English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الــدرس  :07/60: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع      : تفسير القرآن الكريم : سورة آل عمران :  الآيات " 15 - 18 " .  

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي    : السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس السابع من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الخامسة عشرة ، وهي بعد أن قال الله عزَّ وجل :

      

       قال الله عزَّ وجل :

     

       لو أن الدنيا حازها الإنسان من كل أطرافها ؛ مالٌ وفير ، وامرأةٌ جميلة ، ومركبٌ رائع ، وبستانٌ جميل ، ومزرعةٌ فارهة ، لو أن الإنسان حاز الدنيا بحذافيرها ، ووضعها في كفة ، ثم وضع الآخرة في كفةٍ ثانية ، لا يمكن أن تقابل الدنيا مع الآخرة ، يقول عليه الصلاة والسلام : (ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر)) .

      اذهب إلى البحر المتوسط ، واركب قارباً ، وأخرج إبرةً ، واغمسها في ماء البحر ، ثم انظر بم ترجع ؟ هل نقص ماء البحر ؟ أثر الماء الذي علق على الإبرة ، كم يساوي بالنسبة إلى البحر ؟ هذا ما تساويه الدنيا بالنسبة للآخرة ، لو تصورنا أن إنساناً حاز الدنيا بحذافيرها ، كل شيء على أكمل وجه ، ووازنا هذا بالآخرة لكانت ليست بشيء ، لذلك : " ما خيرٌ بعده النار بخير ، وما شرٌ بعده الجنة بشر " . و .. " كل نعيمٍ دون الجنة محقور ، وكل بلاءٍ دون النار عافية " .

     

         والحديث الذي تعرفونه جميعاً ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)) .

(الترمذي وابن ماجه)

جناح بعوضة ، وليس من مخلوقٍ أهون على البشر من بعوضة ، تقف على يدك فقد تقتلها ، هل تشعر بالذنب أنك قاتل مثلاً ؟ ارتكبت ذنب ؟ أبداً ، وأنت في أعلى تألُّقك تقتل البعوضة ولا تشعر بشيء ، فكيف بجناحها؟!.: ((لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)) .

(الترمذي وابن ماجه)

المعنى أنه لا يليق بكرم الله أن يعطيك عطاءً محدوداً ينتهي بالموت ، والدنيا مهما كانت عريضة تنتهي بالموت ، لو أنك ملكت البلاد والعباد لمات الإنسان ، لو كنت أغنى إنسان تموت ، لو كنت أصح إنسان الموت ينهي صحتك ، الموت ينهي كل شيء ، ينهي غنى الغنى ، وفقر الفقير، وقوة القوي ، وضعف الضعيف ، وصحة الصحيح ، ومرض المريض ، ووسامة الوسيم، وذمامة الذميم ، ما دام هذا العطاء ينتهي بالموت فلا يليق بالله عزَّ وجل ، ليس عطاء ، من هنا أعطى الله عزَّ وجل الدنيا لمن لا يحب ؛ أعطاها لأعدائه ، ألم يعطِ قارون المال الوفير ؟ .. وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ

( سورة القصص : من آية " 76 " )

ألم يعطِ فرعون المُلك ، وهو لا يحبه ؟ إذاً : إن الله يعطي الصحة ، والذكاء ، والمال ، والجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين ..

      

خير من الدنيا ، مَن هم العقلاء ؟ الذين عملوا للآخرة ، مَن هم ضعاف العقول ؟ الذين اكتفوا بالدنيا .. أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ

( سورة التوبة : من آية " 38 " )

أتعجبكم سنوات معدودة كلها مشكلات ؟ لا يوجد إنسان لم تصبه مشكلة ، أحياناً مرض ، أحياناً زوجة متعبة ، أحياناً ابن عاق ، أحياناً بنت لم يخطبها أحد ، وهذه مشكلة كبيرة ، أحياناً دخل قليل ، لو أن الأمور كلها جاءت كما يريد ، لكن مع التقدم في العمر تأتي متاعب في الصحة ، في ضعف بصر ، في انحناء ظهر ، في ألم بالمفاصل ، في خلل بالأجهزة ، فالحياة مفعمة بالمشكلات ، هكذا أرادها الله عزَّ وجل .. " أوحى ربك على الدنيا أن تشددي وتكدري وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي " .

        طبيعة الدنيا متعبة ، مهما راقت فلا تستقيم لإنسان ، وهذا الواقع أمامكم ، إن كان دخله كبيراً ، أولاده متعبون ، أولاده أتقياء ، دخله لا يكفيهم ، أولاده أتقياء ، ودخله جيد ، ولكن زوجته ليست طيبةً ، زوجته جيدة ، وهو يعاني من مشكلة في عمله ، لا يعاني من مشكلة في عمله ، ويعاني من مشكلة في صحته ، كأن الدنيا دار التواء لا دار استواء ، منزل ترح لا منزل فرح ، يعني المهم أن الله عزَّ وجل يأمرنا أو ينصحنا أن نهتم بالآخرة ..

     

أنا حَبَّبت إليكم النساء ، والبنين ، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسَوَّمة ، والأنعام ، والحرث ..

     

كلمة (متاع) يعني لذة عابرة ، أكل أحدهم طعامًا نفيسًا ، بعد دقائق انتهت الطعام ، وانتهى الأثر، ما له أثر مستقبلي أبداً ، الدنيا كلها متاع ، أي لذة طارئة ، لذةٌ موقتة ، لذةٌ لا تستمر ، بل إن الحقيقة الصارخة أن شيئاً في الدنيا مهما عظم ، لا يمكن أن يقدم لك لذةً مستمرَّة ، إلا متناقصة ، كل شيء تقتنيه تعجب به أول الأمر ، وبعد حين تألفه ، وكأنك لا تقتنيه ، شاءت حكمة الله أن يجعل لذّات الدنيا متناقصة لا متعالية أبداً ، بل إنه يمكن أن نفرق بين لذةٍ وسعادة ، اللذة حسية تأتيك من الخارج ؛ لذة مال ، طعام ، زوجة ، مسكن ، دفئ ، تبريد ، أجهزة ، لا تأتيك إلا من الخارج ، مركبة ، وهي ذات أثر حسي محض ، وليس أثر نفسي ، وهي متناقصة ، وقد تعقبها كآبة ، وقد تعقبها النار إلى أبد الآبدين ، هذه اللذة .

      أما السعادة ؛ أولاً تنبع من الداخل ، أنت ليس بحاجة ، " ماذا يفعل أعدائي بي بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة " ، تنبع من الداخل ، لا تحتاج إلى مال ، هي معك دائماً ، بستانك في صدرك .. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)

( سورة الرعد )

متعاظمة غير متدنية ، تعقبها جنةٌ إلى أبد الآبدين ، هذا فرقٌ كبير بين اللذة والسعادة ، اللذة طابعها حسي أما السعادة طابعها نفسي ، فربنا عزَّ وجل زين ..

 

قال :

    

الله عزَّ وجل بآية أخرى يقول : قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ

( سورة النساء : من آية " 77 " )

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ..

شددتم إليها .. أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38)

( سورة التوبة )

متاع الغرور ، الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر .. أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

( سورة القصص : من آية " 61 " )

لذلك الأنبياء العظام سعادتهم بربِّهم ، أما التافهون فسعادتهم بالطعام والشراب ، والنساء ، والبيوت ، والنُزُهات ، وما إلى ذلك .

       هذه الجنة ليست لكل الناس ، إن الله يعطي الدنيا لمَن يحب ولمَن لا يحب ، أما الجنة مقيَّدة بالأتقياء ..

  

(اتقى) يعني اتقى أن يعصيه ، اتقى أن يغضبه ، اتقى أن يسخطه ، طبَّق المنهج الإلهي ، انصاع لأمر الله ..

    

ليست جنة بل جنات ، لأنها كلها متنامية ومتنوعة ، حور عين ، ولدان مخلَّدون ، جنان تجري من تحتها الأنهار ، فيها لبن لم يتغيَّر طعمه ، وعسل مصفَّى ، فيها ماء نقي عذب كالزلال ، غير آسن ، في أنهار من خمر غير خمر الدنيا .. لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ

( سورة محمد : من آية " 15 " )

هذا عطاؤه ، وفيها شيء آخر ( وزيادة ) نظرٌ إلى وجه الله الكريم ، وقد يغيب المؤمن خمسين ألف سنة من نشوة النظرة ، وفي أكبر من النظر ( رضوانٌ من الله أكبر ) ، فهذه الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها النظر إلى الله الكريم ، وفيها رضوانٌ من الله أكبر ..

 

فلا يستطيع أن يدعي أن عمله يؤهله للجنة ، لكن الله عزَّ وجل بصير بعمل كل إنسان ، العمل الذي يؤهل للجنة لا يمكن أن يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة .

          هؤلاء أهل الجنة ما صفاتهم ؟ قال :

 

        أول شيء أنهم يدعون الله دائماً ، والدعاء هو العبادة ، في الحديث الصحيح عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ثُمَّ قَرَأَ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)) .

[الترمذي وابن ماجه]

وإذا قال الله عزَّ وجل : الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ(23)

( سورة المعارج )

دائماً يدعو الله ؛ إن دخل بيته يدعو ، وإن خرج يدعو ، وإن جلس إلى الطعام يدعو ، وإن انتهى من الطعام يدعو ، وإن دخل إلى الخلاء يدعو ، وإن خرج يدعو ، وإن واجه عدواً يدعو ، وإن خرج من البيت لعمله يدعو ، فدعاؤه مستمر ، وقد علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام من خلال أذكاره المأثورة ، كيف ندعو الله في كل أحوالنا .

    

بك يا رب ، آمنا بك موجوداً ، آمنا بك واحداً ، آمنا بك كاملاً ، آمنا أنك الخالق ، آمنا أنك الرب، آمنا أنك المسيِّر ، آمنا بأسمائك الحسنى ، وصفاتك الفضلى ، آمنا بكل ما ذكرته لنا ..

 

اغفر لنا ، طلب المغفرة ، المغفرة شيء دقيق جداً ، الله عزَّ وجل أمر النبي أن يستغفر لذنبه ، لكن ماذا فعل النبي ؟ وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)) .

(الترمذي ، ابن ماجه ، أحمد)

       وفي بعض أدعية النبي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا)) .

(الترمذي)

فما من إنسان إلا ويأتيه خاطر يزعجه ، قد يقصر قليلاً ، فشأن العبد أن يخطئ ، وشأن الله أن يغفر ، لكنه يخطئ لا عن قصدٍ ، ولا في شيءٍ صارخ ، ولكن عن خطأ ، عن نسيانٍ ، عن تقصيرٍ ، عن غلبةٍ أحياناً ، فهذا الخطأ يغفر بالدعاء .. فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا    (12)

( سورة نوح )

       إخواننا الكرام ... هي بشارة ، ما دمت مستقيماً على أمر الله فأنت في رعاية الله ، وأنت في حفظه ، وأنت في نصره ، وأنت في تأييده ، لكن لو زلَّت القدم ، لو أخطأت ، لو غلبتك نفسك في ساعة ضعف ، ما دمت مستغفراً فأنت في بحبوحةٍ أخرى ، أنت في بحبوحتين ، أنت في أمنين ، أنت في مدتين ، بحبوحة الطاعة ، وبحبوحة الاستغفار .. فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)

        عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)) .

[البخاري]

        وفي رواية الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)) .

        ليس معنى هذا أنه يرتكب مئة ذنب ، مستحيل ، لكن قد يكون ذنب النبي من نوع فوق مستوى البشر جميعاً ، بعضهم قال : النبي يرى رؤيا ، يرى شيئاً من عظمة الله ، وفي رؤيا ثانية يرى الله أعظم مما كان يراه ، فيستحيي برؤيته السابقة ، أنت إنسان ، أمامك غني توقعت معه مليون ، وهو معه مئة مليون ، توقعك ، أو رؤيتك إلى حجمه المالي الذي هو أقل من واقعه بكثير تشعر أنك ما أعطيته حقه ، فالله عزَّ وجل قال : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ

( سورة غافر : من آية " 55 " )

        وقال النبي الكريم : ((إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)) .

        فما دمت قد عودت نفسك أن تستغفر فأنت في بحبوحة ، وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّ .."  ((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)) .

(الترمذي ، ابن ماجه ، أحمد)

أما هذا الذي يدعي العصمة ، وهو ليس نبياً ، هذا تجاوز للحدود ، وهذا خروجٌ عن عقيدة أهل السنة والجماعة ، فسيدنا يوسف ماذا قال ، وهو نبيٌ كريم ؟ قال : وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ(33)

( سورة يوسف )

      وفي حديث آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ)).

(مسلم ، الترمذي ، أحمد)

       إياكم ، ثم إياكم ، ثم إياكم أن تفهموا هذا الحديث ، أن تسرع بالذنب ، هذا الحديث لا يمكن أن يكون هذا معناه ، لكن معناه لو لم تشعروا بذنوبكم فأنتم هالكون عند الله ، إنسان ارتكب غلط ، ارتاب ، كذب ، سخر ، ابتسم ابتسامة ساخرة ، دون أن يشعر بشيء ؟ معنى هذا ميت ، لو أنه مؤمن لتألم أشد الألم ، إحساسك بذنبك علامة حياة قلبك ، وعدم إحساسك بذنبك علامة موت قلبك ، ((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا ـ أي لو لم تشعروا بذنوبكم ، معنى ذلك أنكم أمواتٌ غير أحياء ـ لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ)).

        مثلاً أنت في سهرة انسقت بالحديث ، وتكلمت في إنسان ، اغتبته وهو مسلم ، تأتي إلى البيت لا تنام الليل ، كيف اغتبته ؟ هذا مسلم ، هو أخطأ ، الغيبة : أن تذكر أخاك بما يكره ، ولو كان الذي ذكرته حقيقةً ، تتألم ، في اليوم الثاني تأخذ له هديةً وتستسمحه ، معنى هذا أن قلبك حي ، ما دمت شعرت بذنبك ، واستغفرت الله منه ، ما دمت قد آلمك ذنبك ، من هو المؤمن؟ هو الذي تسره حسنته وتسوؤه سيئته ، يفرح لحسنةٍ أصابها ويألم أشد الألم لذنبٍ ارتكبه، فهؤلاء الذين يستحقون الجنَّات ، والنظر إلى وجه الله الكريم ، ويستحقون رضوان الله عزَّ وجل ، وهو أكبر ما في الجنة ، يقولون :

 

يعني ممكن ـ للتوضيح فقط ـ وعاء له سطح ، أو له قعر مثقَّب ، لو كان قطر الثقب فرضاً عشرة سنتيمتر ، تضع فيه برتقال فينزل ، أما البطيخ فلا ينزل ، لأن الثقب عشرة سنتيمتر ، لو كان قطره خمسة سنتيمتر ، تضع جوزًا ينزل ، أما البرتقال فلا ينزل ، فكل واحد له مستوى في الاستقامة ، الأنبياء يبدو أن القعر أصم مغلق ، أما كل واحد ممكن يتساهل بكلمة ، هذا يتساهل بنظرة ، هبط مستواه ، فكلما رفعت مستوى استقامتك كنت أقرب إلى الله عزَّ وجل ، وكلما علا مقامك عند الله تحاسب نفسك أشد الحساب ، سيدنا الصديق ماذا فعل مع إنسان اتهم ابنته بالزنا ـ السيدة عائشة ـ ؟ منع عنه المساعدات ، فعاتبه الله ، قال : وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ

( سورة النور : من آية " 22 " )

عاتبه الله ، وبكى الصديق وقال : " بلى أحب أن يغفر الله لي " ماذا فعل ؟ منع مساعدةً عن إنسانٍ اتهم ابنته ظلماً بالزنا ، فكلما ارتقى مقامك عند الله تحاسب نفسك أدق الحساب ، وقد صف الله عزَّ وجل المؤمنين فقال : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(33)وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34)

( سورة فصلت )

فدقق ، كلما ارتقى إيمانك حاسبت نفسك أشد الحساب ، حتى إنهم قالوا : حسنات الأبرار سيئات المقربين . سيدنا إبراهيم ماذا فعل ؟ قال لابنه : يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ

( سورة الصافات : من آية " 102 " )

أُمر أن يذبح ابنه ، وقف الابن موقفًا لا يصدق .. سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ(102)

       إن الله لم يكلف المؤمنين أن يذبحوا أبناءهم ، فعلى كلٍ قضية الاستقامة قضية دقيقة جداً ، هذه ترقى حينما ترقى ، وتسمو حينما تسمو ..

 

هؤلاء الذين آمنوا ، والذين طلبوا المغفرة من الله عزَّ وجل ، وطلبوا الوقاية من النار ..

     

شأنهم الصبر في الدنيا ، يصبرون على قضاء الله وقدره ، ويصبرون عن الشهوة ، ويصبرون على الطاعة ، يعني طاعة ، وشهوة ، وقضاء ..

     

المنقطعين لله عزَّ وجل ، متفرغين له ، نحن في رمضان فهناك صيامٌ عن الطعام ، والشراب ، والنساء ، هذا صيام العامَّة ، وهناك صيامٌ عن المعاصي والآثام ، وهذا صيام المؤمنين ، وهناك صيامٌ عما سوى الله .. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)

( سورة المؤمنون )

أي ما سوى الله ، هؤلاء ..

    

الصادق ؛ هناك صدق الأقوال ، وصدق الأفعال ، فصدق الأقوال أن تأتي أقوالك كما تعتقد ، أنت صادق ، أما صدق الأفعال فأن تأتي أفعالك كما تقول ، تقول شيئاً ، وتفعل شيئاً ، فهذا كذب ونفاق ، تعتقد شيئاً ، وتقول شيئاً فهذا نفاق اعتقادي ، أما الصدق القولي أن تقول ما تعتقد ، والفعلي أن تفعل ما تقول ، هؤلاء صادقون ، أعمالهم تأتي مصدقةٌ لأقوالهم ..

     

ينفقون مما آتاهم الله ، آتاهم مالاً ينفقون منه ، آتاهم علماً ينفقون منه ، آتاهم جاهاً ينفقون منه ، آتاهم خبرةً ينفقون منها ..

 

قال العلماء : وقت السحر وقت الاستجابة ، واستدلوا من قوله تعالى على لسان سيدنا يوسف : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي

( سورة يوسف : من آية " 9 8" )

أيْ في الوقت المناسب ، وقت السحر وقت قبول المغفرة ، لذلك ورد بالحديث الصحيح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ)) .

( البخاري ومسلم واللفظ له)

فنحن في هذا الوقت ـ وقت السحر ـ لنا دعوةً مستجابة ، وأنا والله أنصح كل إخواني : لك عند الله حاجة ، تخاف من عدو ، تخشى من مرضٍ عضال ، عندك مشكلة في البيت ، لك زوجة تنحرف عن سواء السبيل ، لك أولادٌ ليسوا على ما تتمنى ، صلِ صلاة قيام الليل ، واسأل الله عزَّ وجل في السجود أن يعطيك ما تسأله إيَّاه ، هذا مما يقوي عقيدتك بالله.

ثم يقول الله عزَّ وجل :

 

فالله عزَّ وجل هو وحده الفعال ، كيف يشهد لنا أنه لا إله إلا هو؟ الفعل كله بيده ، الله خلق أسباب وخلق نتائج ، نحن لقصور فهمنا نظن أن الأسباب وحدها تخلق النتائج ، لا ، الأسباب تترافق مع النتائج ، لكن الأسباب وحدها لا تكفي لخلق النتائج ، العلماء قالوا : عندها لا بها ، فكيف يشهد الله أنه لا إله إلا هو ؟ يأتي إنسان ، ويأخذ بكل الأسباب ، فيفشل ، ويخفق ، يأتي إنسان آخر من دون أسباب يحقق النتيجة ، وأوضح مثل لذلك أنه إذا تزوج شابٌ صحيح الجسم بفتاةٍ صحيحة الجسم ، لابد أن ينجب ، الأسباب كلها مؤمنة ، شاب صحيح الجسم ، كل أجهزته سليمة ، وشابة كذلك ، تجد شابين صحيحين لا ينجبان ، لأن الله عطَّل الأسباب ، الأسباب موجودة لكنه عطَّلها ، يشهد لنا أنه لا إله إلا هو ، وقد تنجب السيدة مريم من دون زوج ، ألغاها، من خلال إلغاء الأسباب أو تعطيلها يشهد أنه لا إله إلا الله ، لذلك قالوا : " عرفت الله من نقض العزائم " ، قد يأخذ الإنسان بكل الأسباب ولا ينجح ، وربما لا يأخذ بها وينجح ، فما شاء الله عزَّ وجل كان ، وما لم يشأ لم يكن .

       تحطمت طائرة ، وأحد ركابها لم يقيد نفسه بحزام الأمان ، رأى نفسه طليقاً ، وانشق جسم الطائرة جنب مقعده ، فقفز على الأرض ، أما كل الركاب فكانوا مقيدين بأجهزة الأمان ، فيمكن لواحد أن ينزل من ارتفاع أربعين ألف قدم دون أن يصاب بأذى ، نزل فوق جبال الألب ، غابات كثيفة مغطاة بخمسة أمتار ثلج ، أغصان الأشجار كانت كالنوابض ، فنزل واقفاً .

وإذا العناية لاحظتك جفونها   نم فالمخاوف كلهن أمان

*  *  *

       وطائرة أخرى في طريقها من جدة إلى باكستان ، أصاب إحدى النوافذ خلل فانخلعت ، الطائرة المضغوطة ثمانية أمثال ، امرأةٌ باكستانية في حجرها طفلان صغيران ، فخرجا من النافذة ، بحكم قوة الضغط ـ ضغط الهواء داخل الطائرة ـ فوقعا في البحر ، فنسبة المئة بالمليون أنهما ماتا ، طفلان رضيعان صغيران ، بعد خمسة أيام تأتيها رسالة من شركة الطيران: أن تعالَي إلى دبي ، فظنت أن تأتي لتأخذ التعويض ، فإذا بها أمام ابنيها ، ما الذي حدث ؟ سقطا أمام صياد ، فأنقذهما ، ووضعهما في القارب ، وأخذهما إلى أقرب مستشفى ، ما معنى لا إله إلا الله ؟ وأنت بأعلى درجة من الغنى تفلس ، وأنت فقير تغتني ، وأنت قوي تضعف ، أنت ضعيف تقوى ، من إلغاء السبب أو تعطيله ..

      

         الله عزَّ وجل يشهد أنه لا إله إلا الله ؛ عن طريق تعطيل الأسباب ، أو إلغائها ، أما المؤمن فيمشي في طريق ، عن يمينه وادٍ سحيق ، وعن شماله وادٍ سحيق ، الوادي اليميني واد الشرك ، هناك من يأخذ بالأسباب ، ويعتمد عليها ، وينسى الله ، وأحياناً يؤلِّهها كالأجانب ، وهناك من لا يأخذ بها ، فيعصي الله كأهل الشرق ، الشرق كله : سمِ بالله وكل ، لكن التفاحة غير نظيفة ، ولم نغسلها ، النبي قال :

 ((من انهمك في أكل الطين فقد أعان على قتل نفسه)) .

[البيهقي في السنن الكبرى ، والطبراني في المعجم الكبير (6138) عن سلمان]

        هناك توكل ساذج ، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ - خذ بالأسباب - فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) .

( أبو داود وأحمد )

فالمؤمن الصادق يأخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، كما فعل النبي في الهجرة ؛ اختار خبيرًا مشركًا ، فغلَّب الخبرة على الولاء ، وكلف إنسانًا يأتيه بالأخبار ، وإنسانًا يمحو الآثار ، وإنسانًا يأتيه بالطعام ، وسار مساحلاً عكس الاتجاه المتوقع ، واختبأ في غار ثور ، أخذ بكل الأسباب ، وكأنها كل شيء ، فلما وصلوا إلى الغار ، توكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، هذا هو الإيمان، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، فالله يشهد لنا .. كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً

( سورة البقرة : من آية " 249 " )

تكون أمة قوية جداً تأخذ بكل الأسباب ، تنهزم ، والمؤمنون الصادقون وهم قلةٌ ضعاف ينتصرون ، معنى ذلك أن الله شهد لنا أنه لا إله إلا هو ، الأمر بيدي ، أما الكفار يؤلِّهون الأسباب ، والمؤمنون المقصرون يلغون الأسباب ، توكُّل ساذج ، أما الكمال أن تأخذ بها وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .

      فمثلاً لو ترجمنا هذا الكلام إلى واقع ، عندك مركبة ، وعندك سفر ، تجري لها مراجعة تامة ، الزيت ، والوقود ، والكهرباء ، والتوصيلات ، والأطر كلها كاملة ، ثم تقول : يا رب احفظني ، أنت الحافظ ، يا رب سلمني ، أنت المُسَلِّم ، أخذ بالأسباب ، وتوكل على الله ، طالب يجتهد ، ويقول : يا رب اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً ، تاجر يجتهد ، ويقول : يا رب اجبر هذه البضاعة ، المزارع يزرع حبةً في الأرض ، ثم يتوكل على الله ، هذه الترجمة ..

 

وهذه إشارة إلى أن أهل العلم ينبغي أن تكون فحوى دعوتهم إظهار كلام الله ، أما أن يقول لك واحد : أن الله عزَّ وجل يفعل ما يشاء ، نحن في ملكه ، هذا كلام جيد ، لكنه يأتي بمثل غير مقبول ، أنه نجار ، وعنده لوحان من الخشب ، جعل لوحًا بابًا لقصر ، والثاني بابًا لمرحاض ، ألك عنده شيء ؟ إن الله ما قال هذا ، بل قال : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)

( سورة الزلزلة )

الله عزَّ وجل عنده عدل مطلق ، وقد قال : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا

( سورة الأنعام : من آية " 132 " )

العشوائية لا تقبل في أفعال الله ، والعبثية لا تقبل في أفعال الله ، لذلك الإيمان الدقيق كما قال الله عزَّ وجل :

     

قال الله عزَّ وجل : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا

( سورة الشمس )

ليس معنى هذا أنه خلق فيها الفجور ، معنى هذا أنه برمجها برمجةً ، وجبلها جِبِلَّةً ، وفطرها فطرةً ، إذا فجرت تعلم أنها فجرت ..

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi