English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس      :23/60: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة آل عمران :  الآيات   " 78 - 80 " .  

تفريغ          : لؤي الراعي .

تدقيق لغوي    : السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة المؤمنون : مع الدرس الثالث والعشرين من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الثامنة والسبعين ، وهي قوله تعالى :

     أيها الإخوة الكرام ، هذا نوع من الانحراف ، لأنك تعتقد أن الناس يعظمون كلام الله ، وأنهم يعظمون الله ، وأنهم يعظمون أمره ، فإن أردت أن تصل إلى مصالحك من خلال الدين فلابد أن تلعب بالنصوص ، لابد أن تلوي أعناقه ، لابد أن تأوِّلها تأويلاً غير صحيح ، لابد أن تحلف ، وتقدم وتؤخر ، ولابد أن تدعي أن القصد كذا والمعنى كذا ، فهذه العملية بمجملها عملية تحريف النص ، أو عملية لَيِّ عنق النص ، أو عملية مسخ النص ، أو أن تنطق بدلالة ليست له ، أو أن تأتي بمناسبة لا تصلح له ، أي افتعال لصرف النص عن مؤداه الحقيقي ، أية عملية فكرية هدفها أن تغير وأن تمدن من أجل أن تحقق فهماً لهذا النص ينسجم مع مصالحك .

    مثلاً : أنت حينما تقول في قوله تعالى : [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً].

 (سورة آل عمران : من الآية 30)

         وتقول : إنما النهي لا عن الأضعاف القليلة ، بل عن الضعاف الكثيرة ، وفاتك أن هذا ليس قيداً احترازياً ، بل هو قيد وصفي ، أنت حينما تقرأ قوله تعالى :[ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا] .

 (سورة النور : من الآية 33)

          فإن لم يردن تحصناً ، فلك أن تكرههن على البغاء مثلاً ، هذا فهم خطير لهذا النص ، هذا فهم فيه لي لعنق النص ، أنت حينما تقول في بعض الآيات : [وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا] .

 (سورة السجدة : من الآية 13)

     تقول : لا لم يشأ الله أن يهدي البشر ، فالله عز وجل يمتحن عباده ، يأتي إنسان مريض القلب فيفسر هذا النص وفق أهوائه ، يقول لك : ليس في القرآن آية تقول : الخمر حرام ، حرمت عليكم الخمر ، يوجد فاجتنبوه ، هذا ليس تحريماً ، فإما من كلمة ، أو من عبارة ، أو من إضافة ، أو من حذف ، أو من الإتيان بأسباب نزول ليست صحيحة ، على كل هناك محاولة ذكية لصرف النص عن مؤداه الحقيقي ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَعْنِي الثُّومَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا)) .

(متفق عليه عن ابن عمر)

    هل أراد منك أن تأكل من هذه الشجرة ؟ من أجل ألا تأتي إلى المسجد يوم الجمعة ؟ مستحيل، ينهاك عن أن تؤذي من حولك ، أنت فهمت النص فهماً آخر ، حينما قال : غض بصرك ، لولا أنه يجب أن تبرز المرأة مفاتنها لما أمرنا بغض البصر ، من قال لك ذلك ؟ من هذا القبيل يوجد نصوص ، واجتهادات ، وتعليقات لا تعد ولا تحصى ، لولا أن المرأة مسموح لها أن تظهر مفاتنها لما أمرنا بغض البصر هكذا ! إذا خرجت المرأة متعطرة ليجد الناس ريحها لم ترح رائحة الجنة ، تقول امرأة إن أرادت لي عنق النص : أنا لا أريد أن يجد الناس هذه الرائحة ، لم أقصد أن تتعطر عطراً فواحاً يلفت النظر ، فمن دون أن تقصد لا شيء فيه ، هذا أيضاً لي لعنق النص ، فهناك نصوص في العقيدة ، وفي الفقه ، وفي المعاملات ، النص واضح، وله قواعد أصولية في فهمه ، وعلم الأصول من أرقى العلوم ، حتى إن بعضهم قال : إن علماء الدين أمام علماء الأصول عوام ، علم الأصول علم استنباط الحكم الشرعي من النص ، أما كل إنسان يتأمل في آية ، و في حديث فيستنتج منها ما يحلو له ، يقول لك : ((كُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤْلًا أَوْ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةٍ)) .

(متفق عليه)

    جيد ، إذاً اقترف الكبائر من أجل أن تنالك شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام ، كلام مضحك، هذه التأويلات ، وتلك التفسيرات ، وهذه التخرصات إنما من أجل أن تصرف النص عن مؤداه الحقيقي ، عن الغاية النبيلة التي شرع من أجلها ، ولازلنا في هذا التعبير العلمي الدقيق :

يقول مثلاً : وما أرسلنا من نبي إلا ألقى الشيطان في أمنيته ، يقول : الشيطان وصل للأنبياء ، أنا نبي ؟ هذه الآية ليس هذا معناها ، إذا تمنى النبي هداية قومه ألقى الشيطان في أمنيته هو أن يضلهم ، أما أن يصل شيطان إلى النبي الكريم ، أين حصانته ؟ وأين إقباله وأين نوره ؟ هذا الباب إذا فتحناه لا ينتهي ، المغرض المنتفع الجاهل المتعصب الذي يريد أن يفهم النصوص كما يحلو له ، حتى يغطي بهذا الفهم السقيم انحرافاته ، بعضهم ألف كتاباً عن القرآن الكريم ، بعد قراءة القرآن ثبت له كما يقول : إنه لا يجد في كتاب الله ما يمنع المرأة من أن تضع على جسمها إلا ثيابها الداخلية ! ولأقربائها ولمن هم أقرب الناس إليها أن يروها كما خلقها الله ! هذا كلام لا يحتمل ، يقول لك الحديث : ((انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا)) .

[الترمذي، النسائي ، ابن ماجه ، أحمد عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ]

         انظر إليها ، المطلق على إطلاقه ، أي انظر إليها كما خلقها الله ، هذا كله تحت عنوان لي عنق النص ، تحريف النص تزوير النص ، صرف النص عن غايته الأساسية ، أنت كمسلم لك مع النص تعامل كبير جداً ، دينك دين وحي ، والوحي نص ، أخطر شيء في الدين تعاملك مع النص ، هل تفهمه كما أراده الله أم تفهمه وفق مزاجك وأهوائك وشهواتك ومصالحك ؟ فالذي يأكل الربا يقول : الله لم ينهِ عن الربا بنسب قليلة ، نهى بنسب عالية جداً والدليل : [لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً] .

 (سورة آل عمران : من الآية 130)

  عندما قال الله عز وجل : [وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ] .

 (سورة البقرة : من الآية 279)

    آية واضحة كالشمس .

[فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ] .

 (سورة البقرة : من الآية 223)   

    من أي مكان ، لا ، يقول الله : حرثكم من مكان الإنبات لا من مكان القدر من مكان الإنبات، فكل إنسان له أهواء مصالح ، ومطامح ، وغرائز ، يحاول أن يفهم النص كما يحلو له ، وما ذكر الله هذا عن أهل الكتاب إلا لأننا مؤهلون أن نقع في هذه المشكلة مرة ثانية ، وجميع الفرق الضالة اعتمدت على نصوص ضعيفة ، أو موضوعة ، أو على نصوص صحيحة أوّلت تأويلاً غير صحيح ، فقضية النص قضية خطيرة جداً ، أنت معك منهج السماء ، ومنهج السماء هو الوحي ، الكتاب ، القرآن ، وسنة النبي العدنان ، الوحي الأول والثاني ، الوحي المتلو ، والوحي غير المتلو نصوص ، ولك أن تفهمها كما فهمها علماء الأصول ، كما فهمها أصحاب رسول الله في الحقب الثلاثة التي جاءت بعده ، وقد شهد النبي عليه الصلاة والسلام لهؤلاء الصحاب الكرام ـ ولهؤلاء التابعين ، ولتابعي التابعين ، أي شهد النبي الكريم لقرنه ، والقرن الذي يليه ، والذي يليه أيضاً شهد لهذه القرون الثلاثة بالخيرية ، فأنا أفهم النص لا كما تحتمله اللغة ، بل كما فهمه أصحاب رسول الله ، كشاهد لو قال : بيتًا من الشعر بعض أصحاب رسول الله :

ولست أبالي حين أُقتل مسلماً        على أي جنبٍ كان في الله مصرعي

من الجنة ، لو قرأت النص من دون ضبط بالشكل : ألا يحتمل أن تقول :

ولست أبالي حين أَقتل مسلماً         على أي جنب كان في الله مصرعي

إلى النار ، وبئس المصير ، بالعكس عندما يقتل المرء مسلماً يخلد في النار ، فبين أن تكون من أهل الجنة ، وبين أن تكون من أهل النار ، بين أُقتل ، وأَقتل ضمة حركة ! هو النص يحتمل ضمة ، ويحتمل فتحة ، لكن ماذا قال الصحابي ؟ أنت حينما تتغنى بهذا البيت فإنه قال : أُقتل مسلماً ، وما قال : أَقتل مسلماً ، مستحيل ، احتمالات اللغة لا تكفي أن تفهم ماذا قال الصحابة الكرام ، هذا الشيء يقودنا إلى أن أخطر شيء في حياة المؤمن هو فهم النص ، لا النص نفسه ، فهمه ، يعني مثلاً : [وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ] .

 (سورة النور: من الآية 33)

    بربك هل في العالم الإسلامي كله أب واحد يكره ابنته على الزنى ؟ مستحيل ، لكن كلما جاءك خاطب رددته ، هذا لضآلة دخله ، وهذا لبعد بيته ، وهذا لعدم لياقته ، وهذا ، وهذا ، وأنت مرتاح ، ابنتك تتمنى زوجاً يسترها ، ويحفظها ، ويحميها وتأنس بها ، ويأنس بها ، وأنت تبحث عن أدق العيوب ، وترفض الخاطب لأدق العيوب ، أنت ماذا تعمل ؟ أنت بهذا تقوي رغبة ابنتك في الزواج ، وفي ساعة غفلة قد تفتقدها من البيت ، أو قد تسقط في حمأة الرذيلة ، وغي ساعة غضب قد تستسلم لشاب أغراها بكلام معسول ، لأنه كلما جاءك الخاطب رددته .

          هي تريد أن تكون محصنة ، وأنت لا تريد لها ذلك ، أنت تريد شابًا تفتخر به ، وتفتخر بماله ، وتفتخر ببحبوحته ، هكذا الآية ، أما هل يعقل إنسان أن يكره فتاته على الزنى ؟ مستحيل ، [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ]

 (سورة النحل : من الآية 43)

     أهل الذكر هم أهل الوحي ، والله عز وجل يقول : [بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ] .

 (سورة يونس : من الآية 39)

     معنى ذلك ينبغي أن تفهم تأويل هذا القرآن الكريم من أهل الذكر ، من أهل الوحيين ، أردت من هذا الموضوع تعديل النص ، وجره إلى معنى بعيد عنه ، لي عنق النص ، صرف النص عن مضمونه الحقيقي ، نحن حينما نقول لطالب الوظيفة : ائتنا بحسن سلوك من المختار فرضاً ، هذا شيء مهم جداً ، أن يشهد لك مختار محلَّتك أنك إنسان طيب وصالح ، لكن هذا الأمر فُرّغ من مضمونه ، فأي إنسان يطلب حسن سلوك يأخذ حسن سلوك ، ولو كان قاطع طريق ، فإذاً الوثيقة لم يعد لها قيمة إطلاقاً ، فُرغت من مضمونها ، وانتهت هذه الوثيقة .

      فالنصوص حينما تؤول تأويلاً مغلوطاً ، وحينما تصرف عن معناها الصحيح إلى معنى مفتعل مغلوط ، حينما نقدم ، ونؤخر ، ونضيف حركة ، ونحذف حركة ، ذكرت لكم بعض الأمثلة :[ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] .

 (سورة الكهف : من الآية 29)

[وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ] .

(سورة التكوير : الآية 29)

    أخي متى تصلي ؟ الله لم يشاء لي بعد ! ما هذا الكلام ؟ هذه الآية : [وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ] .

(سورة التكوير : الآية 29)

      هل فهمت الآية هكذا ؟ لا ، إذا استحققت دخول الجنة لأن الله منحك حرية الاختيار ، ولولا أن الله تفضل عليك ، ومنحك حرية الاختيار لما كنت مختاراً ولما كنت من هذا الاختيار من أهل الجنة ، هذا معنى قوله تعالى : [وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ] .

(سورة التكوير : الآية 29)

     يقول الله عز وجل لك لا يريد هداية عباده ، والدليل : [وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] .

 (سورة السجدة : الآية 13)

    نريد أن نعبئها ! هذا فهم سقيم جداً ، هناك من يدعي أن الله أجبره على المعصية ، يقول الله عز وجل : يا عبادي لو أني كنت مجبركم على شيء لما أجبرتكم إلا على الهدى  ، ولو شئنا أن نجبركم ، ونسلبكم اختياركم ، ونلغي هويتكم ، وأن تكونوا كمخلوقات أخرى مسيرين ، وأجبرناكم على شيء ما لما أجبرناكم إلا على الهدى ، أما هذا الذي تفعلونه من اختياركم ، ومن كسبكم ، ومن صنع أيديكم ، لذلك سوف تدفعون ثمنه باهظاً هذا المعنى ، بين أن تفهم أن الله يريد هداية خلقه ، مثلاً : أمن المعقول أن ترى حاجزًا في الطريق ، خير ، على سجن عدرا ؟ ماذا حصل ؟ لأنه فارغ ، ونريد أن نملأه ! هذا الكلام غير معقول ، ولا يقبله عقل ، هناك من يفهم هذا الكلام هكذا ، [وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] .

(سورة السجدة : من الآية 13)

    لا ، ليس هذا هو المعنى .

        وقال تعالى : [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ]  .

[الحج : من الآية 52]  

الشيطان وصل إلى النبي وألقى ؟ لا ، النبي يتمنى هداية قومه ، والشيطان يتمنى إضلالهم ، وليس بأماني النبي ، وليس بأماني الشيطان ، إنما هو باختيار الإنسان .

[لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ] .

(سورة البقرة : من الآية 272)

[إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ] .

(سورة القصص : من الآية 56)

[لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ] .

(سورة الغاشية : الآية 22)

الإنسان مخير ، ففرق كبير ، يقول : [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا] .

(سورة الشمس : الآية 7-8)

     الهداية من عند الله عز وجل ، الله لم يهدني بعد ، فلان شارب خمر لا تعترض ، كاسات معدودة بأماكن محدودة ، الآية : [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا] .

(سورة الشمس : الآية 7-8)

        ليس هذا هو المعنى ، المعنى أن الله فطر النفس فطرة عالية ، وجبلها جبلة عالية ، وبرمجها برمجة عالية ، حيث إذا أخطأت تحس على خطأها من دون معلم ، وإذا التقت تحس أنها مستقيمة من دون معلم ، مصممة هذه النفس أن تعرف حقيقتها ، [بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ] .

 (سورة القيامة : 14-15)

    شيء واضح ، يقول : [وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا] .

 (سورة الكهف : من الآية 28)

     ما ذنبه هذا ؟ الله جعله غافلا ، أغفلنا ، من قال : لك يا أخي إن أغفلنا تعني أن الله خلق فيه الغفلة ؟ أعوذ بالله ، افتح كتب اللغة ، أغفلنا يعني وجدناه غافلاً ، والعرب تقول قبل الإسلام: عاشرت هؤلاء القوم فما أجبنتهم ، أي ما وجدتهم جبناء ، عاشرت هؤلاء فما أبخلتهم ، أي ما وجدتهم بخلاء .

[وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا] .

 (سورة الكهف : من الآية 28)

       ليس معناها أننا خلقنا فيه الغفلة ، ثم نحاسبه ، أيعقل أن يأمر مدير مؤسسة موظفاً أن يسافر إلى حلب ، ثم يتفقده في اليوم التالي ما داوم ، أنت أعطيته أمر أن يسافر إلى حلب ، سأعاقبه ، أنت أمرته أن يسافر ، وتعاقبه لأنه غاب عن الدوام في اليوم التالي في مركز الشركة؟ مستحيل .

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له     إياكَ إياك أن تبتل بالماء !

هكذا يصورون الله عز وجل ، أنه قدر عليه الكفر قبل أن يخلق ، جاء إلى الدنيا ماذا فعل هذا العبد ؟ نفذ مشيئة الله في جهنم إلى أبد الآبدين ، لأنك كافر ، ألا يقول الإنسان : ما ذنبي أنا ؟ أنت خلقتني كافراً ، أنت قدرت علي الكفر ، كيف تعذبني ؟ قال لا : [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا] .

 (سورة الإنسان : الآية 3)

[وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ] .

(سورة البقرة : من الآية 148)

[فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] .

(سورة الكهف : من الآية 29)

[سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ]

(سورة الأنعام : الآية 148)

     هذا كذب على الله ، سيدنا عمر جاؤوا إليه بشارب خمر فقال : أقيموا عليه الحد ، قال : والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر علي ذلك ، يتكلم مع سيدنا عمر عملاق الإسلام ، فقال : أقيموا عليه الحد مرتين ؛ مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، قال له : ويحك يا هذا ، إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار ، في اللحظة التي تتوهم أنك مسير في كل شيء ، لِمَ لا تصلي ؟ ما شاء الله لي أن أصلي ، أليس للإنسان علاقة بالهداية والضلال ؟ الله يهدي أناسًا ، ويضل آخرين ، كيف يحاسبهم ؟ لماذا يعذب المنحرف منهم ؟ لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أنه أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً وأعط على القليل كثيراً .

    أخطر شيء العقيدة ، حينما تفسد عقيدة الإنسان فلابد أن ينحرف ، ما أدري أوضحت هذه الحقيقة : كيف يُلوَى عنق النص ؟ كيف يزور النص ؟ كيف يخرج النص عن مدلوله الحقيقي ؟ [الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ] .

(سورة الحج : من الآية 41)

   لم لا تصلِ ؟ الله لم يكلفه بعد ! والله شيء جميل ، [وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ] .

(سورة الحجر : الآية 99)

     لِمَ لا تعبد الله ؟ أنا جاءني اليقين حتى انتهاء الغائب ، أرأيتم إلى هذه الأمثلة ؟ هذا معنى ليّ عنق النص ، هذا معنى تزوير النص ، هذا معنى إخراج النص عن قصد التعظيم .

يأتيك بآية ، أو بحديث ، أو بآية من التوراة عن هؤلاء ، أو بآية من الإنجيل ، يلوون ، يعني يغيرون صياغتها ، أو يغيرون مدلولها ، في بعض الكتب المعاصرة المال والبنون قال : البنون البناء زينة الحياة الدنيا ، المال والبناء .

ليس هذا كلام الله ، ليس هذا الفهم فهماً صحيحاً لكلام الله ، وليس هذا الفهم صحيحاً لسنة رسول الله ، عنده اثنا عشر ولداً ، كلهم في الطريق ، لا تربية ، ولا علم ، ولا أخلاق ، ولا مدرسة ، ولا غذاء صحي ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ)) .

(النسائي وأبو داود)

   هل تظن أن النبي أراد أن يباهي للعدد فقط ؟ النبي يباهي بالنوع ، عندما تجد عصر كعصر النبي كله أبطال ، أصحاب النبي كانوا أبطالا ، عندما تجد ألفًا كأف ، ما قيمة هذه الكسرة ؟ ما قيمة مليار ، ومائتين مليون ؟ وليس أمرهم بيدهم ، وليست كلمتهم هي العليا ما قيمته ؟ ما قيمة ملايين مملينة تائهة عن الله عز وجل شاردة عنه ؟ تقترف المعاصي ، والآثام هان أمر الله عليها، فهانت على الله ، المسلمون ينتظرون من الله أن يغير سننه ، وهم ليسوا مستعدين أن يغيروا حياتهم أبداً ، [إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] .

 (سورة الرعد : من الآية 21)

   هذا المرض الذي وقع به أهل الكتاب ، وقع به المسلمون بشكل موسع جداً ، ما من إنسان منحرف حتى الذي ينحرف في علاقته مع أهله يقول : أنا شئتم ، يا أخي أنا لكن فأتوا حرثكم ، حرث مكان الإنبات ، الآية واضحة ، أنا تفيد إطلاق المكان ، ما هذا الكلام ؟ لا يوجد إنسان منحرف إلا يبحث عن تفسير منحرف لنص ، المرابي ، [لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً] .

 (سورة آل عمران : من الآية 130)

     الذي لم يهتدِ ما أراد الهدى ، [وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ] .

 (سورة النحل : من الآية 93)

   هذا ليس عملنا ، شيء من المناقشات والحوارات بين الناس ، تجد أن كل إنسان مقترف المعصية يبحث عن غطاء من النصوص لتغطيتها .

    إذا كان الواحد لا يريد مساعدة الفقير يقول لك : لست أرحم من ربه ، هل يعني ألاّ تساعده ؟ لأن الله قدر عليه الفقر يجب ألا تساعده ؟ هكذا فهمك ؟ والآية واضحة : [أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ] .

 (سورة يس : من الآية 47)

يجب أن تطعم الفقير ولو كان فقيراً .

     مرة سمعت طرفة : أن من هذا الذي يؤمن بوحدة الأمة العربية ؟ قال : المهرب ، لأن الحدود ألغاها ، ونقل البضائع عبرها ، هذا ليٌّ لعنق النص أيضاً

هذا من تخرصاتهم ، من أهوائهم ، من شهواتهم ، من انحرافاتهم ، من رغباتهم المريضة .

        أخطر شيء في الحياة أن تكذب على الله ، وعلى رسوله ، فعَنْ الْمُغِيرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)) .

(متفق عليه)

والكذب على رسول الله كأنه كذب على الله ، لأن الله أمرنا أن نأخذ ما قاله النبي ، فقال : [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]  .

 (سورة الحشر : من الآية 7)

    الله أمرنا ، فإذا أتيت بحديث موضوع ، أو بحديث غير صحيح ، أو حديث ضعيف ، وأوهمتنا أنه من كلام النبي عليه الصلاة والسلام ، أنت ماذا فعلت ؟ كذبت على الله ، لأنك كذبت على المبلغ الذي يبلغ عن الله عز وجل ، إذاً :

واحد يقول : والله لست قاصدًا بأن أكذب على النبي ، النبي قال : من كذب علي متعمداً ، أنا لست متعمدًا ، عند والدي كتاب قديم أقرأ منه ، هذه كلها أحاديث موجودة في كتاب والدي ، لم أفعل شيئًا ، اسمع الحديث الثاني ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ)) .

(مسلم ، الترمذي)

    يجب أن تتحقق قبل أن تقول : قال عليه الصلاة والسلام ، يجب أن تتحقق وإلا قد يروى ، سمعت أن هناك حديث يقول : استخدم صيغة التمريض كي تشعرنا أنك لست متأكداً أن هذا كلام النبي ، لكن هنا مشكلة ، المشكلة أن إنسانًا قد يفتي في غير علم ، فتواه فيها خطأ كبير ، طبعاً هذا خطأ كبير أن تفتي بغير علم ، لكن الجريمة أن تفتي بخلاف ما تعلم ، يعني أنت تعلم أن هذا الشيء حرام ، لكن لمصلحة راجحة عندك أفتيته ، هذا في حكم الذنوب يعد مجرمًا ، هناك من يفتي بغير علم ، وهو آثم، وإثمه كبير ، لكن هناك من يفتي بخلاف ما يعلم ، يعرف الحقيقة ، يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ، ومع ذلك يكذبون نبوته ، ثم يقول الله عز وجل :

       هناك مقام الرسالة ، مقام الرسالة أعلى مقام ، مقام تبليغي ، وهناك مقام النبوة ، مقام سلوكي ، طبعاً مقام الرسالة سلوكي تبليغي ، إنسان يطبق منهج الله ، ويدعو الناس إلى منهج من عند الله ، جاء عن طريقه هو رسوله ، وقد يأتي نبي قبله رسالة ، هو مهمته أن يعيد الناس إلى جادة الصواب التي كانوا عليها ، فمقام النبوة مقام سلوكي ، مقام تطبيقي ، بينما مقام الرسالة مقام تبليغي ، [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ] .

 (سورة المائدة : من الآية 67)

    سيدنا يوسف لم يأتِ بكتاب ، لكن أحيا تطبيق الكتاب السابق ، فكلما فترت الهمم يأتي نبي ، كلما ضاع الحق يأتي رسول ، الرسول معه رسالة ، معه منهج من عند الله ، النبي معه تطبيق ، وقد تجد حكيماً آتاه الله فهماً ، وحكمة ، وعقلاً راجحاً ، واتباعاً لنبي قبله ، هذا اسمه حكيم ، [وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ]

 (سورة لقمان : الآية 13)

   فلقمان حكيم ، وسيدنا يوسف نبي ، وسيدنا محمد رسول ، بل هو سيد الرسل ، فهناك حكيم معه حق ، ويطبق هذا الحق ، وهناك نبي معه منهج سابق يطبقه ، وهناك نبي جاء بمنهج جديد فهو رسول ، يقول الله عز وجل :

يعني رسول معه كتاب معه وحي .

معه حكمة كسيدنا لقمان .

   

معه نبوة ، فلا يوجد حكيم معتمد عند الله أنه حكيم ، ولا نبي ولا رسول يمكن أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ، ثم يقول للناس : كونوا عباداً لي ، هذه مستحيلة ، الله يعلم حيث يجعل رسالته ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تؤتى كتاباً ، أو حكمة ، أو نبوة ثم تدعي الألوهية ، وتقول: كونوا عباداً لي من دون الله ! مستحيل ، لأن هذه جريمة كبيرة جداً ؛ أن تدعي الألوهية، وتقول للناس : اعبدوني من دون الله ، لكن ماذا يقول النبي ؟ وماذا يقول الرسول ؟ وماذا يقول الحكيم ؟

   

       من هو الرباني ؟ لأوضح لكم هذه الحقيقة ، تقول : فلان علماني ، طبعاً أصل كلمة علماني أنّ العلم متغلغل في دمه ، في كل حركاته ، وسكناته ، وأقواله ، وأفعاله ، ينطلق من العلم ، هوايته العلم ، مطالعته كتب العلم ، حديثه في العلم ، مزاجه في العلم ، طموحه في العلم ، همومه أن يكون عالماً ، هذا إنسان علماني ، لكن قد نجد هذه الكلمة تستخدم استخدامًا غير صحيح ، علماني أيْ يحارب الدين ، أو علماني يحارب الدين الإسلامي فقط ، هذا مضمون كلمة علماني في الواقع ، أما كلمة علماني تعني شديد الالتصاق بالعلم ، تقول مقالة علمية ، ليس علمانية ، علمية فقط ، تقول كتاب علمي ، محاضرة علمية ، موقف علمي ، الموقف يغلب عليه الطابع العلمي ، هذه المحاضرة يغلب عليها الطابع العلمي ، أما إن أردت أن تقول : إن كل كلمة في هذه المحاضرة تتصف بالعلم العميق تقول محاضرة علمانية ، واحد معه شهادة ثانوية تقول هذا مثقف علمي  ، يحمل ليسانس علمي ، لكن العلم تغلغل في أعماقه حتى وصل إلى كل حنايا جسمه ، وإلى كل قطرات دمه ، وخلايا جسمه ، فلو عصرته لما وجدت إلا علماً ، تقول : فلان علماني ، قدمت لكم بهذا المثل ، يعني كلمة علماني غير علمي ، شدة اقتصاف الشيء بالعلمية ، شدة الاقتصاف ، قد تقول : هذا البيت فيه شيء من الجمال ، فيه غرفة ضيوف جميلة أما بقية الغرف فسيئة جداً ، أما إذا كان كل سنتيمتر بالبيت ينطق بالذوق ، تقول بيت جمالي ، تعطيه صفة أعلى بكثير ، هذا تمهيد ، ما معنى كونوا ربانيين ؟ كيانه كله متعلق بالرب ، حديثه كله عن الله عز وجل ، حركاته ، وسكناته كلها وفق منهج الله ، أن يهتدي الناس جميعاً ، طموحاته أن يكون عند الله مقرباً ، آماله أن يكون الله في قلوب الناس جميعاً .

شدة نسبة الإنسان إلى ربه يعبر عنها بكلمة رباني ، [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ] .

(سورة الكهف : من الآية 110)

     النبي عليه الصلاة والسلام على جلال قدره كان ربانياً ، تقريبًا لو عندك لوح بللور مركب على باب ، والباب من أعلى مستوى تقول عنه : بلجيكي شفاف ، من شدة شفافيته ، ونظافته ربما لا تراه ، ترى ما خلفه دائماً ، وحوداث كثيرة ، أحدهم من كثرة نظافة البللور اخترقه برأسه ، يظن أنه ليس بللورًا ، فإذا كان البللور صافيًا جداً يشف عما وراءه ، من هو الرباني ؟ لا يشف عن ذاته ، بل يشف عن ربه في كل حركاته ، وسكناته ، وأقواله ، وأفعاله ، وعمله ، ولهوه ، ومرحه ، ومع أهله ، ومع ، إخوانه ، وفي نزهة ، وفي مقام يتحدث عن ربه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ((من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق)) .

(تفسير الجلالين)

[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا] .

(سورة الأحزاب : الآية 41)

       الرباني يشف عن حقيقة الدين ، يشف عن كمال الله ، وكمال رسول الله ، لا يلفتك إلى نفسه ، يقول : أنا ضجرت من هذه الكلمة ، أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا ، ويتكلم عن نفسه ، كل حديثه عن نفسه مفتخراً معظماً ، وكلما قال أنا يضيف أربع كلمات بعدها ! أعوذ بالله من كلمة أنا ، ويمدح نفسه ، الأضواء لا يسلطها على ذاته لكن يتحدث عن ربه ، ما ذكرني عبدي في نفسه إلا ذكرته في ملائكتي ، وما ذكرني في ملأ من خلقي إلا ذكرته في ملأ خير منهم ، وهذا معنى قوله تعالى : [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ] .

 (سورة البقرة : من الآية 152)

   مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يؤتي الله أحداً الكتاب ، والحكمة ، والنبوة ، ثم يقول هذا الإنسان للناس : كونوا عباداً لي من دون الله ، لا يمكن أن يقول إلا كونوا ربانيين ، أنت رباني، كيفما تحركت تعبر عن حقيقة هذا الدين العظيم ، وعن حقيقة سيد المرسلين .

     شيء آخر ؛ النبي عليه الصلاة والسلام حينما انتقل إلى الرفيق الأعلى ماذا قال الصديق ، وهو أحب الخلق إليه ؟ ما من بشرين على وجه الأرض أحب كل منهما الآخر كما أحب النبي الصديق ، وكما أحب الصديق النبي ، ومع ذلك حينما وافت المنيةُ رسولَ الله قال أبو بكر : من كان يعبد محمد فإن محمد قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، المؤمن رباني كل حركاته ، وسكناته ، وأقواله ، وأفعاله ، وفي كل أوقاته مع الله ، ينطق بالله ، يستعين بالله ، يفوض أمره إلى الله ، راض بقضاء الله وحكمه ، يسعى لخدمة عباد الله ، يسعى لنشر الحق ، لمسح الآلام عن البؤساء والفقراء ، المؤمن رباني ، وبالمقابل يوجد فلان شيطاني خبيث ، كيفما تحرك يؤذي بكلماته ، وحركاته ، وسكناته ، يأكل المال الحرام ، ويفرق بين الأنام ، وأينما تحرك يؤذي ، فهناك رباني ، وشيطاني ، وشهواني ، كلمة شهواني تعني شدة اتصافه بالشهوة ، كلمة رحماني شدة اتصافه بالرحمة ، كلمة رباني شدة محبته لربه .

وكيف لا ؟ 

       المدارسة أن نقرأ النص معاً ، ونتعاون على فهمه ، واستنباط الأحكام منه ، هذه المدارسة، والتعليم أبلغ ، أنت متمكن من هذا النص ، وتعلمه للناس ، كيف تخالفه ؟ ولا يمكن لهذا النبي ، أو الرسول ، أو الحكيم أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ، أيأمركم بالكفر ؟ هذا موضوع دقيق ، هناك أشخاص يؤلهون بعضهم بعضاً ، يقول لك : أنا لم أقل : إنه إله ، نعلم ذلك ، لم تقل إنه إله ، ولكنك عاملته كإله ، أخذت أمره ، ولم تعرضه على الشرع ، نفذته من دون أن تتأكد من صواب هذا الأمر ، إنك تعبد هذا الإنسان من دون الله ، حينما تتخذ إنساناً إلهاً أو رباً لا يعني أن تقول : إنه إله ، أو رب ، ولكن تتعامل معه وكأنه إله لا يخطئ ، وأمره لا تفكر فيه أبداً ، أما سيدنا الصديق لما تولى الأمر قال : أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ، بينما الشرع - راقبوني - هكذا .

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ)).

[متفق عليه]

      بعضهم كان في حوار ، وسؤال ، هذا الذي يغمض عينيه ، ويقول أحياناً : خطأ الشيخ خير من صواب طالب العلم ، كلام غير مقبول ، لأنه : أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيتوه فلا طاعة لي عليكم ، بيننا كتاب الله ، وبيننا سنة رسول الله .

     أنت حينما تعظم إنساناً فيصل تعظيمك في هذا الإنسان إلى درجة أنك تطيعه على عمى هذا تأليه ، اتخذته إلهاً ، واتخذته رباً ، الصحابة الكرام لحكمة أراها الله أمر النبي على بعضهم رجل من الأنصار ذا دعابة ، فلما انطلقوا استوقفهم وقال : أضرموا ناراً عظيمة ، فأضرموها ، قال : اقتحموها ، لما ؟ قال : أنا آمركم بهذا ، ألست أميركم ؟ أليست طاعتي طاعة رسول الله ؟ الصحابة ترددوا في هذا الأمر ، بعضهم قال : إنما آمنا بالله فراراً من النار ، فكيف ندخلها ؟ بعضهم قال : طاعة الأمير طاعة رسول الله ، بلغ ذلك النبي ، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا فَأَوْقَدَ نَارًا وَقَالَ ادْخُلُوهَا فَأَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنْهَا فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا لَوْ دَخَلُوهَا لَمْ يَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ لِلْآخَرِينَ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)) .

[متفق عليه]

       حتى إن الآية الكريمة تقول :[ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ] .

 (سورة الممتحنة : من الآية 12)

حتى معصية النبي مقيدة بالمعروف ، يجب ألا تكون معصيتك للنبي في أمر تشريعي ، لو فرضنا في أمر مزاجي ، النبي عليه الصلاة والسلام كان لشعره طريقة خاصة فرضاً ، فتح قميصه ، شعر بحر شديد مثلاً ، كلما فعل النبي شيئاً ليس تشريعياً من أحواله الخاصة ، هذا شيء آخر ، لكن يجب أن تتابعه في أوامره التشريعية التي هي من عند الله ، أما في أحواله الشخصية فكان يحب اليقطين ، لو أن واحدًا ما أحب اليقطين هل هو في جهنم ؟ لا علاقة ، هذه قضية شخصية .

    

لذلك قالوا : يا رسول الله ، أنت رسول ، ونحب أن نعظمك ، أنسجد لك ؟ قال : معاذ الله ، السجود لله وحده ، أبداً ، ديننا دين توحيد .

   

هذا كفر ، أن تسجد لإنسان ، أن تدعي ، أو تعامل إنساناً على أنه رب ، أو إله فهذا كفر .

  

أيعقل من مسلم استسلم لأمر الله أن يعبد من دونه أحداً ؟

      أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا في الدرس القادم على متابعة هذه الآيات ، والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi