English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس      :21/60: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة آل عمران :  الآيتان  " 75 - 76 " .  

تفريغ          : لؤي الراعي .

تدقيق لغوي    : السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

            الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الواحد والعشرين من دروس آل عمران ، ومع الآية الخامسة والسبعين ، وهي قوله تعالى :

(سورة آل عمران)

        في هذه الآية أيها الإخوة ربط رائع بينما يعتقده الإنسان وبينما يسلكه ، فهذا الذي لا تأمنه بدينار خانك في التعامل في الأعم الأغلب لن يكون صادقاً في الدعوة ، هؤلاء الذين كتموا ما في كتبهم عن صفات النبي عليه الصلاة والسلام ، وأنكروا أن يكون في توراتهم ، وفي إنجيلهم بشارات لهذا النبي الكريم ، هؤلاء الذين خانوا الله في علمهم ، ومعرفتهم ، وعقيدتهم طبيعي جداً أن يخونوا الناس في معاملاتهم ، لكن أروع ما في الآية كلمة (منهم) للتبعيض ، لو أن واحداً من أهل الكتاب كان أميناً ، ولم يكن في هذه الآية من أهل الكتاب بماذا شعر ؟ أن هذا ليس كلام خالق البشر إنه كلام بشر ، الإنسان يعمم ، ولا يدقق ، ولا يلقي حكماً موضوعياً لا يستقصي يميل إلى حكم عام ، لو أنه سافر إلى بلدة ، وأساء إليه بعض سكانها لاتهم البلدة كلها بالانحراف، هذا شأن البشر ، لكن الله جل جلاله هو خالق البشر ، هو الحق ، لذلك قال تعالى :

               

       والحقيقة : الأمانة غنى ، إن أكبر رأس مال تملكه ثقة الناس بك ، وأساسها أمانتك ، تكون أميناً معهم فيثقون بك ، وإذا وثقوا بك فأنت تملك أكبر رأس مال على الإطلاق ! فهذا الذي إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ، وأحياناً إنسان يخون أخاه بمائة ليرة ، بخمسين ليرة ، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، وهناك من إذا دفعت له مائة مليون على أن يأكل مالاً حراماً ، أو أن يفعل شيئاً لا يرضي الله ركلها بقدمه ، قضية الإيمان قضية نحن مع الأسف الشديد عشنا مع مجتمع متفلت ، ضاعت فيه القيم ، وانهارت فيه العهود ، وسقطت الكلمة ، لأنها لا تعبر عن واقع ، لكن لو عشنا مجتمع قيم ، نحن في مجتمع الشهوة ، لا في مجتمع القيم ، في مجتمع المصالح لا مجتمع المبادئ في مجتمع الانحطاط لا في مجتمع السمو ، هؤلاء الناس حينما يعرفون الله ، ويخافونه في أشد الحالات دقة هؤلاء العيش بينهم جنة ! ورد في بعض الأحاديث في الأثر: إذا كان أمرائكم صلحائكم ، وأغنيائكم سمحائكم ، وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها ، وإذا كان أمرائكم شراركم ، وأغنيائكم بخلائكم ، وأمركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ، لذلك الإسلام لا ينتشر إلا بحالة واحدة ؛ أن تكون هناك مساحة ، ولو صغيرة يطبق فيها الإسلام ، أن نجد إنسانًا مسلمًا متحركًا ، فإسلام على الورق لا يؤثر ، وإسلام يُقرأ لا يؤثر ، إسلام يُسمع كشريط لا يؤثر ، أما الذي يؤثر أن ترى مسلماً صادقاً أميناً عفيفاً واضحاً ، يعمل تحت ضوء الشمس .

      أيها الإخوة الكرام ، هناك إنسان وجد في مركبته مبلغًا فلكيًا ، كبير جداً ، المبلغ كان من الممكن أن يشتري به بيتاً في أرقى أحياء دمشق ، ومحلاً تجارياً في أفضل أسواق دمشق ، وبيتاً في المصيف ، ومركبة فارهة ، بحث عن صاحب المال عشرين يوماً حتى عثر عليه ، ونقده إياه بالتمام والكمال ! وإنسان آخر أحياناً يسرق مائة ليرة ، أو خمسين ليرة ، فهناك مفاضلة ، ومقارنة واضحة في الآية الكريمة :

          حينما ضاعت الذمم ، ولم يخش الناس ربهم سقطت العهود ، ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له .

    

         حدثني إنسان له أب من أكثر الناس غنى ، لكن لا أزكي على الله أحداً أحسبه صالحاً ، قال لي : سبب غنى والدي أنه كان عليه دين لشخص غير مسلم بالليرات الذهبية ، والقصة قديمة جداً ، من خمسين عامًا تقريباً ، ثم صدر توجيه يمنع التداول بالذهب ، وينقلب التداول بعملة ورقية بحسب القانون ، فلو أنه أدى ما عليه بالورق لدفع ربع ما عليه ، قال : فأصر والدي أن يعيد القرض كما أخذه بالليرات الذهبية ، والرجل المقرِض غير مسلم ، هذا له وكالة في بلد عربي مجاور ، طلب منه أن يفتح وكالة في هذا البلد ، وهو على فراش الموت ، وأن يعطوا الوكالة لهذا المسلم الذي أدى له الدين بالتمام والكمال ، فلما جاء أولاده إليه قالوا : نحن لا نملك ثمن هذه البضاعة قال : الثمن علينا ، ولكن خذ الوكالة ، وهذا سبب غناه الشديد ، يؤدي الذي عليه ، ومن يفعل ذلك فهو إنسان راق ، طبعاً نحن كمسلمين ما الذي ضيع الحقوق ؟ ضعف الدين ، كيف أن عمر رضي الله عنه يجلس للقضاء سنتين دون أن يأتيه متخاصمان ، وكيف أن محاكمنا تموج بعشرات ألوف الدعوات ، المسلمون يغتصبون أموال بعضهم بعضاً ، الطبقة العادية المسلم العادي الذي يرتاد المساجد ليصلي ، المحسوب على المسلمين يأخذ ما ليس له ، اذهب إلى المحاكم تجد آلاف القضايا ؛ اغتصاب أموال ، اغتصاب شركات ، اغتصاب وكالات ، أيمان كاذبة ، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، فالبطولة لا أن تصلي فقط ، بل أن نرى ثمار صلاتك أمانة ، وصدقاً ، وعفافاً ، هذا النجاشي عندما سأل عن النبي صلى الله عليه وسلم بماذا أجابه سيدنا جعفر ؟ قال : نعرف صدقه ، وأمانته ، وعفافه ، وإخلاصه .

      أركان الأخلاق الصدق إذا حدثت ، والأمانة إذا عاملت ، والعفة إذا استثيرت شهوتك ، هذه أركان الأخلاق .

        وقد تجد معاملة طيبة جداً من إنسان غير مسلم ، ومنهم من يبيع دينه وآخرته بعرض من الدنيا قليل .

        مطالبة يومية ، كل يوم أنت في مكان عمله ، اتصالات ، ومطالبة ، وإلحاح حتى يؤده لك ، لكن هناك حالة أصعب ، لو أدمت الوقوف أمامه ، وأطلت المطالبة لا يؤدي لك شيئاً ، على الرغم من المطالبة لا يؤدي شيئاً ، كم من إنسان اشترى بضاعة ، وقبض ثمنها ، وزوج أولاده بثمنها ، وحتى الآن عليه ديون من عشرين سنة ! هكذا ، وقد يرتاد المساجد ، وترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ، والله أعرف إنسانًا اشترى بضاعة من دمشق ، وباعها ، وقبض ثمنها ، وزوج ولديه ، واشترى لهم البيوت ، ولا تزال ذمته مدينة لأموال طائلة، وهو إن حدثك يحدثك بالدين ، هذه المشكلة ، لماذا يكفر الناس بالدين أحياناً ؟ من مثل هذه المعاملات ، هذا الذي يرى إنسانًا محسوبًا على المسلمين ، ويأكل المال الحرام ، ويحتال عليهم ، ويغشهم في بيعهم وشرائهم ، كيف يكون مسلماً ؟ كيف يقبله الله عز وجل ؟ هناك أساليب لكسب المال الحرام لا تعد ولا تحصى ، يكفي أن تحك تاريخ انتهاء الصلاحية لأي شيء، إذا انتهت صلاحيته ، وتبيعه ، وقد يكون المشتري جاهلاً فيشتريها ، إن كان دواء له أثر إذا انتهى مفعوله فهو خطير ، أنا كنت أظن أنه لا يفيد ، الآن ثبت لي بإخبار بعض الأطباء الأكارم أنه يؤذي ، هذه المواد تفكك ، فتنقلب سماً ، فيكفي أن تحك تاريخ انتهاء مفعول الدواء ، أو الطعام ، أو المعلبات ، وتبيعها ، وكأنها صالحة للعمل ، فقد خنت أمانتك ، يكفي أن تغش المسلمين بتغيير منشأ البضاعة الأقمشة الغربية الغالية ، يكفي أن تأتي بأقمشة من الشرق تدمغها بدمغة غربية ، فقد ضاعت الأمانة ، لذلك هؤلاء الناس الذين يغشون بعضهم بعضاً ، ويكذبون ، ويأكلون أموالهم بين بعضهم ظلماً وعدواناً هؤلاء سقطوا من عين الله ، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتحطم أضلاعه خير له من أن يسقط من عين الله .

     لا يغرنكم امتلاء المساجد ، واحد كألف ، وألف كأف ، واحد تجده عند الحلال والحرام ، تجده عند الأمر والنهي ، المليون والواحد سيان عنده إذا كانا في معصية الله ، مثل هؤلاء الرجال يبنون أمة ، مثل هؤلاء الورعين يشيدون حضارة ، مثل هؤلاء الأمناء ينتصرون على عدوهم ، لا يعقل أن يكون العدو لا يزيد عن مليونين يتحدون ثلاثمائة مليون ، لا يعقل ! (( لن نغلب اليوم من قلة ، وكانوا اثني عشر ألفا ، والكفار أربعة آلاف))  .

(تفسير الجلالين الإصدار للإمام جلال الدين السيوطي)

هذا كلام بليغ .

        أنا ذكرت لكم أن الذي يشد الناس إلى الدين ليس المنطق السليم فقط ، ليس الكلام المؤيد بالأدلة فقط ، ليس الكلام المنمق فقط ، ليس التصور الصحيح لحقيقة الحياة ، والكون ، والإنسان فقط ، الذي يشد الناس إلى الدين معاملة متميزة ، أقسم لي أخ كريم يعمل في دائرة ، أن لهذه الدائرة مدير عام طلب منه إجازة عدة أيام فغضب المدير ، الآن نحن في ضيق شديد ، ولا أسمح لك بإجازة ، قال : أنا أصلي في المسجد كل يوم ربع ساعة ، جمعتها فكانت ستة أيام تبرئة لذمتي أمامكم ! قال لي هذا الأخ : والله لا أصدق في حياتي أن يأتي هذا المدير ليحضر درس علم في مسجد ، في الأسبوع التالي وجدته في المسجد يستمع إلى الدرس ، هذا ما الذي شده إلى الدين ؟ الورع من هذا الموظف ، عنده قناعات عالية جداً ، أكبر ملحد في أمريكا دكتور في الرياضيات ، في مدينة سان فرانسيسكو ، انتقد مرة ، كان في صغره أستاذ الديانة ، فأنبه والده تأنيباً شديداً ، فضربه ، وطرده من البيت ، فاتخذ الإلحاد ديناً ، وكبر ويتمتع بمستوى عال من الذكاء ، يقول هذا الإنسان ، وهو الآن من أكبر دعاة الإسلام في أمريكا : فتاة محجبة حجابًا كاملا ، وفي أيام الصيف الحارة ، ولدت هناك ويبدوا أن دينها قوي جداً ، عن قناعة ، وإيمان ، فهذه الفتاة تحضر دكتوراه في الرياضيات ، أستاذها أرسلها إليه ، يقول هذا الإنسان الملحد : رأيت النساء في أمريكا شبه عرايا ، وهذه ترتدي الحجاب الكامل في أيام الصيف الحارة ، إذا في رأسها قناعات متميزة ، يقول : أنا لأول مرة أقدر تقديراً عالياً فتيات الشرق الأوسط ، هذا الإنسان من يومه عكف على قراءة كتب المسلمين ، قرأ القرآن كله ، وجد آية ظنها خطأً ، وأنها غير صحيحة ، حينما قال الله عز وجل : [فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ] .

 (سورة يونس : من الآية 92)

أي فرعون ، فاتصل بزميله قال : هذه آية خطأ ، قال : فرعون موسى لا يزال كما هو في متحف مصر ! وجيء به إلى فرنسا للترميم ، هذا الآن أكبر داعية بأمريكا ، ما الذي يشد الناس إلى الدين ؟ موقف أخلاقي متميز ، أمانة متميزة ، صدق متميز ، أخلاق عالية ، تضحية ، إيثار، هذا هو تألق الإنسان ، قلت اليوم في الخطبة : الإنسان لا يقدر عالياً من كان كثير المال ، أو كثير الدهاء ، أو قوياً في بدنه ، أو مركزه ، الإنسان يقدر الموقف الأخلاقي ، لذلك العصور السابقة على أنها عصور متواضعة في منجزات الحضارة ، الأجداد سكنوا تحت الخيام في الصحراء ، لكن مروءة امرئ القيس لا تنسى ، وكرم حاتم الطائي لا ينسى ، وشجاعة المسلمين لا تنسى ، معنى ذلك أن الذي يرفع الإنسان ما يتمتع به من تألق أخلاقي ، هذه الآية دقيقة .

       وهناك حالات أخرى لو كنت قائماً عليه لا يؤدي إليك شيئاً ، هؤلاء الذين يفعلون هذا هؤلاء خانوا أماناتهم ، ماذا يعللون ذلك ؟ تعليلهم :

        يقصدون بالأميين العرب ! هؤلاء جهال ، ماذا نفهم ؟ لمجرد أن يأتيك من يشتري بضاعة ، وتتوسم فيه الغباء ، أو الجهل ، أو عدم الخبرة ، وتبيعه بضاعة سيئة بأغلى سعر ، فأنت من هؤلاء .

       واللهِ مرة كنت عند أحد القصابين ، وجاءه طفل صغير يطلب منه قطعة لحم من مكان دقيق جداً لمريض ، أنا أراقب طلب هذا الأخ القصّاب ، نفذ طلب هذا الطفل الصغير بحذافيره ، والطفل لا يستطيع أن يميز شيئاً من شيء ، وكان بإمكانه أن يعطيه لحماً لا يؤكل ، لكن وجدت أن أمانة هذا القصاب تلفت النظر ، الدين فيه شيء متألق ، لو كان الطرف الآخر لا يعرف ، مستحيل على مؤمن أن يغش المسلمين ، ولو كانوا صغاراً ، أو جهالاً ، ولو كانوا لا يعرفون طبيعة هذه البضاعة أبداً .

       يا أيها الإخوة ، الدين لا يتجزأ ، لا يوجد شيء اسمه صلاة وحدها ، واستقامة وحدها ، الصلاة ، والاستقامة ، والزكاة ، والحج ، والنطق بالشهادة شيء واحد ، هي الآية كلها ، هؤلاء لماذا كتموا ما عندهم في التوراة والإنجيل من البشارة بمحمد عليه الصلاة والسلام ؟ هؤلاء خانوا عهدهم مع الله ، فمن الممكن أن يخونوا عهدهم مع الناس ، لذلك لا تأمن إلا لمن يخاف الله ، والذي لا يخاف الله قد تكون ظروفه صعبة فلا يقودك ، لأن هناك قيوداً تقيده ، لكن لو رفعت عنه بعض القيود لكل كل شيء ، هذه النزاهة التي يتبجحون بها في الغرب جاءت من الضبط الإلكتروني ، فلما انقطعت الكهرباء ليلة واحدة رأينا مائتي ألف سرقة في مدينة واحدة في أميريكا، مجموع سرقاتها اثنان بليون دولار ! لانقطاع الكهرباء ليلة واحدة ! فكل شيء من النظم الوضعية مبني على الردع الخارجي ، وكل شيء من النظم الإلهية مبني على الوازع الداخلي ، واضع القانون إنسان ، والمواطن قد يكون أذكى منه ، فيعمل عملاً يبطل مفعوله ، ويجهضه ، وينهيه ، واضع القانون ذكي ، وقد يكون المواطن أذكى منه ، هي معركة بين عقلين ، نقول : السرعة مائة كيلو متر جيد ، وهناك أجهزة تراقب السرعة ، رادار جيد ، اخترع جهاز يكشف جهاز الرادار ! أنا مرة كنت أركب مركبة في أمريكا سمعت صوت ، قلت : ما هذا ؟ قال : هذا يعلمني بوجود مركز رادار ، اقتربنا منه ، فعلي أن أخفض السرعة حتى نتلافى المخالفة ، إذاً انتهى !

      الآن الدولة تبحث عن جهاز يكشف أجهزة السيارات ! وهي معركة لا تنتهي ، أما عظمة ديننا ، ففي مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقد رأى راعياً ، وقال له : بعني هذه الشاة ، وخذ ثمنها ، قال : ليست لي ، قال : قل لصاحبها ماتت ، قال : ليست لي ، قال : خذ ثمنها ، قال : ليست لي ، والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟ هذا الذي يعجن العجين ما الذي يمنعه أن يفعل كل شيء فيه ؟ خوفه من الله ، فإن لم يخف الله عز وجل ، ورأى شيئاً لا يعقل أن يكون في الطحين لا يسأل ، بل يتابع .

       فنحن نحتاج إلى إيمان ، وفهم أسّ الفضائل ، وقوام الضمائر ، وسند العزائم ، وبلسم الصبر عند الشدائد .

       واللهِ أيها الإخوة ، لو غششت مجوسيًا لحاسبك الله ، هناك مسلمون جهلة ، يتصورون أنهم إذا غشوا غير مسلم فليس عليهم من سبيل ، يقولون : هذا كافر ، هذا غير مسلم ، أنا أؤمن واللهِ أنك إذا غششت مسلماً أن يقول للناس : فلان غشني ! أما إذا غششت غير مسلم فيقول : الإسلام غشني ، وفرق كبير بين أن يقول : فلان غشني ، وبين أن يقول : الإسلام غشني ، لذلك أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ، [وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا] .

(سورة المائدة : من الآية 8)

 

من هم الأعداء التقليديون للمؤمنين ؟ الكفار ، ولا تحملنكم عداوتكم لهؤلاء أن تظلموهم ، [اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] .

 (سورة المائدة : من الآية 8)

       عندما احتلت القدس من قبل الفرنجة ذبحوا في ليلة واحدة سبعين ألفاً ! فلما فتحها صلاح الدين الأيوبي طيب الله ثراه جاءته امرأة من الفرنجة فقدت ابنها ، فوقف ، ولم يجلس حتى أعادوا لها ابنها ! هذا هو الإسلام ؛ دين العدل ، والرحمة ، والحكمة ، والإنصاف .

       الآن فرّغ الإسلام من مضمونه ، بقي مساجد رائعة ، خطب رنانة ، كتب مجلدة ، أشرطة، محطات فضائية ، كل شيء إسلامي ، لكن لا يوجد إسلام ، الإسلام هذا الطهر ، والنقاء، والالتزام ، وهذه الطاعة .

لا مشكلة ، هذا غير مسلم .

     جاءني أخ يستفتيني فقال : كنت في بلد غربي ، واشتريت بطاقة مصرفية ، واشتريت بها بخمسة آلاف دولار ، وجئت ولم أدفع شيئاً ، لأنهم كفار ! قلت : والله سوف تحاسب عن هذا المبلغ درهماً بدرهم ، من قال لك هذا الكلام ؟ لماذا لما كانت الأمانات مع رسول الله ، وهاجر إلى المدينة لم يأخذها معه ؟ لأنهم كفار ، لماذا أبقى علي بن أبي طالب ابن عمه ليرد الأمانات إلى أهلها ؟ كيف تطمع من هؤلاء الكفار أن يسلموا إن كنت خائناً لهم ؟ أو إن أكلت أموالهم ؟ في الحرب شيء آخر ، هذه تعد غنائم ، حتى زوج السيدة زينب حينما أسر في المدينة ، ومعه بضاعة قريش ، أموال طائلة لقريش ، وبحسب النص إذا أسلم انقلبت هذه الأموال غنائم له ، ولمن حولـه ، ماذا قال ؟ قال : والله لا أبدأ إسلامي بهذا ، عاد إلى مكة ، وأرجع الأموال لأصحابها ، ثم أعلن إسلامه .

      حينما تؤذي الإنسان يتهم دينك ، لذلك الدعاء : ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ، هذا الكافر إذا رأى مسلماً يكذب عليه ، أو يحتال عليه ، أو يغشه يقول : أنا على المنهج الصحيح ، يتمسك بكفره ، وبشركه ، ولا يقبل أن يلقي أذناً صاغية إلى الدين إطلاقاً أبداً .

       قبل أن تدعو إلى الله ينبغي أن تكون أخلاقياً ، صادقاً ، أميناً ، متواضعاً ، وذا قلب كبير، ينبغي أن تحب الناس ، وأن تزن بميزان واحد ، لأنه لابد من أن يفتح لك القلب قبل أن تفتح لك الآذان .

       أخطر شيء أن يبرر الإنسان لنفسه ، طرفة : ضيع خمسين ليرة ذهبية ، قال : يا رب أرجو ألا يجدها رجل له دين ظاهري ، يفتي فتوى ، ويأخذها ، هذه مشكلة كبيرة جداً ، يجب أن تكون مطمئناً مع المؤمن ، أنه لن يأخذ منك قرشاً حراماً ، أخطر شيء أن تقول :

        يقول لك : هذا بيعه شرّف ، أنت اكشف العيب ، هو ربما لا يكشف العيب ، فحينما نغش في بيعنا ، وشرائنا ، ونكذب ، ونحتال ، ونهتم أن نصوم يوم الخامس عشر من شعبان ، يقولون : هذا يوم فضل ، ألست صائماً يا أستاذ ؟ هنا المشكلة ، كم من يوم في السنة يصوم ؟ مع أن بعض الأيام صيامها سنة ، وبعضها لم يرد نص صحيح فيها .

     على كل ، تعجبه هذه المواسم ، فيتمسك بها ، ويأكل الملايين الطائلة ، ويدعي أنه مسلم ، وهو يكذب على الناس ، ويخدعهم ، واحد يعمل في القضاء أقام عشر دعاوى كيدية ، قدم له كأسًا من الشاي ، فقال : أنا صائم ، لأن اليوم الاثنين ، وآخر أراد أن يضع أمانته عند رجل أمامي قبل أن يذهب إلى الحج ، فدخل إلى المسجد ، وراقب صلاة بعض المصلين ، فأعجبته صلاة أحدهم ، يقف بخشوع ، مغمض العينين ، أعجبته صلاته فقال : أنا سأضع عندك أمانة ، إنني ذاهب إلى الحج قال :  وأنا أيضاً صائم يا سيدي ، قال : والله صيامك لم يعجبني ، ثم يقول الله عز وجل :

       يكذبون على الله ، الله عز وجل لا يسمح لك أن تغش عباده كائناً من كان ، اسمعوا : اتقوا دعوة المظلوم ، ولو كان كافراً ! فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ، عد للمليار قبل أن تظلم إنسانًا كائنًا من كان ، وإن كان غير مسلم ، هذا هو الدين ، أما هذا الذي يبيح لنفسه أن يأكل أموال غير المسلمين على أنهم كفار فهذا إنسان جاهل ، ولو كان هذا من الشرع لأخذ النبي معه إلى المدينة كل ما عنده من أموال أمانات ، أخذها ، وانطلق ، أما أبقى ابن عمه ليؤدي لكل ذي صاحب حق حقه ،


      

        هم يعرفون أنهم يكذبون ، والله عز وجل لا يأمر بالفحشاء ، مستحيل ! مثل للتقريب : أحياناً أب يكون عنده أولاد ، وأحدهم صالح ، وآخر سيئ جداً ، لو أراد هذا الابن الصالح أن يأكل مال أخيه ظلماً ، أيرضى الأب عنه ؟ مع أنه سيئ ، لا يرضى عنه ، بالعكس لو أن المسلم عامل غير المسلم بأخلاق عالية جداً ما الذي يحصل ؟ قد يسلم ، إنسان تزوج امرأة غير مسلمة ، يحق له أن يتزوجها ، لها أم أصبحت قعيدة الفراش ، لها خمسة أولاد وبنت ، الأولاد الخمسة لم يقبل أحد منهم أن يأتي بها إلى بيته لضغط من زوجته ، فاتخذوا قراراً أن توضع في مأوى العجزة ، لكن هذه البنت التي زوجها مسلم طلب من زوجته أن تأتي بأمها إلى البيت ، قال لي : والله ما حدثتها ، ولا بكلمة واحدة عن الإسلام ، أعلنت إسلامها ، وأسلمت ! لماذا ؟ أولادها الذين من صلبها تخلوا عنها ، أما هذه البنت التي زوجها مؤمن جاءت بها إليهم ، وسكنت عندهم ، واستأنست بهم ، فأعلنت إسلامها .

      أقول لكم مرة ثانية وثالثة : لا يشد الناس إلى الدين فصاحتكم ، ولا أدلتكم ، ولا فلسفة بعضكم ، بل أمانتكم ، وورعكم ، واستقامتكم ، وصدقكم ، ونصحكم في البيع والشراء .

       إياكم أيها الإخوة أن تقول : هذا ليس فيه دين ، فماله حلال ، والله أيها الإخوة ، هذا شيء أعاينه ، ذهبت إلى بلاد بعيدة شرقاً وغرباً ، فهناك وهم عند  الجالية أن هؤلاء كفار فخذ أموالهم، وخذ نسائهم ، واكذب عليهم ، وغشهم ، هكذا ! لذلك سمعت أن المسلمين عندهم في الحضيض.

       هل تتوقع أن يسلم واحد من هؤلاء ؟ وأنا أقسم لكم بالله أن الجاليات الإسلامية لو أنها طبقت دينها الصحيح لكان الغرب بحالة غير هذه الحالة ، الغرب قوي ، معه أسلحة قوية جداً ، مرة قال أحدهم في مؤتمر : إننا بشر ، ونحن أقوى الأمم ، ولو أقنعتمونا بدينكم لكانت قوتنا لكم، أنتم كذبتم علينا ، ولم تكونوا صادقين معنا ، لذلك لا ينفعك عند الله إلا الأخلاق ، إنما بعثت معلماً ، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، هكذا قال النبي الكريم .

       عن السيدة عائشة أن أحد أصحاب رسول الله وقع في خطأ في البيع والشراء فقالت : ((قولوا له : إنه أبطل جهاده مع رسول الله)) .

كذا ورد في الأثر .

       أنت تظن أنك إذا صليت ، ولك مظهر ديني ، وحلفت يمينًا كاذبًا في البيع أن رأسماله أكثر ، وأنت تربح بالمائة ثلاثمائة ، وحلفت بالأمانة وبدينك ، وبكل المقدسات أن رأسماله أكثر ، هل تظن نفسك ذكيا بهذا الشيء ؟ أنت سقطت مع عين الله ، الإسلام خمسمائة ألف بند ، الصلاة واحد ، والصوم واحد ، والحج واحد ، والزكاة واحد ، الإسلام ضُغِط حتى أصبح خمس مواد فقط، صلينا ، وحججنا ، وزكيّنا ، وأحضرنا ، وطبلنا ، وزمرنا ، وانتهى .

      أليس هكذا وضع الإسلام اليوم ؟ نأكل المال الحرام ، ونختلط ، ونشتهي غير زوجاتنا ، ونفعل مالا يرضي الله عز وجل ، لماذا تخلى الله عن المسلمين ؟ ولم يتخلَّ عنهم لسبب صغير ، بل لسبب كبير ، مشكلتنا مع بعضنا الخصومات ، لا يوجد بيت ، أو عائلة ، أو حي ليس فيه خصومة ، خصومات لا تنتهي من البعد عن الله عز وجل .

       وقفت عند هذه النقطة في الدرس لئلا يخطر في بال أحدنا ، وهو يعامل غير مسلم أنه ليس عليه فيه سبيل ، عليك فيه ألف سبيل وسبيل ، الآية الثانية من أوجه ما في التفاسير : أن بلى ، عليكم سبيل ، وبعدها وقف ، والكلام بعدها مستأنف ، بلى عليكم سبيل .

[وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] .

(سورة المائدة : من الآية 8)

      وعلى المسلم ؟ من باب أولى أن تكون مستقيماً معه ، هذا الذي يخاف الله عز وجل هذا الذي ماله حلال أتأخذه حرام ؟

(سورة آل عمران)

         كأنه عاهد الله على معرفته والاستقامة على أمره ، من أوفى بعهده مع الله على الإيمان به ، وتعظيمه ، وطاعته ، واتقى أن يعصيه ، ويأكل المال الحرام ،

بلى ، ويوجد تفسير آخر

إما أن ترجعه على الآية السابقة ، بلى عليكم سبيل ، أو أن نربطها بما يلحقها.

     

       أيها الإخوة الكرام ، قد يسأل سائل : لماذا الحديث عن بني إسرائيل في القرآن ، ولا سيما في سورة البقرة وآل عمران ؟ لأنهم أهل كتاب ، والأمراض التي وقعوا فيها نحن مهيئون أن نقع فيها ثانية ، هم ماذا قالوا ؟

(سورة البقرة)

      ماذا قال المسلمون ؟ النبي يشفع لنا ، العبرة أن نغطي انحرافنا بنص شرعي ، أكثر الأمراض التي وقع فيها أهل الكتاب وقع المسلمون فيها ، وزيادة ! لماذا القرض شبه تعطل ؟ لم يعد أحد يقرض أبداً ، السبب عدم الأداء ، تجده يتمسكن لدرجة أنك تراه ملكاً ، فإذا أخذ المبلغ لم يكن مستعداً لأن يتصل بك ليعتذر ، ولا أن يسلم عليك ، وهذا الحاضر ، وهذه المحاكم ! طبعاً حينما نقض الناس عهودهم ، ومواثيقهم ضعفت القيم في حياتهم فأصبحوا في حياة صعبة جداً .

      ويروى أن أحد العرب يركب خيله في الصحراء في أيام الحر الشديد ، والحر لا يحتمل، رأى رجلا لا ينتعل نعلاً ، والرمل كأنه نار ، فأشفق عليه ، ودعاه لركوب الفرس ، ولم يكن يدري أن هذا من لصوص الخيل ، فما أن اعتل الفرس حتى دفع صاحبها إلى الأرض ، وقاد الفرس لا يلوي على شيء ، قال له صاحب الفرس : يا هذا لقد وهبت لك هذا الفرس ، ولن أسأل عنها بعد اليوم ، ولكن إياك أن تشيع هذا الخبر في الصحراء ! فتذهب منها المروءة ، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما فيها .

      يمكن أن تقف على الطريق ، وتؤشر لسيارة ، وتركب فيها ؟ أبداً مستحيل ، كم ممن ركب معه حشيش ، أو مخدرات راح صاحبها ضحية عشرين سنة سجنا ، الناس يخافون ، عندما فقدت الأمانة انقطع هذا الخير ، هذا هو منع الماعون ، كلما أسأت لمن أسدى لك معروفاً فأنت ساهمت في منع الخير ، كان في الشام سبعمائة ألف شقة على المفتاح مغلقة ، لماذا ؟ لأن الذي استأجر لا يخرج ، هذا الحاضر ، وهذه المحاكم ، انتهى الإيجار ، طبعاً قبل القانون الجديد ، الحمد لله القانون اليوم جيد جداً ، لكن قبل هذا القانون انتهى الإيجار ، لا يمكن أن تستأجر بيتًا في دمشق ، أما اذهب إلى مدن العالم كلها ، في أي مكان يوجد إيجار بيوت ، لأن الناس حينما لن ينفذوا عهودهم ، وتمسكوا بالبيوت ، وكأنهم أصحابها ، ولم يدفعوا إلا أجراً يسيراً لا يساوي أحد الرسوم المالية للبيت ، وسكن البيت خمسًا وعشرين سنة ، وهذا الحاضر ، وهذه المحاكم ، والقانون معي ! .

       لذلك أغلق باب الإيجار نهائياً ، والآن نحن كلما أسأنا لبعضنا بعضاً أغلق باب الخير أبداً، تمر ألف سيارة فارغة لا يركبك أحد خوفًا ، لأنه كم واحد أساء .

      الآن الطريق الشرعي الوحيد الرائع الذي تطمئن له أن تستثمر مالك عن طريق تاجر كمال المضاربة ، النبي كان أول مضارب في الإسلام ، أخذ من السيدة خديجة أموالها ، وتاجر بها ، والربح بينهما ، هناك أناس كثيرون أخذوا أموال الناس بمئات المليارات ، وأكلوها ، من قوي مركزه ؟ البنك ، لأن هؤلاء الذين أخذوا أموال الناس ليستثمروها فأكلوها أساؤوا لهذا الدين ، الطريق الشرعي الوحيد الصالح الذي أراده الله عز وجل ، أنت بمالك ، وأنا بجهدي ، والربح بيننا ، إنسان لا يحسن استثمار المال ، وإنسان لا يملك المال ، وعنده طاقات عالية ، لكن لا يملك المال ، فالشرع جمع بينهما ، من دون فائدة وربا ، مضاربة ، هؤلاء الذين أكلوا أموال الناس بالباطل بمئات المليارات أغلقوا باب المضاربة ، وفتح باب البنك ، أبداً ! لو تتبعت ما في الإسلام من حل مشكلات المجتمع ، كله مغلق ، لماذا ؟ من سوء التصرف ، والائتمان ، والكذب ، فنحن الآن بحاجة إلى انتفاضة كالتي في فلسطين ، لكن من نوع آخر ؛ أن ننفض عقولنا ، أن نبحث عن قيم إسلامية صحيحة ، أن نتعامل بصدق ، وأمانة ، الله موجود هو الرزاق ، لن يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله ، صلح أول هذا الأمر بالاستقامة ، والخلق العظيم ، ولن يصلح هذا الأمر بالعبادات وحدها ، لابد من استقامة وخلق عظيم .

      أيها الإخوة ، نتابع هذه الآيات إن شاء الله في درس آخر ، والحمد لله رب العالمين .

      س : قيل : كيف يكون الله عادلاً وقد خلق طفلاً عربياً من أب وأم مسلمين ، وعنده فرصة للتعرف على الله ، والقرآن بشكل واسع ؟ وبين طفل أعجمي من أب و أم غير مسلمين متفلتين، ولا يمكنه فهم القرآن الكريم ؟ .

       ج : قال العلماء : الكون قرآنا صامت ، آيات الله في الكون ، الله أعطى للإنسان عقل ، وفطرة عقله يدله على الله ، وفطرته تدله على خطئه ، وفضلاً عن ذلك .

(سورة الأنفال)

       كم من ابن نشأ من أب تاجر ، ورفض التجارة ، عمل بالعلم ؟ وكم ابن نشأ في بيت علم رفض العلم ؟ لماذا أنت في الدنيا ترفض واقعك ، وترفض حرفة أبيك ، ومعطيات بيئتك ؟ وبالدين فقط تتبعهم ؟ لا ، لو أردت الآخرة ، وأعملت عقلك لعرفت الله ، وأنت في أي بلد .

        والله أيها الإخوة ، علماء الشام ، وعلماء مصر ، والحجاز أشرطتهم ، وأحاديثهم ، وصورتهم ، ومقالاتهم في كل أنحاء العالم ، الآن العالم أصبح غرفة واحدة ، ليس قرية ليس ، بل غرفة ، لذلك

       

      مرة التقيت مع شخص من هولندا ، أردت أن أذكره بالله قليلاً ، قال لي مباشرة : هذا الموضوع لا يعنيني ، ولا أهتم له ، ولا أعطي له بالاً ! أنا أهتم بامرأة جميلة ، وبيت واسع ، وسيارة فارهة ، ما تذوقت في حياتي الآية الكريمة إلا عندما سمعت كلامه !

       دخل رجل المسجد في واشنطن ، فرأى شخصًا هيئته من الكبراء ، يكنس المسجد ، وينظف دورات المياه ، فإذا به أدميرال في القوى البحرية ! كان على حاملة طائرات ، والتقى في الخليج بإنسان مثقف مسلم ، فأسلم على يده ، لا تتصور إنسانًا فيه خير واحد بالمليار لا يسمعه الله عز وجل الحق ، اطمأن ، والآية واضحة .

ومع ذلك أعطاك عقلا وفطرة ، والعقل يهديك إلى الله ، وفطرتك تكشف لك خطأك ، هذا السؤال كيف يكون الله عدلاً .

       هل يجوز للحائض قراءة الكتب الدينية ؟ يجوز ، لو أن طالبة في المدرسة عندها درس قرآن ، فلها أن تقرأ القرآن للتعلم ، وهي في دورتها الشهرية ، في موضوع القرآن كتعليم أو تعلم الفقهاء الأربعة أجازوا ذلك .

        فإذا كان مسموحًا أن تقرأ القرآن للتعلم فلأن نسمح لها أن تقرأ كتاب فقه من باب أولى ، ولها أن تقول : لا إله إلا الله سبحان الله ، وهي في الدورة الشهرية ، ولها أن تذكر الله .

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi