English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس  :05/60: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة آل عمران :  الآيات " 10 ـ 13 " .  

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الخامس من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الحادية عشر ، والتي قبلها ، وهي قوله تعالى :

         أي كعادة أهل فرعون ، الدأب هو العادة والشأن ، عادة فرعون تكذيب الرسل ، وعادة الأقوياء والأغنياء الشاردين عن الله تكذيب أيَّة دعوةٍ صادقة ، لأن حياتهم مبنيةٌ على شهوات ، والدعوة الصادقة فيها منهج ، فيها افعل ، ولا تفعل ، فأية دعوة صادقة من عند الله عز وجل فيها حَدٌ لشهواته ، وحدٌ لعدوانهم ، وحدٌ لبغيهم ، وحد لتطاولهم ، فشيء طبيعيٌ جداً أن القوي أو الغني يعيش حياةً مترفةً ، وهذه الحياة المترفة ليست وفق منهج الله ، منهج الله فيه عدلٌ ، من أروع ما قيل في الشريعة : " إنها عدل كلها ، مصلحة كلها ، رحمة كلها ، حكمة كلها ، وأية قضية خرجت من العدل إلى الجور ، ومن الرحمة إلى القسوة ، ومن الحكمة إلى خلافها ، ومن المصلحة إلى المفسدة ، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل " .

       منهج الله يحقق العدل للبشر ، يمنع الظلم ، يمنع التطاول ، يمنع الكبر ، فالأغنياء والأقوياء الشاردون عن الله عز وجل من شأنهم ، ومن طبيعتهم الفاسدة ، ومن عاداتهم المتوارثة أن يردوا الحق ، وأن يكذبوا ، ومن شأن الله معهم أن يدمِّرهم ، شأنهم التكذيب ، وشأنه معهم التدمير ، هذا معنى :

      

العادة والشأن ..

 

        حينما جاء النبي عليه الصلاة والسلام ، مَن الذين آمنوا به ؟ الفقراء والضعاف ، أما أقوياء قريش فاستكبروا ، واستنكفوا ، واستَعْلوا ، وعادة الله مع هؤلاء :

 

آيةٌ واضحةٌ كالشمس ، فشأن الأقوياء والأغنياء التكذيب ، وشأن الله معهم الإهلاك .

      أما هذه الآية التي بعدها :

      

مهما علوا ، مهما تغطرسوا ، مهما اشتدوا ، مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ؟.

وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى(50)

( سورة النجم )

معنى ذلك أن ثمة عادًا ثانية ، ونحن نعيشها الآن ، تقول عاد الثانية : وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً

( سورة فصلت : من آية " 15" )

سياسة الخارجية كسياسة الداخلية ، أملي أوامر ، إن ذهب أحدٌ إلى هذه البلاد يقول : لم يخلق مثلها في البلاد ، أموال الدنيا كلها فيها ، بلاد بنيت بناءً تامًا ، مرافقها من أرقى المرافق ، صناعتها ، زراعتها ، جمال بلادها ، وفرة الأموال .. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ(8)

( سورة الفجر )

أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ(128)

( سورة الشعراء )

عاد الثانية كعاد الأولى ، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون ، وإذا بطشوا بطشوا جبَّارين ، خمسمئة طفل يموت من الجوع كل عام ، جوعاً ومرضاً ، ولا يرحمون ، وكيف هلاكهم ؟ بالأعاصير .. سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ(7)

( سورة الحاقة )

      كأن هذا شأن الأقوياء والأغنياء ، وشأن الله معهم أن يهلكهم ، وأن يدمرهم ، ولكن الأحمق يظن حينما يكون الحبل مرخًى ، يظن أنه طليق ، أما هو ففي قبضة الله ، في أية لحظة يدمره الله عز وجل ، والدليل : إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ..

( سورة يونس: من آية " 24 " )

والله الأرض الآن في زينة ما بعدها زينة ، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا .

( سورة يونس: من آية " 24 " )

يقول لك : البلد الفلاني عنده قنابل تدمر الأرض خمسة مرات ، القارات الخمس ، قنابل نووية .. وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ..

( سورة يونس: من آية " 24 " )

أي قادرون عليها استطلاعا ؛ فأيّ بقعة تصور ، أنا اطَّلعت على مجلةٍ مدهشة ، الأرض كلها في صورة من القمر ، على هذه الصورة مربعٌ صغيرٌ جداً ، لما كُبِّر ظهرت أمريكا الشمالية ، وعلى هذه الصورة مربع صغير جداً ، لما كُبِّر ظهرت ولاية فلوريدا ، وعلى هذه الصورة مربع صغير جداً ، لما كبر ظهر ساحل من سواحل فلوريدا ، عليه نقطة سوداء ، لما كبرت ظهر مرج أخضر، وشخص مستلقٍ على قماش ، ويقرأ روايةً ، وإلى جانبه صحن فيه فواكه ، هذه الصورة من المركبات الفضائية .. وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ..

( سورة يونس: من آية " 24 " )

استطلاعاً ، وتدميراً ، يقول لك : من مكان بعيد ، من قارة أخرى يأتي الصاروخ في غرفة النوم، دقة إصابة مذهلة ، حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ

( سورة يونس: من آية " 24 " )

        فربنا عز وجل يطمئن المؤمنين ؛ مهما رأيت الباطل مستعلياً ، مهما رأيته متمَكِّناً ، مهما رأيته قوياً ، والله في بلاد فيها أسلحة لا يصدق العقل حجمها ، ومع ذلك تداعت من الداخل ، وانهارت من الداخل ، وانهيارها والله معجزة ، معجزة من معجزات الله عز وجل ، وقد قال بعضهم : "عرفت الله من نقض العزائم " وكل أمة استعلت لابد من أن تذل ، لكن .. وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ

( سورة يونس: من آية " 46 " )

قد نشاهد ، وربما لا يتاح لنا أن نشاهد ، وقد نشاهد ، وربما لا يسمح عمرنا أن نشاهد ، ولكن الله يمهل ، ولا يهمل .. وقوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ(59)

( سورة الأنفال )

معنى سَبَقُوا أنهم فعلوا شيئاً ما أراده الله ، أو تفلتوا من عقاب الله ، مستحيل ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن يفعل الكافر شيئاً ما أراده الله ، إن خطة الله تستوعب خطة الكافر ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن يتفلَّت الكافر من عقاب الله ، لن يسبق الله عز وجل ، لذلك ربنا يطمئن المؤمنين :

      

       أنت حينما تتصوَّر كفَّار قريش ، وهم أقوياء عتاة ، أما المؤمنون فضعاف ، مستضعفون، فقراء ، ومع ذلك حينما فتح النبي مكة المكرمة ، وقد ناصبته قريش العداء عشرين عاماً ، ينكِّلون بأصحابه ، وأرادوا استئصاله ، فكانت معركة الخندق معركة وجود ، بقي للإسلام ساعات وينتهي ، ولكن لا تقلق على هذا الدين ، إنه دين الله ، اقلق على شيءٍ واحد ؛ أن الله سمح لك أن تتشرف بنصرته ، أو لم يسمح لك ، فقط ذلك ، إنه دينه ؛ فإذا شاء نصره بالرجل الفاجر ، وإذا شاء سخَّر أعداءَه لنصرته دون أن يشعروا ، لأنه دينه ، فقلقك ينبغي ألا يكون على سلامة هذا الدين ، إنه دين الله ، ولكن من حقك أن تقلق أن الله سمح لك أن تنصره ، سمح لك أن تدلي بدلوٍ في نصرته ، سمح أن تكون داعيةً له ، سمح أن تكون قوةً له ، هنا القلق ..

      

        فأنت حينما ترى لعبة سيارات كهربائية ، كلكم تعرفونها ، وهؤلاء الصغار يتطاحنون ، ويضرب بعضهم بعضاً ، الذي بيده قطع التيار الكهربائي ، إذا فعل هكذا ، كل السيارات تقف ، وكذا - ولله المثل الأعلى - في لحظة ينهي الله عز وجل كل شيء ، فيكون مصير هؤلاء العتاة .. إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ(29)

( سورة يس )

صيحة واحدة ينتهون ، إعصار واحد دمر ما مقداره ثلاثين مليارًا ، إعصار واحد بشرق أمريكا بالنيوجيرسي كلفة دماره ثلاثون مليار دولار ، إعصار من عند الله مباشرة ، فالله عز وجل عنده وسائل لا تعد ولا تحصى ، أحياناً يلقي الرعب في قلب الكافر من الداخل ، أحياً خطأ بسيط يدمِّر ما صنعه ، سيدنا موسى مع بني إسرائيل كانوا قلة قليلةً مستضعفة ، شرذمة قليلون ، وفرعون وما أدراك وما فرعون ؛ بقوته ، وطغيانه ، وجبروته وراءهم والبحر أمامهم ، بالحسابات الأرضية لا يوجد أمل أبداً ، مقتولون جميعاً ، و .. قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ(62)

( سورة الشعراء )

وهذه قصة سيدنا يونس لا لأخذ العلم ، بل من أجل أن تؤمن بها ، سيدنا يونس كان في بطن الحوت ، ما من مصيبةٍ على الإطلاق أشد من أن تجد نفسك فجأة في بطن حوت ، في ظلام بطن الحوت ، وفي ظلام الليل ، وفي ظلام أعماق البحر ، نبيٌ كريم يجد نفسه فجأة في بطن حوت في ظلماتٍ ثلاث .. فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِين

َ(87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)

( سورة الأنبياء)

في أي مكان ، وفي أي زمان ، وفي أي ظرف .. وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)

( سورة الأنبياء)

والله قصة سمعتها قبل أن آتي إليكم ، يقشعر لها البدن : سائق تاكسي ، استوقفه شخص فقير ، وشبه عاجز ، قال له إلى أين ؟ قال له : إلى أقصى جادة في الجبل ، وما معي درهم أعطيك إيَّاه، قال له : حاضر ، أوصله إلى آخر جادة ، فلما نزل من مركبته ، أقبل عليه أولاده ، وسألوه: أجئتنا بالخبز يا أبت ؟ قال : والله ما جئت بالخبز ، استحييت من السائق أن أوقفه ، فالسائق أراد أن يكمل معروفه ، فنزل إلى جادة في الأسفل ، واشترى خمس ربطات وذهب إليه، أعطاه الخبز ، يقسم بالله من شدة جوع أولاده التهموا نصف الخبز في دقائق ، من جوعهم ، ونزل ، استوقفه سائحان قالا له : خذنا إلى المطار ، فأخذهما إلى المطار ، ونقداه ألفين وخمسمئة ليرة ، والتسعيرة خمسمئة ليرة ، وهو في المطار جاءه سائحان آخران طلبا أن يوصلهما إلى فندق في دمشق ، أعطوه مئتي دولار ـ عشر آلاف ـ فرجع إلى هذا البيت ، واشترى لهم ما لذ وطاب من الفواكه ، والحلويات ، واللحوم ، مع مبلغ من المال ، قال له : كل هذا الرزق بسببك، لأنني خدمتك .

لكن الناس تصحَّروا الآن ، لا يتحرك إلا بمال ، فكلما قل الخير تخلى الله عنا ، هذا تشجيع من الله ، أنت أوصلت عاجز إلى آخر جادة ، أردت أن ترحمه ، بعد ذلك أمَّنت له خبزًا ، هذا وقت، ومال ، وبنزين ، الله عز وجل أراد أن يكافئك مباشرةً ، أكثر من اثنتي عشر ألف ليرة في يوم واحد مقابل هذه الخدمة .. وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)

( سورة الأنبياء)

 

         الآن ، قال الله عز وجل : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

( سورة الروم : من آية " 22 " )

الآية العلامة الدالة على شيء ، فمن علامات خلق الله عز وجل؟ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

( سورة الروم : من آية " 22 " )

وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ

( سورة فصلت: من آية " 37" )

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا

( سورة الروم : من آية " 21 " )

وأضيف إلى هذه الآيات آية فريدة نوعها قال تعالى :

       الآن دقق كيف أن الشمس آية ، والقمر آية ، والليل آية ، والنهار آية ، ونحن المسلمين في أمس الحاجة لهذه الآية ..

 

            في البلاغة لون رائع مطبَّق في هذه الآية ، فهو يذكر شيئاً ، ويحذف ما دل عليه في الثاني ، ويذكر شيئاً في الثاني ، ويحذف ما دل عليه في الأول ، فيقولون : البلاغة في الإيجاز ، فأصل الآية : قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله ، وفئة كافرة تقاتل في سبيل الشيطان ، أواضح ذلك ؟ فقال:

      

لما قال :

  

معنى ذلك أن الأولى مؤمنة ، فالبلاغة في الإيجاز ، الآن الثانية قال :

      

ما قال تقاتل في سبيل مَن ، ما دام الأولى في سبيل الله ، إذاً الثانية في سبيل الشيطان ، البلاغة في الإيجاز ، مفهوم .

بمقاييس الأرض النصر مستحيل ، بمقاييس العَدَد ، والعُدَد ، والتدريب ، والأسلحة ، والمدى المُجْدي ، والأقمار ، والإعلام ، والتوجيه المعنوي المعركة خاسرة ، بمقاييس الأرض المعركة خاسرة ، لماذا كانت هذه آية ؟ أن هذه الفئة القليلة ، الضعيفة ، المستضعفة غلبت فئةً كثيرةً قويةً عاتيةً متمردة ، آية من آيات الله ، فبحسب قوانين الأرض لا يعقل لدراجة أن تسبق مركبة ، ولا يعقل لطفلٍ أن يقاوم جماعةً ، لكن إذا كان الله معك فمَن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ؟! مثل واقعي من حياتنا اليومية ، هذه الدولة الصغيرة مليونين شخص ، لماذا تتحدى كل الشرق الأوسط؟ لأن معها أكبر دولة ، تتحدى مَن حولها لا بقوتها الذاتية ، بل بدعم أكبر قوة في العالم ، إذاً أنت قوي بالله ، لو استعنت بالله أعانك ، وإذا استنصرت به نصرك .

  

       لذلك قال العلماء : هناك نصرٌ استحقاقي ، ونصر تفَضُّلي ، ونصرٌ تكويني ...

الاستحقاقي : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ

( سورة البقرة : من آية " 249 " )

      كما انتصر المسلمون في بدر ، قلة قليلة ، ألف مقاتل على ثلاثمئة راحلة ، بلا عُدَد ، ولا خيول مسوَّمة ، ولاهم يحزنون ، واجهت أكبر قوة في قريش وانتصرت.

      وأما النصر التفَضُّلي فربما لا تكون على الحق مئة بالمئة ، ولكن حكمة الله اقتضت أن تنتصر ، كما انتصر الروم على الفرس ، قال تعالى: غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ

( سورة الروم )

      أما النصر التكويني فكلا الطرفين لا إيمان له بالله ، ينتصر الأقوى ، فالهليكوبتر مدى مدفعها سبعة كيلو متر ، معناها طائرة واحدة تدمر مئة دبابة ، لأن سلاحها يصل إلى المدرعة ، والمدرعة سلاحها لا يصل إلى الطائرة ، انتهت العملية ، فالقضية تكنولوجيا ، قضية حرب بين عقلين ؛ العقل الأرجح ، والأذكى

      والأقوى ينتصر ، ففي النصر الاستحقاقي يكون الله مع المؤمنين ، وفي النصر الثاني حكمة الله اقتضت أن ينتصر الأول ، على شيءٍ من الحق ، أما الثالث ؛ النصر التكويني فالنصر للأقوى ، لذلك قالوا : الحرب بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدد ، وبين حق وباطل لا تطول ، لأن الله مع الحق ، وبين باطلين لا تنتهي ؟

  

إذاً هذه الآية تملأ نفوس المؤمنين ثقةً ، أن الله يتدخل ، من هنا أمرنا أن نعد لهم ما استطعنا ، قال تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ

( سورة الأنفال )

هناك آيتان في القرآن الكريم كافيتان لتحديد عوامل النصر ، قال تعالى : وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ(47)

( سورة الروم )

والآية الثانية : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ

( سورة الأنفال )

وأروع ما في الآية الثانية أن الله ما كلَّفنا أن نعد العُدَّة المكافئة ، لا ، لا ، فقد كلفنا أن نعد القوة المتاحة لنا فقط ، لو أننا عرفنا ربنا ، وعرفنا معاني كتابنا ، واصطلحنا مع الله ، والله الذي لا إله إلا هو هذه العجرفة ، والغطرسة ، والإجرام من أعدائنا اليهود - قاتلهم الله - لا تكون ، فنحن ابتعدنا عن ديننا ، وابتعدنا عن شرعنا ، ولم نقرأ كتابنا .. وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ

( سورة الأنفال )

       لو أننا آمنا بالله ورسوله الإيمان الذي يليق بنا ، وأعددنا القوة المتاحة ، واستعنا بالله ، لانتصرنا على أعدائنا ، فلا سبيل إلا أن نعود إلى الله ، ولا سبيل إلا أن نصطلح مع الله ، ولا سبيل إلا أن نُغَيِّر ، ولكن الذي يدهش أن المسلمين في آخر الزمان ليسوا مستعدين أبداً أن يغيروا ، ولكنهم ينتظرون من الله أن يغيِّر ، وهذا مستحيل ، هم ليسوا مستعدين أن يغيروا ؛ لا من دخلهم ، ولا من إنفاقهم ، ولا من استمتاعهم بالحياة ، ولا، ولا ، ولا ، ولكنهم ينتظرون من الله أن يغير قوانينه ، وهذا مستحيل ، فالناس امتنعوا في بعض البلاد عن شراء بعض البضائع التي تنتمي لبلاد تعادي المسلمين ، ترك هذا أثراً كبيراً ، أطمئنكم ترك هذا أثراً كبيراً ، حتى إن بعض المؤسسات الغذائية الضخمة التي لها فروع في كل أنحاء العالم ، خصصت لكل شطيرةٍ تباع مبلغاً لأبناء الأرض المحتلة ، شركة من بلد تعادي المسلمين ، حرصاً على مصلحتها ، فقد توقفت المبيعات ، هذا متاح لكل مسلم أن ؛ يمتنع من شراء بضاعة تنتمي لدولة معادية فقط ، لست مسؤولاً ، وليس ثمة مشكلة ، ولا أحد يحاسبك ، فقط أريد بضاعة من بلاد أخرى ، أنا قرأت في موقع معلوماتي كيف أن هذه الشركة الضخمة التي لها مبيعات فلكية في دول الخليج هبطت مبيعاتها إلى رقم لا يذكر ، فاضطرت أن تعلن أن كل شطيرةٍ تباع كذا (سنت) إلى أبناء فلسطين ، تشجيعاً للناس على أن يعودوا لشراء هذه الشطائر ، المسلم يملك كل شيء ، لكنها تحتاج إلى إيمان ، وشيء يحتاج إلى وعي ، وشيء يحتاج إلى أن تؤثر الآخرة على الدنيا .

على كلٍ ..

  

معنى ذلك أن انتصار الضعفاء من آيات الله الدالة على عظمته ، والضعيف عنده أسباب القوة ، وقد تَكْمُن القوة في الضعف ، فنحن ولو افتقرنا إلى بعض مقومّات القوة إيماننا يهبنا قوة .

      أيها الإخوة الأكارم ... الآية الثانية مهمة جداً ، وهي أصل في تركيب النفس ، وهي قوله تعالى :

  

لأهمية هذه الآية سأرجئها إلى الدرس القادم .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi