English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس  :01/60: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة آل عمران :  الآية " 1 ـ 2 " .  

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الأول من سورة آل عمران ، وقد وَرد عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدهم قال : (كان رجل يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان قد قرأ البقرة وآل عمران عد فينا ذو شأن).

[ابن حبان من قول أنس(744) ، ومسند الطيالسي(2020)]

        والبقرة وآل عمران الزهراوان ، فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((يَقُولُ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ)) ، قَالَ مُعَاوِيَةُ : بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ .

[مسلم ، وأحمد]

        في هذه السورة مقدمةٌ دقيقةٌ جداً ، الآية الأولى :

       

       سبق أن شرحت هذه الحروف في مراتٍ عديدة ، ولكن للتذكير ، من هذه الحروف نُظِمَ القرآن الكريم ، والقرآن الكريم تحدَّى الله الأمة العربية به .. قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88) .

( سورة الإسراء )

       من حروفٍ معروفةٍ عند كل مَن ينطق العربية ، ولكن هذا النَظم نظمٌ مُعْجز ؛ هناك إعجازٌ في نظمه ، هناك إعجازٌ في بلاغته ، هناك إعجازٌ في حقائقه العلميّة ، فقد ذكرت اليوم في خطبة الجمعة أن الله عزَّ وجل حينما قال : وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ(2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ(3)

( سورة الطارق )

        علماء التفسير فيما سبق فهموا هذه الآية أن هذا النجم ضوؤه شديد يثقب الفضاء الذي بعده ، نجمٌ ثاقب ، أي ضوءٌ كَشَّاف ، ضوءٌ مديد ، وأحجموا جميعاً عن معنى ..وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ(1)

        ما معنى كلمة ( والطارق ) ؟ وذكرت ـ من باب الإعجاز ـ أن القرآن الكريم ذكر حقائق ، والنبي عليه الصلاة والسلام أحجم عن تفسيرها لحكمةٍ بالغةٍ بالغة ، لو أنه فسَّرها تفسيراً بحسب البيئة التي عاشها لأنكرنا عليه ، ولو فسَّرها تفسيراً بحسب رؤيته ؛ لأن الله أراه ملكوت السماوات والأرض لأنكر عليه أصحابه ، ولكن الحكمة التي اتبعها أنه تركها بلا تفسير ، فكلما تقدَّم العلم كشف جانباً من عظمة هذه الآيات .

       إذاً كتابنا الكريم معجزةٌ مستمرَّة ، بينما معجزات الأنبياء السابقين كعود الثقاب تتألَّق مرةً واحدة ثم تنطفئ ، وتبقى خبراً يصدقها مَن يصدقها، ويكذبها مَن يكذبها ، بينما القرآن الكريم معجزةٌ مستمرَّة ، فكلَّما تقدَّم العلم كشف جانباً من إعجاز القرآن الكريم .

       النجوم حينما تهرم ، وتنكمش ، وتصبح حركتها إلى الداخل ، وتتحد الإلكترونات مع النيترونات والبروتونات التي في نواة الذرة وتشكل وحدةً مندمجة تلغي الفراغات البينيَّة ، فيمكن أن تصبح الأرض بحجم البيضة بالوزن نفسه ، فلو وضعت كرةً من الحديد فوق سائلٍ هُلامي لثقبت ، فقال علماء الفلك : لو أن هذا النجم الثاقب ، أي النجم المُنكمش الذي أصبح حجمه قليلاً ووزنه كبيراً وضع على الأرض ، لخرج من طرفها الآخر من شدة كثافته ، إن هذا النجم فيه أعلى كثافة على الإطلاق ، يثقب كل شيء .

        وأما ( والطارق ) فهناك محطات تلسكوبات لاسلكية تكتشف الموجات التي تصدرها هذه النجوم ، إنها وَمْضَات تواترها يتوافق مع عمرها ، فهذه الحقائق كشفت حديثاً ، تأتي مطابقةً تماماً لما في القرآن الكريم ، هذا القرآن بنظمه المعجز .. وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ(1)

        هذا النجم يرسل هذه الومضات بشكلٍ نوبي ومتواتر ، وكلَّما ارتفع التواتر كان العمر قليلاً ، وكلما ضعف التواتر كان العمر طويلاً ، ثم إن هذا النجم له كثافة تحيِّر العقول ، يمكن إذا دخلت الأرض في ثقبٍ أسود أن يغدو حجمها كحجم البيضة بالوزن نفسه ، تصور خمس قارات لا تساوي خمس الأرض ، خمس سطحها ، والأربعة أخماس بحار ، وأعلى ارتفاع على سطح البحر ، وأخفض نقطة في البحر لا تساوي إلا سنتيمترًا نحو الأعلى ، وسنتيمترًا نحو الأسفل في كرةٍ قطرها متر ، إذاً فما وزن الأرض في باطنها ؟ كل هذا الوزن يضغط في كرةٍ لا تزيد عن حجم البيضة ، فهذا النجم الثاقب إذا وضع فوق أيَّة كتلةٍ ثقبها ، وانتقل إلى الطرف الآخر ، أي أعلى وزن نوعي في الكون ، وفضلاً عن ذلك فهو يصدر ومضاتٍ متواترة.

       لعل هذه الحقائق الفلكية تبيِّن عظمة هذا القرآن الكريم ، الإعجاز العلمي لا ينتهي ، لو طرقنا هذا الباب لا ينتهي هذا الباب ولا في ساعاتٍ طويلة ، أية كلمةٍ في القرآن تعني إعجازاً علمياً ، هناك إعجاز بلاغي ، هناك إعجاز في النظم ، هناك إعجاز تاريخي ، إخباري ، فربنا عزَّ وجل من حروفٍ نعرفها ، من حروفٍ نألفها ، من حروفٍ ننطق بها ، من مثل هذه الحروف، هذا مما فسَّره بعض المفسِّرين .

       هناك معنىً آخر هو : أن هذه الحروف أوائل لأسماء الله الحسنى ، وهناك مَن فسرها أنها أوائل لأسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهناك مَن قال : الله أعلم بمراده ، والقرآن حمَّال أوجه ..

        فالنقطة الدقيقة أيها الإخوة أن إيمان الإنسان بأن الله خالق الأكوان هذا الإيمان لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، ألم يقل إبليس : فَبِعِزَّتِكَ

( سورة ص : من آية " 82 " )

       ألم يؤمن به رباً ؟ ألم يؤمن به عزيزاً ؟ ألم يقل : خلقتني ؟ ألم يؤمن به خالقاً ؟ ألم يقل : أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(14)

( سورة الأعراف )

       ألم يؤمن بالآخرة ؟ ولكن ما هو الإيمان المُنجي ؟ هو الإيمان التوحيدي ، هو التوحيد ،

 " ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد " ، التوحيد ألا ترى مع الله أحد ، قد تقول أن الله خلق الأكوان وترى معه آلاف الشركاء ، ومعظم الناس اليوم يرون هذه القوى العظمى ، قوى صانعة القرار ، تفعل ما تريد ، تقهر الشعوب ، تدمر المدن ، تستلب الأراضي ، تُعَسْكِر على منابع النفط ، قوى كبيرة جداً ، ولكن الإيمان التوحيدي ألا ترى مع الله أحداً .. يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ

 ( سورة الفتح : من آية " 10 " )

وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى

 ( سورة الأنفال : من آية " 17 " )

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ

 ( سورة الأنفال : من آية " 17 " )

مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)

( سورة الكهف )

وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ

 ( سورة الزخرف : من آية " 84 " )

مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ

 ( سورة فاطر : من آية " 2 " )

        متى يستقيم الإنسان ؟ إذا آمن بأنه لا إله إلا الله ؛ لا معطي ، ولا مانع ، ولا معزَّ ، ولا مذلَّ ، ولا رافع ، ولا خافض إلا الله ، متى تستقيم على أمره ؟ إن رأيته وحده فعَّالاً ، إن رأيته وحده ناصراً ، إن رأيته وحده مُنَجِّياً فقط ، أما قد تؤمن أن الله خلق الأكوان وأنت تتوهم أن معه آلاف الشركاء ، هذا هو الشرك .. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)

( سورة يوسف )

" أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله ، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوةٌ خفية وأعمالٌ لغير الله " .

( من شرح الجامع الصغير )

       فالذي ينجينا ليس أن نؤمن أن الله خلق الأكوان ، هذا إيمانٌ آمن به إبليس ، ولكن الذي ينجينا ويحملنا على طاعته ، ويجعلنا نتوجه إليه وحده، ونرجوه وحده ، ونخافه وحده ، ونعقد عليه الآمال وحده ، ونستقيم على أمره وحده ، الذي يعيننا على ألا نخاف في الله لومة لائم ، الذي يعيننا على ألا ننافق هو أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله ، المؤمن ليس مقهوراً ، بينما أي إنسانٍ متلبسٌ بالشرك الخفي مقهورٌ ، وأي مقهور ، يكفيك أن ترى عدواً لك متمكناً منك ، وسوف يدمرك ، هذه تكفي ، هذه وحده تسبب أفدح الأمراض ، المؤمن ليس مقهوراً لأنه يرى أن الأمر كله بيد الله ، وأن الله لا يعقل أن يأمرك أن تعبده وقد أوكل أمرك إلى غيره .. وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ

( سورة هود : من آية " 123 " )

         لذلك قالوا : نهاية العلم التوحيد ، ونهاية العمل التقوى ، بل إن دعوة الأنبياء جميعاً من دون استثناء حول التوحيد .. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25)

( سورة الأنبياء )

        لا إله إلا أنا ، ما من معصيةٍ تقترف إلا بسبب ضعف التوحيد ، وما من تقصيرٍ يكون إلا بسبب ضعف التوحيد ، وما من دخلٍ مشبوه يأخذه الإنسان إلا بسبب ضعف التوحيد ، وما من نفاقٍ يكون من الإنسان إلا بسب ضعف التوحيد ، وضعف التوحيد وراء كل مشكلاتنا ، بل إن كل مشكلاتنا ما هي إلا أعراضٌ لمرضٍ واحد إنما هو ضعف التوحيد ، لذلك :

      

        علمٌ على الذات ، أسماء الله كلها حُسنى ، وصفاته كلها فضلى جُمِعَت في كلمة ( الله ) فإذا قلت : الله . علمٌ على الذات ، إذا قلت : الله، واجب الوجود وما سواه ممكن الوجود ، إذا قلت : الله ، أي هو الإله الذي لا إله إلا هو ..

      

       الآن دقق ؛ المتصرِّف هو الله ، والله عزَّ وجل كامل ، القابض ، الباسط ، المعطي ، المانع ، المعز ، المذل ، المانح ، كل أفعاله صادرةٌ عن كماله ، لو أن الإنسان عَقَلَ معنى ..

      

       أنت دقق عندما تكون في عمل ولك مدير عام ، مدير مؤسسة ، مدير مستشفى ، مدير ثانوية .. إلخ ، وينتقل ، تسأل سؤالين دقيقين : من الذي سيأتي بعده ؟ يقال لك : فلان ، تقول : كيف هو ؟ أنت يهمك مَن أولاً وكيف هو ثانياً ، نحن ماذا نقول في أوراد الفجر ؟

        " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له المُلك ، وله الحمد يحيي ، ويميت ، وهو على كل شيءٍ قدير " ، لو أن المسلم عقل هذه الكلمات عقلاً ، واستوعبها استيعاباً ، وأدركها إدراكاً ، لكان في سعادةٍ ما بعدها سعادة ، أساساً تسعون في المئة من الأمراض الوبيلة التي يعاني منها الإنسان ـ ولاسيما في هذا العصر ـ مردُّها إلى الشدة النفسية ، والشدة النفسية وراءها الشرك ، والدليل أن الله عزَّ وجل يقول : فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(214)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215)

( سورة الشعراء )

        يعني أحد أكبر مصادر العذاب النفسي ، والشقاء النفسي الضَجَر ، القلق ، الخوف المدمِّر، اليأس القاتل ، الانهيار ، الخنوع ، أحد أكبر أسباب العذاب النفسي هو الشرك ، وقد ورد عن الإمام عليٍّ كرَّم الله وجهه: " الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء ، وأدناه أن تحب على جور أو أن تبغض على عدل " . يعني شخص تنتفع منه ، له انحرافٌ طفيف ، تغض البصر عن انحرافه لأنك منتفعٌ له ، هذا نوعٌ من أنواع الشرك ، وإنسان وجَّه لك النصيحة ، وهو محق ، وأنت مخطئ ، لكن أخذتك العزة بالإثم فحطَّمته ، هذا نوعٌ من أنواع الشرك الخفي ، وكما قال عليه الصلاة والسلام : " أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله ، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوةٌ خفية وأعمالٌ لغير الله" .

( من شرح الجامع الصغير )

       أن يعبد المسلمون صنماً انتهى  ، هذه مرحلةٌ ولَّت ، الشيء المُعْلَن في العالم الإسلامي أنه لا إله إلا الله ، أما الشيء الواقع هناك شركٌ خفي ، أحد أنواع هذا الشرك أن تتخذ هواك إلهاً تعبده من دون الله ، فكل شيءٍ يَدْعَم هواك ترضى به ولو كان باطلاً ، وكل شيءٍ يحول بينك وبين هواك ترفضه ولو كان حقاً ، هذا شرك ، هناك من يعبد هواه ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ)) .

(البخاري ، الترمذي)      

        هناك مَن يبيع دينه بدريهمات ، هناك مَن يعبد المال ، هناك مَن يعبد بطنه .. تعس عبد البطن  .

       هناك مَن يعبد فرجه ... زير النساء .. تعس عبد الفرج .

      هناك مَن يعبد مظهره ، أي لا يصلي العصر لأنه يرتدي بذلة جديدة لا يحب أن تتأثَّر بالصلاة ـ مثلاً ـ هذا .. تعس عبد الخميصة .

      مَن الذي سَعِد ؟ هو عبد الله ، وأنت حينما تعبد الله تكون في أعلى درجة وصلها إنسان .. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(8)فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى(9)فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى(10)مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(11)

( سورة النجم )

       كلَّما خضعت لله رفعك الله ، كلما خضعت له أعزَّك الله ، كلما التزمت بأمره وفَّقك الله ، كلما أحببت أولياءه أحبَّك الله .

       إخواننا الكرام ... قضية أن تؤمن أن الله خالق الأكوان قضيةٌ مفروغٌ منها ، لئن سألت عُبَّاد الأصنام : مَن خلق السماوات والأرض ؟ ليقولن الله ، ولكنهم يقولون : مَا نَعْبُدُهُمْ ـ الأصنام ـ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى

 ( سورة الزمر : من آية " 3 " )

      إذاً أن تؤمن أن الله خلق الأكوان هذا شيء لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، بل إن إبليس آمن هذا الإيمان ، العبرة أن تؤمن أنه لا إله إلا الله ، ليس في الكون جهةٌ تستحق أن تعبدها إلا الله ، فإما أن تكون عبداً لله ، وإما أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم ، لابدَّ من أن تكون عبداً لجهة ، لماذا ؟ لأن الله جبلك على أن تكون ضعيفا ..وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28)

( سورة الإنسان )

         هؤلاء الذين يعبدون النار في شرق آسيا ، لماذا يعبدون النار ؟ لأنهم يرونها آلة وتحميهم من المصائب ، الذين عبدوا البقر ، والذين عبدوا الشجر ، والذين عبدوا الحجر ، والذين عبدوا النار ، والذين عبدوا الأقوياء؛ دون أن يشعر الإنسان يعبد القوي ، يستسلم لأمره ، ولو كان في معصية ، يرجو ما عنده ولو كان على حساب دينه ، هذا أيضاً ضعيف ، لأنك ضعيف .. وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28)

        هذا الضعف أيها الإخوة ، مركبٌ في جبَّلتك لا دخل لك به ، ليس نقيصةً فيك ، هكذا شاء الله أن تكون ضعيفاً ، لأن الله لو خلقك قوياً ـ دقق ـ لاستغنيت بقوتك عن الله عزَّ وجل فشقيت باستغنائك ، خلقك ضعيفاً لتفتقر في ضعفك ، فتسعد بافتقارك ، خلقك ضعيفاً لتفتقر في ضعفك فتسعد بافتقارك ، لو أن الله خلقك قوياً لاستغنيت بقوتك ، فشقيت باستغنائك ، هذا الضعف يحتاج إلى جهة قوية تلجأ إليها ، المسلم لجأ إلى خالق الأكوان ، فالتجاؤه صحيح ، غير المسلم لجأ لبقرة ، لجأ لحجرة ، لجأ لشمس ، لجأ لقمر ، لجأ لمظاهر الطبيعة ، فحتى الذين عبدوا الأصنام ، وعبدوا مظاهر الطبيعة ، هم يعبرون بهذه العبادة عن ضعفهم ، ضعيف ..وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28)

        لابدَّ له من جهةٍ قويةٍ يركن إليها ، ويحتمي بها ، ويلجأ إليها ، ويعتقد أنها تحميه ، فالمسلم الذي عبد الله وحده ، التجاءه صحيح ، تمكنه صحيح ، أما غير المسلم الذي يعتقد بغير الله ؛ كالذي يرى سراباً يظنه ماءً .. كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ

( سورة النور : من آية " 39 " )

       أيها الإخوة ... وفي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)) .

( متفق عليه )

       وفرقٌ كبير بين الإحصاء والعد ، قال تعالى : لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا(94)

( سورة مريم )

       أنا قد أقول : في صفي خمسون طالباً ، هذا عَد ، أما الإحصاء فأن تعلم حقيقة كل طالب؛ مستواه العلمي ، والثقافي ، والأخلاقي ، والديني ، وضعه العائلي ، كل ما يتعلَّق في شؤون الطالب ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( ... مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)) ، من أجل إن قرأت هذه الآية :

       واللهِ هذه الآية وحدها لو عقلناها لملأت قلوبنا أمناً وطمأنينة ، ملأت قلوبنا إشراقاً ، لجعلتنا نتحرَّك حركةً عجيبة ، ما في إلا الله ـ بالتعبير الدارج ـ ..

      

الفاعل ، المتصرف ، المعطي ، المانع ، الشافي ، المُمْرض ، الموفق ، الذي لا يوفق ، المُحسن ، المنعم ، المعز ، المذل هو الله وحده ، الآن ( الله ) ما أسماؤه ؟ أن تتعرف إلى أسمائه الحسنى جزءٌ من عقيدتك ، جزءٌ من إيمانك ، أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى وقال تعالى : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(43)

( سورة البقرة )

        و.. فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)

( سورة الفرقان )

       لابدَّ أن تتعرف إلى الله ، حتى إذا قرأت هذه الآية :

      

فمثلاً لو قلنا لك : هذه الأم ؛ الكاملة ، الرحيمة ، العطوفة بيدها أمر البيت ، ما معناها في استبداد، ليس معناها أن هناك خرقًا أو حُمقًا ، ما دامت كاملة ، ورحيمة ، ومتعلمة ، وتتحلى بصفات عالية جداً ، لو قلت بعدها : إن أمر البيت بكل تفاصيله بيدها ، هذا لا يزعجك ، لأنها كاملة ، فأنت حينما تعلم من هو الله ؟ مَن هو صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ؟ ما معنى الله رحيم ؟

      عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا))

[البخاري ومسلم]

        لعل أرحم مخلوقٍ على الإطلاق بالخَلق هو رسول الله ، والدليل أنه في الطائف حينما بالغ أهل الطائف في الإساءة إليه ، وبالغوا في تكذيبه ، والسخرية منه ، وبالغوا في الإساءة المادية إليه ، مكَّنه الله منهم ، أرسل له مَلَك الجبال قال :

   ـ يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين . أنا لا أشك أن واحداً من المؤمن لو أن عدواً له كاد له كيداً شديداً، وتمكن منه ، لقضى عليه ، أما النبي عليه الصلاة والسلام قال : لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون . لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده .

( من زيادة الجامع الصغير )

      لم يتخلَّ عن قومه ، واعتذر عنهم ، ودعا لهم ، وتفاءل أن تأتيهم ذرية طيبة ، إذاً أرحم الخلق بالخلق هو رسول الله ، ومع ذلك قال تعالى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ

 ( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

         يعني بسبب رحمة استقرت في قلبك ، رحمة تنكير ، تصغير ، ماذا قال أيضاً ؟ .. وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ

 ( سورة الكهف : من آية " 58 " )

        الرحمة كلها عند الله عزَّ وجل ، فمن أجل أن تعلم مَن هو الله ؟ أتلقي هذه بولدها إلى النار ؟ قالوا : لا . قال : ((لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)) .

        تروي الكتب أن سيدنا موسى مرَّ بامرأةٍ تخبز خبزاً ، ووضعت على التنور ابنها الصغير ، فكلما وضعت رغيفاً في التنور ضَمَّت ابنها ، وشمَّته ، وقبَّلته ، تعجَّب هذا النبي الكريم من هذه الرحمة ، وقال : يا رب ما هذه الرحمة ؟! قال : يا موسى هذه رحمتي أودعتها في قلب هذه الأم ، وسأنزعها ، فلما نزع الله الرحمة من قلبها بكى فألقته في التنور ، قصة رمزيَّة معبِّرة .

        أي إذا وجدت أبًا يقبِّل ابنه ، إن وجدت أماً تجوع ليشبع ابنها ، تعرى لتكسو ابنها ، تُقَتِّر على نفسها ليتعلم ابنها ، هذه رحمة الله في قلب الأم ، لذلك إذا أحبك الله ألقى محبته في قلوب العباد إليك ، ومن أجمل ما قرأت : " أنك إذا أطعت الله فيما بينك وبينه ألقى حبك في قلوب الخلق ، وإذا عصيته فيما بينك وبينه ـ دون أن تشعر وبلا سبب ـ ألقى بغضك في قلوب الخلق " .

        لذلك قالوا :"ما أخلص عبدٌ لله إلا جعل الله قلوب المؤمنين تهفوا إليه بالمودة والرحمة ".

        فأنا وقفتي (الله) هل عرفته ؟ هل جلست الساعات الطويلة من أجل أن تعرفه ؟ هل طلبت العلم الشرعي ؟ هل فكَّرت في خلقه ؟ هل فكرت في آياته التكوينية ؟ هل فكرت في آياته القرآنية ؟ هل فكرت في آياته الكونية من أجل أن تعرفه ، الله ، أنت إذا عرفت مَن هو الله ، ثم قلت : لا إله إلا هو ، لا ترى الأقوياء ، انتهوا الأقوياء عندك ، الأقوياء تراهم ضعفاء ، الأقوياء تراهم عِصِيَّاً بيد الله يؤدِّب بهم عباده .

       سُئل تيمورلنك : مَن أنت ؟ قال : أنا غضب الرب ، أي إذا غضب الله يُسَلِّط على الناس شخصاً قوياً يخيفهم ، إذاً لا ترى مع الله أحداً ، العبرة ألا تقهر من الداخل ، المؤمن ليس مقهوراً لأنه يرى أنه لا إله إلا الله ، الله صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ، الكامل ، الذات الكاملة ، العلم على الذات ، واجب الوجود ، الرحمن الرحيم ، الحنَّان المنان ، غفار الذنوب ، ساتر العيوب ، وفوق ذلك الأمر بيده حينما ، توقن أن أمر الكون بيده .. وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا

 ( سورة الأنعام : من آية " 59 " )

        دقق ، هل هناك حدث في مستوى الأرض أقل من سقوط ورقة ؟! أنت تجلس في بستان، في أيام الخريف سقطت ورقة ، هل هناك حدث أقل من هذا الحدث ؟ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا .. فالأمر بيد الله .. وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ(47)

( سورة إبراهيم )

وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42)

( سورة إبراهيم )

       أيها الإخوة ... هذه المعاني تريح الإنسان ، الأمر بيد الله .. وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ

 ( سورة هود : من آية " 123 " )

       ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده ، هذا هو الإيمان .

       لذلك ، عودٌ على بدء ، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، التوحيد نهاية العِلم ، التوحيد ألا ترى مع الله أحدا أبداً ، لا إله إلا الله ، هذه الصحة النفسية ، و الله الذي لا إله إلا هو لو أنك وحَّدت الله حق التوحيد لاستراح جسمك من الأمراض ، الأمراض كل أسبابها الشدة النفسية (ضغط  ـ استرتس ) شيء فوق طاقة الإنسان ، خوف ، على قلق ، على هم ، على حزن ، على قلة أمطار ، على غلاء أسعار ، أما إذا رأيت أن الله يؤدِّبنا وأنت معه اختلف الوضع ، الذي أتمناه عليكم وعلى نفسي أن نُعَمِّق توحيدنا، ألا نتوهم بأن الإيمان الذي خلق الأكوان هو الإيمان المنجي ، هذا إيمان لا ينجي ، الإيمان أن الله بيده كل شيء .. فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ

 ( سورة الزخرف : من آية " 84 " )

مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ

 ( سورة فاطر : من آية " 2 " )

وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ

 ( سورة الرعد : من آية " 11 " )

       عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ)) .

[أحمد]

الأمر بيد الله عزَّ وجل ، والله هذا الشعور ، وهذا اليقين يملأ القلب طمأنينةً ، ولعل هذا من معنى قوله تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)

( سورة الرعد )

        فهناك قلق من المستقبل ، يكاد يكون المرض الأول في العالم القلق، ديلكارنجي ألَّف كتاباً عنوانه (دع القلق ، وابدأ الحياة ) بيعت منه خمسة ملايين نسخة ، لأن الذين يقرأونه قلقون جداً، بل إن مرض الكآبة ، مرض العصر ، سمعت عن الإحصاء أنه مئة وخمسة وخمسون بالمئة من الشعب الغربي يعالجون عند أطباء نفسيين ، فكيف مئة وخمسة وخمسين بالمئة ؟! أي مئة بالمئة وخمسة وخمسون مرتين يعالجون في السنة عند أطباء نفسيين بسبب القلق ، أما المؤمن ، أحد الأساتذة في الجامعة حدثنا أنه ذهب إلى مؤتمر الأمراض النفسية في ألمانيا فقال : بكل بساطة أخبركم أن في بلادنا هذه الأمراض لا تشكِّل وباءً ، ولا خطورةً لأننا مؤمنون بالله .

        تجد إنسان لو دخلت إلى بيته ما فيه شيء ، لا في عنده رصيد ، لا في عنده عملات صعبة ، ما في عنده شيء ويقول لك : الحمد لله ، الله عمنا بفضله ، ما هذا الشعور ؟ قد تجد شخص معه ملايين ممليَنة ترتعد فرائصه بنزول السعر الدولار مثلاً ، وكم من جلطةٍ أصابت إنسان معه ملايين مملينة فقط فرق السعر ، قال تُجَّار السكر غير المؤمنين بالله كلما انخفضت ارتفع عندهم السكر ، يطلع وينزل ، هموم ، تجد الشخص يذهب ضحية شيءٍ أرضي ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ فَهَانُوا عَلَيْهِمْ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ)) .

[ابن ماجه]

 يذهب رخيص ، أي لسبب تافه تجد انتهت حياته .

       فيا أيها الإخوة ... أتمنى على كل واحد منكم أن يعكف على معرفة أسماء الله الحسنى ، حتى إذا قرأ هذه الآية :

مصدر حياة الكون وقيامه ، ترتاح نفسك ، هذا القرآن شفاء ، لا أبالغ أن معظم الأمراض النفسية، ومعظم الإحباطات ، والتشاؤم ، واليأس، والقهر ، والذل ، والخنوع ، والانحراف بسبب الشرك ، والشرك ذنبٌ لا يغفر ، أي أنه يمشي في طريق مغلق ، مسدود .

       مرة ذكرت مثلاً : أنك ممكن تركب قطار باتجاه حلب ، ولك دفعة مليون ، والوقت مناسب ، ترتكب أخطاء كثيرة ، تركب في عربة مع شباب صغار مزعجين ، تركب بعكس اتجاه القطار ، تركب بعربة درجة ثانية وأنت قاطع درجة أولى ـ ممكن ـ تتلوى من الجوع ، وفي القطار عربة طعام لم تدرِ بها ، هذه كلها أغلاط ، لكن الطريق يمشي باتجاه حلب ، وسوف تأخذ هذا المبلغ الكبير ، أما هناك غلط لا يغتفر هو أن تركب قطار عمَّان ، وقد يكون القطار فخم جداً ، ولكن هذا خطأ لا يغفر ، ما في شيء هناك ، فلن تقبض شيئاً ، المشكلة أن الله .. لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك

 ( سورة النساء : من آية " 48 " )

        المشرك يمشي بطريق مسدود ، يتجه لإنسان أضعف منه ..

   ـ قال له : يا أمير المؤمنين ، بكم تشتري هذا الكأس إذا مُنع عنك ؟

   ـ قال : بنصف ملكي .

   ـ قال له : فإذا منع إخراجه ؟

   ـ قال : بنصف ملكي الآخر .

           فكل هذا المُلك لا يعدل كأس ماء ، فأنت إذا اتجهت للفقير رأيت من ألوان الفقر ما لا يوصف ، أما إذا اتجهت إلى الغني .. ((يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) .

[مسلم ، الترمذي ، ابن ماجه ، أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ]

 

وفي رواية الترمذي : ((وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ مَا سَأَلَ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً ثُمَّ رَفَعَهَا إِلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ عَطَائِي كَلَامٌ وَعَذَابِي كَلَامٌ إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُهُ أَنْ أَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) .

       مشكلتك مع الله .

       من أوجز الأحاديث الشريفة : ((لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه)).

[البيهقي في شعب الإيمان(9718) من قول علي]

       لا تخف من قوي ، القوي بيد الله ، أنت أمام خمس ؛ وحوش مخيفة ، ولكن كلها مربوطة بأزمة من جهة قوية تملكها ، وهي مسيطرة عليها ، أنت ممَّن يجب أن تخاف من الوحوش أم ممَّن يملكها ؟ من يملكها ، لو أرخى الحبل وصلت إليك ، لو شدَّ الحبل أبعدها عنك ، فالآية الكريمة : فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)

( سورة هود )

       فكل هؤلاء الأقوياء هم بيد الله ، أمرهم بيد الله إذا سمح لهم يصلوا إليك .. وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا

 ( سورة الأنعام : من آية " 80 " )

       فلا تخف إلا من ذنبك ، لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ، كلامٌ جامعٌ مانع .

       فيا أيها الإخوة ... مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22)

( سورة الحديد )

       أي حينما تؤمن أن الأمر بيد الله ، وهو يعلم كل شيء ، لا تخفى عليه خافية ، استقم على أمره وانظر ، في أي مكان ، ففي أي مكان في العالم .. مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً

 ( سورة النحل : من آية " 97 " )

       وفي أي مكان في العالم .. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)

 ( سورة طه )

       فيا أيها الإخوة ... هذه الآية :

الأمر بيد هذه الذات الكاملة ، تعرف إليها من أجل أن تطمئن ، الحالة النفسية مهمة جداً ، شعورك أنك مقهور ومظلوم مشكلة ، أما شعورك أنك بيد الرحمن الرحيم ، العليم الحكيم ، أقوى الأقوياء ، أغنى الأغنياء ، ما سلَّمك لأحد أبداً .. فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا

 ( سورة الطور : من آية " 48 " )

        قال العلماء : هذه الآية للنبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن المؤمن له منها نصيب ، بحسب إيمانه وإخلاصه .

 

        فلابدَّ أن تعكفوا على أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، هذه الأسماء درَّستها بجامع العثمان في مئة شريط ، تعرفوا على الأسماء الحسنى ، أقسم لي أناسٌ كثيرون أنهم بعد سماعهم هذه الأشرطة تعرفوا إلى الله برؤية جديدة ، ودون أن يشعروا صَحَّ سلوكهم ، واستقام أمرهم ، فيجب أن تعرفوا مَن هو الله ، لأن الأمر كله بيده ، ويجب ألا ترى مع الله أحداً ، وأن ترى مع الله أحدا هذه عين الشرك .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi