English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس     : 95/95والأخير : لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي 

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة البقرة : الآيتان " 285 ـ 286 " .  

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي    : الأستاذ غازي قدسي والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ،        اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الخامس والتسعين والأخير من سورة البقرة ، ومع الآية الخامسة والثمانين بعد المئتين وهي قوله تعالى :

      

أو أن نقول :

 

كلاهما جائز .

 

       أيها الإخوة النبي عليه الصلاة والسلام آمن بربه الإيمان الكامل ، الذي حمله على طاعته وقرَّبه من الله عزَّ وجل ، وكذلك المؤمنون ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فرقٌ كبير بين النبي الكريم وبين مؤمن ، ولكن ما كُلِّفَ به النبي مكلفٌ به المؤمنون ، بحديثٍ صحيح ((وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ))

(مسلم ، الترمذي ، أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)

       وهناك دليلٌ قرآني هو أن الله عزَّ وجل حينما يقول:]فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ[.

 ( سورة هود : من آية " 112 " )

       وقد بيَّنت لكم من قبل أن إجراءً صحياً يجب أن يتقيَّد المُمَرِّض بشروطه ، كما يجب أن يتقيد أعلى طبيب بشروطه ، المقامات مختلفة أما الشروط فواحدة ..

        فـ ..

       

هناك ملمحٌ لطيف ؛ أنت حينما يقول الله عزَّ وجل :]يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا[

 ( سورة البقرة : من آية " 276 " )

        إن آمنت بهذا الكلام إيماناً حقيقياً فلا يمكن أن تأكل الربا ، ولا أن توكله ، حينما يأمرك الله عزَّ وجل أن تكون صادقاً ، إن آمنت بهذا الكلام لا يمكن أن تكذب ، حينما أمرك الله عزَّ وجل أن تكون مخلصاً ، إن آمنت بهذا الكتاب فلا يمكن أن تخون .

       القضية ليست بالتبرك ، هذا الذي يقرأ القرآن تبرُّكاً ، ولا يعمل بما فيه هذا كأنه ما آمن به، وقد ورد عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :((مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ))

(الترمذي)

فكلمة ( آمن بالقرآن ) أي آمن أنه من عند خالق الأكوان ، وأن الله خالق الأكوان عليٌ عظيم ، عليمٌ خبير ، قويٌ غني ، حكيمٌ عليم ، فأي إنسان لا يُطَبِّق منهج الله فمعنى ذلك أن في إيمانه ضعفاً ، كلمة :

        

أي أن الحق هو ما جاء به الوحي ، وأيُّ شيءٍ آخر باطل ، السعادة في تطبيق شرع الله ، وأيّ منهجٍ آخر لو طبَّقته تشقى ، السعادة أن تذكر الله ، وأيّ شيءٍ آخر إن ذكرته تشقى ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب ، أي يجب أن نفهم معنى كلمة :

      

أي أنك حينما تؤمن ـ على مستوى صحَّتك ـ أن الملح يرفع الضغط ، وأن الضغط إذا ارتفع فجأةً قد يصاب الإنسان بالشلل ، وقد يفقد بصره ، فهذه الحقيقة مسلَّم بها ، لا يمكن إلا أن تأخذ بها، تتعامل معها تعاملاً مُتَأدِّب ، فحينما يرقى إيماننا إلى أن الله أمر ونهى ، وأحل وحرَّم ، التقيُّد بالأمر والنهي ، والأخذ بالتحليل وترك التحريم علامة الإيمان ، وليس هناك من علامة أخرى إلا هذه العلامة ، علامة إيمانك بالقرآن تطبيق أحكامه ، فإن لم تطبِّق أحكامه دلّ ذلك على ضعفٍ في إيمانك .

        مرةً استشارني أخ خرج من دكانه في أحد أسواق دمشق ، استشارني في زواج ابنته ، قال لي : شابٌ وسيم الطلعة ، وغنيٌ جداً ، عنده معمل ، وبيتٌ فخم ، ومركبة ، خطب ابنتي وفي دينه رقَّة ، فماذا أفعل ؟ قلت له : ألا تقرأ القرآن الكريم ؟! يقول الله عزَّ وجل :]وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ[.

 ( سورة البقرة : من آية " 221 " )

        قلت له : بعد أن تقرأ هذه الآية ماذا تقول إذا انتهيت من قراءة القرآن ؟ تقول : صدق الله العظيم ، الذي فعل أنه زوج ابنته بهذا الشاب ، ثم لم يدم زواجه قليلاً حتى طلَّقها ، حينما قبل هذا الشاب لم يؤمن بأعماقه أنه ..]وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ[.

( سورة البقرة : من آية " 221 " )

        أي أن الإنسان يراقب نفسه ، حينما تفعل خلاف القرآن في كل علاقاتك ؛ الاجتماعية ، والاقتصادية ، في كسب المال ، وفي إنفاقه ، في تزويج بناتك ، وفي عدم تزويجهم ، حينما تتحرك بغير هدىً من الله أنت لست مؤمناً بالقرآن ، مع احترامي لك أنك مسلم ، ولكنك لست مؤمنًا ، أنت لا تستطيع أن تناقش طبيباً تعتقد علمه وإخلاصه ورفعة مكانته في أمرٍ يعطيك إياه ، ما دام الطبيب قال فانتهى الأمر ، قد تبيع بيتك الذي جهدت في كسوته لكلمةٍ قالها لك طبيب القلب: هذا البيت لا يناسبك ، يجب أن تبيعه ، وأن تشتري بيتاً أرضياً ، لماذا مع الخبراء لا تناقشْ؟ .

      هذه حقيقةٌ أيها الإخوة ، حينما لا تطبق هذا المنهج القويم فأنت لست مؤمناً بهذا الكتاب الإيمان الكامل ـ لكي أكون دقيقاً ـ الإيمان المنجي هو الذي يحملك على طاعة الله ، الإيمان المنجي حينما ترى أن هذا أمر الله ، وأمر الله شيءٌ عظيم ، وحينما تؤمن أن عِلَّة أي أمر أنه أمر انتهى الأمر، حينما تؤمن أن علة أي أمر أنه أمر من الله عزَّ وجل .

        ولا أنسى هذا الذي تحاور مع عالمٍ من علماء أمريكا حديثٌ عهدُه بالإسلام ، فهذا العالم المسلم الشرقي حدَّثه عن لحم الخنزير ، وبيَّن له في ساعات طويلة أخطار لحم الخنزير ، فما كان من هذا العالم الذي آمن بالله إيماناً عميقاً إلا أن قال له : كان يكفيك أن تقول لي : إن الله حرَّمه ، أنت حينما تؤمن أن هذا الأمر من خالق الأكوان ، من ربِّ الأرض والسماوات، من الواحد الديَّان، من الحكيم ، من الخبير ، هذا معنى ..

     

وإلا فكل إنسان يدَّعي الإيمان ، ما بال ألف مليون مسلم ليست كلمتهم هي العليا ، وليس أمرهم بيدهم ، وللكفار عليهم ألف سبيلٍ وسبيل ؟!! لأنهم آمنوا بالله الإيمان الشكلي الذي لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، أما هذا المنهج القويم هل طبَّقوه ؟ ما طبَّقوا هذا المنهج .

      فيا أيها الإخوة ... معنى قوله تعالى :

      

أي أن هذا هو الحق ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، وكسب المال الحلال هو الحق ، وأن غضَّ البصر حق ، وأن ضبط اللسان حق ، وأن الإحسان إلى الوالدين حق ، كل مفردات المنهج الإلهي هو الحق ، فعلامة إيمانك انصياعك لمنهج ربك .

       والعياذ بالله علامة ضعف الإيمان عدم التقيُّد بمفردات المنهج ، وهذا حال معظم المسلمين ؛ لا تجد الإسلام في بيوتهم ، ولا في أعمالهم ، ولا في أفراحهم ، ولا في أحزانهم ، ولا في سفرهم، ولا في إقامتهم ، ولا في بيعهم ، ولا في شرائهم ، ولا في كسب أموالهم ، لكنهم ملتزمون بالمساجد ، يرفعون شعائر الله ، يصلون ويصومون ، مع أن الله عزَّ وجل يريدنا أن نكون في مستوى العبادات لا أن تكون هذه العبادات شكليةً كما يفعل معظم الناس .

        هؤلاء الأنبياء ، والمؤمنون ..

      

خالقاً ، مربياً ، مسيراً ، آمن بالله موجوداً ، وواحداً ، وكاملاً ، آمن بأسمائه الحسنى ، وصفاته الفضلى ، كلٌ آمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، الكُتُب هي المناهج التي أنزلها الله على أنبيائه ، والرسل هؤلاء قمم البشرية ، أعلام البشرية ، هم الذين أودع الله فيهم هذا الكمال الذي ينبغي أن يتصف به الإنسان ، هم دعاةٌ إلى الله بلسانهم ، وسلوكهم ، وأحوالهم ، وإقرارهم ، فالأنبياء قمم البشر وهم قدوةٌ لنا ، كما قال الله عزَّ وجل :]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا[ .

( سورة الأحزاب : 21)

       النقطة الدقيقة جداً ..

      

       ليس من الصواب أن توازن بين نبيٍ ونبي ، مع أن الله عزَّ وجل قال :]تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ[ .

 ( سورة البقرة : من آية " 253 " )

       هم مفضَّلون بعضاً على بعض عند الله ، لا عندنا ، نحن عندنا لا نفرِّق بين أحدٍ من رسله، فليس من شأن طفلٍ صغير في الصف الثالث الابتدائي أن يوازن بين عالمي ذرَّة ، ليس هذا من شأنه ، ولا من صلاحيَّته ، ولا من إمكانه ، فالعلماء اتفقوا على أن الموازنة بين العلماء من عندنا لا تجوز ، مع أن كل نبي له مقام عند الله ، ومع أن الله عزَّ وجل قال :]تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ[.

       لكن هذا عند الله ، وليس عندنا ، عندنا الأنبياء جميعاً دعوتهم واحدة ، ومنهجهم واحد ، قال تعالى : ]وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ[.

( سورة الأنبياء :25 )

       دعوتهم واحدة ، لأن الأصل واحد ، أما أتباع الأنبياء فيتقاتلون ، ما يجري في فلسطين بين مَن ومَن ؟ بين أتباع سيدنا موسى ، وأتباع سيدنا محمد ، إذاً حينما لا يتبع الناس أنبياءهم اتباعاً حقيقياً يصبح التمسُّك بالدين تعصُّباً .

      أيها الإخوة ...

 

أي ليس من شأن العباد ، فأحياناً يخطر في بال بعضهم أن النبي عليه الصلاة والسلام ـ وهو سيد الخلق وحبيب الحق ـ لم يدعُ على قومه ، بل قال: ((اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون)) .

( من زيادة الجامع الصغير : عن " عبد الله بن عمير " )

        لكن موسى عليه السلام دعا على قومه فقال :]رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ[ .

 ( سورة يونس : من آية " 88 " )

       والحقيقة أن سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام حينما أبلغه ربه ..]وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ[ .

( سورة هود : 36)

       الله أبلغه ، متى دعا عليهم ؟ حينما أبلغه الله أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ، فليس من شأن لا المؤمنين العاديين ، ولا العلماء العاملين أن يوازنوا بين أنبياء الله ورسله ، هذا فوق مقام البشر ، نحن نؤمن أن كل هؤلاء الأنبياء دعوتهم واحدة ، ومنهجهم واحد ، وهم من عند الله عزَّ وجل، وإذا اتحد الأصلُ اتحد الفرعُ ..

أي نسألك الغفران يا رب ، والمصير إليك ، أي أن قضية المصير إلى الله هذه يجب أن ترتعد منها الفرائس ، اعملوا ما شئتم ، فالمصير إلى الله ، يقول الله عزَّ وجل :]إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ*ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ[.

( سورة الغاشية :25-26)

        مصير الخلائق إلى الله عزَّ وجل ، هو سيحاسبهم ، وسيجزيهم ؛ إنْ خيراً فخير ، وإنْ شراً فشر ..

      

       بعض أتباع الأنبياء قالوا : سمعنا وعصينا . لذلك يقول المؤمنون عَقِبَ صلاة الجمعة : سمعنا وأطعنا ، والأولى أن نقول نحن دائماً :

  

 نسألك المغفرة يا رب ؛ لأنا لسنا معصومين ، وإليك المصير تعرف كل إنسانٍ ؛ عمله وإخلاصه وتضحيته وما فعل .

 

       الآية الأخيرة في سورة البقرة دقيقةٌ جداً ، أول فقرة فيها يقول الله عزَّ وجل :

      

       هذه الآية فوق المكان والزمان ، يعني في أي مكانٍ وفي أي زمانٍ منهج الله القويم ، الذي أنزله الله على نبيه الكريم ، يمكن أن تطبِّقه مهما اختلفت الأحوال ، وكل من يقول : لا أستطيع أن أستقيم على أمر الله فهو جاهل ، لأن الله عزَّ وجل ما كان ليكلفنا ما لا نطيق ، قال بعض العلماء:

     

أي أن منهج الله بـ : افعل ، ولا تفعل ضمن وسعِ الإنسان ، ضمن إمكانيتك ، أي أمرٍ أمرك به هو أمرٌ ضمن وسع الإنسان .

      الحقيقة الأولى والخطيرة : لا يمكن أن يحدد الوسعَ الإنسان ، الوسع يحدده الله عزَّ وجل ، تقول : هذه الآية لا أطيقها ، لا أستطيعها ، أين أذهب ببصري ؟ ماذا أفعل ؟ لو كنت أكثر صدقاً، وأكثر إخلاصاً لتغلبت على نفسك ، لولا أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر ، تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، لماذا هو سيد البشر ؟ لأنه بشر ، لأنه يحب كما نحب ، ويكره كما يكره ، ويشتهي كما نشتهي ، ويخاف كما نخاف ، ما من إنسان إلا ويحب الراحة ، ويحب المُتَع الحسيَّة ، ويكره التعب والأشياء المؤلمة ، لكن المؤمن الصادق يؤثر طاعة الله عزَّ وجل ، فالإنسان حينما يطيع الله ضحَّى ، ودفع الثمن ، وجاهد نفسه وهواه وانتصر على نفسه ، فبنية الإنسان واحدة ..]هُوَ الَّذِي خَلَقَكمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ[

( سورة الأعراف : من آية " 189 " )

        فأول مقولة : لا يمكن أن تقول كلاماً بمعنى أنك لا تستطيع أن تطيع الله ، والله عزَّ وجل يقول :

       

وهذه حُجة المقصِّرين : لا نقدر ، نحن في آخر الزمان ، ماذا أفعل في هذا المال ؟ أين أضعه ؟ لابدَّ أن أضعه في المصرف ، أيعقل أن أدعه لهم من دون ربح ؟! لا ، خذ ربحًا ، أودَعَه في مكان ربوي ، وأكَلَ مالاً حراماً .

        طبيعة الحياة فيها اختلاط ، إذاً سهر سهراتٍ مختلطة ، فأكبر حجة يعطيها الشيطان للإنسان المقصِر إنه زمن صعب ، ماذا تفعل ؟ لعل الله يغفر لك ، عندك أولاد ، كل هؤلاء الناس يكسبون مالاً حراماً ، وأنت مثلهم ، هذه بلوى عامة ، هكذا ، فأكبر حجة يدلي بها الشيطان لأوليائه : أن هذا المنهج فوق طاقتنا ، هذا للصحابة ، لحياةٍ بسيطة في الصحراء ، وليس في مدينةٍ عصرية ، أين أذهب يعيبون عليَّ ؟ أين أذهب بلساني؟ هذا الجهاز لابدَّ من اقتنائه ، وإلا نصير خارج العصر ، فهذه حجتهم ، وكأنهم يردون على الله هذه الآية ، كأن لسان حالهم يقول : يا رب هذا المنهج فوق طاقتنا ، كلفتنا ما لا نطيق ، مع أن الله عزَّ وجل يقول :

      

       ما من شيءٍ كلَّفنا الله به إلا في وسعنا أن نفعله ، أبداً ، هذه حقيقة ثابتة ، ولكن أخطر شيء أن تقدِّر أنت الوسع ، الوسع لا تقدره أنت بل يقدره الخبير ، الخبير قال لك : إن كنت مسافراً فأفطر ، وإن كنت مريضاً فأفطر ، وإن كنت متعباً فصلِ قاعداً ، الخبير هكذا قال ، الخبير سمح للمرأة في دورتها ألا تصلي ، لأنه خبير ، الخبير سمح للمرأة النفساء ألا تصوم  ، الخبير سمح لك في بعض الحالات أن تأكل ما حرمه الله عليك لأنه :]وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ[

( سورة فاطر :14)

       فتحديد الوسع ليس من قِبَلك ، وهذه نقطةٌ ثانية ، هو يفكر لكن هذه فوق طاقتنا ، لعل الله لا يحاسبني بها ، من قال لك كذلك ؟ أصبحت أجد أحكام الدين تحلل المسلمين منها ، إما لأن هذه فوق طاقتهم ، أو لأنهم في وضعٍ حرج ، يذهبون إلى بيئات ، يقول لك : من الصعب جداً أن أستقيم في بلاد الغرب ، فمن قال لك : إن الإقامة في بلاد الغرب مسموحٌ بها ، إقامة دائمة ؟  من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله ، بالطبع الإنسان حينما يكون في بيئة سيئة جداً ، وكل ما حوله معاصٍ وآثام ، لعله يتأثر بهذه المعاصي والآثام ، ولعله يفعلها ، وهو مرتاح بعد حين ، فأين معصيته ؟ إنه أقام مع المشركين فبرئت منه ذمة الله .

       لو عدت إلى منهج الله تجده منهجاً متكاملاً ، الشيء الخطر على إيمانك حرَّمه الله عليك ، والشيء الذي يضعف إيمانك جعله الله مكروهاً ، والشيء الذي يضعف اتصالك بالله جعله الله مكروهاً كراهة تنزيه ، والشيء الذي لا يؤثر في إيمانك لا إيجاباً ولا سلباً جعله مُباحاً ، والشيء الذي يقوي إيمانك جعله الله سنةً ، ومندوباً ، والشيء الذي لا يقوم إيمانك إلا به جعله فرضاً ، معنى فرض كأن تقول : شرب الماء فرض ، لأن حياة الإنسان لا تقوم إلا به ، وتناول الطعام فرض ، واستنشاق الهواء فرض ، لكن ليس من الفرض أن تأكل كل ألوان الفواكه ، إذا أكلت فلا مانع ، ولكن هذه من تحسينات الحياة ، ففي بالإسلام ، فرض ، واجب ، سنة ، شيء مستحسن ، مُباح ، مكروه تنزيهاً ، مكروه تحريماً ، حرام ، أما الشيء الذي يدمِّر إيمانك ويوقعك في الهلاك في الدنيا والآخرة فهو حرام ، هذا هو الشرع ، في أحكام ، في محرَّمات ، في محللات .

       أول حقيقة أيها الإخوة : أن منهج الله من وسع الإنسان أن يفعله ، والوسع يحدده خالقنا وربنا ، هذا واحدة ، لذلك ما كلَّفك الله عزَّ وجل بما لا تطيق ، وما حاسبك على خواطرك التي تأتيك ، الخواطر غير محاسب عنها ، ولكن يُنْصَح المؤمن ألا يسترسل في خواطر سيئة خشية أن تنقلب إلى فعل سيِّئ ، أما مبدئياً مهما حدثت نفسك بشيءٍ داخلي لا تحاسب عليه، لأن الله جلَّ جلاله لا يحاسب إلا على الفعل ، هذه واحدة ، هذا من معنى قوله تعالى :

       

ما كلَّفك ما لا تطيق ، جاءك خاطر سيئ لا تحاسب عليه ، مهما حدَّثتك نفسك بشيءٍ لا يرضي الله لا تحاسب عليه ، ولكن ينصح المؤمن ألا يسترسل في خواطره السيِّئة لئلا تنقلب إلى عملٍ ، هذه واحدة ، لن يحاسب إنسانٌ مكان إنسان ..]وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[.

 ( سورة الأنعام : من آية " 164 " )

        قد يولد الابن من أبٍ شارب خمرٍ أو مقامر ، لا يحاسب الابن عن خطأ أبيه أبداً ، ]وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[ .

       هذه حقيقة ، لا تحاسب عن شيءٍ ما فعلته ، فمن بدهيات منهج الله عزَّ وجل أن الله لا يحاسبك عن شيءٍ لا تستطيعه ، ولا عن شيءٍ ما فعلته ، وأن الله جلَّ جلاله لا يأخذك بجريرة إنسانٍ آخر ، كل نفسٍ تحاسب على حدة ، هذا من قوله تعالى :

  

       هناك قاعدةٌ في اللغة : أن الزيادة في المبنى دليل الزيادة في المعنى ، ففعل ( كسب ) ثلاثي ، أما ( اكتسب ) خماسي ، هناك ثلاث معانٍ :

      المعنى الأول : هو أن الله عزَّ وجل يحاسب على الفعل بعد أن تفعله ، وبعد أن تصرَّ عليه ، وبعد ألاّ تتوب منه ، ولا تندم عليه ، فعل الفعل ، ثم لم يندم ، ولم يتب ، بل افتخر به ، عندئذٍ يسجَّل عليه ، أما فعل الخير فلمجرد أن تفعله يسجل ، كما أن الفعل الثلاثي بسيط ، والخماسي مُعَقَّد كذلك الفعل الخير يسجَّل فوراً ، أما الفعل السيئ فلا يسجل إلا بعد الفعل ، وبعد عدم الندم ، وبعد عدم التوبة ، وبعد الإصرار عليه عندئذٍ يسجَّل ، هذا معنى من معنى قوله تعالى :

        

       هناك معنى آخر ؛ هو أن فعل الخير سهل جداً ، لا أحد ينتقدك ، ولا أحد يحقد عليك ، ولا أحد يقيم عليك الدعوى ، عمل طيِّب ، صليت ، ابتسمت في وجه المؤمنين ، أنفقت من مالك عليهم ، أكرمتهم ، أحسنت إلى فقير ، أحسنت إلى ضعيف ، عُدَّت مريضاً ، كل أعمال البر سهلةٌ جداً ولا أحد يحاسبك عليها ، لكن إذا أكلت مالاً حراماً ، فهناك مَن يسألك ، وهناك مَن يحاسبك ، وأنت إن كنت صافياً حُجبت عن الله عزَّ وجل ، عندما تأكل المال الحرام ، عندما تخرج عن منهج الله تحجب عن الله ، ففعل الخير سهل ، وله سمعةٌ طيبة ، وله رائحةٌ عطرة ، وله أريجٌ طيب ، بينما فعل الشر فعلٌ مستهجن ، وقبيح ، وتُلام عليه ، وتنكره أنت ، وينكره غيرك ، هذا المعنى الثاني .

       المعنى الثالث هو : أن الإنسان له الكسب فقط ، بينما الفعل من الله عزَّ وجل ، أنت حينما تريد أن تفعل خيراً يقوِّيك يقويك الله عزَّ وجل ، لذلك كلنا فقراء إلى الله ، كلنا ضعاف ، ولكن نتمايز عند الله بأعمالنا التي مَكَّننا الله منها بحسب صدقنا مع الله ، فأنت إنسان عاديٌّ ، ولكن لو صدقت مع الله في خدمة الخلق لأعطاك إمكانيات عالية جداً لا تحلم بها من قبل ، فأنت لك الكسب، سماه العلماء : الانبعاث ، أنت أردت أن تصلي ، فأعانك الله على الصلاة ، أردت أن تربي أولادك ، فأعانك الله على تربيتهم ، أردت أن تدعو إلى الله ، فأعانك الله على الدعوة إلى الله، الفعل من الله ومنك الكسب فقط ، لك ما كسبت .

        إنسان أراد أن يسرق هنا اكتسب السرقة ، أي أنه أراد فقط ، الآن يسيَّر إلى إنسان تُعَدُّ السرقة بحقه حكمةً ، أنت تختار أن تسرق ، وليس مسموحاً لك أن تختار مِمَّن تسرق ، ممَّن ؟ الله عزَّ وجل مسير ؛ يسوق هذا السارق إلى مَن يؤدِّبه الله بفقد ماله ، إذاً لك الكسب فقط ، وعلى الله الفعل ، فالفعل فعل الله ، والكسب كسب الإنسان .

        لذلك ، إذا عُزِيَ الفعل إليك في الحقيقة يعزى سببه ، وهو الكسب ، وإذا عزي الفعل إلى الله في الحقيقة يعزى فعله ، والكسب منك ، تماماً كما لو قال إنسان : المعلم الفلاني رسَّب الطالب ، عزونا فعل الترسيب إلى المعلِّم ، لأنه هو الذي وقَّع ، أما سبب الترسيب فهو كسل الطالب ، إذا قلنا : فلان رسب ، صحَّ كذلك ، ذكرنا سبب الرسوب ، السبب من الطالب ، وتنفيذ الفعل من المعلم ، فالإنسان له الكسب فقط ، وعلى الله الباقي ، هذا الكلام دقيق جداً ، معنى ذلك أن كل واحد منا بإمكانه إذا صدق مع الله أن يفعل فعلاً عظيماً ، قد يكون فوق طاقته ، وفوق إمكاناته الفكرية والعقلية لأنه طلب طلبًا كبيرًا ، وكسبه كبير ، لذلك مَن هو البخيل والجبان ؟ هو الذي بخل على نفسه بعملٍ صالح ، لأن الله يخلق العمل الصالح .

       واللهِ أنا أعتقد أنه ما من إنسان أراد إنفاق المال إلا رزقه الله مالاً ، ما من إنسان أراد أن يعفَّ نفسه عن الحرام إلا أعفَّه الله عن الحرام ، الفعل فعل الله ولك الكسب فقط . إذاً :

      

لا تملك إلا الكسب ، أما الفعل فلا تملكه أنت ..

      

       الخير كسبه سهل ، والشر كسبه يحتاج إلى مراحل ، ففعل شر ، لعله يندم ، ما ندم ، لعله يتوب ما تاب ، لعله يستر نفسه فلم يستر نفسه ، عندئذٍ يسجَّل ، فعل الشر هناك من يحتقره إن فعلته ، هناك من يؤاخذك ، هناك قوانين تحاسبك لو واحد سرق مثلاً ، هناك قوانين أرضية تحاسبه ، أما فعل الخير ..

       

       يقول الله عزَّ وجل :

      

       عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) .

(سنن ابن ماجه)

     

إن نسينا أن نطيعك يا رب ، أو نسينا أو فعلنا سوءً عن غير قصدٍ منا ..

     

اجتهدنا فأخطأنا ..

      

أي حملاً لا نطيقه ..

       

       قال بعض العلماء : في شرع مَن قبلنا أن التوبة تقتضي أن يقتل الإنسان نفسه ، حتى يقبله الله عزَّ وجل ، اقتلوا أنفسكم ، فإنّ الله أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم حينما أرادوا أن يتوبوا ، هناك أحكام كثيرة في شرع مَن قبلنا الله عزَّ وجل يعلمنا أن ندعوه ونقول :

  

أي أن شرعنا ـ والحمد لله ـ مقبول ، صيام ثلاثين يومًا ، خمس صلوات في اليوم ، أول نظرة لك ، وهذه ثوان ، والثانية عليك مثلاً ، وعند الضرورة أحكام . فـ ..

       

حملاً لا نطيقه ..

       

     

       هناك نقطة مهمة جداً ، هناك وسائل تأديب لا طاقة لنا بها ، ولكن ما سببها ؟ مثلاً : عندما يساق الإنسان إلى الإعدام ، فما شعوره ؟ حينما يسمع نطق حكم الإعدام ، وحينما يودع في السجن أشهراً طويلةً ، كلَّما تحرَّك مفتاح زنزانته ظنَّ أنهم جاؤوا ليعدموه ، هذا حمل فوق طاقته ، لأنه فعل شيئًا لا يفعله الإنسان العادي ، فكل ذنب له عقاب قد يزيد عن طاقة الإنسان ، مثلاً إنسان نصحه الطبيب ألا يدخن ، نصحه بهدوء ، وأعطاه أدلة ، فأصر على أن يبقى مدخناً ، فصار بحاجة إلى عملية قلب مفتوح ؛ أولاً : الثمن فوق طاقته ، ثانيا : يا ترى أتخدَّر ؟ أخرج منها سالمًا ، أم أموت ؟ القلب خدروه ، بعدما انتهت العملية يعطوه صعقة كهربائية ، فإما أن يشتغل ، وإما ألاّ يشتغل ، إذا ما اشتغل عظَّم الله أجركم ، هو عندما أصرَّ على الدخان ، واضطر إلى عملية قلب مفتوح يمكن أن يجد هذه العملية فوق طاقته ..

      

       طبعاً أنا أتيت بمثل طبي ، إنسان يعتدي على أعراض الآخرين ، ثم يفاجأ أن أحداً قد اعتدى على عرضه ، هو لا يحتمل ، ولكن واحدةٌ بواحدة ، حينما يكسب مالاً حراماً ، ويغش به المسلمين ، ثم يفاجئه الله أن ماله كله صودر ، أو سُرق ، أو نُهب ، ربما لا يحتمل هذا الخبر ، لأنك حينما فعلت المعصية لم تعبأ بما تفعل ، كل معصية لها عقاب ، المعاصي الكبيرة ربما لا تستطيع تحمُّل نتائجها .

     

       أحياناً مرض عُضال ، مرضان متعاكسان ، أدوية المرض الأول تؤذي المرض الثاني ، وأدوية المرض الثاني تؤذي المرض الأول ، أحياناً مرض ، ولا تملك ثمن الدواء ، فهناك مصائب تدع الحليم حيران ، لأن صاحبها فعل شيئاً مما لا يفعله عامَّة البشر ، هناك مَن يُقَصِّر مع ربه قد يشرب الخمر ، هناك من قتل أولاده جميعاً وهو سكران ، فلما صحا من سكرته لم يتحمَّل فقتل نفسه .

        يا أيها الإخوة ... كل معصية لها أثر سيِّئ سلبي ، فإذا تراكمت المعاصي ، الإنسان شعر بضيق ، بضيق لا يحتمل فيضجر ..

       

       ورد في صحيح مسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ]وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ[ ، قَالَ دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا قَالَ فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ]لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا[ ، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ ]رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ ]وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا[ ، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ)) .

      

قال : قد فعلت ..

      

قال : قد فعلت ..

      

قال : قد فعلت ، لذلك من السنة أن نقرأ هذه الكلمات الثلاث متفرقات..

صمت خفيف ..

     

صمت خفيف ..

       

ولا مولى لنا إلا أنت ، في آية كريمة أيها الإخوة تأخذ بمجامع القلوب ..]ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ[ .

( سورة محمد :11)

      تصور ابنًا عند أب كبير ، عالم ، غني ، ديِّن ، صالح ، هيأ له أسباب التربية الصالحة ، أسباب الغذاء الجيد ، ربى له عقله ، ربى له جسمه ، ربى له أخلاقه ، ربَّاه اجتماعياً ونفسياً وأخلاقياً وفكرياً ، وهيأ له كل وسائل الراحة ، وكبر ، وأخذ شهادات عليا ، وزوجه لأن وليه عظيم . تصور إنسان آخر بالطرقات ؛ من ملهى إلى ملهى ، من سجن إلى سجن ، من حالة إلى حالة ، بذيء اللسان ، منحرف الأخلاق ، شاذ ، هذا ليس له مولى ، مع أن المثلين حادان والله هكذا المؤمن ..]اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا[.

        يتولاك ، يؤدبك ، يخوفك ، ينبهك ، يتجلى عليك ، يحجبك أحياناً ، يرزقك ، يضيق عليك لأنه يربيك ، متوليك ، أما الكافر ليس له مولى ، هذا الكافر ينتظر ضربة ساطور واحدة وانتهى ..]فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ[ .

( سورة الأنعام :44)

        فنعمةٌ وأكبر نعمةٍ أن يتولى الله تربيتنا ، وأكبر عقاب للإنسان أن يخرج من عناية الله عزَّ وجل ، خذ الدنيا كما شئت ، أكبر عقاب من الله أن يخرجك من تربيته ، فتفعل ما تشاء ، جسمه مثل البغل ، دخله كبير ، كل يوم بملهى ، وهو مرتاح ، هذا أشقى الناس ، هذا ينتظر ساعة الموت ليرى أمامه جهنَّم إلى أبد الآبدين ، أما إذا خاف الإنسان ، ومرض ، حتى إن بعض أصحاب رسول الله سلم من أي مصيبة ، فزوجته شَكَّت بإيمانه فذهبت لتشتكي إلى النبي لأن هذا ليس بمؤمن ، ولا مشكلة عنده ، في الطريق تعثرت رجله فوقع ، فقالت : عد انتهى الأمر ـ مشي الحال ـ من علامات قربك من الله أن الله يؤدبك ، يعالجك ، ينبِّهك ، يضيق عليك .. "أوحى ربك إلى الدنيا أن تكدري ، وتشددي ، وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي " .

" وعزني وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سقماً في جسده ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبةً في ماله أو ولده حتى أبلغ منه مثل الذر ، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه " .

       فأنت حالتك أفضل بمليون مرة من واحد يعصي الله وهو قويٌ ، عتيدٌ ، غنيٌ ، شحيح ، فنحن في العناية المشددة إن شاء الله ، ولأن نكون في عنايةٍ مشددة نعاني ما نعاني ، أفضل ألف مرة من أن نكون خارج العناية الإلهية ، وأوضح آية :]فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ[.

( سورة الأنعام :44)

         قد تذهب إلى بلاد الغرب ففيها أمطار لا تحصى ، كلها خضراء ، أموال لا تحصى ، كل المعاصي هناك ، لكنك هل تظن أن الله راضٍ عنهم؟! والعياذ بالله ، وقد تجد في بلاد الشرق بلاد فقيرة ، ولكن فيها دين، فيها ورع ، فيها خوف من الله ، فيها بقية حياء ، بقية وفاء ، بقية مروءة، فهذا الذي أتمنى أن ننتبه إليه ، لا توازن دنيا مع دنيا ، بل وازن دنيا مع آخرة ، مع دنيا مع آخرة، اجمع الدنيا والآخرة ، ووازن بينهما وبين دنيا وآخرة أخرى ، فإذا أنت عندك مطعم ـ فرضاً بسيط ـ لا تبيع الخمر ، فهل توازن نفسك مع مطعم يبيع خمرًا ؟ هو يربح بالملايين ، لكنك انظر إلى مصير بيع الخمر بعد الموت ، توازن مطعمًا لا يبيع خمرًا ، يتقي الله في كل شيء ، وما ينتظره من سعادة ، ومطعمًا آخر يبيع خمرًا ، ويفعل كل المعاصي والآثام ، وما ينتظره من شقاء ، لا توازن بين دنيا ودنيا هذا خطأ ، الموازنة خطأ ، بل وازن بين دنيا مع آخرتها ، ودنيا مع آخرتها ، هذه الموازنة صحيحة ..