English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس      :16/60: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة آل عمران :  الآيات  " 49 - 52 " .  

تفريغ          : م. م. عرفان النابلسي

تدقيق لغوي    : السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين والصلاة ، والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

     أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس عشر من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الخمسين ، وهي قوله تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 50]

وكانت الآية التي قبلها :

[ سورة آل عمران ]

     أولاً أيها الإخوة ، حينما يأتي إنسان ، ويخاطب الناس يقول : إني رسول الله ، فشيء طبيعي جداً أن يقال له : أنت كاذب ، ذلك أنّ الرسول معه منهج ، والمنهج افعل ولا تفعل ، والناس متفلتون ، الكافر لا يوجد عنده قيد ، طليق من كل قيد ، يأكل ما يشتهي ، ويلتقي مع من يشتهي ، ويذهب إلى أي مكان يشتهي ، أي حركته غير مرتبطة بمنهج تبعثها شهواته فقط ، فمثل هذا الإنسان إن جاءه إنسان مثله ، وقال : إني رسول الله ، سيقول له : أنت كاذب ، ذلك لأنه سيمنعه من أشياء يحبها ، إذاً أن يُكَذَّب الأنبياء شيء طبيعي جداً ، أن يُكَذَّب الدعاة إلى الله شيء طبيعي جداً، كيف شهد الله بهؤلاء الرجال الذين هم قمم البشر ، شهد لهم أنهم رسله ، أيَّدهم بالمعجزات ، أيّدهم بشيء لا يستطيعه مخلوق من بني البشر ، طبعاً لحكمة أرادها الله عز وجل أنّ المعجزة ينبغي أن تتناسب مع العصر وأن تكون في موضوع تفوق فيها أهل العصر ، الآن هناك تفوق بالكمبيوتر مثلاً ، يقول لك أربعمائة وخمسين مليون حرف بالثانية ، أي فرضاً لو جاء نبي في هذه الأيام فسيأتي بشيء من طبيعة العصر .

      في زمن السيد المسيح كان الطب متفوقًا جداً ، وفي أيام سيدنا موسى كان السحر متفوقًا جداً ، في أيام رسول عليه الصلاة والسلام كانت الفصاحة ، والبلاغة ، والأدب ، والشعر في أعلى درجة ، فالمعجزة ينبغي أن تكون تحدياً لقوم النبي فيما برعوا فيه ، والإنسان متى يخضع لك ؟ سحرة فرعون لماذا حرقوا المراحل كلها ، وفي ثوانٍ معدودات خروا لله ساجدين؟ لأنهم سحرة ، جاؤوا بأنابيب ، ورسموها على شكل أفعى وثعابين ، وضعوها في معدن الزئبق ، وجعلوها فوق مستوي ساخن ، والسخونة مدَّدت الزئبق ، وتحرّك هذا الأنبوب المطاطي ، وكأنه ثعبان مبين ، فلما رأوا ثعباناً حقيقياً كان قبل دقيقة عصاً فإذا هي ثعبان مبين ، لأنهم سحرة ولأنّ هذا الشيء الذي رأوه فوق طاقتهم ، خروا لله ساجدين .

     إذا قال طبيب : أنا ألَّفت كتابًا في علم الأجنّة يصبح وكأنه إنجيلٌ لشدة هيمنته على باقي الكتب ، وانتشار هذا الكتاب في شتى جامعات العالم ، وهو يبين أنّ العظم يتخلَّق بعد اللحم ، ثم يكتشف فجأة أنه كان مخطئاً في هذا ، وأنّ العظم يتشكل أولاً ، ثم يُكسى باللحم ، ودخل مرة على طلابه في جامعة أكسفورد ببريطانيا وقال : عندي فتح جديد ، وعندي كشف لم أُسبَق إليه ، وعندي ، وعندي.... أي هو قطب في اختصاصه ، وهو متوهم سابقاً أنّ العظام تُشكل بعد اللحم وألقى هذه القنبلة ، وقال : العظم يتشكل على خلاف ما في كتابي ، فقام طالب مسلم من تلاميذه ، وقال له : يا أستاذ هذه الحقيقة جاء بها القرآن قبل أربعة عشر قرناً، فلم يصدقه ، دُهش ، فلما جاءه هذا الطالب في اليوم الثاني بالقرآن الكريم مُترجَماً إلى اللغة الإنكليزية :

[ سورة المؤمنون : الآية 14]

          يُروى أنّه أسلم ، لماذا ؟ لأن هذا هو اختصاصه ، سنوات وسنوات ، وعقود وعقود ، وهو متوهم أن اللحم يتخلق أولاً ، والعظام ثانياً ، فلما اكتشف العكس وظن أنه سبق كل علماء عصره صُعِق لما رأى في كتاب أُنزل قبل أربعة عشر قرناً يبين ذلك ، لذلك قال تعالى :

[ سورة فاطر : الآية 28]

ذكرت لكم مرة أنّ هناك آية قرآنية لو سمعها عالِم فلك لخر ساجداً وهي قوله تعالى :

[ سورة الواقعة : الآية 75]

من كلمة واحدة ، وهي كلمة مواقع ، إنّ هذا النجم العملاق ، وهذه المجرة العملاقة التي تبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية ، مع أن الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر ، وفي الدقيقة ، وفي الساعة ، وفي اليوم ، وفي الشهر ، وفي السنة ، وفي عشرين مليار سنة ، كم تبعد عنا هذه المجرة ؟ إن أقرب نجم ملتهب إلينا يبعد عنا أربع سنوات ضوئية ، لو أردنا أن نصل إليه بمركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام ، بمركبة أرضية نحتاج إلى خمسين مليون عام كي نصل إلى أقرب نجم ملتهب على الإطلاق ، فإذا كانت هذه المجرة تبعد عنا عشرين مليار سنة ، أي بقي ضوؤها يسير في الفضاء عشرين مليار سنة حتى وصل إلينا ، وحتى رصدناه في مراصدنا ، هذه المجرة التي أرسلت إلينا هذا الضوء قبل عشرين مليار سنة سرعتها تقترب من الضوء ، سرعتها كما قُدِّرت مئتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية ، أين هي الآن ؟ لو قال الله تعالى : فلا أقسم بالمسافات بين النجوم لم يكن هذا قرآناً ، ولا كلاماً خالداً ، إنما قال : فلا أقسم بمواقع النجوم (75)  .

وكلمة موقع تعني أنّ صاحب الموقع ليس شرطاً أن يكون في الموقع ، فقد تركه ، هذا موقع فلان ، وأين فلان ؟ لا نعرف ، هذا موقعه ، فعلى كل أيها الإخوة قال تعالى : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ، ولأنّ هذا العصر هو عصر علم ، وتفوق ، وفضاء ، وذرة ، وحواسيب ، لذلك سمح الله عز وجل لنفسه أن يوازن ذاته العليَّة مع بعض مخلوقاته ، قال :

[ سورة الأنعام : الآية 62]

           الآن الحواسيب المتطورة جداً - طبعاً هذه لا تأتينا نحن - الحاسب العادي أربعمئة وخمسين مليون حرف تقرأ في الثانية الواحدة ، أي حينما تعطي الأمر ، وتضغط على الزر فتأتي هذه النتيجة على الشاشة فوراً ، هذا من صنع الإنسان فكيف هو الواحد الديَّان ؟ قال : وهو أسرع الحاسبين (62)

حسابه أسرع .

       أيها الإخوة ، وقال سبحانه :

[ سورة الصافات : الآية 125]

      الكُلية الصناعية كالطاولة ، لابد أن تستلقي ، يستلقي الإنسان على ظهره لا سمح الله ، ولا قدر ، لابد أن يستلقي الإنسان على ظهره ثمان ساعات لتصفية دمه ، مع تعطيل وقتٍ ، وجهدٍ ، وألمٍ ، ونفقةٍ باهظةٍ ، أما هذه الكُلية الطبيعية بحجم البيضة تعمل بصمت ، وأنت نائم، وأنت تمشي ، وأنت تعمل ، وأنت راكب في مركبتك ، أي كل عصر له شيء في تفوق ، فحينما تفوق الناس بالسحر جاء موسى بسحر حطم ما يتوهمون أنه سحر ، جاء بمعجزة ، وحينما تفوق الناس في الطب السيد المسيح أحيا الموتى ، لم يكن هناك طب ، يوجد إحياء للميت ، يبذلون العناية :

إنّ الطبيب له علم يدلُّ بــه        إن كان للناس في الآجال تأخير

حتى إذا ما انتهت أيام رحلته        حار الطبيب وخانته العقاقيــر

       والدليل الملوك يموتون ، ما معنى ملك ؟ أي أنّ أطباء العالم في خدمته ، قد يأتون به بأطباء من شتى بقاع الأرض ، الأدوية النادرة تأتيه ، أعلى عناية على الإطلاق ومع ذلك يموتون ، الأقوياء يموتون ، والملوك يموتون ، وكل مخلوق يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، لا يوجد في الطب إحياء ميت ، هناك معالجة ، وتسكين آلام ، وبتر عضو ، وعملية جراحية ، وتخفيف ، ولكن لا يوجد إحياء ميت ، ففي عصر السيد المسيح كان الطب متفوقاً فكانت معجزته قوله تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 49]

         إن وجدت في محل ألبسة ولادي مجسَّمًا من الشمع لطفلة جميلة جداً ، وضعها أمام ابنتك التي تأخذ جزءاً من لبك ، هل توازَن هذه مع هذه ؟ امرأة فيها حياة وحيوية ، وابتسامة، وتفكير ، ومشاعر ، وعواطف ، وهناك أجهزة معقدة جداً ، تجد في عينها فقط مائة وثلاثين مليون عصيّة ومخروط ، في رأسها ثلاثمائة ألف شعرة ، لكل شعرة شريان ، ووريد، وعصب ، وعضلة ، وغدة دهنية ، وغدة صبغية ، وفي المعدة خمسة وثلاثون مليار غدة هاضمة ، وفي الدماغ مئة وأربعين مليار خلية استنادية لم تعرف وظيفتها بعد ، هذه هي الطفلة ، فوازن بين مجسم لطفلة يوضع في محل ألبسة وبين طفلة حقيقية ، بين وردة صناعية مصنوعة من مادة كيميائية وبين وردة طبيعية ، قال تعالى :

[ سورة المؤمنون : الآية 14]

      هذا النبي الكريم قال ، قال تعالى : ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا(49)

طائر من جبصين ، يطير ، وله رئتان ، وشرايين ، وأوردة ، وقلب ، وله عينان ، وأجهزة كاملة ، قال تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 49]

        الأكمه أي من وُلِد أعمى ، والأبرص هذا اللون الغريب في جسم الإنسان ، والذي لا دواء له ، وأحيي الموتى ، لكن دقق في كلمة واحدة : (بإذن الله) ، النبي لا يستطيع بذاته أن يفعل شيئاً ، لأنه بشر مثلنا :

[ سورة الكهف : الآية 110]

      إلا أنه بقدرة الله عز وجل يفعل كل شيء سمح الله له به ، هي قاعدة حينما يأتي النبي بمعجزة فهي بإذن الله ، وحينما ينبِئُنا بخبر صادق ، هذا من علم الله لا يَعلَم إلا أن يُعلَم ، ولا يفعل شيئا إلا أن يمكنه الله منه ، قال تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 49]

هذا الشيء مستحيل :

[ سورة آل عمران : الآية 49]

        هذه اللفتة الرائعة -آية لكم إن كنتم مؤمنين - قد يقول : قائل نحن إن رأينا هذه الآية نؤمن ، هنا الإيمان يجب أن يسبق هذه الآية ، ما معنى الآية ؟ معناها أنه إذا أردت أن تؤمن فأيُّ شيء في الأرض يدلك على الله ، البعرة من البعير ، والماء من الغدير ، والأقدام تدل على المسير ، أفسماءٌ ذات أبراج ، وأرضٌ ذات فِجاج ، ألا تدلاني على الحكيم الخبير ، إن أردت أن تؤمن فأيُّ شيء في الأرض يدلك على الله ، وإن أردت ألا تؤمن فلن تؤمن ولو عاصرت الأنبياء مجتمعين ، ولو كنت في أكبر محطة فضائية ، ولو كنت على ميكرو سكوب مجهر يُكَبر أربعمائة ألف مرة ، ولو رأيت بعينيك المجرات ، ولو غصت في أعماق البحار وحلَّقت في أعلى الأجواء لا تؤمن ، فهي قضية قرار تتخذه من داخلك ، إن أردت أن تؤمن كل شيء يدلك على الله ، وإن أردت أن لا تؤمن وأردت الشهوة فلا ترى شيئاً ، قال تعالى :

[ سورة البقرة : الآية 171]

      كمثل بسيط : آلة تصوير متواضعة جداً ، أرخص آلة في البلد فيها فيلم ، وأغلى آلة على الإطلاق ثمنها خمسمائة ألف ليرة ، لا يوجد فيها فيلم ، فهذه الآلة المتواضعة إن كان بها فيلم فهي تلتقط الصورة ، أما التي ليس فيها فيلم فلا تلتقط أية صورة ، ما معنى ذلك ؟ أي مهما كنت ذكياً إن لم تُرِد الحق فلا ترى الحق ، صمٌ بكمٌ عميٌ ، وإن كنت متوسط الذكاء ، بل أقل من المتوسط ، وأردت أن تؤمن فكل شيء في الكون يدلك على الله ،

وفي كل شيء له آية        تدل على أنه واحد

    هذه الآية احفظوها ، لأن مثيلاتها كثيرة جداً ، قال تعالى : إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (49)

أي إن أردتم الإيمان ، إن كان الإيمان هدفاً لكم ، إن كان الإيمان مقصداً سامياً لكم هذه آية .

     أحياناً تكون في مكان يُتلى فيه القرآن فتجد شخصاً يبكي ، ويتأثر ، وآخر لا يتأثر أبداً، الذي بكى ، وتأثر يعيش أجواء القرآن ، والذي لم يتأثر هو بعيد عن أجواء القرآن ، لذلك قالوا : إن الإنسان أحياناً يستمع إلى نص قرآني ، أو نص نبوي ، أو نص من الحِكَم فتتحرك مشاعره ويتأثر ، ماذا فعل هذا النص ؟ حرّك ما عندك من مشاعر فتأثرت ، أما من كان خاوياً ، وليس عنده شيء يتحرك لو تلوت عليه القرآن كله لم يتأثر ، هذا معنى قوله تعالى : إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (49)

      إن كنتم مؤمنين تتأثرون بهذه الآية ، شخص عنده مشكلة كبيرة في البيت ، مثلاً هناك خلل بالأنابيب ، وحدث طوفان بسبب الماء ، وأُتلف الأثاث ، وخرج من بيته كالسهم يبحث عن قطعة قد تعطلت في تمديداته الصحية ، هذا لا يرى شيئاً في الطريق ، لا شخصاً ، ولا صديقاً ، ولا محلاً لبيع الثريات ، ولا محلاً لبيع التحف ، ولا محلاً لبيع الطعام ، إنه يبحث عن طلبه ، فهو أعمى إلا عن طلبه ، لذلك قالوا : حُبَكَ الشيء يُعمي ويُصِم ، الذي أحب الدنيا أعمته عن كل حقيقة :

[ سورة آل عمران ]

       هنا عندنا قاعدة ثانية ؛ وهي أن وحدة الأصل تعني وحدة الفروع ، هناك فروع عديدة، فإن كانت هذه الفروع منبثقة عن أصل واحد فهي متحدة فيما بينها .

       الإنجيل من عند الله كما نزل طبعاً ، والتوراة من عند الله ، والقرآن من عند الله ، والأصل واحد ، إذاً هذه الكتب ينبغي أن يصدق بعضها بعضاً كما نزلت ، لأن اتحاد الأصل يعني اتحاد الفروع ، إن الإنسان عنده نقل ، وهو الوحي ، وعنده عقل ، من خلق العقل ؟ الله جل جلاله ، ومن أرسل النقل ؟ الله جل جلاله ، ومن جبل الإنسان جِبِلّة نفسية معينة ؟ الله جل جلاله ، ومن خلق الكون ؟ الله جل جلاله ، لا بد من توافق - هذه الكلمة مستعملة الآن توافقية - توافق بين النقل الذي هو وحي السماء والعقل الذي هو مقياس أودع في الإنسان ، والفطرة التي هي جِبِلّة جُبِلنا عليها ، والواقع الذي هو من خَلْقِه ، لابد من اتحاد هذه الأركان الأربعة ، لأن الكون خَلقُه ، والجِبِلَّة فطرته ، والعقل مقياسه ، والوحي كلامه ، لا يمكن أن يتناقض كلامه مع مقياس العقل ، ومقياس الفِطرة والواقع ، هذا هو الحق ، إنه شيءٌ جاء به النقل ، وأقرَّ به العقل ، وارتاحت له الفِطرة ، وأيَّده الواقع ، هذا هو الحق ، لا زلنا في هذه القاعدة الأصولية ؛ اتحاد الأصل يعني اتحاد الأصول .

قال تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 50]

        إن بني إسرائيل حرّموا على أنفسهم أشياء لم يُحرِّمها الله عليهم ، وهناك معنى آخر؛ أن الله حرَّم عليهم أشياء ، وتحريمها تأديب لا تشريع ، فالنبي عليه الصلاة والسلام ، والسيد المسيح أحلّ لهم ما حُرِّم عليهم ، إما تأديباً ، أو توهماً من قِبَل أنفسهم ، لذلك أيها الإخوة ، قد نظن أنه من الخطر الشديد جداً أن نحلل الحرام ، هذا جريمة ، لكن لا تنسَوا أن هناك جريمة لا تقل عنها ، وهي تحريم الحلال ، تحريم الحلال لا يقل انحرافاً في العقيدة عن تحليل الحرام ، فأنت مكلف ألا تُحلَّ حراماً ، وألا تُحرِّم حلالاً ، أحياناً يشتهي الإنسان الاجتهاد من عنده ، فهذا حرام ، أنا حينما أرى رجلاً يستعجل ، ويقول : هذا حرام أعجب أشد العجب ، المُحَلل والمُحَرِّم هو الله ، ومن يجرؤ من بني البشر كائناً من كان أن يَحلَّ شيئاً حرَّمه الله ، أو أن يُحرِّم شيئاً أباحه الله ، حتى إن رماة أُحد الذين عصوا رسول الله صلى عليهم وإن عصوه ، قال علماء السيرة : إنهم عصوا أمراً تنظيمياً ، ولم يعصوا أمراً تشريعياً ، وشتان بين الأمر التشريعي الذي هو من عند الله ، وبين الأمر التنظيمي ، لو فرضنا أن لهذا الحَرَم باباً ، وأنا قلت : تيسيراً للنظام : يكون الدخول من هذا الباب ، والخروج من الباب الآخر ، هذا أمر تنظيمي ، فإن كان هناك شخص خالف هذا الأمر فهو خالف أمراً تنظيمياً ، أما الخمر فحرام ، فمن يشربها فقد خالف أمراً تشريعياً ، الزنا حرام ، فالذي يزني فقد خالف أمراً تشريعياً ، فالمسافة كبيرة جداً جداً بين مخالفة الأمر التنظيمي ، وبين مخالفة الأمر التشريعي ، فرماة أُحد مع أنهم عصوا النبي عليه الصلاة والسلام ، ولم يبقوا في أماكنهم إلا أن الله سبحانه وتعالى سمح لنبيه الكريم أن يصلي عليهم ، لأنهم لم يعصوا أمراً تشريعياً ، بل عصوا أمراً تنظيمياً ، قال تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 50]

       الآية إحياء الموتى ، وشفاء الأكمه ، والأبرص ، وإنباء قومه بما في بيوتهم من طعام وشراب قال تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 51]

النبي بشر مثلنا ، أي إن أردت أن تصل إلى الله فالطريق إليه سالك قال :

[ سورة التكوير : الآية 28]

     حينما تتعرف إلى الله تسأل كيف الوصول إليه ؟ كيف أنال رضاه؟ كيف السبيل أن يحبني الله عز وجل ؟ فحينما تعرف الله تنشأ عندك رغبة أكيدة أن تطيعه ، وأن تصل إليه ، وأن تطلب وده . قال تعالى :

[ سورة مريم : الآية 36]

      أي قد تجد إنساناً قوي جداً ، وبيده كل شيء ، لكن لا طريق إليه ، ليس بالإمكان أن تقابله ، ولا أن تتصل به ، ولا أن ترفع إليه كتاباً ، مستحيل ، فما قيمة قوته ؟ وما قيمته أخلاقه ؟ وما قيمة عطائه ، وكرمه ، وفضله إن كان الطريق إليه ليس سالكاً ؟ أما ربنا جل جلاله فبيده كل شيء ، لكن الطرائق إليه بعدد أنفاس الخلائق ، وأنت في بيتك هناك مئة طريق وطريق إليه ، أن تكون زوجاً محسناً ، أن تكون ابناً باراً ، أن تكوني زوجة طائعة لله ولزوجك ، أن تكوني ابنة محجبةً ، ومستقيمة عفيفة ، وأنت في البيت هناك مئة طريق وطريق إلى الله ، وأنت في متجرك هناك مئة طريق وطريق ، صدقك عمل صالح ، نصحك للمسلمين عملٌ صالح ، إتقانك لعملك عملٌ صالح ، رغبتك في خدمة المؤمنين عملٌ صالح ، لذلك الله بيده كل شيء لكن الطرائق إليه بعدد أنفاس الخلائق والآية واضحة جداً:

[ سورة الكهف : الآية 110]

إن أردت أن تلتقي مع الله لقاءً يليق بكماله وتتحمله ، أي قال له :

[ سورة الأعراف : الآية 143]

         أي جبلاً عملاقاً كجبل همالايا تجلى الله عليه فاختفى ، فأنت لا تتحمل أن ترى الله في الدنيا ، لكنّ النبي وعدنا أنّ المؤمنين يرون ربهم في الجنة كما نرى القمر ليلة البدر ، وهناك بعض التفاصيل أنّ الذي ينظر إلى وجه الله الكريم يغيب من نشوة النظرة خمسين ألف عام ، وأنّ أكبر عقاب يُعاقب به الإنسان يوم القيامة أنه محجوب عن الله ، قال تعالى :

[سورة المطففين : الآية 15]

أما في الدنيا فلا نحتمل ، قال تعالى :

[ سورة الكهف : الآية 110]

       اللقاء الذي نألفه ، والذي نحتمله ، والذي يليق بكمال الله عز وجل ، قال تعالى : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا(110)

      لو أنّ جنديًا غرًّا التحق بالثكنة قبل يومين ، وهذه الفرقة كبيرة جداً على رأسها لواء ، لا يمكن أن يقابله لا عميد ، ولا عقيد ، ولا رائد ، ولا مقدم بسبب مكانته ، أيستطيع هذا الجندي الغر أن يدخل عليه بلا استئذان مستحيل ، أما هذا الجندي لو أنه رأى ابن هذا القائد يسبح في مسبح ، وأوشك على الغرق اختناقاً ، وألقى بنفسه ، وأنقذه ، وعلم الأب هذا ألا يستطيع هذا الجندي الغر الذي لم يمضِ على التحاقه بالثكنة أربعة أيام أن يدخل على باب هذا القائد من دون استئذان ، بلى يستطيع ، لأن وجهه أصبح أبيض ، معه عمل ، لذلك  الأمر بسيط جداً قال تعالى : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا(110) .

       أكرم عباده واصدقهم وانصحهم ، لا تبتزّ أموالهم ، لا تؤذهم في حاجاتهم ، لا تؤذهم في مساكنهم ، لا تملأ قلبهم خوفاً منك ، قال الرسول الكريم : " الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله " .

      لا تقل لإنسان من أين أنت ؟ فهو عبد مأمور إن أكرمته فكأنك أكرمت ربك ، ألم يمر بك صديق ، ومعك ابنك الصغير ماذا يفعل هذا الصديق كي يتقرب إليك ؟ يخرج من جيبه قطعة حلوى ، ويقدمها إلى ابنك ، هي في الحقيقة لك ، توسل هذا الصديق إليك عن طريق ابنك ، هذا المثل دقيق جداً ، إن أردت أن تُكرم ربك فأحسن إلى عباده ، والأصح أحسن إلى خلقه ، إنك إن أحسنت إلى هرة ، أو إلى كلب مريض لو عالجت أحد مخلوقاته لكان الله شاكراً لك ، هذا هو الدين بكل بساطة  أي هناك بعض الآيات التي قالها سيدنا عيسى قال تعالى:

[ سورة مريم : الآية 31]

     لو أردت أن تضغط الدين كله في كلمتين اتصال بالخالق ، وإحسان إلى المخلوق ، أي حركة نحو السماء وحركة نحو الأرض ، اتصال بالخالق وإحسان إلى المخلوق هذا هو الدين، هذه حقيقة الدين ، قال تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 52]

      أحياناً الله عز وجل يقوم بفرز ، الهجرة كانت فرز لمن دخل بالإسلام ، لكن هو معتز بقومه متعلق ببيته ، وماله ، وأقرانه ، وأقربائه فلما هاجر النبي رفض أن يهاجر فهذا فُرِز من الهجرة ، الهجرة فرز ، حديث الإسراء والمعراج فرز آخر ، كل شيء منطقي أما هذا فغير معقول يذهب إلى بيت المقدس ، ويعود في زمن قصير ، فهذا شيء غير معقول ، فالذي سمع حديث الإسراء ، والمعراج ، ولم يكن إيمانه بالله قوياً اهتز ، وهناك من ترك النبي عقب الإسراء والمعراج ، فالله عز وجل يفرز قال تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 179]

         الله يبتلي بفتنة أحياناً لحكمة أرادها فيُفرز الناس ، في معامل الإسمنت كل طبخة تُصب في مكعبات معينة ، وهناك جهاز يمتحن قوة تماسك هذه الطبخة ، فهناك مكعب إسمنتي يُمسك من أعلاه ، وهناك كفة ميزان في أسفله تُوضع عليها الأثقال تباعاً ، فعلى أي وزن انكسر تكون هذه قوة مقاومته ، الإسمنت يتحمل قوى ضغط ، وهي خمسمائة وخمسين كيلوغرامًا على السنتيمتر المربع ، لكن لا يتحمل شد أكثر من خمسة كيلوغرامات على السنتيمتر المربع ، لا بد من إسمنت مسلح ، لأنه لا يتحمل الشد يُكسر ، بينما الضغط خمسمائة وخمسين كيلوغرامًا يتحملها مكعب من الإسمنت ضلعه سنتمتراً واحداً ، أما على الشد فلا يحتمل قوة خمسة كيلوغرامات ، هذا المثل كل مؤمن عنده قوة تماسك فهناك مؤمن يفقد تماسكه بضغط معين أما سيدنا بلال فقد وُضع على الرمضاء في أيام الصيف الحارة ووُضعت على صدره صخرة ليكفر بمحمد ، وهو يقول أحد أحدٌ ، فقوة تماسكه عجيبة ، سيدنا سعد بن أبي وقاص ضغطت عليه أمه ، إما أن تكفر بمحمد ، وإما أن أدع الطعام حتى أموت فقال لها : يا أمي لو أن لك مئة نفس فخرجت واحدة واحدةً ما كفرت بمحمد ، فكلي إن شئت أو لا تأكلي .

     فكل مؤمن له قوة تماسك ، هناك مؤمن قوة تماسكه عجيبة جداً لا تستطيع سياط الجلادين اللاذعة ضغطاً ، ولا سبائك الذهب اللامعة إغراءً أن تثنيه عن هدفه ، قال تعالى : فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله(52) .

     هناك معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل ، لابد لهذه المعركة ، والناس لهم ولاءان ؛ ولاء للحق أو للباطل ، والمعركة مستمرة ، والله لابد من أن يفرز عباده المؤمنين ، قال تعالى : ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب(179)

وقال :

[ سورة آل عمران : الآية 52]

      أنا أقول لكم : أيها المؤمنون هنيئاً ، وألف هنيئاً  لمن كان من أنصار الله ، لمن كان جندياً للحق ، لمن كان في خدمة الحق ، لمن وظف طاقاته في خدمة الحق ، لمن أنفق ماله في سبيل الله ، لمن أنفق وقته في سبيل الله ، لمن أنفق علمه في سبيل الله ، لمن أنفق خبرته في سبيل الله ، لمن أنفق عضلاته في سبيل الله ، هنيئاً له هو الرابح الأول ، والويل لمن كان في خندق مضاد للحق ، قال تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 52]

      هنيئاً لمن كان من أنصار الله ولمن وضع كل طاقاته في سبيل الحق ، ولا تقلق على هذا الدين لأنه دين الله ، لكن اقلق ما لم سمح الله لك أن تنصره أو لم يسمح ، فإن كنت في خندق آخر فالنتيجة معلومة، قال تعالى :

[ سورة الأنفال : الآية 36]

[ سورة آل عمران : الآية 12]

       إذا كان الله معك كان كل شيء معك ، إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان الله عليك فمن معك .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi