English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :88/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة : الآيات " 270 - 274 "  الإنفاق .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ غازي قدسي والسيد عرفان النابلسي .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ،  اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ،  مع الدرس الثامن والثمانين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية السبعين بعد المائتين ، وهي قوله تعالى :

أيَّةُ نفقة تنفقها ؛ صغيرة أو كبيرة ، جليلة أو حقيرة ، سراً أو علانية ، وأنت في ضيقٍ مادي، وأنت في بحبوحة مادية ، في حياتك وبعد مماتك..

هذه ( من ) تفيد استغراق أفراد النوع ، مهما قَلَّت ..

    لو أنفقت ليرة واحدة ، أو لو أنفقت مليون ليرة ، لو أنفقت نفقة سراً أو علانية ، وأنت متضايق مادياً ، وأنت في بحبوحة ، كل أنواع النفقات ، وقد يكون الإنفاق مادياً وقد يكون من نوعٍ آخر ، كل أنواع الإنفاق بكل مستوياته وكمياته ودرجاته وصفاته وملابساته في علم الله عز وجل .

وبعد ، أمعن الفكر والنظر : لو زرت مريضاً ومعك هدية ، أنت ماذا تفعل ؟ تضع بطاقة على الهدية ، ليعلم هذا الذي زرته أن هذه الهدية منك ، إذاً المُنفق حريص أن يعلم الذي أنفقت من أجله أن هذا الإنفاق منك ، هذه القضية الأساسية في الإنفاق مغطاة بهذه الآية ، معك إيصال ، أو ليس معك إيصال ، هناك شهود ، أو ليس من شهود ، نوَّهت ، ما نوهت ، سكتَّ، تكلمت ، صرَّحت ، فإن الله يعلمه ، لذلك فالمؤمن إذا أنفق نفقة في سبيل الله مطمئنٌ أشد الطمأنينة إلى أن الله يعلم ، وهذا الذي يبعدك عن النفاق ، وهذا الذي يبعدك عن استجداء المديح ، وهذا الذي يُزَهِّدك في أن يُكتب اسمك مع المحسنين ، وأن يكون لك وجاهة عند الناس، كل هذا أنت مستغنٍ عنه لأن الله يعلم ، وإذا كان الله يعلم فغيره إن علم أو لم يعلم سيَّان، علم أو لم يعلم فلا خير أبداً .

شخص نذر إن شفى الله ابنه ليوزِّعن لحماً على الفقراء ، هذا نوع من الإنفاق ، لكنه إنفاق مشروط ، الإنفاق الأول إنفاق من دون شرط ، والإنفاق الثاني إنفاق مشروط ، لكني أضع بين أيديكم هذه الحقيقة : الله عز وجل لا يُشارط ، ولا يُجَرب ، والأولى أن تنفق من دون شرط ؛ لأن الله يعلم ، يعلم أن الابن مريض وأن هذا الأب حريص على شفاء ابنه ، يا رب قد أنفقتُ هذه النفقة لعلك تنظر له بالشفاء ، أما إن شفيته أدفع ، هذا مقبول ، ولكن الأكمل أن تنفق بلا شرط ، مقبول أن تنذر نذراً ، ولكن الأكمل والأقوى ، والأبلغ ، والأرقى أن تنفق النفقة من دون شرط ..

لذلك قالوا : " الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير " ، "بكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها " ، الله جل جلاله على علو مكانه ، وعلى علو قدره يُسترضَى ، ويُسترضَى بالصدقة، فإذا وجدت أنك بعيدٌ عن الحق قليلاً ، أو أن شبح مصيبة لاح أمامك ، أو أن شيئاً تخافه يقترب منك ، أو أن عدواً متربِّصاً يريد أن يوقع بك ، وليس لك أحدٌ يعينك إلا الله ، فاسترضِ الله بالصدقة فإن البلاء لا يتخطَّاها ، وتقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ، وصدقة السر تطفئ غضب الرب ، وكم من بلاءٍ صرفه الله بالصدقة ، وكم من مرضٍ شُفي الإنسان منه بالصدقة ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :" داووا مرضاكم بالصدقة... " .

( الجامع الصغير : عن " ابن مسعود " )

وسُمِّيَت الصدقة صدقةً لأنها تؤكد صدق الإنسان في محبة الله ، فالمال رخيص عنده أمام رضوان الله ، المال محبب ، فإذا أنفقت المحبب من أجل مَن تحبه فهذه أكثر ، الصدقة برهان على أنك مؤمن ، فهناك أعمال تفعلها لنفسك ، هذه لا ترقى بها ، أما هناك أفعال تفعلها تعارض فيها رغبتك .

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا      

( سورة آل عمران : من آية : " 14 " )

ما قيمة الإنفاق لو أنك لا تحب المال ؟! فلأنك تحب المال فللإنفاق قيمة..

إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)

( سورة المعارج )

 يحب المال ، يحب أن يكثر منه ، يحب أن يكنزه ، يحب أن يكون مطمئناً لرصيدٍ مرتفع له، فإذا أنفقت الشيء المحبب ترقى عند الله عز وجل ، فلولا أنك تحب المال لما ارتقيت بإنفاقه، ولولا أن الله رَكَّبَ فينا حب المال لما ارتقى الإنسان بإنفاقه .

أيها الإخوة ... مادمنا قد وصلنا إلى هذه النقطة ، إذا كنت في فقرٍ فالإنفاق له أجرٌ أكبر ، إذا كنت في حاجة إلى المال وقد أنفقته في سبيل الله ، فلك أجر أكبر ، إذا كنت في شبابك صحيحاً شحيحاً ، ترجو الغنى وتخشى الفقر وأنفقت المال ، فالأجر أكبر ، إذا كان الذي أنفقته يساوي نصف ما تملك ، فالأجر أكبر ، من هنا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن :" رب درهم سبق ألف درهم " .

( من الجامع الصغير )

قد ينفق شاب ألف ليرة ، وهو يملك ألفاً وخمسمائة ، هذا الألف يزيد عن مليون يملك صاحبه مائتي مليون ، رب درهم سبق ألف درهم ، درهم تنفقه في إخلاص خير من مائة ألف درهم ينفق في رياء ، درهم تنفقه في حياتك خير من مائة ألف درهم ينفقُ بعد مماتك ، الإنسان على فراش الموت قد يتصدق : أعطوا فلاناً مائة ألف ، أعطوا فلاناً مليون . ولكن في هذه اللحظات لا قيمة للمال عنده ، لك أجر ، ولكن ليس كما لو أنفقته وأنت صحيح ، وأنت تحتاج هذا المال .

على كل أيها الإخوة ، الآية عالجت نقطة بالإنفاق مهمة جداً : أنك إذا أنفقت نفقةً بلا قيد أو شرط ، أو مشروطة وهي النذر ، فإن الله يعلمه ، إذاً فلا قيمة للإيصال ، ولا قيمة لمديح الناس، ولا قيمة للشهود ، يكفي أن الله يعلم أنك أنفقت هذا المال ابتغاء وجهه ورضوانه .

الإنفاق له ملابسات كثيرة ؛ الإخلاص يرفع قيمة الإنفاق ، أن يكون المال قليلاً يرفع قيمة الإنفاق ، أن تنفق المال وأنت صحيح شحيح يرفع قيمة الإنفاق ، هناك عوامل كثيرة ترفع قيمة الإنفاق ، وهناك عوامل كثيرة أيضاً تقلل من قيمة الإنفاق ، مَن أنفق رياءً لا قيمة لإنفاقه، ومَن أنفق وقد زهد بالمال ، وقد صار المال لا يعني عنده شيئاً ، فليس هناك كبير قيمة لإنفاقه ..

الآن ، ما معنى الظالمين هنا ؟ ما علاقة الظالمين بالإنفاق ؟ أي أنك إذا أنفقت رياءً فأنت ظالمٌ لنفسك ، إذا أنفقت وأتبعت ما أنفقت المَنَّ والأذى فأنت ظالم لنفسك ، إذا أنفقت نفقةً قليلةً إلى جنب ما تملك فأنت ظالم لنفسك ..

بالرياء والمن والأذى ، أو لو أنفقت نفقة في غير محلها فأنت ظالمٌ لنفسك ، لو أنفقت نفقة من أجل شهوتك وميولك فأنت ظالم لنفسك ، هذا الذي يظلم نفسه سوف يعاقب ، لم يجد أحداً يمنع عنه عقاب الله عز وجل، لو أن الله أراد أن يهلك مال إنسانٍ أنفق ماله رئاء الناس لم يجد مصيراً يحول بينه وبين عقاب الله عز وجل ..

 

في أمكنة مناسبة ، في مواقف مناسبة جداً يجب أن تُعلن : أنني أدفع هذا المبلغ ، ذات مرة حضرت حفلاً في دار الأيتام وجرى التبرع علناً ، جُمع مبلغ كبير جداً ، يقول : أنا أدفع مائة ألف ، يستحي أن يدفع أقل من ذلك ، لأن حجمه المالي كبير جداً ، فكل واحد يعطي رقماً يتناسب مع حجمه المالي ، فكان المجموع كبيراً جداً ، في بعض السنوات كان هناك توجيه آخر ( ألاّ يُعلَن عن الأسماء والأرقام ) ، فكان المبلغ أقل من العُشر، تجربة عاينتها بنفسي ، هناك مواطن يجب أن تعلن : أنا أنفقت كذا..

الإنفاق عما تجود به نفسه له محاسن منها أولاً : تشجعون الآخرين ، أنت شَجَّعت ، وثانياً: ليست هذه النفقة متعلقة بالإنسان ، متعلقة ببناء مسجد ، متعلقة بدار أيتام ، متعلقة بمعهد شرعي ، متعلقة مثلاً بصندوق العافية ، متعلقة بصندوق الزواج ، لا تجرحُ أحداً بهذا الإنفاق، أما إذا كان هذا الإنفاق متعلقاً بإنسان ، فلان الفلاني يحتاج إلى مساعدة فلا تقل: أنا دفعت له عشرة آلاف ، إذا كان الإنفاق متعلقاً بإنسان ينبغي ألا تعلن هذا الإنفاق ، أن يكون بينك وبين الله ، هناك مواطن الإعلان فيها أولى إذا لم يتعلق بإنسان ، مع نية المنفق التشجيع ، وفي مواطن أخرى الكتمان أولى ، إذا تعلَّق بإنسان وليس هناك منافسة في الدفع.

فالذي عنده احتمال أن يرائي ، و الإنسان ، بصورة عامة ، ضعيف المقاومة أمام الرياء ، ينبغي أن ينفق من دون رياء ، أن ينفق سراً ، أن ينفق مع الكتمان ، حينما تشعر أن نفسك تحدثك أنك محسن كبير ، وأنك بهذا أصبحت فوق الناس ، إن شعرت بهذا ، ينبغي أن تكتم إنفاقك ، وإن كان إيمانك قوياً جداً ، ولا تعبأ بهذه الوساوس ، ولا تعلِّق كبير أهمية على ما يقول الناس عن إحسانك، ولم يتعلق الإنفاق بإنسان ، وأردت التشجيع ، أعلن هذا الإنفاق لتكون قدوةً للآخرين .

فالله خبير: إذا لم ترد بهذا الإعلان المُراءاة أو أنك أردت التشجيع ، مَن يعرف ذلك ؟ لا يعلم هذا إلا الله ، أنا أعلنت عن الإنفاق ، فيا ترى هل أريد سمعة ، ثناءً ، مديحاً ، مكانة ، تألقاً ، وجاهةً ، أو أريد أن أشجع المنفقين؟ هذا لا يعلمه إلا الله ، وهو وحده يعلم ويكافئ .

أي أنت يا محمد لا تستطيع أن تهدي أحداً قسراً ، إنهم مخيَّرون ، الهدى الذي يقودهم إلى الإنفاق لا تملكه أنت .

إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

( سورة القصص: من آية : " 56 " )

إنك لا تستطيع أن تهدي من تشاء لأنهم مخيَّرون .

و ..

لست محاسباً عن ضلالهم ، ولكن الله حينما يقول :

( سورة الشورى )

أي فحوى دعوتك حق ، ولكنك لن تستطيع أن تهدي مَن تشاء ، كل إنسان له اختيار ، فليس عليك هداهم ، ليس عليك أن تهديهم الهدى الذي يدفعهم إلى أن ينفقوا ، ليس هذا عليك  بل عليك أن تبيِّن لهم ، عليك أن تبلغهم، عليك أن تذكرهم ، عليك أن تحثهم ، ليس عليك أن تجبرهم على ذلك ، لأن الله عز وجل يقول :لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ

( سورة البقرة : من آية : " 256" )

مَن يشاء أن يهتدي إليه يهديه الله عز وجل ، والأولى أن يعود فاعل يشاء على الإنسان ، ولكن الله :

فيما يتعلق بالهداية ، فأنت مخير ، إن شئت الهداية يهديك الله عز وجل، وإن أردت خلاف الهداية فالله عز وجل يدفعك إلى ما تريد لأنك مخير ، ولأن مشيئته متعلقة برغبتك أنت ، مشيئته سماحٌ لك ، المشيئة هنا إذا ارتبطت باختيار الإنسان مشيئة سماح ، أنت أصررت على هذا الشيء فسمح الله لك ؛ أن تهتدي أو أن تبقى في ضلال .

لو فرضنا أن إنساناً عنده صندوق حديدي وله فتحة ، فكلما زاد من مصروفه شيء وضعه في هذا الصندوق ، فهل هذا الذي وضعه في الصندوق خَسِرَهُ ؟ الصندوق كله له ، فكيف إذا كان كل شيء يدفعه في هذا الصندوق سيتضاعف ملايين المرات ..

 تروي كتب السيرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوزع لحم شاةٍ ومعه السيدة عائشة، وَزَّع أعضاءها ، وأجزاءها ، ولم يبق منها إلا كتفها ، السيدة عائشة تريد أن تأكل من هذا اللحم ، قالت : يا رسول الله لم يبق إلا كتفها دعه لنا . فقال عليه الصلاة والسلام : " بل بقيت كلها إلا كتفها " .

( من رياض الصالحين )

تروي القصص أن سيدنا عمر أمسك تفاحة قال : " أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت " ، بين يديك مال ، المال الذي تنفقه يذهب ، إن تنفقه على طعامك وشرابك ولباسك ولذائذك ومتعك يذهب ، والمال الذي تعطيه للفقراء يبقى، ومن قدَّم ماله أمامه سَرَّهُ اللحاق به .

فمن ألطف توجيهات هذه الآية أن هذه الآية خبرية ولكن جاءت بمعرض الإنشاء ، أي أنفقوا ابتغاء وجه الله ، كأن يقول الله عز وجل : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ

( سورة البقرة : من آية : " 233 " )

هذا شأن الوالدات ، وكأن الله يقول : يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين ، هذا يشبه قوله تعالى : وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا

( سورة آل عمران: من آية : " 97 " )

على بيت الله الحرام ، أي يا أيها المؤمنون اجعلوه آمناً ، ينبغي أن يكون آمناً ، هذا على شاكلة قوله تعالى : وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ

( سورة النور : من آية : " 26 " )

أي يا أيها الذين آمنوا زوّجوا الطيبين للطيبات ، هذه آيات جاءت على شكل خبر ، ولكن قصدها الإنشاء والطَلَب ، كذلك هنا :

أي أن الأصل في الإنفاق أن يكون ابتغاء وجه الله ، لا يسمَّى الإنفاق إنفاقاً إلا إذا كان ابتغاء وجه الله ، لا يكون الإنفاق عبادة إلاّ إذا كان ابتغاء وجه الله ، هكذا .

هذا المعنى الثاني .

إخواننا الكرام ... بالإنفاق هناك معنيان أساسيان ؛ أن تعلم أن الله يعلم ، وأنه قادر أن يعوض عليك الذي أنفقته .

 فأول آية :

الآية الثانية :

لكن طبعاً و بالتأكيد ، ليس معنى هذه الآية أنك إذا أنفقت ألف ليرة الساعة السادسة صباحاً يأتيك الساعة السابعة عشرة آلاف ، لا ، لو أن الأمر كذلك لالتغى الاختيار ، قل للناس : ادفع مائة ، وخذ ألفاً ، سوف تجد مليون إنسان واقفين بالدور للدفع ، ولكن تدفع ابتغاء وجه الله ، تدفع ولا تنتظر التعويض ، تدفع ولا تنتظر المقابل ، تدفع ولا تنتظر أن يوفَّى إليك ، تدفع ابتغاء وجه الله ، ولكن الله جل جلاله لابد من أن يضاعف لك الذي أنفقته أضعافاً كثيرة ، وقد يصل هذا إلى سبعمائة ضعف ، فمستحيل وألف ألف مستحيل أن تنفق شيئاً دون أن يعوَّض عليك أضعافاً مضاعفة ، قال تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً

( سورة البقرة : من آية : " 245 " )

 والله يا إخوان لو أن الإنسان عرف كرم الله عز وجل ، وعرف ما عند الله في الدنيا والآخرة، والله لأنفق إنفاقاً بغير حساب ، فهؤلاء الذين ينفقون أموالهم أصبح عندهم رغبة في الإنفاق لدرجة أنهم كلما أنفقوا ازدادوا قوةً وثراءً .

 سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، يقول : " ماذا أفعل إذا كنت أنفق مائة في الصباح فيعطيني الله ألفاً في المساء " ، ماذا أفعل في نفسي ، كل واحد منا حوله ناس أغنياء مع كونهم محسنين ، تجده ينفق بغير حساب ، والله يعطيه بغير حساب ، التعامل مع الله مُدهش ، أحد إخواننا الكرام ، والله أنا اروي هذه القصة لأنها نادرة جداً ، يعمل عملاً بسيطاً جداً بألفين و خمسمائة ، القصة قديمة من عشرين سنة ،  يتقاضى ألفين وخمسمائة بالشهر ، له عمل تجاري محدود جداً ، فجاءه أخ مؤمن،  قال له : أنا فقدت عملي ولا دخل لي منذ اليوم ، و ما من أمل ، قال له تعال أتقاسم معك هذا الدخل . دخلي كان ألفين وخمسمائة و صار منذ الآن ألفاً ومائتين وخمسين لي ، و تأخذ أنت ألفاً ومائتين وخمسين . فالله ألهمه شيئاً جديداً ببيع صنف معين ، أول شهر بعد هذه المناصفة جاءه خمسة عشر ألف ليرة ، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تنفق ابتغاء وجه الله إلاّ و يعوض عليك الأضعاف المضاعفة ، لأن الله كريم ، ولكن إيَّاك أن تنفق وأنت تنتظر التعويض ، أنفق ابتغاء وجه الله ، أنفق ولا تنتظر أن يوفَّى إليك شيء ، ولكن الله عز وجل لا ينساك من فضله.

 هذه الآيات لها معنيان ، الأول : أن الله يعلم ما تنفق ، والمعنى الثاني : أن الله يوفي إليك ما تنفق أضعافاً مضاعفة ، ما الذي يمنعك أن تنفق ؟ ضعف الإيمان ، و الجهل بما عند الله عز وجل ، أكرر : لا يمنعك  من الإنفاق إلا ضعف إيمانك ، وجهلك بما عند الله من التعويض بعطاء كبير .

ثم يقول الله عز وجل :

أيها الإخوة ... مَن أولى الناس أن تنفق عليهم ؟ قال تعالى :

يجب أن نفرق بين الفقير والمسكين على اختلافٍ في التعريف ، على كلٍ أحدهما ترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان ، والثاني لا يجد حاجته . الإنسان له دخل ، له دخل خمسة آلاف ليرة ، لكن مرض ابنه مرضاً شديداً ، دخله يكاد يكفي طعامه وشرابه ، مرض ابنه مرضاً شديداً هذا يحتاج إلى مساعدة ولو أن له دخل ، فالفقير هو الذي لا يجد حاجته ، دخله أقل من حاجته ، أما المسكين ترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان ، ممكن أن تعطي إنساناً أنيقاً يسكن ببيت يملكه ، عنده سيارة صغيرة جداً ، أساسية جداً في حياته ، وهو بحاجة إلى عمليه جراحية لابنه، هذا فقير لا يجد حاجته ، والفقير يجب أن يؤمن له طعامه ، وشرابه، وكسوته ، ومركبه وقد يكون دراجة ، وأن يؤمن له تطبيب أولاده ، وحرفته وأدوات حرفته ، هذه أساسيات ، فهناك شخص لا يدفع إلا للمتسول ، وقد يكون هذا المتسول أغنى من المتصدق بكثير ، على كلٍ ما دام هذا الفقير يحتاج أن تساعده فساعده ، دقق في هذه الآية..

 هذا الذي يجب أن تنفق عليه لا يسألك ، ويتجَمَّل ، ولا يلحُّ إطلاقاً ، وتحسبه غنياً ، يقتضي هذا الكلام الإلهي أن تبحث أنت عنه ، هو لا يسألك، و لا يقتحم عليك مكانك ، لا يطلب منك بقوة ، لا يلح ، هو متعفف ، لا يسأل ، في وجهه ماء الكرامة ، عزيز النفس ، متجمِّل ، أنيق لا يرتدي ثياباً بالية كي تشفق عليه ، يتأنق في ملبسه يتجمل في حركاته وسكناته ، لا يتضعضع لغني ، لا يذل نفسه أمامه ، يطلب حاجته بعِزَّة النفس ، هذا الذي ينبغي أن تعطيه، هذا لا يسألك ، فكيف أعرفه ؟ هذا ينبغي أن تبحث عنه، ينبغي أن تبحث ، وأن تسأل ، وأن تدقق ، كلما التقيت بإنسان مؤمن عزيز النفس متجمل اسأله عن أحواله : أعليه دين ؟ ما شأنه؟ أولاده ، في المواسم الأساسية ؛ موسم البرد ، موسم المدارس هل بحاجة إلى شيء ، فهو لا يسألك ..وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ(24)لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(25)

( سورة المعارج )

  السائل يسأل ، وقد يسأل بوقاحة ، وقد يسأل بقوَّة ، وقد يعيد عليك السؤال ، وقد يقف أمامك، لا يغادر ، وقد يلح عليك ، وقد يقسو عليك بالكلام ، أما الذي يستحق أن تعطيه لا يسألك ، لذلك ينبغي أن تبحث أنت، الذي يستحق لا تعرفه ، يجب أن تتعرَّف عليه ، مَن هم الفقراء ؟ الفقراء هم ..

لا أحب أن أفصل في هذا ، لكن هناك إنسان يقوم بعمل ؛ يعلم أولادنا القرآن الكريم ، يعلِّم الطلاَّب بالمدارس ، معاشه لا يكفي أياماً معدودة ،  عنده دوام كامل ثلاثة أيام بالأسبوع ، هذا الذي يؤذن ، هذا الذي يخدم ، هذا الذي يعمل عملاً أساسياً و كل وقته من أجله مبذول و دخله لا يكفيه..

ليس عنده وقت ليتاجر ، وما عنده رأس مال يتَّجر به ، وليس عنده خبرات التجارة ، ولكن له عمل مهم جداً في الحياة ، أحياناً ببعض البلاد الأجنبية يستقدمون طالب علم من البلاد المسلمة ليعلم أبناءهم ، لا يعمل إلا بتعليم الأبناء ، يجب أن يؤمن له مبلغ يعيش به ، إن مدرسي الديانة فرضاً ، أحدهم كل وقته في التعليم ، ستة وثلاثين ساعة بالأسبوع يعلم أبناءنا التربية الإسلامية ، يجب أن يأخذ دخلاً يعيش به كريماً هو وأولاده ، وفهمكم كفاية ، هذا الذي حُصِر في عمل دَعَويّ ، حصر في عمل ديني ، حصر في عمل من أعمال البر والتقوى ، كل وقته في هذا العمل ، هذا يعد فقيراً ..

الضرب في الأرض يعني التجارة ، ففي بعض الجامعات هناك أستاذ باحث لا يدّرس ، يؤلف كتب ، هناك من يؤلف ، هناك من يعلم ، هناك من يدرس تربية دينية ، هناك من يدرس لغة عربية ، هناك مؤذن ، هناك إمام ، هناك أعمال كثيرة جداً في الدعوة والتعليم تحتاج إلى تفرُّغ، ويحتاج التفرغ إلى إنفاق ، إذاً هؤلاء يستحقون أن يأخذوا من بيت مال المسلمين ما يسد حاجتهم وما يوفر لهم كرامتهم ..

 توجد نقطة أحب أن تكون واضحة عندكم : هناك أغنياء عندهم نظر بعيد جداً ، يبحثون عن أناس إيمانهم كبير ، وعِفَّتهم ظاهرة ، وكرامتهم عالية جداً ، يمدُّونهم بما يحتاجون ، بلا ضجيج ، بلا جلبة ، بلا تباهي ، بلا مَنّ ، بلا أذى ، البطولة لا أن تنفق ، بل أن تضع النفقة في مكانها ، البطولة ألا تعطي للمتسول ، البطولة أن تعطي العفيف الذي لا يسألك شيئاً، هذه البطولة ، لذلك أنا أتصور أنك إذا أنفقت مبلغاً بعد بحث دقيق ودرس عميق ، وبعد سؤال وجواب ، حتى عرفت هذا المؤمن الذي لا يسأل ولا يطلب ولا يبذل ماء وجهه ، ووضعت هذا المبلغ عنده سراً بينك وبينه دون أن تُعلم أحداً ، ودون أن تذكر اسمه ، ودون أن تشهِّر به، هذا الإنفاق يتضاعف أضعافاً كثيرة ، هناك أشخاص لمجرد أن ينفق المال يشعر بالارتياح، لا ، بل هناك مهمة بعد أن تقرر إنفاق المال ، عليك أن تعرف أين تضع هذا المال؟ يجب أن تضعه في مكانه الصحيح، قد تعطيه لإنسان يبدو لك غنياً ..

لكنه صفر اليدين ، لا يملك شيئاً إطلاقاً ولكنه كريم النفس ، حتى إِن بعض علماء الفقه قال: هذا الذي كان غنياً فافتقر ، يصح أن يأخذ من مال الزكاة ، و هو قوي ، مع أن النبي يقول : " الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة قوي " .

فالغني لا يُعطى صدقة ، والقوي كذلك تمنع عنه الصدقة ، لكن هل من المعقول : إنسان كان غنياً كبيراً وافتقر فجأة نقول له : اشتغل عتَّال، أنت قوي !! الإسلام عظيم ، الإسلام واقعي ، هذا الغني الذي افتقر يعطى من بيت مال المسلمين ما يسد حاجته ولو كان قوياً حفظاً لماء وجهه ، يقول عليه الصلاة والسلام :" أكرموا عزيز قوم ذل ، وغنياً افتقر ، وعالماً ضاع بين الجهال " .

 طبعاً يجوز أن نعطي المؤذن راتباً ، والإمام راتباً ، والمدرس راتباً، والذي يعمل على جمع الزكاة راتباً ، وكل مَن له عمل يستغرق كل وقته في سبيل الله ، والذي يجاهد في سبيل الله يستحق راتباً ، هذا جائز و ممكن ، إنسان يعمل في الخدمة يدافع عن بلاده ، يدعو إلى الله عز وجل ، يجاهد في سبيل الله ، هذا من أين يأكل ، إذاً هذا هو الذي يستحق أن نعطيه..

والله أيها الإخوة ... الذي ينفق ماله ابتغاء وجه الله يتألَّق تألُّقاً لا يعلمه إلا الله ؛ إنه قريب من الله ، يشعر بقيمته ، يشعر أنه ذو خير عميم ، يشعر بعمله الطيب ، هذا المال الذي وهبك الله إياه يمكن أن ترقى به إلى أعلى عليين ، إذا أُنفق في طاعة الله ، ولقد حضرت مرة حفل تخريج طلاَّب من حفظة القرآن الكريم ، أُلقيَت كلمة رائعة ، قال المتكلم : أنا أشكر هؤلاء الطلاَّب الذين حفظوا كتاب الله ، وأشكر الذين علموهم كتاب الله ، وأشكر الشيوخ الأفاضل الذين امتحنوهم ـ كلام طيب ـ قال : وأشكر هؤلاء الأغنياء الذين تبرعوا لكل من حفظ كتاب الله بعمرة إلى بيت الله الحرام . المال شقيق الروح ، هذا تعلم ، وهذا علَّم ، وهذا فحص، وهذا الغني ماذا فعل ؟ شجع ، كل واحد حافظ كتاب الله له عندي عمرة ، شاب صغير ركب طائرة، ذهب إلى بيت الله الحرام ، نزل بفندق ، وجد نفسه مكرماً بالمجتمع تكريماً كبيراً ، يبدو أن هذا الذي شجَّع الصغار على حفظ كتاب الله ليس أقل أجراً من الذي علَّمهم ، المال شقيق الروح ، هؤلاء الذين معهم أموال ويجودون بها قد يكونون في مرتبة العلماء والدعاة ، لأن المال عنصر أساسي للحياة .. " لا حسد إلا في اثنتين رجل أعطاه الله علماً فهو ينفق منه آناء الليل وأطراف النهار ، ورجل أعطاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار " .

( من صحيح البخاري )

وهذا الحديث يبين لنا : كيف أن النبي جعل المنفق في مستوى الداعي تماماً ، المال شقيق الروح ، نحن بحاجة إلى دعاة ، وبحاجة إلى أغنياء ينفقون .

فيا أيها الإخوة الكرام :

ألا تحب أن يطمئنك الله عز وجل ؟ وأن يحفظ لك صحتك ، وأهلك، وأولادك ، ومالَك ، وأن يهبك سكينة تملأ قلبك سعادة ، أنفق ، أنفق بلال ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً ، عبدي أنفق أُنْفِق عليك .

لهم أجرهم الذي يكافئ عملهم ..

من المستقبل ..

على الماضي .

أيها الإخوة ... أنا لا أقول لكم : يجب أن تكونوا أغنياء حتى تنفقوا . لا ، يمكن أن تنفق خمس ليرات بإخلاص شديد ، كنت أقول حينما أدعو للتبرع : خمس ليرات على العين والرأس، قد يدفع طفل خرجيّته ، أعجبني مرة في مؤتمر الأوقاف وقد حضرته : أن هناك وقف في بعض الدول الإسلامية للصغار ، مثلاً تأسيس معهد شرعي ، خصصوا أسهماً ، كل سهماً فرضاً مائة ليرة ، حتى يَشَّجَّع أطفال المدارس ، ادفع مائة ليرة وأنت لك وقف ، حجزت من مالك جزءاً لوقف مستمر إلى آلاف السنين، كل مَن تعلَّم في هذا المعهد في صحيفة مَن وقف هذا المال لبنائه ، وقف خاص للصغار ، نعوِّد أنفسنا أن نفق ، ونعطي ، ونحل مشكلات الناس كي يرحمنا الله عز وجل ، لأنه : ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء ، هناك من ينفق على ملذاته الملايين المملينة ، أفلا ننفق ونعلّم أطفالنا فضيلة الإنفاق في سبيل الله ؟

ولقد حدثنا أخ فقال : دخل بيتاً فوجد أن غرفة الاستقبال تزيد عن مائتي متر ، حشيت زوايا هذه القاعة أو هذه الغرفة أو هذا الصالون بتحف أقل تحفة يبلغ ثمنها نصف مليون ، قال: والله بتحفة واحدة يزوِّج شابين ، ماذا تنفعه هذه التحف ؟ لا تنفعه ، فهذا الذي يحل مشكلات المسلمين يرقى عند الله ؟ أمّا الذي ينفق المال على متعه ، وملذاته ، وعلى مكانته ، وعلى مظاهره فهذا بعيد عن الله بعد الأرض عن السماء، فهؤلاء الذين..

  والله أيها الإخوة ، نحن في بلدٍ طيب ، وهناك مَن ينفق بغير حساب ، والله ما من بلد فيمَن حولنا ينفق كهذه البلدة الطيبة ، عجيب ، تذهب إلى مساجد بمدن أخرى أكبر تبرع ثمانية آلاف ، عندنا يصل التبرع في بعض المساجد ستمائة ألف ، أربعمائة ألف ، خمسمائة ألف ، في ساعة واحدة بعد صلاة الجمعة ، وفي حفل واحد يجود المتصدقون بمبلغٍ ضخمٍ من أجل صندوق الرعاية الاجتماعية ، وصندوق المعالجة الصحية وصدق الله العظيم :

( سورة الحشر )

فيا أيها الإخوة ، عليكم بالإنفاق ، الإنفاق يجعلكم تتألَّقون عند الله عز وجل ، الإنفاق دليل حبك لله عز وجل، الإنفاق برهان على أنك صادق الإيمان ، برهان عملي حقيقي على شفاء النفس وسلامتها من داء البخل وأدرانه ، ونتابع هذه الآيات في الدرس القادم .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi