّ فقد علّمنا الله عز وجل كيف نجري الحوارَ ، ابحث عن حجةٍ لا تُؤَوَّل ، عن حجة لا تُرَدُّ ..

      

        قال المفسرون : إنه سيدنا عزير أحد أنبياء بني إسرائيل ، مرّ على قرية ، وقالوا : هي القدس ، وهي خاوية على عروشها ، دمرت هذه المدينة وهجرها أهلها ، ولم يبق منها إلا الهياكل، أنقاض ، فقال سيدنا عزير :

      

قرية مهدمة ، أنقاض ، بيوت متداعية ، كيف يُعاد بناءُ هذه القرية ؟ فقال الله عز وجل :

      

        قالوا : إنه مات بعد شروق الشمس ، وبُعِثَ قُبيل غروبها ..

       

        تصور أنه نام بعد الشمس ، واستيقظ قبل غروب الشمس ..

      

        قال : لبثت يوماً ، فلما رأى الشمس لم تغب بعدُ ، قال : أو بعض يوم، وقد لبث مئة عام ، قال الله له :

      

طعامك الذي كان في حوزتك ، وشرابك الذي كان في حوزتك هو هو ؛ طازجٌ بخضرته ، وزهوته ، وطراوته ، وكل صفاته التي تركته عليها .

       

حمارهُ كومةٌ من العظام ..

      

عظام الحمار ..

      

هذه العظام تجمَّعتْ ، وتشكَّلتْ ، وتراكبت فكانت هيكلاً كاملاً ، ثم جاء اللحم فكساها ، وجاء الجلد فكسا هذه العضلات ، وهذه آية من آيات الدالة على عظمته .

        إخواننا الكرام ؛ في تفسير هذه الآية لا بد من توضيح ، هذا الكون كون مُعْجِز بوضعه الراهن ، وفق قوانينه ، وفق سننه ، وفق معطياته ، كون معجز ، وهو يدل على الله عز وجل دلالة ما بعدها دلالة ، ولكن لحكمة أرادها الله عز وجل جَعلَ بعض آياته في خرق هذه القوانين ، هذا الكون من دون أن تخرق قوانينه معجزة ، هذا الكون في وضعه الراهن معجزة ، وإذا خرقت قوانينه معجزة ، وخرق العادات لا يقبل عادةً ، لأنّ الإنسانَ لم يألفه ، لكنه يقبل عقلاً ، لأن الذي خلق هذه القوانين هو الله ، والذي قنَّنها هو الله ، والله عز وجل في أيّة لحظةِ يعدِّلها أو يبدِّلها أو يغيِّرها ..

        هذا ماء ، قوامه سائل ، هذه الطاولة صلبة ، قوامها صلب ، هذا الهواء الذي نتنفسه غاز قوامه مرن ، أي أنه يتشكل في أي مكان ، حجمه متغير كتلته متغيرة ، لكن لو شاء الله أن يجعل هذه الطاولة هواءً لكان ، لأنه على كل شيء قدير ، ولو شاء الله أن يجعل هذا الماء بخاراً لكان ، نحن بالتبريد أنْ نجعله صلباً ، وبالغليان نجعله بخاراً ، هذا أكبر مثَل ، فتحوُّلُ المواد من طبيعة إلى طبيعة قضيةٌ عند الله ، (كن فيكون) .

        بل إن من أغرب ما قرأته في الفيزياء أنّ بعض العناصر يكون قوامه صلبًا ، والعنصر الذي يليه في الترتيب البنائي يكون قوامه غازًا ، كل عنصر له نوية وكهروب يدور حولها ، كهروبان عنصر ثانٍ ، ثلاث كهارب عنصر ثالث، رتبت العناصر في الأرض أكثر من مئة عنصر ، بالتسلسل ؛ كهروب ، اثنين ، ثلاثة ، بين عنصرين متناقضين ، أحدهما غاز ، والثاني صلب ، كهروب واحد ، إلكترون واحد ( + أو - ) يقلبه من غازٍ إلى صلب ، كلمة كن فيكون ، فعندما ضرب سيدنا موسى عليه السلام البحر أصبح طريقاً يبساً ، كن فيكون ، سائل ، أعطاه الله أمرًا : كن صلباً فكان .

          المعجزة مقبولة عقلاً ، لأن الذي غيّر القانون هو خالقه ، الذي غيّر هذا القانون هو الذي قننه ، الذي غير هذه السنة هو الذي سنها ، ولكنّ المعجزة غير مألوفة عادةً ، البحر بحر ، والطريق طريق ، وبعض الناس حينما ينكرون بعض المعجزات ، ينكرونها بفعل العادة ، فما ألِف الناس أن النار لا تحرق ، ولكن الله عز وجل حينما ألقي إبراهيم في النار : قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69)

( سورة الأنبياء  )

       وقد وقف العلماء عند هذه الآية : يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا

( سورة الأنبياء  )

       لو قال الله عز وجل : يا نار كوني برداً فقط ، لمات إبراهيم من البرد ، لكنه قال :  كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا

( سورة الأنبياء  )

       لو اكتفى الله عز وجل بأنه قال : كوني برداً وسلاماً ، ولم يقل على إبراهيم ، لبطل مفعول النار إلى يوم القيامة ، لكن : قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69)

( سورة الأنبياء  )

       فقط .. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ(70)

   ( سورة الأنبياء  )

       إذاً الله عز وجل قادر أن يجمع هذه العظام ، وأن يجعلها متراكبة ، وأن يجعلها هيكلاً ، ثم يكسوها لحماً ، ويكسوها جلداً ، ويعود الحمار حياً كما كان ، لكنْ هذا ممّا لم يألفه الناسُ ، إذاً هو معجزة أجراها الله على يد بعض أنبيائه لتكون أداة تأييدٍ لهؤلاء الأنبياء ..

      

        طبعاً هذا يذكِّرنا أن الإنسان يوم القيامة حينما يستحق النار يُسأَل : كم لبثت في الأرض عدد سنين ؟ ماذا يقول ؟ لبثت يوماً أو بعض يوم ، من أجل يوم أو بعض يوم يستحق الإنسانُ النارَ إلى أبد الآبدين ؟!! من أجل أيام تمضي ! الإنسانُ زمن ، إنسان عاش كذا سنة ، ثم توفاه الله عز وجل ، وصار خبرًا ، كان رجلاً فصار خبراً ، كان شخصاً فصار رقما ، كان ملء السمع والبصر فصار تحت التراب ، كان فوق التراب يهابه الناس فأصبح تحت أطباق الثرى ، كان إذا نظر نظرةً خاف الناس ، إذا هو الآن مسجىً في النعش ، هكذا .

      

أي لم يفسد ، على ما هو عليه ، طعام مضى عليه مئة عام هو هو، طازج ، بلونٍ زاهٍ ، طريٌ ..

      

من آيات الله الدالة على عظمته ، طبعاً حماره رآه كومة من العظام..

      

أي نركبها بعضها فوق بعضٍ ..

      

        لكن الإنسان إذا ضعف إدراكه احتاج إلى خرقٍ للعادات ، أما إذا كان مفكراً يقظاً ، كفاه الكون معجزة ، وقد ورد في الأثر : " أنْ حسبكم الكون معجزة " ، الكون وحده معجزةً بكل ما في هذه الكلمة من معنى .

        ثم يقول الله عز وجل :

      

       الحقيقة سيدنا إبراهيم عليه السلام مؤمن ، ومؤمن إلى درجة اليقين ، ولكن اليقين أنواع ؛ نوع استدلالي ، ونوع شهودي ، أنت إنْ رأيتَ دخاناً وراء جدار ، تقول : لا دخان بلا نار ، أنت متأَكِّدٌ من وجود النار خلف الجدار ، هذا يقين استدلالي ، فإذا وقفت في الطرف الآخر من الجدار، ورأيت النار بعينك ، هذا يقين شهودي ، فسيدنا إبراهيم متيقنٌ يقيناً استدلالياً ، لكنه الآن يريد اليقين الشهودي ..

      

بعضهم تأوَّل هذه الآية : بأن هذا النبي الكريم من شدة محبّته لله ، أراد أن يرى أثر فعل الله عز وجل ، وكأنه تمنَّى أن يرى عظمة الله من خلال هذه الآية ، وليس شاكًّا في قدرة الله ، ولا في علم الله ، ولا في حكمة الله ، ولكنه تطلَّع إلى أن يرى أثر قدرة الله عز وجل ..

      

أي كي أنتقل من يقينِ الاستدلال إلى يقين المعاينة ، من يقين الاستدلال إلى يقين الشهود ..

      

أي قطعهن قطعاً قطعاً ..

طاووس ، ودجاجة .. إلخ ، أربعة أنواع من الطيور ، قطعها قطعاً قطعاً ، وجعل على كل قمة جبل بعض هذه القطع ، قال :

فلما دعاهن ، تراكبت هذه الأعضاء ، والتحم بعضها ببعض ، وسرن إليه خاضعين لأمر الله عز وجل .

       مرة ثانية : هذه المعجزات وقعت مرة واحدة ، ولن تقع مرة ثانية ، شبَّهها بعض علماء التوحيد كعود الثقاب تألق مرة واحدة ثم انطفأ ، فأصبح خبراً يصدقه مَن يصدقه ، ويكذّبه مَن يكذّبه ، ولكن أي مؤمن يقرأ كلام الله عز وجل يؤمنُ إيماناً راسخاً أن هذا الخرق قد وقع ، وهناك مَن يكذِّب بهذا  لأنه ما عرف الله عز وجل ، وأنّ أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ، رأى أن هذا غير مألوف عادةً فأنكره ، ولكن الشيء الذي كرمنا الله به هو : أن معجزة النبي عليه الصلاة والسلام معجزةٌ مستمرةٌ إلى يوم القيامة ، فهذا الكتاب بين أيدينا ، فيه آيات كثيرة لا يمكن أن تفسَّر إلا بحالةٍ واحدة ؛ أنها آيات من عند الله ، فمَن هذا الذي صعد إلى الفضاء الخارجي ، وضاق نفسه ؟ الله جل جلاله أخبرنا : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ

( سورة الأنعام : من آية " 125 " )

       بعد أن ركب الإنسان الطائرة ، لو أن طائرة تركبها ، وجهاز ضخ الهواء فيها تعطل ، هبط الضغط إلى الثمن ، عندئذٍ يخرج الدم من أنف الإنسان ويختل ضغطه ، ويشعر بضيقٍ لا يحتمل ، الطائرات التي نركبها الآن مضغوطة ثماني أضعاف ، ليكون الضغط على ارتفاع أربعين ألف قدم مساوياً للضغط على الأرض ، لو أن جهاز الضغط تعطل ، لأحسَّ الركاب  بضيقٍ في نفسهم لا يحتمل ، هذا عرفناه الآن بعد اختراع الطائرة ، لكن كيف جاء ذكره في القرآن الكريم ؟ قال العليم الخبير : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ

( سورة الأنعام : من آية " 125 " )

        بعد أن اخترعنا أشعة الليزر ، وقسنا غور فلسطين ، رأيناه أعمق نقطة في الأرض ، وذلك منذ عشرين سنة ، أو عشر سنوات ، لكن حينما يقول الله عز وجل : غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)

( سورة الروم )

       والمعركة تمت في غور فلسطين ..غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الأَرْضِ

هذا أيضاً إشارة إلى إعجاز هذا القرآن الكريم .

       حينما يقول الله عز وجل :

وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ

( سورة النجم )

       الآن عرف العلماء ، أنه في اللقاء الزوجي يخرج من الرجل خمسمئة مليون حوين ، وحوينٌ واحدٌ فقط يدخل إلى البويضة فيلقّحها ، فاقرأ الآية : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)

( سورة النجم )

       نطفة واحدة ، والمعنى الثاني : أن الذي يحدِّد الذكر والأنثى ليست البويضة ولكنها النطفة ، وهذا من إعجاز القرآن العلمي .

       حينما يقول الله عز وجل : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)

( سورة يس )

       قال علماء اللغة : : إن كلمة ( كل ) تفيد الإبهام الشمولي ، أي كل شيء في الكون داخل في كلمة ( كل ) ، والآن ثبت أن كل شيء في الكون يتحرك ، حتى هذه الطاولة ، حتى الحديد ، حتى الحجر ، أي شيء تقع عينك عليه في الكون مؤلف من ذرات ونواة ومسارات وكهارب ، تدور كما تدور الكواكب حول مجراتها ، فنظام الذرة كنظام المجرة ، وهذه أيضاً آية من آيات الله الإعجازية .

        قبل بضعة أشهر ، موقع معلوماتي يمثل أعظم محطة فضاءٍ في العالم ، وفيها مرصد عملاق اسمه ( هبل ) ، التقط صورةً لنجمٍ يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية ، بينما أقرب نجم ملتهب إلى الأرض يبعد عنا أربع سنوات ضوئية ، ونحتاج إلى أن نصل إلى هذا الكوكب إلى خمسين مليون سنة ، أما هذا النجم اسمه ( عين القِط ) يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية ، انفجر هذا النجم ، والتقطت صورة انفجاره ، لو نظرت إلى الصورة لرأيت وردة جورية حمراء داكنة ، ذات أوراق خضراء زاهية ، في الوسط كأسٌ أزرق اللون ، لا تتردد ثانية واحدة في أن هذه الصورة صورة وردة ، لو قرأت القرآن الكريم : فَإِذَا انشَقَّتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ(37)

( سورة الرحمن  )

       لو قرأت كل التفاسير لا تجد تفسيراً يشفي غليلك ، أما هذه الصورة فهي تفسير هذه الآية.

       حينما اخترعت مركبات الفضاء ، والتقطت منها صور للأرض ، وجدوا في بعض الصور خطاً بين كل بحرين ، هو خط تمايز ألوان ، فعجبوا ، ما معنى هذا التمايز ؟!! البحر الأحمر بلون والعربي بلون ، البحر الأسود بلون ومرمرة بلون ، الأبيض المتوسط بلون والأطلسي بلون، علماء البحار أرادوا أن يتأكدوا من صحة هذه النظرية ، فنزلوا إلى أعماق البحار ، وجاؤوا بقصاصات من الورق كثيرة ، ووضعوها في منطقة التماس ، فلم تنتقل وريقةٌ واحدة إلى البحر الآخر ، ولكنها ترجع ، أما نذكر حينها قوله تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ(20)فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ( 21 )

( سورة الرحمن )

       نحن أردنا أن نخزِّن ماء الفيجة لهذه المدينة الطيبة ، عندنا خزان يكفي دمشق خمسة أيام فقط ، أما حجمه ففلكي ، وقد بني تحت الأرض بعمق أربعمئة متر ، بعد الخزان عن سطح الأرض أربعمئة متر نحو العمق ، من أجل أن يقلدوا تخزين الله للماء ، قال تعالى : وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)

( سورة الحجر)

       حتى نقلِّد تخزين ربنا للماء ؛ ماء يظل في الجبل سنوات وسنوات لا يتأثر ، لا تنمو فيه الطحالب ، لا يتغير طعمه ، ضع ماء في وعاء أيامًا عديدة يتغيّر طعمه ، من أجل أن يبقى هذا الماء بطعمٍ طيب ، وفيه معادن ، خزنه الله تخزيناً عظيماً ، فنحن إذا قلَّدنا تخزين ربنا احتجنا إلى أن نبني مستودعاً للماء يبعد عن سطح الأرض أربعمئة متر تقريباً .

       فيا أيها الإخوة ؛ هذا الكتاب فيه إعجازٌ مستمر ..

      

        هذه معجزةٌ حسية ، وحمار سيدنا عزير معجزةٌ حسية ، ولكن هذا القرآن كله معجزة عقلية بيانية ، وبإمكانك أن تكتشف كل حين أن هذا كلام الله عز وجل ، لأن البشر لا يستطيع أن يأتي بهذا الكلام ، تقرأ أنت : وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً

( سورة النحل : من آية " 8 " )

       إنسان عاش قبل ألفٍ وأربعمئة عام ؛ هناك الخيل ، والبغال ، والحمير ، لو أن هذا القرآن كلام بشر ، لكانت الآية : وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً

( سورة النحل : من آية " 8 " )

       فقط ، أما إنسان يعيش في هذا العصر ؛ هناك طائرات ، وهناك طائرات عملاقة ، وبواخر وحوَّامات ، وقطارات ، ومراكب فضائية ، قال تعالى : وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8)

( سورة النحل : من آية " 8 " )

       إذاً هو كلام الله عز وجل ، كل التقدم العلمي لم يستطع أن يهز آية واحدة ، لأن هذه الآيات من عند خالق الأكوان ، الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن .

       أيها الإخوة الكرام ؛ حينما نبحث في إعجاز القرآن العلمي ، كأننا نضع أيدينا على معجزاتٍ رائعة .. ذات مرة قرأت هذه الآية : كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ(15)نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ( 16 )

( سورة العلق )

      يوجَد في رأسِ الإنسان دماغ ، ونسبةُ هذا الدماغ إلى الجسم أعلى نسبة في المخلوقات قاطبةً، لو أخذنا دماغ الحوت الأزرق ، نسبة وزن الدماغ إلى وزن الحوت قليلة ، لو أخذنا دماغ الفيل ، دماغ وحيد القَرن ، دماغ الكركدان ، نسبة وزن دماغ أي حيوان إلى جسمه نسبة ضئيلة ، أما أعلى نسبة على الإطلاق هي نسبة وزن دماغ الإنسان إلى الإنسان ، هذا الدماغ فيه فصٌ جبهي ، وهو أضخم الفصوص ، في هذا الفص الجبهي تتم المحاكمة ، ويتم الحكم ، ويتم الاستنباط ، ويتم الاستنتاج ، ويتم اليقين ، والإنسان هنا يتحرك ، تتم الإرادة هنا ، إنسان أراد أن يسرق ، تبدأ السرقة من فصه الجبهي ، أراد أن يزني ، يبدأ الزنا من فصِّه الجبهي ، يقرر فيفعل، هذا الفص الجبهي اسمه الناصية ، ناصية الرأس مقدمه ، قال الله عز وجل: كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ(15)نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ( 16 )

( سورة العلق )

       فالكذب من الفص الجبهي ، والخطأ من الفص الجبهي ، والحديث عن معجزات القرآن الكريم العلمية حديث طويل ، بل كلما تقدَّم العلم كشف جانباً من إعجاز القرآن الكريم .

       أيها الإخوة الكرام ؛ ليس هناك من مانع أن نتأثر بالمعجزات الحسية التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ، كقوله تعالى :

ولا مانع من أن نتأثر بالغ التأثُّر بقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام :

وليس هناك من مانعٍ أيضاً أن تقرأ عن إعجاز القرآن العلمي ، فتشعر أن هذا الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن ، وأن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ومستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تأتي حقيقةٌ علمية تنقض آية في القرآن الكريم ، لأن هذا القرآن كلامه والكون خلقه ، والعقل أودعه فينا كمقياس علمي ، والفطرة جبلنا عليها كمقياس انفعالي ، وهكذا نجد أن القرن الكريم كلام الله المعجز إلى أبد الآبدين .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi