English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

الــدرس     :94/95: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي  

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة : الآية " 284 " .  

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ غازي قدسي والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ،      اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع والتسعين من دروس سورة البقرة ، ومع الآية الرابعة والثمانين بعد المئتين ، ولعل هذا الدرس هو الدرس الأخير من دروس سورة البقرة.

        قال تعالى :

        كلُّ ما في السماوات والأرض مِلكٌ لله عزَّ وجل ، بل إن السماوات والأرض مصطلحٌ قرآني يعني الكون ، والكون ما سوى الله ، الله عزَّ وجل واجب الوجوب ، وما سواه فممكن الوجود ، فكل ما في السماوات والأرض .

       تقريبٌ لأذهان الإخوة ، العلماء حتى الآن يقدِّرون أن في الكون مئة ألف مليون مجرَّة ، وأن في المجرة الواحدة تقريباً مئة ألف مليون نجم ، وأن مجرَّتنا ـ درب التبابنة ـ مجرةٌ متوسطة ، المجموعة الشمسية بأكملها لا تزيد عن نقطةٍ مضيئةٍ في جسمٍ مِغْزَلي ، فهذه المجرات بعددٍ وحجمٍ كبيرين ، أي بيننا وبين القمر ثانية ضوئية ، أي أن الضوء يقطع المسافة إلى الأرض بثانيةٍ واحدة ، وبيننا وبين الشمس ثمانِ دقائق ، يقطعها الضوء في ثمان دقائق ، وبيننا وبين أقرب نجمٍ ملتهبٍ أربع سنوات ضوئية ، لو أن هناك طريقاً نسير فيه لاحتجنا إلى خمسين مليون سنة بمركبةٍ أرضية ، هذه أقرب نجم ملتهب ، وأن نجم القطب أربعة آلاف سنة ضوئية ، وأن المرأة المُسَلْسَلةَ وهي مجرةٌ يزيد حجمها عن حجم مجرتنا ثمانية وعشرين مرَّة ، تُرى من الأرض نجماً واحداً ، بعدها عنا مليونا سنة ضوئية ، وأن بعض المجرات تبعد عنا عشرين ألف بليون سنة ضوئية ، ]وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ[ .

( سورة الزمر : من آية " 67 " )

]فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ*وَمَا لا تُبْصِرُونَ[

( سورة الحاقة : 38-39)

 

        آياتٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم تدل على عظمة الله من خلال خَلْقه..]قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ[ .

( سورة يونس : من آية " 101 " )

]وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ*وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ[

( سورة يوسف : 105-106)

      أيها الإخوة ...

      هذا الكون العظيم مِلْكٌ لله عزَّ وجل ، ملكٌ لله خلقاً ؛ هو الذي خلقه ، وتصرُّفاً ، ومصيراً ، أما تصرُّفاً ؛ فلا يقع شيءٌ في الكون إلا بمشيئة الله ، والإنسان لضعف إيمانه ، ولقصر نظره ، ولشبهاتٍ تراكمت على قلبه يظن أن في الأرض أقوياء ، وأن أمرهم نافذ ، ولكن الحقيقة أنه ليس في الكون إلا الله ..]اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ[ .

( سورة التغابن : من آية " 13 " )

 

]وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ[ .

( سورة الزخرف : من آية " 84 " )

]وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ[ .

( سورة النحل : من آية " 51 " )

 

]مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا[ .

( سورة الكهف : من الآية 26)

]مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ[ .

( سورة فاطر من الآية 2)

       حقيقة الإيمان ألا ترى مع الله أحداً ، أما المشرك يرى مع الله آلهةً لا تعدُّ ولا تحصى ، كل إنسان قوي يظنه إلهاً يفعل ما يريد ، لذلك حياة المشرك حياةٌ متعبة جداً . قال تعالى :]فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ[

( سورة الشعراء : 213)

       حياة المؤمن حياة مُسْعِدة ، لأن علاقته مع جهةٍ واحدة ، هذه الجهة هي الله عزَّ وجل ، لا تخفى عليه خافية ، يعلم خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور ، ما من شيءٍ يتحرَّك إلا بأمره ، فالتوحيد يُريح الإنسان ، يملأ القلب أمناً وطمأنينة ، قال تعالى :]فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ[ .

( سورة الأنعام :81-82 )

       أي أن الأمن للمؤمن وحده ، لأنه يرى يد الله تعمل في الخفاء ، لأنه لا يرى مع الله أحداً ، ولأن الله أسماؤه حسنى وصفاته فضلى ؛ سميعٌ ، قريبٌ  ، مجيبٌ ، رحيمٌ ، ودودٌ ، غنيٌ ، قويٌ ، فإذا كان الله معك فمَن عليك ، وإذا كان عليك فمَن معك ، العِبرة أن تؤمن الإيمان الذي يملأك سعادة ، يملأك طمأنينة ، يملأك قوةً ، يملأك اندفاعاً ، حينما لا ترى مع الله أحداً لا تخشى أحداً إلا الله ، ولا تطيع أحداً إلا الله ، ولا ترجو أحداً إلا الله ، ولا تخاف من أحد إلا الله ، هذا هو الدين .

        من أين يأتي النفاق ؟ من ضعف التوحيد ، أن تشتكي لإنسان ، وأن تنهار أمامه ، وأن تبذل ماء وجهك أمامه ، فهذا من ضعف التوحيد ، لأنك إن آمنت بالله عزَّ وجل ، الذي أعطاه يعطيك ، والذي أكرمه يكرمك ، والذي رفعه يرفعك ، لذلك قال العلماء : " ما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد " .

       

كل هذا الكون مِلْكٌ لله خلقاً ، وتصرفاً ، ومصيراً ..]إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ*ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ[.

( سورة الغاشية : 25-26)

       هذا هو الدين ، إن آمنت أنه لا يقع شيء ، ولا يتحرَّك شيء ، ولا يقف شيء إلا بإذن الله عزَّ وجل ، هذا الإيمان ينعكس على سلوكك استقامةً على أمر الله ، وجُرْأَةً في الحق ، وينعكس عليك عزةً وكرامةً ووضوحاً ، فأكبر مرضٍ يصيب الناس هو مرض الشرك ، وهو ضعف التوحيد ، أي أنه يرى أن هناك أقوياء ، لابدَّ أن تنصاع لأمرهم ، وإلا دمَّروك ، لابدَّ أن ترضيهم ولو على حساب دينك ، هذا هو مرض المسلمين ، ضعف توحيدهم أوقعهم في المعاصي والذنوب، وأوقعهم في الشرك والشُبُهة .

       لماذا خَلَقَنا ؟ خلقنا ليسعدنا في جنةٍ عرضها السماوات والأرض ، خلقنا لمهمةٍ ، خلقنا لتأدية رسالة ..]إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ[

( سورة هود : من آية " 119 " )

 

       لذلك هو في الدنيا يربيِّنا ، فإذا استقمنا على أمره أكرمنا ، وإذا انحرفنا عن الصراط المستقيم أدَّبنا ، فالإنسان حينما يبتعد عن الله يؤثر شهوته على طاعة ربه ، وحينما يؤثر شهوته لابدَّ من أن يعتدي ، لأنك لو تحرَّكت وفق منهج الله لا يمكن أن تعتدي على أحد ، أما إذا اندفعت بدافع الشهوة من دون منهج الله عزَّ وجل فلابدَّ أن تعتدي على أموال الآخرين ، وعلى نسائهم ، أو على أعراضهم ، فلذلك ضعف التوحيد ، وضعف الإيمان يملأ القلب شهوةً مُحَرَّمةً ، هذه إذا خرجت ، وانقلبت إلى واقع انتشر هناك مرض لابدَّ من معالجة الإنسان منه .

        من بعض تفسيرات هذه الآية : أن النفس إذا انطوت على مرض ، المرض يعني شهوةً محرمة ، لأن الله عزَّ وجل يقول :]وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ[ .

( من سورة القصص : من آية " 50 " )

       المعنى المخالف ، أو المعنى العكسي أن الذي يتبع هوى نفسه وفق منهج الله عزَّ وجل لا شيء عليه ، أعطى كل ذي حقٍ حقه ، اشتهى المرأة فتزوَّج ، اشتهى المال فكسب كسباً مشروعاً، إذاً الإنسان حينما يُعْرِض عن الله عزَّ وجل يتبع هواه ، ومع اتباع الهوى ظلمٌ وعدوان ، فلابدَّ أن يؤدِّبه الله ، قال تعالى :

        إخواننا الكرام ... أمراض الجسم تنتهي عند الموت ، ولو كانت عُضالة ، لكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت ، فلذلك الإنسان أولى له ألف مرة أن يعالجه الله ليموت طاهراً نقياً من أن يَدَعَه الله وشأنه ، حتى يستحق دخول النار ، ورد في بعض الأحاديث أن الله عزَّ وجل يقـول : (( وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سُقماً في جسمه ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبةً في ماله أو ولده ، حتى أبلغ منه مثل الذر ، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه " .

       معنى ذلك أن الإنسان مخلوق للجنة ، والجنة فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، معنى ذلك أن الحياة الكريمة التي خُلِقْتَ من أجلها ليست في هذه الدنيا ، هذه " الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا من عطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي".

        إذاً نحن في مرحلةٍ إعدادية لحياةٍ أبدية ، سمَّى الله الحياة هذه حياةً دنيا ، وسمى الحياة التي أعدها لنا الداء الآخرة ، حياةً عُليا ، فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ثمن هذه الحياة العليا ـ الدار الآخرة ، الجنة التي يبقى فيها الإنسان إلى أبد الآبدين ـ ثمنها أن تأتي إلى الدنيا ، وأن تضبط شهواتك وفق منهج الله .

        أيها الإخوة ... هذا الثمن بمقدور أي إنسان أن يدفعه ، فما مِن شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها ، ليس في الإسلام حرمان ، فالإنسان خُلِقَ في الدنيا من أجل جنة عرضها السماوات والأرض ، ثمن هذه الجنة أن يستقيم على أمر الله ، أي أن يضبط أهواءه ، ونزواته ، وشهوته وفق منهج الله ، فإذا حاد عن منهج الله قليلاً تولَّد في نفسه أمراض ، أمراضٌ نفسيَّة تحتاج إلى معالجة ؛ البخل مرض ، العُجب مرض ، الكِبر مرض ، حُب الذات مرض ، الاستعلاء مرض ، الحقد مرض ، الرغبة في العلو في الأرض مرض ، حينما نبتعد عن الله قليلاً تتولد الأمراض النفسية ، الإنسان شهوةٌ مندفعة ، فالإنسان حينما ينحرف عن منهج الله تتولَّد هذه الشهوات المُحَرَّمة .

        الآن ..

       من أمراض ..

       الإنسان يعاني مرضًا نفسيًّا ، عنده حب للدنيا ، ولو على حساب دينه ، عنده رغبةٌ أن يأخذ ما ليس له ، عنده رغبةٌ أن يغتصب بيتاً ليس له ، عنده رغبةٌ أن يعتدي على حقوق الآخرين ، هذه كلها أمراض ، فإن أظهرها الإنسان ، أو أخفاها فلابدَّ أن يحاسب عليه ، لأن الله رب العالمين ..

        أمام طبيب قد تخفي أعراض مرض خطير ، والطبيب لا يعلم ، أما لو أن الأب هو الطبيب فيرى أن هناك علامات مرض ، فلا يسمح لابنه أن يكذب عليه ، لابدَّ أن يعالجه ، لأن الأب الطبيب يتمتَّع برحمةٍ وعلمٍ في آن واحد ، رحمة الأب وعلم الطبيب ..

        أيها الإخوة ... هناك طريقان للشفاء : طريقٌ سليم ، وطريقٌ مُتْعِب ، إنسان اشتهى شيئاً حراماً ؛ فأقبل على الله ، واتصل بالله ، واستغفر الله ، حتى غفر الله له هذه الشهوة المحرَّمة ، شفاه منها ، طهَّر قلبه منها عن طريق الصلاة ، الصلاة تطهر القلب من أدرانه .. " الصلاة طَهور، والصلاة نور ، والصلاة حَبور ، والصلاة ذكر ، والصلاة مناجاة  ، والصلاة علم وعقل .. إلخ " .. فإن انتبه إلى نفسه ، وشعر أن في نفسه مرضاً خطيراً لابدَّ من أن يشفى ، فأقبل على الدين ، اتصل بالله عزَّ وجل ، دفع الصدقات ، تلا كتاب الله ، التحق بمسجد يظن أن هذا المسجد على حق ، وأقبل على الله ، فالله عزَّ وجل شفاه من دون مصيبة .

        أو يكابر بالمحسوس ، يبقى على خطئه ، يبقى مصراً على ذنبه ، ما الذي يحصل ؟ يحتاج إلى تأديب الآن .

        كلكم يعلم أيها الإخوة أن الله جل جلاله له في خلقه سُنَن ، الله عزَّ وجل يبدأ بالهُدى البياني، يبيِّن ؛ من خلال القُرآن ، من خلال سنة النبي العدنان ، من خلال الدُعاة ، من خلال الحوادث يبين ، الهدى البياني ، الدعوة البيانية ، أنت معافى ، صحيح ، سليم ، موفور الكرامة ، يسمعك الله الحق ، أرقى إنسان هو الذي يستجيب لله بدعوته البيانية ، فإن لم يستجب لابدَّ من مرحلةٍ صعبةٍ وهي التأديب التربوي ؛ يؤدِّبه بنقصٍ في ماله ، أو نقصٍ في صحته ، أو نقصٍ في أهله ، أو عدوٍ مخيف ، أو شبح مصيبة ، الله عزَّ وجل عنده مصائب لا تُعَدًّ ولا تحصى ؛ تبدأ من الهم ، وتنتهي بأصعب الأمر ، فالمرحلة الثانية التأديب التربوي .

        والمرحلة الثالثة إن لم يتب ، الإكرام الاستدراجي كما هو الحال عند أهل الدنيا الذين شردوا عن الله عزَّ وجل ، دنيا عريضة ، أموالٌ وفيرة ، شهواتٌ مستعرة ، يفعلون كل شيء وهم أقوياء ، متغطرسون ، متسلِّطون ، هذا اسمه الإكرام الاستدراجي ، وبعدها القصم .

        فأنت بين الهدى البياني ، والتأديب التربوي ، والإكرام الاستدراجي ، ثم القصم ، هنيئاً لمن استجاب لله بدعوته البيانية ، كلام ربنا واضحاً وضوح الشمس ، كلام النبي عليه الصلاة والسلام واضح وضوح الشمس ، هناك دعاةٌ إلى الله صادقون ، أصغِ إلى قولهم ، استمع إلى دعوتهم ، استجب ، طبِّق ..

       لا تستجب ..

  

ـ يا رسول الله عظني ولا تطل .

ـ قال : قل آمنت بالله ثم استقم .

ـ فقال هذا الأعرابي : أريد أخف من ذلك .

ـ قال : إذاً فاستعد للبلاء .

        إما أن تستقيم على أمر الله ، إما أن تستجيب له فتسلم من مصائب الدنيا ... طبعاً يبقى هناك مصائب رفع درجات ، مصائب امتحان ، أما مصائب العقاب نجوت منها ، المصائب أربع أنواع : مصيبة قصمٍ ، أو مصيبة ردعٍ ، وهاتان المصيبتان للكفار ، مصيبة دفعٍ ، ومصيبة رفعٍ ، وهاتان المصيبتان للمؤمنين ، ثم هناك مصائب الأنبياء وهي مصائب كشفٍ، أي ينطوي على كمال لا يظهر إلا بحالةٍ صعبة ، فبين القصم والردع ، وبين الدفع والرفع ، وبين الكشف ، هذه المصائب ، فالإنسان إذا استجاب لله عزَّ وجل ، وانتبه إلى أمراضه ، واستغفر الله منها ، وأقبل على الله ، وطهر الله قلبه من هذه الأمراض ، يعني يجب أن نؤمن .

         هناك مقولة عند العوام يقول لك : " فالج لا تعالج " ، إذا لم يكن ثمة أمل الإنسان يتطور فلا جدوى من بعثة الأنبياء ، هذا كلام غير صحيح ، قد يكون الإنسان حاقداً ، وقد يكون لئيماً ، وقد يكون مستعلياً ، ومتكبراً ، ومحباً لذاته ، فإذا اصطلح مع الله ، وأقبل عليه طهرت نفسه ، فصار كريماً ، وصار متواضعاً ، وصار حليماً ، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحب الله عبداً منحه خُلقاً حسناً ، فالصلاة شفاء ، الصلاة طهور ، كما قال عليه الصلاة والسلام ، تطهر النفس من أدرانها ، لا يمكن أن يكون المصلي حَقوداً ، ولا أن يكون المصلي لئيماً ، ولا بخيلاً ، ولا شحيحاً ، ولا جباناً ، ولا منافقاً ، الصلاة تطهِّر الإنسان ، تسمو به ، إذاً العبرة أن نسموا إلى الله ، أن تصغر نفوسنا من كل درن .

        هناك طريقان ، إنسان يقول له الطبيب : والله إذا اعتنيت وحركتك لا تحتاج إلى عملية ، كلام واضح ، فإذا أهملت تحتاج إلى عملية ، إما أن تعالج بالأدوية من دون شَق ، وإما أن تعالج بالعملية الجراحية ، وقد تكون خطيرة .

        أيها الإخوة الكرام ... هذه الآية مؤدَّاها أن ننتبه إلى أنفسنا ، هناك طريق إلى الشفاء سليم، وهناك طريق مُتْعِب ، والطريق المتعب ربما لا ننجح فيه ، الطريق السليم أن نتوب ، وأن نُقْبِل ، وأن نصلي ، وأن نذكر ، حتى يشفي الله قلوبنا من أمراضها ، الطريق الثاني ننتظر المصيبة ، فإذا جاءت التجأنا إلى الله عزَّ وجل ، كلام واضح كالشمس ، أي إما أن نتوب طائعين ، أو أن يحملنا الله على التوبة مُكْرَهين ، لأنه يحبنا ، ولأنه يحب أن يسعدنا ، يحب أن يتوب علينا ، يحب أن نصل إلى الجنة سالمين وغانمين ، فهذا كلامٌ دقيقٌ واضحٌ وضوح الشمس ..

       لأن الله يعلم السر وأخفى ، أما قد تقول للطبيب : لا أشعر بألم إطلاقاً ، وأنت على خلاف ذلك ، فيسكت الطبيب ، إذا أخفيت أعراض الأمراض عن الطبيب فالطبيب لا يعلم ، أما إن أخفيت أعراض الأمراض القلبية عن الله عزَّ وجل فهو يعلم ؛ سواءٌ عليك أظهرتها أو أخفيتها ، فالله لابد أن يحاسبك عليها تطهيراً ، وترقيةً ، ووصولاً إلى طريق السلامة ، الله عزَّ وجل يقول :]يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ[ .

( سورة المائدة : من آية " 16 " )

      أي أن الله عزَّ وجل يهدينا طريقاً نسلم في نهايته ، ونصل إلى الجنة عن طريق ، فآيةٌ مهمة جداً ودقيقة جداً ..

      من أراد الطريق السليم بالتوبة الذاتية ، والإقبال ، والاتصال بالله ، وذكر الله عزَّ وجل ، وطاعة الله يشفى من مرضه ، وأنت معافىً سليم موفور الكرامة ، والإنسان حينما لا يقبل الطريق السليم ، ويركب رأسه ، ويصر على معصيته ، لابدَّ أن ينتظر التأديب من الله عزَّ وجل.

      الطريق الثاني صعب ، ومتعب ، وقد يكون فيه ذل وإهانة ، وقد يكون فيه فقر مدقِع ، وقد يكون فيه إراقة ماء وجه ، وقد يكون فيه أسر حرية ، قد يفقد حريته ، أو يفقد أحد مقوِّمات سعادته ، على كلٍ في النهاية لابدَّ من أن يؤدِّبنا الله بإحدى الطريقتين .

       مرة واحد سألني : ما ملخَّص خذه الدعوة ؟ قلت له كلمتان وبالتعبير الدارج : " إما أن تأتيه ركضًا ، أو يأتي بك ركضًا " ، انتقِ واحدة منهما ، إما أن تأتيه طائعاً برغبةٍ منك ، بمبادرةٍ منك ، بإقبالٍ منك عليه ، وإما أن يسوق لك من الشدائد ما يحملك على التوبة ، هناك آيتان قال تعالى:]ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا[ .

( من سورة التوبة : آية " 118 " )

       وهناك تابوا فتاب عليهم .

       إذا جاءت توبة الله بعد توبتك فالمعنى قبول توبتك ، أما إن جاءت توبة الله قبل توبتك .. ]ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا[ .

( من سورة التوبة : آية " 118 " )

       أي ساق لهم من الشدة ما حملهم على التوبة ، فإما أن تأتيه طائعاً ، وإما أن يأتي بك مكرهاً ، فعَن أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ)) .

(البخاري ، وأبو داود واللفظ له)

      هذا كلا لي ، وأنا معكم ، أنا مدعوٌ معكم إلى هذه الدعوة ، ائتِ الله عزَّ وجل طائعاً بمحض اختيارك ، وأنت صحيح معافى ، وأنت موفور الصحة والكرامة ، انتبه ، وإلا رحمة الله تقتضي أن يأتي بك مقهوراً . قال تعالى :]فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ[ .

( من سورة الأنعام:147 )

      الإنسان المريض أي مكانٍ يناسبه ؟ المستشفى ، والعملية الجراحية ، والسيروم ، وفتح الصدر أو فتح البطن ، والدماء تنزف ، والآلام لا تحتمل، والتخدير ، المريض هكذا ، والصحيح يناسبه نزهةٌ جميلة ، وطعام طيِّب ، فإما أن نأتيه طائعين فيكرمنا ، وإما أن يأتي بنا مكرهين ويؤدِّبنا ، وبعدها يكرمنا ، لابدَّ أن يكرمنا ، بعضهم قال - طبعاً الكلام متعلق بالمؤمنين - : أنت لك عند الله مكان ، إما أن تبلغه بعباداتك ، وخدمتك للخلق ، وإقبالك على الله ، وذكرك له ، وإما أن تبلغه بصبرك على بعض المصائب ، لابدَّ أن تصل إلى هنا إما بطريقٍ سليم ، وإما بطريقٍ مُتعب..

        أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون ممن يستجيبوا لله عزَّ وجل ، قال تعالى :]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[ .

( من سورة الأنفال : من آية " 24 " )

       الله عزَّ وجل يدعونا إلى حياةٍ حقيقية ، حياةٍ تليق بنا ، حياة تناسب مكانتنا عنده ، حياةٍ أبديةٍ لا نَصَبَ فيها ولا تَعب ، أما الإنسان يريد الحياة الدنيا ، إن هؤلاء يحبون الحياة الدنيا ، يؤثرون عليها كل شيء ..

       أيها الإخوة الكرام ، الحياة الدنيا حياةٌ دنيا مؤقَّتة ..]انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا*لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا[.

( من سورة الإسراء : 21-22)

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi