English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس      :13/60: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة آل عمران :  الآيات  " 36 - 38 " .  

تفريغ المهندس : عرفان النابلسي

تدقيق لغوي    : السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي

 

 

 

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

   

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث عشر من دروس سورة آل عمران ، و مع الآية السابعة و الثلاثين .

      الآية التي قبلها :

( سورة آل عمران )

        هذا الدرس الماضي ، الدرس اليوم الآية السابعة و الثلاثون ، وهي قوله تعالى :

                                      ( سورة آل عمران : الآية 37)

أي تقبلها بأعلى أنواع القبول ، وحينما تكون مخلصاً لله عز وجل يتقبل الله عملك ، و قد ذكرت في الدرس الماضي أن كل آية في القرآن الكريم ينبغي أن تسأل نفسك حينما تقرؤها : ما علاقتي بهذه الآية ؟ وما موقفي من هذه الآية ؟ وأين أنا من هذه الآية ؟ لماذا تقبلها ربها بقبول حسن ؟ لأن التي نذرت ما في بطنها محرراً من كل شائبة ، من كل شرك ، من كل حض نفسي ، فكلمت ارتقت نواياك الطيبة ، كلما كان القبول حسناً ، هذه قاعدة ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ، حينما تنفق نفقة خالصة لله عز وجل وربما لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك ، ولا تبتغي إلا وجه الله عز وجل يتقبل الله منك هذه الصدقة بقبول حسن ، و حينما تصلي الليل ، لا ترجو سمعة ، ولا رياء ، لكنك تريد أن تؤدي واجب العبودية لله عز وجل ، وأن تناجيه بالليل يتقبل الله منك هذه الصلاة ، ويلقي في قلبك السكينة ، والأمن ، وتقول : صليت صلاة لا أنساها حتى الموت ، كلما كان إخلاصك أشد كلما كان القبول حسناً :

( سورة آل عمران )

وأضخم شيء تملكه نيتك الطيبة ، أعظم رأسمال تملكه نيتك الطيبة ، أنت ضعيف ، و لكنك قوي بالله ، أنت عاجز ، ولكنك تحسن بالله ، أنت فقير ، ولكنك غني بالله ، هذا الذي ناجى ربه قال : يا رب كيف نضام في سلطانك ؟ لا نضام في سلطانك ، و كيف نذل في عزك ؟ كيف نفتقر في غناك ؟ وكيف نضطهد ، والأمر لك ؟ سبحانك إنه لا يذل من واليت و لا يعز من عاديت .

       يا رب لا نضطهد في سلطانك ، ولا نذل في عزك ، ولا نفتقر في غناك ، أنت ولينا .

( سورة البقرة : الآية 257)

وإذا كان الله معك فمن عليك ، و إذا كان الله عليك فمن معك .

( سورة آل عمران : الآية 37 )

أي حينما تجد أباً وأماً يحرصان حرصاً لا حدود له على راحة ابنهما فهذه محبة الله أودعها في قلب الأب والأم ، حينما تجد إنساناً يحرص على مصلحة إنسان حرصاً شديداً فهذه عناية الله ، أنت ولو جاءتك نعم من الخلق فينبغي ألا تنسى الحق ، و جاءتك نعم من جهات عديدة فينبغي ألا تنسى المنعم ، ينبغي أن تكون مع المنعم لا مع النعمة ، وليس من الأدب ألا تشكر الناس ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ)) .

[الترمذي ، أبو داود ، وأحمد]

ومن لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، كان عليه الصلاة و السلام تعظم عنده النعمة مهما دقت ، و كل واحد منا محاط بنعم لا تعد و لا تحصى ، لكن وجود الشيء قد ينسي قيمته ، ينبغي أن ترى النعم وهي موجودة عندك ، لا حين تفتقدها .

تنافس كل من حولها على كفالتها ، بل تنازعوا ، بل كادوا يختصمون .

( سورة آل عمران : الآية 44)

من هذه الفتاة الصغيرة ؟ من هذه المولودة التي تنافس الناس على كفالتها ؟

أي إذا كان الله معك تنافس الناس في خدمتك ، وإذا لم يكن الله معك تخلى عنك أقرب الخلق إليك، العبرة أن تكون مع الله حتى يكون الله معك ، وإذا كان الله معك سخر لك كل من حولك كي يعتنوا بك ، ثم جرت قرعة بين أقربائها ، ورست هذه القرعة على سيدنا زكريا .

( سورة آل عمران : الآية 37 )

المعنى : وكفلها الله زكريا ، طفلة ولدت حديثاً من أم ، نذرتها لله بإخلاص شديد فتولى الله العناية بها .

       موطن الثقل في هذه الآية :

(سورة آل عمران : الآية 37)

المحراب : المكان الطاهر ، بعضهم يسمي المحراب هذا محراباً ، لأنه يُحارب فيه الشيطان ، أو لأنه متقدم ، أو لأنه مكان للإمام ، لكن المحراب على إطلاقه هو البناء الشامخ ، القصر .

       فكلما دخل عليها زكريا مكان إقامتها ـ ويبدو أن المكان جيد ـ وجد عندها رزقاً ، بصرف النظر عن حقيقة هذا الرزق ، لكن هذه الآية تنقلنا إلى موضوع الكرامة ، ما من مؤمن يخطب ود الله عز وجل بأية طريقة إلا وله عند الله كرامة ، هذه الكرامة هي خرق للعادات ، أو استثناء من بعض القوانين ، أو شيء متميز ، ليس من الحكمة أن نروي الكرامات ، و لا من الحكمة أن ننكرها ، الكرامة لا تنكر ، كما أنه ينبغي ألا تروى ، لأن أصحابها ليسوا أنبياء ، أصحابها أولياء ، و الولي ليس معصوماً ، لكن النبي معصوم ، النبي حينما يخص بمعجزة ينبغي أن يتحدى الناس بها ، ينبغي أن يظهرها ، ينبغي أن يتحدث عنها لأنه معصوم ، لكن الولي إذا خص بكرامة ينبغي ألا يتحدث بها ، بل ينبغي ألا يتاجر بها ، بل ينبغي أن يبقيها بينه وبين الله، وقد قال بعض علماء القلوب : الولي الصادق يستحيي بكرامته ، كما تستحي المرأة بدم حيضها ، هي ليست للتحدي ، ليست للنشر، هي بينك وبين الله ، لكن الله أراد بطريقة أو بأخرى أن يشعرك أنه يحبك ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ((مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا فَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ)) .

[ البخاري ، مسلم ، الترمذي ، ابن ماجة ]

لمجرد أن تعقد الصلح مع الله ، لمجرد أن تنيب إلى الله ، أن ترجع إليه ، أن تتوب من ذنوبك ، أن تريد رضاء الله عز وجل ، تجد الله عز وجل يقربك ، يوفقك ، يكرمك ، يملأ صدرك غنى ، يملأ صدرك أمناً ، يملأ صدرك تفاؤلاً ، يلهم من حولك يقدم لك كل الخدمات  ، يرفع شأنك ، يعلي ذكرك ، هذا كله خرق للعادات ، أي لك معاملة خاصة ، أي لك معاملة استثنائية ، هذه كرامة من الله لك ، ما من مؤمن صادق يخطب ود الله عز و جل إلا وله كرامة ، والكرامة خرق للعادات ، أي معاملة خاصة ، أمر ميسر ، زواج ميسر ، عمل ميسر ، سمعة طيبة ، أولاد أبرار، زوجة صالحة ، حكمة ، قلب ممتلئ أمناً ، طمأنينة ، تفاؤل ، رضىً ، هذه كرامة الله لك، وقد تخرق لك بعض العادات ، فعليك ألا ترويها لأحد ، لأنها ليست للتحدي ، هذه بينك وبين الله، لكن أعظم كرامة على الإطلاق ، ولا تحتاج إلى خرق للعادات هي كرامة العلم :

( سورة النساء : الآية 113)

أنت بالعلم ترقى ، بالعلم تستقيم ، بالعلم تعمل صالحاً ، بالعلم تتصل بالله ، بالعلم تقف الموقف الكامل ، أي أعظم كرامة على الإطلاق أن يعلمك ما لم تكن تعلم ، وكان فضل الله عليك عظيماً، انظر إلى هؤلاء الأقوياء ماذا آتاهم الله ، آتاهم الله القوة والملك ، وبعضهم لا يحبهم الله عز وجل ، آتى الملك لفرعون ، وهو لا يحبه ، وآتى سليمان الملك ، وهو يحبه ، وآتى قارون المال، وهو لا يحبه ، وآتى عثمان بن عفان المال ، وهو يحبه ، فما دام الشيء قد أوتي لمن يحب ، ولمن لا يحب فهو ليس دليلاً على أنه كرامة من الله عز و جل ، ولكن ماذا آتى الأنبياء والمرسلين ؟

( سورة القصص : الآية 14)

الناس صنفان ؛ عالم ومتعلم ، ولا خير فيمن سواهم إطلاقاً ، يا بني الإمام علي كرم الله وجهه يقول : (الناس ثلاثة : عالم رباني ، و متعلم على سبيل النجاة ، و همج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيؤوا بنور العلم ، و لم يلجؤوا إلى ركن وثيق ، فاحذر أن تكون منهم) .

[فيض القدير(6/294) ، صفة الصفوة لابن الجوزي(1/329)]

إذاً

فسواء كما قال بعض المفسرين أنه وجد عندها فاكهة ليست في موسمها ، أو قال كما بعض علماء القلوب : وجد عندها علماً عن الله عز وجل ليس في مستوى سنها ، أيُّ الكرامتين كانت شيئًا متميزًا فريدًا من نوعه ؟ فينبغي أن تؤمن بالكرامة ، و ينبغي ألا تنكرها ، وينبغي ألا ترويها للناس ، فهي إشعار من الله لك أنه يحبك ، ينبغي أن تبقى بينك و بينه ، هذا معنى قوله تعالى :

أي ليس في الأرض كلها شيء أعظم من ولد صالح ، من شاب نشأ في طاعة الله ، من طفل يصلي ، من طفل ينقل لك كلام الله ، ينقل لك كلام رسول الله ، شيء يملأ قلب الأب طمأنينةً ، وفرحاً ، وراحةً ، وسعادةً .

        فيا أيها الإخوة الكرام ، علاقتنا بهذه الآية اجهد أن تعتني بأولادك ، اجهد أم يكونوا معك في المسجد ، اعتن بهم ، بالغ في تكريمهم ، بالغ في تقديم حاجاتهم ، بالغ في توجيههم، في لفت نظرهم إلى الله عز وجل ، اجلس معهم ، خذهم معك ، الزمهم ، أدبهم ، عرفهم بكتاب الله ، عرفهم بسنة رسول الله ، عرفهم بأبطال المسلمين ، ليكونوا معك في حلك و ترحالك ، علمهم أن ينفقوا ، واللهِ حدثني أب اليوم أن ابنه ، وهو في المسجد طلب منه مالاً بإلحاح شديد ، أعطاه مبلغاً من المال ، وهو صغير جداً ، فذهب إلى مكان التبرع لبناء مساجد ، وألقى هذا المبلغ عند هؤلاء ، قلت : والله هذه بادرة طيبة جداً ؛ أن طفلاً صغيراً أراد أن يفعل شيئاً يقلد به الكبار ، يجب أن يُشجع ، فهذه الآيات ذكرت أن سيدنا زكريا دخل على مريم وجد عندها رزقاً قال :

( سورة آل عمران : الآية 37)

         على اختلاف المفسرين : لعل هذا الرزق فاكهة في غير موسمها تكريماً لها ، أو لعلها نطقت بحق في غير سنها ، أي أنت لا تصدق أن طفلاً صغيراً يلقي كلمة مضبوطة فيها شرح دقيق لآية أو حديث يأخذ قلبك ، قد تستمع لهذه الخطبة من كبير فتقول : والله الخطبة جيدة ، لكن هو في سن بمستوى هذه الخطبة ، أما طفل صغير يتلو كلام الله ، يتلو حديث رسول الله ، يقول لك كلاماً طيباً فهذا شيء يلفت النظر ، لعل الرزق هذا أو ذاك ، على كل نحن مع النص .

       

الإخبار من الله عز وجل يجب أن نقف على حدود النص ، فلا نزيد شيئاً ، و لا ننقص شيئاً ، ويجب أن نسكت حيث سكتت الآية ، وجد عندها رزقاً أي شيئا متميزًا ، شيئًا يلفت النظر ، شيئًا  ليس كغيره من الأشياء ، لذلك:

        يؤيد المعنى الثاني قول الله عز وجل :

( سورة الواقعة : الآية 82 )

أي العلم رزق ، والفهم رزق ، ماذا أوتي النبي الكريم يوسف ؟ أوتي تأويلاً لكتاب الله :

( سورة يوسف : الآية 6)

فالتأويل علم ، وهو من كرامة الله لهذا النبي الكريم ، إذاً على اختلاف أقوال المفسرين فالرزق هنا شيء متميز شيء يلفت النظر ، شيء ليس في مستوى هذه الطفلة الصغيرة ، قالت :

( سورة آل عمران : الآية 37)

بغير حساب ... قال العلماء : أنه كثير جداً ، لا يحصى ، أو ليس بثمن ، فالله يهب كل شيء لعبده المؤمن من غير جهد منه ، قال تعالى :

( سورة الأنعام : الآية 84)

فالابن هبة ، وتحوُّل نقطة الماء إلى طفل يضحك ، ويبتسم ، ويسأل ، ويجيب هل هذه قضية سهلة ؟ تعلم علم اليقين أن هذا الطفل نقطة ماء وضعت في رحم أمه ، فكان طفلاً ، إذا دخلت إلى البيت هش لك وبش ، سألك ، وجلس في حجرك ، وداعبك ، هذا الذي يملأ البيت سروراً ، أليس هدية من الله عز وجل ؟.

        المعنى البسيط ، كل بيت فيه طفل ، والطفل هدية من الله عز وجل ، معنى من غير حساب ، أي من دون ثمن ، ماذا فعل هذا الزوج حتى استحق هذا الطفل ؟ تزوج فقط ، من خلقه في بطن أمه ؟ من أحسن تقويمه ؟ من صوره ؟ من جعله كائنًا سليمًا معافى ؟ متوازنًا ، يتكلم ، يمشي ، يسأل ، يجيب ، يحفظ كتاب الله ، من ؟  .

لها معنيان : الأول بغير حساب ، أي لا يعد ولا يحصى ، أي النعم التي أسبغها الله عليك لا تعد ولا تحصى ، كبد أصابه تشمع ، والعملية تكلف كما سمعت من ثمانية إلى عشرة ملايين ليرة ، ونجاحها ثلاثين بالمئة ، زرع كبد في فرنسا ، الذي عنده كبد سليمة معنى هذا عملياً أن معه عشرة ملايين ليرة ، والكلية عمليتها تكلف مليونان ، هذا إذا كانت متقنة ، وتبديل الأسنان زرعها يكلف مليون ليرة ، فأنت عندك أجهزة كاملة وتامة ، قال تعالى :

ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين (10)

( سورة البلد )

تتحرك ، تأكل ، تشرب ، عندك جهاز هضم ، وجهاز دوران ، جهاز عصب ، جهاز فرز ، عضلات ، أعصاب ، ذاكرة ، من أجل أن تقول : الرائحة لطيفة فلا بد من عشرين مليون نهاية عصبية ، كل نهاية تنتهي بسبعة أهداب ، وكل هدب مغمس في مادة معينة ، تتفاعل مع الرائحة، وينشأ من تفاعلها شكل هندسي ، هذا الشكل ينتقل إلى الدماغ ، وهذه الرائحة تعرض على ذاكرة شمية فيها عشرة آلاف بند ، إلى أن يأتي هذا الشكل مطابقاً لهذا البند ، تقول هذه ياسمين ـ ما شاء الله ـ رائحة طيبة ، من أجل أن تتحرك عكس الصوت هناك جهاز في الدماغ يحسب تفاضل دخول الصوتين إلى الأذنين ، والتفاضل واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية ، تعرف بهذا الجهاز الدقيق جهة الصوت ، فإذا سمعت بوق مركبة تتحرك إلى عكس الاتجاه ، ولولا هذا الجهاز لتحركت إلى أمام المركبة دون أن تشعر .

      إذاً أنت محاط بنعم لا تعد ولا تحصى ، في الشبكية عشر طبقات ، وفيها مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط ، والعصب البصري فيه تسعمئة ألف عصب ، وفي رأسك ثلاثمئة ألف شعرة ، لكل شعرة وريد ، وشريان ، وعصب ، وعضلة ، وغدة دهنية ، وغدة صبغية ، هذا خلق الله ، عندك ذاكرة تتسع لسبعين مليار صورة ، الذي يعيش ستين عاماً تقريباً في ذاكرته سبعون مليار صورة ، حجمها بحجم حبة العدس ، عندك دماغ فيه مئة وأربعون مليار خلية سمراء استنادية ، لم تعرف وظيفتها بعد ، ويوجد عليها أربعة عشر بليار خلية قشرية ، فيها المحاكمة ، والتذكر ، والتصور ، والاستنتاج ، والاستقراء ، وما إلى ذلك ، الدماغ آية ، والشعر آية ، و العينان آية ، واللسان آية ، كل حرف تحركه سبع عشرة عضلة ، فكلمة فيها خمسة حروف ، تقريبًا مئة حركة ، إذاً جملة فيها عشر كلمات ألف حركة ، إذاً خطبة ساعة كم حركة تحركت عضلات الوجه حتى أصدرت هذه الأصوات :

ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين (10)

( سورة البلد )

ما هذا الحليب ، حليب الأم في الصيف بارد ، وفي الشتاء حار ؟ فيه كل مناعة الأم ، فيه مادة تمنع التصاق الجراثيم بأمعاء الطفل ، والأغرب من هذا أن كثافته تتغير في الرضعة الواحدة ، فإذا فحصت حليب الأم في أول الرضعة يكون الدسم أربعين بالمئة ، والماء ستين بالمئة ، في آخر الرضعة يكون الدسم ستين ، والماء أربعين ، وتتبدل نسب المواد كل يوم تماشيًا مع نمو الطفل ، ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين (10)

( سورة آل عمران : الآية 37)

         منحك الوجود بغير حساب ، منحك الإمداد بغير حساب ، منحك الهدى والرشاد بغير حساب ، منحك طفلاً بغير حساب ، منحك خبرة ، منحك قدرة على كسب المال ، أي لو أن إنساناً اختل ميزان عقله فأقرب الناس إليه يسعى ليلاً نهاراً لإدخاله مستشفى المجانين ، هو الذي اشترى البيت ، وهو الذي ربى الأولاد ، وهو اقتنى الأثاث ، يُسعى إليه ليكون نزيل المستشفى ، إذاً أعطاك عقلاً ، أعطاك محاكمة ، أعطاك جسماً ، أعطاك سمعاً ، أعطاك بصراً ، أعطاك لساناً لتنطق ، أعطاك أجهزة ، أعطاك قلباً ، أعطاك رئتين ، معدة ، أمعاء ، بنكرياساً ، غدداً ، أعطاك صماء ، أعطاك جهازاً عضلياً ، أعطاك جهازاً عظمياً ، ألا نشكر الله عز وجل ؟

         كل واحد منا لديه حرفة يعيش منها ، من مكنك من هذه الحرفة ؟ هذا طبيب ، و هذا مهندس ، وهذا مدرس ، وهذا جراح ، وهذا تاجر ، وكل واحد له حرفة يتقنها ، و يكسب رزقه منها .

( سورة آل عمران )

        ككلمة مختصرة : أي شيء تقدمه لله عز وجل بإخلاص شديد يتقبله الله منك بأعلى قبول، و يثيبك عليه أضعاف مضاعفة .

( سورة آل عمران : الآية 38)

           بماذا شعر ؟ شعر أنه يتمنى مثل هذا الغلام ، مثل هذه الفتاة ، هذه الغيرة ، هذه خاصة بالإنسان رائعة جداً ، إن استخدمتها لأمر الآخرة ترقى بك لأعلى عليين ، تكون الغبطة ، و إن استخدمتها لأمر الدنيا تهوي بها إلى أسفل سافلين ، تكون الحسد ، هي خاصة حيادية ، تتمنى ما عند الآخرين، أبداً أي إنسان ، دخلت إلى بيت أربعمئة متر الله يتم عليه ، شيء جميل، الله يبعث لنا هكذا بيت مثلاً ، ركبك أحدهم في مركبته الفخمة جداً ، والله شيء جميل ، هذه غير التي لدي ، هذه أجمل بكثير ، أتم الله عليه ، أنت دائماً تتمنى ما عند الآخرين ، فإن كان الذي عندهم من الدنيا فهو الحسد ، وإن كان ما عندهم من الآخرة فهو الغبطة ، لذلك النبي الكريم استخدم كلمة الحسد بمعنى الغبطة ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ)) .

[ البخاري ومسلم واللفظ له ، الترمذي ، ابن ماجة ، أحمد ]

          (هنالك) ، قال بعض العلماء : هي ظرف مكان ، في هذا المكان ، في المحراب عندما رأى مريم ، وهي تنطق بكلام رائع جداً ، أو رأى عندها فاكهة في غير موسمها ، حينئذ تمنى أن يكون له ولد له عند الله هذه المكانة ، هنالك دعا زكريا ، أي في هذا المكان بالذات ، أو في الوقت الذي سمع من هذه الفتاة كلاماً طيباً تمنى أن يكون له غلام في هذا المستوى ، والإنسان ينبغي أن يغار.

       هذه خاصة بالإنسان ، أنت إذا التقيت بحافظ لكتاب الله ألا تتمنى أن تكون مثله ؟ تتمنى والله ، إذا التقيت بإنسان يفهم كلام الله فهماً عميقاً ألا تحب أن تكون مثله ؟ إن التقيت بإنسان شجاع ، أبلى في سبيل الله كسيدنا خالد ألا تحب أن تكون مثله ؟ إذا التقيت بإنسان غني ، لكنه متواضع ، وينفق ماله في سبيل الله ، ويملأ بإنفاقه قلوب الناس فرحاً ، ويمسح الدموع عن كل البائسين بماله ، ألا تحب أن تكون غنياً مثله تنفق هذا المال في طاعة الله ؟

أي ينبغي أن تشتهي ما عند الناس من خير الآخرة .

( سورة آل عمران : الآية 38)

تكاد الذرية الطيبة تكون أعظم عطاء إلهي بعد الإيمان به ، هذه تملأ القلب طمأنينة :

( سورة الفرقان : الآية 74)

أي مع شيء من التفصيل ، الأب الذي يجهد في تربية أولاده ، والعناية بهم ، و إرشادهم إلى الحق ، وإكرامهم ، وتأمين حاجاتهم ، ويجهد في تنشئتهم تنشئة إسلامية طيبة ـ يتعب كثيرا ـ لكنه بعد أن يبلغوا أشدهم ، ويرى منهم طيباً ، وصلاحاً ، و تقوى ، وطاعة لله ، والله كلما نظر إليهم يشعر قلبه براحة لا توصف ، هذه قرة العين التي تحدث الله عنها ، قال تعالى في دعاء عباد الرحمن : [ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين] ، والأب الذي لا يحب أن يوجه أولاده ، مشغول ، وعنده عمل ، فأهملهم ، وتركهم للشارع ، فلما كبروا فوجئ أنهم أولاد عاقون، فوجئ أنهم بعيدون عن الله ، لا يصلون ، يقترفون المعاصي والآثام ، والله لو بلغ الإنسان في الدنيا أعلى مقام ، ولو جمع أعلى ثروة ، ولو حصّل أعلى شهادة ، و لم يكن ابنه كما يتمنى فهو أشقى الناس .

        يا أيها الآباء ، يا أيها الشباب : اعتنوا بأولادكم ، أولادكم سبب سعادتكم في الدنيا والآخرة ، أما هذه الفتاة التي سيبها أبوها ، وأعطاها حريتها فانحرفت تقف يوم القيامة أمام ربها وتقول : يا رب ، لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي ، لأنه كان سبب جهالتي ، الأبوة مسؤولية أيها الأخوة ، تجد الأب مستقيمًا ، ومن رواد المسجد ، لكن أولاده أين هم ؟ أين يسهرون ؟ مع من يجلسون ؟ من يصاحبون ؟ كيف صلاتهم ؟ كيف أخلاقهم ؟ فلا بد أن تتمنى ، وأنت تجهد ، وأن تسعى لتربية أولادك.

أي تمنى أن يكون له غلام كهذه الفتاة ، وبهذا العلم ، أو هذه الكرامة .

( سورة آل عمران : الآية 38)

       يا أيها الإخوة ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَّ وَعَزَّ فَقَالَ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ)) .

[ البخاري ، مسلم ، الترمذي ، النسائي ، ابن ماجة ، مالك ، الدارمي]

         أنت صلِ قبل الفجر ركعتين ، وفي السجود : يا رب ، ارزقني ولداً صالحاً ينفع الناس من بعدي ، يا رب ، ارزقني زوجة صالحة ، يا رب ، ارزقني رزقاً حلالاً طيباً ، يا رب ، اهدني إليك ، واهدِ بي ، هناك أدعية لطيفة جداً ، أنت إذا استيقظت قبل الفجر ، ودعوت الله بدعاء من خيري الدنيا والآخرة ، فينبغي لله عز وجل أن يشعرك أنه يستجيب لك هكذا ، فلماذا ذكر لنا هذه القصص لماذا ؟ كي نقتدي بهؤلاء الأنبياء العظام .

( سورة آل عمران : الآية 38)

       حدثني أخ قال لي : عندي ابن إذا دُهِس بالسيارة سأحتفل ، أقسم بالله أنه سيحتفل ، عاق، شارب خمر ، زان ، شرس ، مجرم ، ويوجد ابن كالملائكة ، تشتهي الأولاد منه ، فالفرق كبير جداً بين ابن عاق و ابن بار ، بين ابن مؤمن عنده حياء ، وخجل ، وبار بوالديه ، وبين ابن سيئ ، فإذا اعتنى الأب بأولاده فأغلب الظن ، وهو يقين ، أغلب الظن أن الله عز و جل يستجيب له .

       حدثني أخ يخطب في بعض المساجد ، وقد وضع ابنه في الحضانة ، بمدرسة ، قال لي : مرة استيقظنا متأخرين ، صنعت أمه له شطيرة ، وقالت لابنها الصغير في الحضانة : كلها في الطريق يا بني ، الوقت ضيق جداً ، وقف هذا الابن ، وقال : يا أمي ، وخاطب أباه قائلا : يا أبت قال عليه الصلاة و السلام : ((الأكل في الطريق دناءة)) .

       إذا علمت طفلاً صغيراً شيئاً فهو أمر لا يصدق ، علمته القرآن ، علمته السنة ، علمته الآداب ، علمته الطاعة لله ورسوله ، هذا أكبر ثروة تملكها على الإطلاق ، ومعنى ذلك أنك لا تموت ، ولو مت لا تموت ، هذا صدقة جارية ينفع الناس من بعدك ، والله مرة حضرت تعزية أحد خطباء دمشق الأعلام ، وكان صالحاً ، ولا أزكي على الله أحداً ، وكان جريئاً ، ومستقيماً ، وصالحاً ، وفي أضخم مساجد دمشق ، أقيمت له تعزية في أضخم مسجد ، وجاء الناس زرافات ، ووحدانا ليعزوا أهله ، ففي اليوم الثالث ألقيت كلمات كثيرة ، وقام ابن هذا الخطيب العالم فألقى خطبة لا تقل عن خطبة أبيه ، وكان بين المعزين وزير الأوقاف ، فعينه خطيباً في هذا المسجد مكان أبيه لتوه ، معنى هذا أن الأب لم يمت ، إذا اعتنيت بابنك ، وجعلته داعية كبيراً ، جعلته عالماً ، جعلته إنساناً صالحاً ، ربيته تربية عالية ، معنى ذلك أنك لن تموت ، ولو مت فلن تموت، إنه صدقة جارية إلى ما شاء الله ، فكل واحد في البيت عنده ثروة ـ ابنه ، إنه ثروة ، لكنها تريد جهداً كبيراً ، تعتني بعقيدته ، و لغته ، وتعلمه القرآن ، والسنة ، وآداب الإسلام ، تهيئ له عملا ، تهيئ له زوجة ، وتبذل في ذلك جهداً كبيراً ، هذه رسالة الأب ، وقد جعل الله في هذا ترتيباً عجيباً ، الأبوة الصالحة طريق للجنة ، والبنوة الصالحة طريق للجنة ، والزوجة الصالحة طريق للجنة ، فأنت ضمن بيتك عندك طرق للجنة لا تعد ولا تحصى ، أما إذا أنشأته على الملهيات ، وعلى ما يعرض في هذه الشاشة من سقوط أحياناً ، ومن فضائح ، ومن خيانات، ومن مواقف مثيرة ، إذا كانت تغذيته الوحيدة ما يعرض في هذه الصحون المنتشرة ، إذا غذي بهذه الفضائيات فقط ، ثم فوجئت أنه يزني ، أو يشرب الخمر ، أو أنه له أصحاب سيئون ، ماذا تفعل ؟ والله يدخل على الأب عندئذ من الآلام ما ينسيه رضاعته من أمه ، فانتبهوا يا أيها الأخوة، نحن في زمن صعب ، نحن نشأنا في الخمسينات والأمور منضبطة جداً ، الآن أي رفيق يمكن أن يجعل ابنك ساقطاً ، أي صديق يمكن أن يعلمه أشياء لا ترضي الله ، لأن الرذيلة منتشرة ، والمعصية واسعة جداً ، أينما ذهبت فهناك ما يدعوك إلى معصية الله ، فإذا كان الآباء قبل خمسين سنة يحتاجون إلى بعض العناية بأولادهم ، فاليوم هم بحاجة إلى مليون ضعف كي يصونوا أولادهم عن الحرام ، وهذا الابن قدرك ، شئت أم أبيت ، فلا بد أن تعتني به ، والآيات واضحة .

 

       أيها الإخوة ، كتعليق سريع : هذه القصص التي وردت في القرآن الكريم صدقوني ليست العبرة منها أن تستمتع إلى قصة وقعت في الماضي ـ لا والله ـ ما هذا مراد الله عز وجل ، مراد الله من هذه القصص أن يكون هؤلاء الأنبياء ، وهم قمم البشرية أن يكونوا قدوة لك ، كيف أن امرأة عمران نذرت ما في بطنها محرراً ؟ فقلِّدها ، وقدم شيئًا لله عز وجل ، قدم اختصاصك، قدم خبرتك ، قدم مهنتك ، قدم مالك ، قدم علمك ، لله ، ولنفع المسلمين ، هذه أولاً .

       كيف تمنى زكريا عليه السلام ابنًا صالحًا ، تمنى ، والتمني من حقه ، كيف دعا الله بإخلاص ، والدعاء مستجاب ؟ أنت تمنَّ شيئاً طيباً ، وقم في الليل ، وقل : يا رب ، ارزقني ولداً صالحاً ، ارزقني زوجة صالحة تسرني إن نظرت إليها ، و تحفظني إن غبت عنها ، وتطيعني إن أمرتها ، فيستجيب ، الله لك ، يا رب ، ارزقني رزقاً حلالاً طيباً ، ارزقني علماً نافعاً ، ارزقني إخوة مؤمنين طيبين ، عندما أطلق النبي الكريم سراح سفانة بنت حاتم الطائي ، قالت : إني داعية لك ، قال : اسمعوا وعوا ، قالت سفانة بنت حاتم الطائي : يا رسول الله ، جعل الله درك في مواقعه ، أحياناً تعتني بإنسان عناية فائقة ، ثم تفاجأ أنه تنكر لك ، ونسي كل فضلك ، أحياناً تعمل عملاً طيباً مع إنسان لا ينساه لك مدى الحياة ، فمن أدعية هذه المرأة الحصيفة للنبي : جعل الله درك في مواقعه ، فأنت إذا دعوت الله ، يا الله اجعل دري في مواقعي، أي أنا أقدم خدمات لإنسان لا ينساها ، أي أنا أستفيد منه ، أستفيد منه في الآخرة يا رب، أدعوه إلى الله فيلتزم ، وأنا أتمنى ألا تفهموا هذه قصة ، هذه مبادئ ، هذه منهج ، يجب أن تغار ، قال تعالى في حق سيدنا زكريا :

      

يجب أن تدعو الله عز وجل ، فإنّ الله رب زكريا ، وربنا أيضاً ، إلهه ، وإلهنا ، والله موجود دائماً ، مثلما فعل .

      

       أنت في عمل لا يرضي الله ـ لا سمح الله ـ يا رب غير لي هذا العمل ، يا ربي عمل فيه رضا ، لا يوجد فيه امرأة ، لا يوجد فيه معصية ، لا فسوق فيه ، لا فجور ، يا الله ، فإن كان عملك لا يعجبك فادعُ الله عز وجل ، إن كان في بيتك مشكلة فادعُ الله عز وجل ، عندك ابنة كبرت ، ولم يأت من يخطبها ، يا رب هيئ لي زوجاً صالحاً لهذه البنت ، كل يوم ادع الله عز وجل ، عندك ابن شارد عن الله ، يا رب رده إليك رداً جميلاً ، فأنت لك قائمة طلبات ، قم قبل صلاة الفجر ، وادع الله عز وجل ، فلعل الله يستجيب لك ، وهو سبحانه ينتظرك .

         " يا داود لو يعلم المعرضون بانتظاري لهم و شوقي إلى ترك معاصيهم ، لتقطعت أوصالهم من حبي ، و لماتوا شوقاً إلي ، يا داود هذه إرادتي في المعرضين ، فكيف بالمقبلين، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنتهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، و إن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب و المعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها و أزيد ، و السيئة بمثلها و أعفو ، و أنا أرأف بعبدي من الأم بولدها "

         ناج الله عز وجل ، خاطبه ، اخطب وده ، اطلب منه ، يا رب أعطني ، ولا تقل : إن شئت ، أعطني ، أغنني ، وفقني ، يا رب اشفني ، يا رب نجحني ، يا رب ارزقني ذرية طيبة، هذا هو المؤمن ، يسأل الله دائماً ، ومن لم يدع الله يغضب عليه ، فعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ)) .

[الترمذي]

       إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع ، إن الله يحب من عبده أي يسأله ملح طعامه ، إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلها ، ألا يوجد عندك حاجات لله عز وجل ؟ والله يوجد قوائم ، ضع كل يوم قوائم ، ولكن قبل كل شيء تريد نفساً طاهرة ، واستقامة .

( سورة الأعراف : الآية 55)

لكن :

( سورة الأعراف : الآية 55)

       إن اعتديت على أخيك المؤمن لم يحببك ، ولم يستجب لك ، تريد استقامة ، ورزقًا حلالاً، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال تليت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : [يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا] ، فقام سعد بن أبي وقاص فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) .

[معجم الطبراني الأوسط(4695)]

        أطب مطعمك ، أي اكسب مالاً حلالاً ، واشتر به طعاماً ، فهذا الطعام طيب ، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ، أي أنشئ علاقة لك مع الله .  

     وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ((بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا أَخِرَةُ الرَّحْلِ ، فَقَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ)) .

[البخاري ، مسلم ، الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجة ، أحمد ]

          فمن منا يحب ألا يعذب ؟ من منا يحب أن يبقى صحيحاً طوال حياته ؟ أن يمد الله في عمره ، أن يرزقه الله ذرية طيبة ، وزوجة صالحة ، ورزقاً حلالاً ، وسمعة طيبة ؟ هذا ما يتمناه كل الناس ، السبب بيدك ، السبب اسأل الله ، احفظ الله يحفظك ، يا سيدي ما هذه الصحة ؟ قال له : يا بني حفظناها في الصغر ، فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً.

                       

و الحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi