English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     :90/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة : الآيات " 275 ـ 281 " الربا " 2 " .  

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ غازي قدسي والسيد عرفان النابلسي والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

         أيها الأخوة المؤمنون ... مع الدرس التسعين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الخامسة والسبعين بعد المائتين ، وهي قوله تعالى  :

       

إلى آخر الآيات .

        أيها الأخوة الكرام ... ذكرت لكم في الدرس الماضي أن المال قوام الحياة ، فإذا نما من طريق الأعمال كان دُولةً بين الناس جميعاً ، وهذا الوضع الطبيعي الصـحي الذي أراده الله عزَّ وجل ، وعندئذٍ كـل الناس في بحبوحة ، كلهم يأكل ويشرب ، وإذا وَلَـدَ المال عن طريق المال كان دُولةً بين الأغنياء منكم ، فصار التفاوت الطبقي ، وصـار ملـيون لا يـملكون درهماً واحداً ، وواحدٌ يملك مليوناً ، عنـدئذٍ يفشو الانحراف ، والسرقة ، والاحتيال ، والانحراف الأخلاقي ، وما إلى ذلك .

 

       وذكرت لكم أيضاً أن المعصية تُقَيَّم بحجم ضررها ، فالذي يشرب الخمر يؤذي نفسه ، أما الذي يزني يؤذي معه إنسانة أيضاً ، لكن الذي يرابي يؤذي معه مجتمعاً ، لذلك ما من معصيةٍ في القرآن الـكريم توعَّد الله  مرتكبها بالحرب إلا الربا ، لأن مجتمعاً بـأكمله يمكن أن يجوع ، مجتمعاً بأكمله يمكن أن يشقى بسبب جشع أناسٍ نَمُّوا أموالهم عن طريق الربا .

      وذكرت لكم أيضاً أنك حينما توظف مالك في العمل فلابدَّ من أن يعيش معك أناسٌ كثيرون ، ولقد غدت حالياً البطالة مشكلة المشاكل في الأرض ، فكلما أودِعَت الأموال في الـبنوك زاد حجم البطالة ، وكلما وظفت الأموال في الأعمال تقلَّص حجم البطالة ، وهذه قاعدة سليمة وصحيحة .

        وذكرت لكم أيضاً أن السعر كلما ارتفع ـ والربا يسهم في رفع الأسعار ـ ضاقت شريحة المنتفعين بـهذا الشيء ، وإذا ضاقت فلابدَّ من أن يرتفع السعر مرةً ثانية كي يضمن التاجر لنفسه حياةً مستقرَّة ، إذاً سلسلةٌ لا تنتهي حـلقةٌ مفرغةٌ . أمـا حينما يلد العمل الـمال توزَّع الأموال ، أو توزع الكتلة النقدية بين أيدي الناس جميعاً . هذا ملخَّص الدرس الماضي .

       والآن إلى تفاصيل هذه الآيات . يقول الله جلَّ جلاله :

    (يأكلون) أي يكسبون ، وفي هذا إشارة إلى أن حاجة الإنسان إلى الطعام والشراب حاجةٌ متميِّزة ، بل هي حاجةٌ أولى ، فإذا كسب المال الحرام فهذا من أجـل أن يأكل ، وقد ذكر الله جـل جلاله أن الأنبياء يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، وفي هذا إشارةٌ دقيقة إلـى أن النبي بشر تقوم حياته على تناول الطعام ، إذاً هو مفتقرٌ في وجوده وفي استمرار وجوده إلى تناول الطعام والشراب ، ثم إنه مفتقرٌ مرةً ثانية إلى ثمن الطعام، ولابدَّ من أن يمشي في الأسواق كـي يحصِّل ثمن الطعام ، هذا هو البشر ، مفتقرٌ مرتين مرةً إلى الطعام ثم إلى ثمنه ، لابدَّ من أن يأكل ويشرب ولابـدَّ من أن يعمل ، ونحن مقهورون بالعمل ؛ نعمل من أجل أن نأكل ، ثم نعمل من أجل أن نتزوج ، ثم نعمل من أجل أن نؤكِّد ذواتنا .

        فهذا الذي يأكل الربا بنى مجده على أنقاض الناس ، وبنى غناه على فقرهم ، وبنى عِزَّه على ذلهم ، ويوم القيامة يوم العدل ، يوم الحق ، يوم الدينونة ، يوم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون ، فحينئذٍ تكشف الحقائق ..فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)

) سورة ق (

        الناس في الدنيا نيام إذا ماتوا انتبهوا ، حينما تزاح عنه الشهوات ، وقد قال الله عزَّ وجل :وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ

) سورة سبأ : من آية " 54" )

 

       لا شـهوة طعامٍ ، ولا شهوة جنسٍ ، ولا شهوة علوٍ في الأرض ، واجه الحقيقة ، كُشِف عنه الغطاء فإذا هو قد أشقى الناس من أجل أن يغتني، هو أكل ولا عـليه أن يجوعوا ، ونمت أمواله واغتنى ، ولا يضره أن يكونوا بؤساء فقراء .

       والإنسان كما ذكرت لكم سابقاً أيها الأخوة يمر بمرحلة همه أن يكسب المال ، ثم تكون مرحلة أخرى ، يصبح همه فيها جمع المال وتكديسه ، لذلك قال تعالى :وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)

) سورة أل عمران(

      فهؤلاء الذين يأكلون الربا يأكلون ما ليس لهم بحقٍ أن يأكلوه ، أي إذا أقرضوا اشترطوا عند إقراضهم أن يعود المبلغ زائداً ، رابياً ، فيه زيادة لعِلَّة الزمن ، أو هناك ربـا التفاضل ، أي يبيعُ جنساً واحداً بكـميةٍ مضاعفة ، يبيع مداً بمدَّين ، من جنسٍ واحد هذا فيه ظلم شديد ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : " الذهب والفضَّة ، والقمح والشعير ، والتمر والزبيب يداً بيد وسواءً بسواء " .

( من شرح مسند أبي حنيفة(

         طبعاً بحث الربا وتفصيلاته ، وأنواع المواد الربوية ، وعلة الربا موضوع يحتاج إلى درس فقهي وهو معروفٌ لدى كل الأخوة ، فهؤلاء ...

يوم القيامة إلى ربهم ..

(يتخبَّطه) أي يضربه الشيطان ، وهذا الذي يسميه الناس مسَّ الشيطان ، الوقوع بالساعة ، الصَرَع ، فمن شدة اضطرابه ، ومن شدة شعوره بالذنب ، ومن شدة العار الذي تَلَبَّسَّه ، من شدة خوفه من الحساب يقوم يوم القيامة ..

علَّة هذا الاضطراب الشديد ، وهذا الهلع وهذا الخوف أنهم قالوا :

  فهناك آلاف مؤلَّفة حالياً يقولون : ما الفرق بين أن تضع مالك مع إنسانٍ يستثمره لك ويعطيك في آخر العام ربحاً ، وبين أن تضعه في مصرف يعطيك فائدةً ؟ بونٌ شاسع ، أنت حينما تضع المال في مصرف تأخذ ربحاً ثابتاً ، أما حينما تضع المال مـع أخٍ يستثمره تأخذ ربـحاً حقيقياً ، فإذا ربح أعطاك ، وإن لم يربح لم يعطك شيئاً ، وإذا خسر فـعليك نصيب من الخسارة ، فالبيع والشراء فيهما تعاون ، أما في الربا فهناك إنسان مستغِل وإنسان مستغَل ، لذلك قال تعالى :

   قال علماء البلاغة : هذا تشبيهٌ معكوس ، الأصل أن يقال : إنما الربا مثل البيع ، إذا قـلت مثلاُ : وجه الخليفة كالشمس ، هذا تشبيه ، أما إذا قلت : إن ضياء الشمس كوجه الخليفة ، هـذا تشبيه مقـلوب وهو أبلغ ، فالله عزَّ وجل قال :

أي أن الربا الذي ترونه محرماً هو كالبيع تماماً .. هكذا ادّعوا .

       

   البيع فيه عوض ، أي أن هذه الـكأس بعشر ليرات ، تعطيه الكأس ويعطيك الثمن ، عقد معاوضة ، أما الزيادة في الربا فليس لها عِوَض إلا الزمن ، أنت تبيع كتاباً بمائة ليرة ، فإذا كان مجلداً بمائة وخمسين الخمسون في الكتاب ، فإذا كان مُذهّباً بمائتين ، الخمسون الثانية في الكتاب، فإذا كان قد كتب علـيه اسمك زاد خمسين ثالثة ، الثالثة فـي الكتاب ، فإذا أعطيته لسنةٍ بمائة ليرة زائدة ، المائة الأخيرة لا يقابلها شيءٌ فـي الكتاب ، ليس لها عوَض ، عوضـها الزمن ، أي صار للزمن ثمن ، حينما يخصص للزمن ثمن دخلنا في موضوع الربا .

       أصل الربا أنك تقرض قرضاً لإنسان ، فإذا حل الموعد تقول : إما أن تؤدي وإما أن تُربي ، هذا أصل الربا ، ربا القروض ، ثم جاء ربا البيوع ، وعلى هذا الموضوع حديثٌ طويل كنت قد شرحته في درسٍ من دروس الأحـد بإسهابٍ شديد هـو درس التقسيط ، هناك ربا القروض ، وهناك ربا البيوع .

       ربا القروض تحريمه قرآني ، وربا البيوع تحريمه نبوي ، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام وحيٌ غير متلو ، قال تعالى :وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا

) سورة الحشر : من آية " 7( "

 

      

   أصل حِلِّ البيع هو المعاوضة ، وأصل زيادة الثمن في البيع مقابل الجُهد ، أي أنت مقيم في بيتك وإلى جانبك بائع جاء بالبضاعة من مكانٍ بعيد ، وحملها ، واعتنى بها ، ونظَّفها ، عرضها عليك ، مقابل هـذا الجهد أعطيته الزيادة في البيع ، لأن الزيادة فـي البيع مشروعة مقابل جهد البائع، أما في القرض فغير مشروعة ..

        

     هناك نقطة دقيقة جداً : المال كـلّ ما يُنْتَفع منه مباشرةً ، فالبيت مالٌ لأنه يسكن ، والمركبة مالٌ لأنها تُرْكب ، والطعام مـالٌ لأنه يُؤكَل ، والشراب مالٌ لأنه يشرب ، أما النقد لا ينتفع به مباشرةً ، فحينما تتاجر بالنقد وقعت في الحرام ، طبعاً إذا كان النقد من عملة إلى عملة فله موضوع آخر ، وله شروط دقيقة جداً ، أما أن تجعل المال يلد المال هذا كسبٌ غير مشروع .

        ذكرت فـي الدرس الماضي أن الأسعار ترتفع ، وأن البطالـة تعم  ثم كان تعليقٌ في نهاية الدرس الماضي : كلما ازداد إيمانك تجعل التحريم وحده علَّةً ، علة التحريم أن الله حرَّمه ، لأنك مع طبيبٍ متفوِّق ، أعطاك توجيهاً لا تجرؤ لثقتك بعلمه أن تسأله : لِمَ منعتني من هذا ؟ فأنت أمام إنسان متفوق ، فإذا كان إيمانك بالله كبيراً لا تحتاج إلى علةٍ ، ولا إلى شرحً ، ولا إلى تفصيلٍ ، ولا إلـى بيان حكمةٍ ، علـة الأمر أنه أمر ، وعلة النهي أنـه نهي ، وعـلة التحريم أن الله حرمه ، خالق الأكوان العظيم ، الحكيم ، العليم حرَّمه ، أما الدعاة إذا اجتهدوا في علة التحريم فهذا مـن قبيل الاجتهاد والتحسين والإيضاح ، أما الأصل فـي الدين أن الذي حرَّمه الله محرَّم ، لذلك قال علماء العقيدة : الحسن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبَّحه الشرع .

   أي قصدهم إنما الربا مثل البيع ، هناك بونٌ شاسع ، الزيادة في الربا لا يقابلها عوض ، أما الزيادة في البيع يقابلها عوض وهو الجهد ، إنسان اشترى بـضاعة ، وتحمَّل قرار المغامرة بالربح والخسارة ، وحملها وصنفها وعرضها، هذا جهد كبير ، وقدم لك هذه الخدمة حتى صارت إلى جانب بيتك ، فالتفاضل في البيع تفاضل يقابله جهد ، أما التفاضل في الربا فلا يقابله جهد ، التفاضل في البيع توزَّع فيه الأموال على عددٍ كبيرِ من الناس ، أما التفاضل في الربا ليس كذلك ، قال :

يقول الله عزَّ وجل : إن هؤلاء الذين آمنوا إذا عملوا شيئاً يجهلونه ، ثم عرفوا الحقيقة تابوا ..وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(54)

(سورة الأنعام (

       يعني الإنسان قد لا يعلم ، فإذا علم يجب أن ينتهي ، يقول الله عزَّ وجل هنا :

له رأسماله ..

       

فيما مضى ؛ يغفر له إن كان صادقاً ونادماً ، وقد لا يغفر له لحكمةٍ يريدها الله عزَّ وجل ، أما حقه أن يسترد رأسماله فقط ..

إلى أكل الربا ..

أي : أن هذه المعصية سبب خلودٍ في النار . ثم يقول الله عزَّ وجل :

وهذه الآية دقيقة جداً ..

   العجيب أن المسألة في الرياضيات بالعكس ، إذا أقرضت قرضاً ربوياً مائة ألفٍ مثلاً عاد مائة وعشرين ، فالربا اسمه ربا من الزيادة ، أما إذا أقرضت قرضاً حسناً عاد مائة ، فبالآلات الحاسبة الربا ينمِّي المال ، والصدقة لا تنميه بل تنقصه ، فالآية تنص على عكس حساب الرياضيات .

ماذا نستنبط من هذا ؟ نستنبط أن هناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة ، وهناك منظومةٌ من القوانين الأخرى لا يعلمها إلا قلةٌ قليلة ممن أوتوا الـعلم ، مثلاً : الإنسان قد يرابي وقد يربح ملايين مملينة من الربا  ثم تأتيه مصيبةٌ بقانونٍ آخر تمحق كل ماله ، وهذا الشيء يقع ، هناك من يحترق ماله ، هناك من يدمَّر ، هناك من يفقد أعز ما يملك ، هناك من تصادر أمواله ، فهناك قوانين مستنبطة من حركة الحياة ، وهناك قوانين استثنائية بيد الله عزَّ وجل ، فأنت حينما تخاف الله وتقرض قرضاً حسناً ، ويقل مالك ، تكافأ برزقٍ لا تدري من أين جاءك .. " أبى الله إلا أن يجعل رزق عبده المؤمن من حيث لا يحتسب " .

       بينما الذي يرابي أيضاً بقانون استثنائي يدمِّره الله عزَّ وجل ، ومن عظمة الله عزَّ وجل أنه يتلف مال الإنسان بأبسط الأسباب ، ويغنيه أيضاً بأبسط الأسباب ..

    أنت حينما تقرأ كلام الله ، وتقول : صدق الله العظيم ، يجب أن تؤمن إيماناً يقينياً أن الربا سيمحقه الله ولو بعد حين ، وأن الصدقات سيربيها الله ولو بعد حين ، لكن لابد مـن أن تشعر أن العقاب لا يأتي عقب الذنب أبداً ، وأن الجزاء الحسن لا يأتي عقب الصدقة بسبب أن الله لو فعل هذا لألغي الاختيار ، فمثلاً مرابٍ تعامل بالربا فأتلفَ ماله بعد ساعة  فلا أحد يفعل ذلك لا حـباً بالله ولا طاعةً لـه ولكـن خوفاً على المال ، والمتصدق يدفع الصدقة فيأتيه عشرة أضعافها ، فيبادر أهـل الكفر والإلحاد ويدفعون الصدقات ، إذاً لو جاء العقاب والثواب عقب العمل لألغي الاختيار ، ولكن حكمة الله أنك تفعل مـا تشاء ، وإلـى أمدٍ طويل دون أن تصاب بشيء ، وتأخذ أبعادك ، فأنت مخيَّر ، فالمَحْقُ هنا قد لا يكون سريعاً ..

    من معاني ( يمحق الله الربا ) أن هذا المال الذي جمعته بالحرام يتلفه الله ؛ بمصادرةٍ ، بحريقٍ ، بمشكلةٍ ، بمرضٍ عُضال تنفقه ، أعلم رجلاً له دخلٌ حرام ، علةٌ في قلبه كلَّفته بضع مئات من الألوف ، فالله عزَّ وجل يمحق المال الحرام بطرق كثيرة ، إما أن يتلف المال نفسه ، أو أن ينفق على صحة الإنسان ، أو أن يدفَع جزاء خطأٍ غير مقصود ، أو أن يشقى الإنسان به ، أو أن يسرق منه ، أو أن يكون هذا المال نكداً عليه ، تألَّب عليه أولاده وتطاولوا عليه طمعاً بهذا المال ، أي يصبح هذا المال الحرام مصدر شقاءٍ لهذا الإنسان ، هذا معنى ( يمحق الله الربا ) وليس المحق سريعاً بل قد يأتي متأخراً ..

أما الصدقة كما ذكرت لكم فيضاعفها الله أيضاً ، وثوابها قد يأتي عاجلاً أو آجلاً حسب مشيئة الله .

 

أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ

)سورة البقرة : من آية " 5 ("

)   على) تفيد العلو ، فالصدقة تزيد المال ، وتملأ نفس المتصدق بالسكينة ، والطمأنينة ، والانشراح ، والإقبال ، والقوة ، ولها أثر نفسي ، و أثر مادي ، بعد حين يعوّض الله عزَّ وجل على المتصدق أضعافاً مضاعفة .

أي كفار بهذا المنهج العظيم أثيمٌ لمخالفته ، منهجٌ عظيم كفر به ، ومنهجٌ عظيم أَثِم بمخالفته .

       ثم تأتي آيةٌ لطيفةٌ جداً ، يقول الله عزَّ وجل :

  أي آمنوا بالله خالقاً ، آمنوا به مسيراً ، آمنوا به رباً ، آمنوا به واحداً ، آمنوا به كاملاً ، آمنوا به موجوداً ..

ومقتضى إيمانهم ..

استقاموا على أمره ، وبذلوا الغالي والرخيص من أجله ..

اتصلوا به ، وأنفقوا من أموالهم في سبيله ..

   أي الضمانة الإلهية لا تكون في كثرة المال الذي يأتي من الربا ، الضمانة الإلهية تكون في طاعته والاستقامة على أمره ، والإنسان ضعيف..

وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28)

(سورة النساء (

       والضعيف يحتاج إلى دعم ، يحتاج إلى ملجأ ، يحتاج إلى قوة ، فالضعيف الجاهل يتوهَّم أن المال وحده هو الذي يسعده في خريف عمره .

      ذات يوم ، طالبٌ ممن علمتهم قال لي عن أحد أقربائه ، كان عنده دار سينما ، وجمع المال الحرام الكثير ، وأفسد أخلاق الشباب ، واستورد الأفلام المنحطَّة ، وأقبل الشباب على داره ، وجمع الأموال الطائلة ـ وأذكر هذا في السبعينات ـ أنه جمع عشرة ملايين ، أي تعادل مائتي مليون حالياً ، أصيب بمرض عضال ، فدخل عليه ابن أخته ، وهو على فراش الموت وصار يبكي ، وقال : جمعت هذا المال كي أسعد به في خريف عمري ، وهاأنا ذا قد عاجلني المرض ولم يتح لي أن أنتفع بهذا المال ، فهذا الحال من محق المال ، إذاً قد لا تنتفع به ، قد يؤخذ منك عنوةً ، وقد يسرق ، وقد يكون سبب شقائك ، وقد يكون سبب جريمةٍ ترتكب ، لأن هذا المال أُخِذَ حراماً ، فالمال الحلال يذهب ، أما الحرام يذهب مع أهله ، " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله عزَّ وجل " .

       فهؤلاء الذين آمنوا ..

      

واللهِ أيها الأخوة لا أرتوي من هذا التطمين ..

 

في المستقبل ..

   على ما مضى . هم في تطمين الله عزَّ وجل ، هم في حفظ الله ورعايته ، هم في أمان الله ، هم في اطمئنان وأمان من عند الله ، هم في توفيق الله ، ألا يتمنى كل واحد منا أن تنطبق عليه هذه الآية ؟! ..

ثم يقول الله عزَّ وجل وهو يوجِّه عباده المؤمنين ، يقول :

أي احرصوا على طاعة الله في كسب أموالهم ، وفي إنفاق أموالهم، فالسياق سياق مالي ..

 

 

       أي اتقوا سخط الله بكسب أموالكم ، فإذا كان هناك رباً سابق ..

 

 

 

        

 

   أي لك أن تأخذ مالك فقط ، وهناك مَن يقول : حينما تتوب توبةً نصوحاً لك أن تأخذ مالك ، ولك أن تأخذ هذا الذي زاد عليه وتدفعه إلى الفقراء ، دون أن يدخل عليك منه شيء ..

         

هنا الآية تحمل إنذاراً قاسياً مرعباً..

 

       مَن نحن حتى نتعرَّض لحرب الله عزَّ وجل ؟ أحياناً خطأ بسيط في الأجهزة تصبح حياة الإنسان جحيماً ، فالخلايا في أي مكان بالجسم قد تنمو نمواً غير طبيعي ، وانتهى الأمر  .

      واللهِ مرة كنت في جلسة ، فيها شخص لا أعرفه لكنه واجم وجوماً يلفت النظر ، كأن هموم الدنيا تراكمت عليه ، بعد أن انتهت الجلسة ، أوصلته إلى البيت ، وسألته في الطريق فلم يجب إطلاقاً ، ثم علمت أنه يعاني مرضاً عُضالاً ، نعم مرض عضال ، مرض خبيث ، هذا معنى يمحق الله الربا ، نحن تحت ألطاف الله عزَّ وجل ، فالذي يجرؤ ويأكل المال الحرام قد يمحق الله حياته ، يمحق صحته ، يمحق سعادته ، يمحق أمنه ، يمحق طمأنينته..

       أيها الأخوة ..

   أي أن هذا الذي أقرضته المال بفائدة إذا كان ذو عسرة فانتظره حتى يتيسَّر أمره ، لا تقل له : إما أن تقضي وإما أن تربي ، فهذا سلوك أهل الجاهلية ولا يليق بالمؤمنين ..

بأن تنزلوا عن بعض هذا المال للمَدين المُعْسر ..

    أي يجب أن تعلم علم اليقين أنه لابدَّ من أن تقف يوم القيامة بين يدي الله لتحاسب على كل حركةٍ ، وعلى كل سكنةٍ ، وعلى كل نفقةٍ ، وعلى كل كسبٍ فعلته في الدنيا ، وهذا هو يوم الدين يوم الجزاء ، فالإنسان الذي يؤمن أنه سيحاسب يستقيم في الدنيا ، سيدنا عمر يقول : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزَن عليكم " .

    نحن في دار عملٍ ولا جزاء ، ونحن قادمون على دار جزاءٍ ولا عمل ، نحن في دار هدنةٍ وانقطاع ، العام الدراسي عام هُدْنَة ، الطالب يدرس أو لا يدرس ، يجتهد أو لا يجتهد ، هو في بحبوحة ، أما بالامتحان فيتميز الناس ، الامتحان يفرز الطلاَّب ، ونحن في زمن هدنةٍ وانقطاع ، الموت يقطع هذه الهدنة ، وخلال فترة الهدنة مسموح لنا أن نفعل ، فالمرء مخير ، و كل شيء ، كل شيء بحسابه .. اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ

(سورة فصلت : من آية " 40" )

       لكن المؤمن الصادق لا يفعل شيئاً إلا وهو يراقب الله تعالى ، إن فعلت هذا هل يرضى الله عني ، أم لا يرضى عني ؟ ماذا أفعل ؛ أقْدِم ، أحْجِم ؟ في حوار مع نفسه ، وهذه الآية من أدق الآيات في كتاب الله ، وقيل إنها آخر آية نزلت في القرآن الكريم ..

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

        وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى نتحدث عن آية الدَيْن ، وعلى كلٍ فموضوع الربا موضوع حسَّاس جداً ، وهناك عشرات الأسئلة .

        أولاً : الحقيقة أن هذا هو الشرع كما شرحناه ، أما أين سأضع مالي ؟ هذا موضوع ثانٍ ، كل شيء له ميزان ، هذا هو الحق ، وهذا هو الشرع ، وهذا هو المنهج ، لكن قد ينشأ في زمن معين مشكلات لا تعد ولا تحصى ، والمراباة لا تحل أية مشكلة ، أنا أضرب مثلاً دائماً : لو أن إنساناً أصابته جراحٌ عميقة على خده الأيمن ، فذهب إلى طبيب تجميل ، فقال له : قضيةٌ سهلةٌ جداً أنزع لك قطعةً من خدك الأيسر وأضعها على خدِّك الأيمن ، فالمريض لم يستفد شيئاً ، حلَّ مشكلةً بمشكلة ، فهناك أشخاص كثيرون عندهم مشكلة مالية ، فهذه المشكلة لا تحل بالربا ، هذه مشكلة لها حل آخر ، وما من إنسان يطلب النجاة من الله عزَّ وجل إلا والله جل جلاله ييسر له طريقاً مستقيماً ومخرجاً من حيث يحتسب أو لا يحتسب .

        ذات مرة سمعت عن فلاح ، يعيش حياته كلها في خدمة الأثرياء ، وُزِّعت عليه أرض ، ففرح بها فرحاً لا حدود له ، وذهب إلى شيخه ليخبره ، فقال له : يا بني هذه أرضٌ مغتصبة ، ولا يجوز أن تتملكها ، ولو أنها مُلِّكت لك ، وهذا هو الـشرع ، فكل هذا الفرح عاد حزناً وانقباضاً ، ذهب هذا الإنسان الطيِّب إلى الإنسان الثري الإقطاعي يحاول معه أن يبيعه هذه الأرض التي ملكها بحكم القانون ، قال له : أتبيعني إيَّاها فهذه الأرض ليست لي وهي لك ، وقد أُخذت منك عنوةً ، و أعطيتُ إياها ، قال له : والله لقد أُخذ من مالي أربـعمائة دنم ، ولم يأتِ واحد ليسألني أكان هذا المال الذي أخذه حلالاً أم حراماً ؟ فهي لك هديةٌ يا بني ، فبحرصه على الحلال ، وورعه ، وسؤال شيخه ألقى الله في قلب هذا الغني أن يقدِّمها له هديةً ليزرعها وهو مرتاحٌ وهو في طاعة الله عزَّ وجل ، " ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه " ، والله مستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تدع المال الحرام خوفاً من الله ثم لا تأخذ شيئاً مقابله ، بل يغنيك الله عزَّ وجل وهذه سنته مع عباده .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi