English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "01"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآية 001 لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

            الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا بما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

   أيها الإخوة المؤمنون : مع الدرس الأول من سورة النساء ومع الآية الكريمة :

(سورة النساء)

الله جل جلاله يخاطب تارة عامة الناس ، ويخاطب تارة أخرى المؤمنين ، وفي الأصل أن الله يخاطب عامة الناس بأصول الدين

(سورة البقرة)

(سورة النساء)

ويخاطب الناس بفروع الدين :

(سورة البقرة)

        فهناك آيات كثيرة تأتي التفاصيل مع يا أيها الذين آمنوا ، والمعنى أنه يا من آمنت بالله ، يا من آمنت به خالقاً ، آمنت به رباً ، آمنت به مسيراً ، يا من آمنت به موجوداً ، واحداً كاملاً ، يا من آمنت بأسمائه الحسنى ، بصفاته الفضلى ، يا من آمنت بقدرته بأنه المطلق في كل شيء ، يقتضي إيمانك به أن تطيعه ، إذاً افعل كذا وكذا ، أما حينما يخاطب عامة الناس يخاطبون بأصول الدين ، جبلة الإنسان ، أي فطرته وعقله يقتضيان أن لهذا الكون خالقاً ، وهؤلاء الناس جميعاً عبيده ، وأن الإنسان إذا تطاول على عبد فأخذ ماله ، أو انتهب رزقه ، أو قهره ، أو ظلمه ، فإنّ الذي خلق هذا الكون سيقتص منه ، أنت لست وحدك في الحياة ، أنت لست مطلقاً ، أنت مقيد ،

(سورة النساء)

          أي أنت في بلد ، ولنضرب على هذا مثلاً قريباً ، يوجد بلد ، فيه جيش وشرطة ، وأمن، وقوانين ، وأنظمة ، ليس من السهل أن تتحرك كما تريد من دون ضوابط ، يوجد سجن ، وقتل إذا ارتكبت جريمة ، وغرامة مالية إن ارتكبت مخالفة مدنية ، مجتمع فيه نظام ، فيه قوة ، فيه سلطة، فيه محاكم ، فيه واجبات ، فإنسان يتحرك بلا ضابط ، بلا نظام ، بلا قيم ، لا يبالي ، فيدفع الثمن باهظاً ، لذلك إن آمن الإنسان بالله ، قال الله عز وجل :

(سورة البقرة)

الهدى رفعهم ، رفعهم إلى مرتبة عالية ، رفعهم وسما بهم عن الظلم ، رفعهم وسما بهم عن أن يأخذوا ما ليس لهم ، رفعهم وسما بهم عن السفاسف ، والأشياء الوضيعة ، رفعهم وسما بهم إلى مكانة علية ، حيث الحرية ، والكرامة ، حيث السعادة ،

أما الذين كفروا فــ :

(سورة الزمر)

       معنى في : ضمن قيد ، ضمن كآبة ، ضمن سجن ، ففي الهدى رفعة ، وفي الضلال قيد ، أو غم ، أو هم ، أو كآبة ، أو انتحار ، دور القمار ماذا تخرج ؟ منتحرين أحياناً !! النازل في هذه الدار قد ينتهي به إلى الانتحار،

تشاد له المنازل شاهقات       وفي تشييد ساحتها الدمار

نصيب النازلين بها سهاد       وإفـلاس فيـأس فانتحار

أنت حينما تضل سواء السبيل فقد دخلت في قوقعة ، دخلت في قهر ، دخلت في العقاب ، في كآبة، ولو نجوت من عقاب الدنيا دخلت في عقاب النفس ، الكآبة عقاب ، الشعور بالذنب عقاب ، الشعور بالدناءة عقاب ، قد تكون عند الناس عظيماً ، لكنك أمام نفسك محتقر ، هذا يسمى في علم النفس الانهيار الداخلي ، لو عظمك الناس ، لو أثنوا عليك ، لو رفعوك ، لو بجلوك ، إن لم تكن أنت على حق تشعر أمام نفسك أنك دنيء، إذاً الهدى يرفعك ،

أما الكافرون فــ :

(في) ، دخل في قوقعة ، دخل في حبس ، دخل في قهر ، دخل في قلق ، دخل في حزن ، دخل في ندم ، دخل في كآبة ، دخل في سجن ، دخل في قبر بالنهاية ، فشتان بين أن ترتفع بالهدى ، وأن تسقط بالضلال .

       مثل بسيط ، في مجتمع متواضع فيه قوانين ، وأنظمة ، وفيه شرطة ، وفيه جيش ، فيه محاكم ، فيه قضاء ، فيه قوانين ، فيه واجبات ، ومسؤولية، ومحاسبة وتحقيق ، فإنسان متفلت عاقبة أمرِه إلى السجن ، العصابات تتفلت ، تسرق تنهب ، يصوروهم أذلاء في الجريدة ، ثم إلى السجن ، وإن ارتكبوا جريمة إلى الإعدام .

الآن كبِّر الأمر ، كون معجز بلا حساب !؟

(سورة العنكبوت)

هكذا تأكل مال أخيك ظلماً ، وتستهزئ به ، وتنجو من عقاب الله !؟ تعتدي على عرضه دون أن يدري ، وتنجو من عقاب الله !؟ تكذب عليه ، وهو يصدقك ، كفى بها خيانة أن تحدث أخيك حديثًا هو لك به صادق ، وأنت له كاذب ، تظلم امرأتك وتنجو !؟ تحتال على شريكك وتنجو ؟! تحتال على من حولك وتنجو ؟! تبيع السلعة للمضطر بأضعاف مضاعفة وتنجو من عقاب الله ؟! تنجو من مصادرة من ضبط ، من تلف بضاعة ، من سجن أحياناً ، من السذاجة والغباء والحمق أن تظن أنك إن تصرفت كما تشاء لن تحاسب كما يشاء ، هذه المعاني من قوله تعالى :

قبل أن تعصي ، قبل أن ترتكب الحرام ، قبل أن تأخذ ما ليس لك ، قبل أن تدلي بتصريح كاذب ، أو أن تحتال على إنسان ضعيف ، قبل أن تستغل ثقة الناس فيك ، في مهن راقية جداً ، لو فرضنا أنك تعمل في القضاء ، والموكل واثق ، تقول له : سوف أربح لك الدعوى ، فإن كنت موقناً يقيناً قطعياً أن القوانين ليست معك ، مع موكلك ، بل هي مع خصمك ، وأن هذه الدعوى خاسرة سلفاً ، لكنك أردت أن تبتز ماله إلى حين ، هل تنجو من عقاب الله ؟! هذا في مستوى المحاماة ، والطب، والهندسة ، والتعليم ، لو أوهمت أباً أن ابنه ضعيف ، ويحتاج إلى دروس خاصة ، وكسَّرت له في العلامات ، كي يضطر إلى أن يأخذ درساً خصوصياً ، هل تنجو من عقاب الله ؟! قد يغش الإنسان في البيع والشراء ، قد يقدم مواصفات عالية جداً لا يكشفها المشتري المحدود ، هل تنجو من عقاب الله ؟! قد تشتهي امرأة غيرك ، وتملأ عينيك من محاسنها ، وتظن أنك مستريح بهذا ، وأنك تحدثها ، هل تنجو من عقاب الله ؟!


أي إذا خدعت المؤمنين ، وصليت معهم ، خدعت المؤمنين ، وتحدثت بما يتحدثون ، إذا خدعت المؤمنين فأظهرت الورع ، وأنت لست كذلك ، فهل تنجو من عقاب الله ؟! هل تنجو من فضيحة يفضحك الله بها ؟!

اتقِ هذا الإله العظيم ، الذي يعلم السر وأخفى ، يعلم ما خفي عنك ، لا تخفى عليه خافية ، أضرب مثلا بسيطًا ، جاءت صديقة زوجتك ، والوقت شتاء ، وغرفة الضيوف باردة ، وغرفة الجلوس دافئة ، وقلت لزوجتك : تعاليْ مع هذه الصديقة إلى هذه الغرفة ، لأنها أكثر دفئًا من تلك الغرفة ، وأنت لا تريد هذا المعنى ، بل تريد شيئاً آخر ، الذي خلقك لا يعلم ذلك ؟! تريد أن تنظر إليها ، وأن تراها ، وأن تحدثها مثلاً ، فأدقُّ الخواطر يعلمها الله .

(سورة غافر)

أنت كطبيب متاح لك أن ترى جسم المرأة ، لكن لو أنها تشتكي من مكان ،ونظرت إلى مكان آخر لا تشتكي منه ، لا يعلم هذا إلا الله ، من الذي سيحاسبك ؟ الله جل جلاله .

أي أن هذا الكون العظيم لا يعقل أن ينتهي هكذا ، يوجد ظالم ومظلومين ، ويوجد أقوياء ، ويوجد ضعفاء ، وأناس قهروا ، وأناس مقهورون ، هكذا تنتهي الحياة ببساطة ؟! لذلك أحد كبار العلماء يرى أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي ، وأن العقل لا يقبل أن يكون في الأرض قوي وضعيف، فشعوب في الأرض تقصف فتموت عن آخرها ، والذين أمروا بقصف هذه الشعوب وقتلها وتدميرها ، بمساكنها ومساجدها ومستشفياتها ، وتقتيل أبنائها ، وإذلالهم ، كي يتغطرسوا ، هل ينجون من عقاب الله ؟ هذا يتناقض مع وجود الله .

(سورة الحجر)

(سورة إبراهيم)

(سورة آل عمران)

(سورة إبراهيم)

 

قبل أن تظلم ، قبل أن تكذب ، قبل أن تحتال ، قبل أن تسيطر ، قبل أن ترغم أنف الآخرين ، قبل أن تذلهم ، قبل أن تستعلي عليهم ، قبل أن تقول كلاماً فوق طاقتك ، اتق الله .

          سيدنا عمر بن عبد العزيز رحمه الله عين رجلاً عالماً ليكون معه دائماً ، اسمه عمر ، قال له : يا عمر قم معي ، إن رأيتني ضللت فأمسكني من تلابيبي ، وهزني هزاً شديداً ، وقل لي: اتق الله يا عمر ، فإنك ستموت.

   قد تكون قوياً ، قد يكون الطرف الآخر ضعيف ، قد تأتيك امرأة لا تعرف ما تقول ، فتستغل جهلها ، وتبيعها سلعة بعشرة أضعاف ثمنها ، قد يأتيك طفل صغير ، ليشتري لحماً من عندك ، قد تبيعه لحماً سيئاً جداً ، الطفل لا يدري ، ولا يفقه ، ولا يستطيع أن يقول كلمة ، فهل تنجو من عقاب الله ؟ أبداً .

           أيها الإخوة ، أردت من هذه الآية أن يعلم الإخوة الكرام أن الله كان عليكم رقيباً ، كما في آخر الآية :

إذا كنت تحت رقابة الله كيف الأمر ؟ تحت رقابة خالق الأكوان ، تحت رقابة مبدع الإنسان .

ألا يعلم من خلق ؟

(سورة غافر)

علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، يعلم ما خفي عنك ، الذي يعلمه عنك لا تعلمه أنت ،

يوجد عدل ، من طبيعة واحدة ، من خصائص واحدة ، لدعوة واحدة ، المؤمنون مدعوون إلى الله، والكفار مدعوون إلى الله .

(سورة الزخرف)

   لو أن الله سبحانه وتعالى خلق أناسًا للجنة ، وأناسًا للنار لما عذب الكفار ، بل إن الكفار مدعوون إلى الله عز وجل :

(سورة طه)

لماذا ينبغي أن نتقي الله ؟ لأنه خالقنا ، وأعلم بسعادتنا ، قد تسأل إنسان: ماذا أفعل ؟ يشير عليك ما هو صانعٌ لنفسه ، فإن كان إنسانًا غارقًا باللذات الحسية يقول لك : افعل ما أفعل ، هو ليس خالقك حتى يعلم حقيقة سعادتك ، يعطيك تجربته الشخصية ، سألت غنياً : كيف أكون غنياً ؟ قد يعطيك تجربته الشخصية ، أما إذا سألت الله عز وجل أن يهديك إلى سواء السبيل ، الله خالق الكون ، هو الخبير ، هو وحده يعلم ما يسعدك وما يشقيك ، لذلك لماذا ينبغي أن نطيع الله ؟ لأنه خالقنا ، ولأنه الخبير بأسباب سعادتنا ، ولأنه الخبير بأسباب شقائنا .

(سورة فاطر)

أي أنك من الممكن أن تقتني جهازاً غالياً جداً ، معقداً جداً ، له نفع كبير، ولك جار طيب سموح ، لكنه غير متعلم ، هل تدفع له هذا الجهاز المعقد لإصلاحه ؟ مع أنك تحبه ، الحب شيء ، والخبرة شيء آخر ، لا تدفع بهذا الجهاز إلا للوكيل ، للخبير ، والله تعالى هو الخبير .

 

أي أن البشر متساوون ، أينما ذهب الإنسان فهو الإنسان ، الفطرة هي الفطرة ، الصبغة هي الصبغة ، الخصائص هي الخصائص ، القوانين التي تحكم النفس هي نفسها ، أينما ذهبت ، لو ذهبت إلى أطراف الدنيا ، الإنسان يحب الإحسان ، يحب العطاء ، يحب النوال ، يحب الكمال ، يحب الجمال ، يحب التفوق ، يحب الراحة ، يحب أن يكون أخلاقياً ، لأن هذه فطرته ، فلذلك الإنسان مخلوق من طبيعة واحدة ، يوجد تفاوت بالقدرات ، لكن لا يوجد تفاوت بالخصائص ، الخصائص واحدة ، القدرات متباينة ، يوجد إنسان ذاكرته أقوى ، ويوجد إنسان طليق اللسان أكثر، يوجد إنسان عنده قوة إقناع ، ويوجد إنسان عنده قوة أن يظهر بحجم أكبر من حجمه ، القدرات متفاوتة ، قال الله سبحانه :

(سورة فاطر)

   يوجد إنسان لديه مقياس الذكاء يزيد عن مائة وأربعين ، يقاس الذكاء كالتالي : الوسط مائة ، العباقرة مائة وأربعون ، الأغبياء ثمانون .

   فالقدرات متفاوتة لحكمة يريدها الله ولصالح الإنسان ، أما الخصائص فواحدة ، مثلاً أحسنْ لأيّ إنسان في أي مكان من العالم يحببْك ، أسئْ له يبغضك ، أي إنسان يرتاح إن كان متفوقاً ، ويتضايق إن كان متخلفاً ، فمعنى قوله تعالى :

نفوس المؤمنين واحدة ، الكفر واحد ، ملة الكفر واحدة ، يوجد كفر مع وثنية ، كفار الرومان ككفار اليونان ، ككفار الشرقيين ، الكفر ملته واحدة ، كبر وقسوة ، ظلم وعدوان ، ودناءة وعبادة الشهوات ، تتغير الأسماء فقط ، تتغير الأساليب ، أما الكفر فهو كفر ، والإيمان إيمان ، أينما ذهبت المؤمن مؤمن ، فالإنسان له خصيصة واحدة ، فأنا أرى بناءً على ما جاء في القرآن الكريم أن الناس على اختلاف اتجاهاتهم ، ونزعاتهم ، وانتماءاتهم ، وأجناسهم ، ومللهم ، ومذاهبهم ، ونحلهم ، هم رجلان : رجل عرف الله ، وانضبط بمنهجه ، أحسن إلى خلقه سعد في الدنيا والآخرة ، ورجل غفل عن الله ، وتفلت من منهجه ، أساء إلى خلقه ، فشقي في الدنيا والآخرة .

هذه الزوجة مِن نِعَم الله أنها إنسان ، أنت إنسان ، وهي من جنسِك ، أنت إنسان لك ، فكر وهي إنسان لها فكر ، أنت إنسان تحب الحقيقة وهي إنسان تحب الحقيقة ، أنت إنسان تسعى إلى الراحة النفسية ، وهي كذلك ، والله تعالى قال :

(سورة مريم)

الخصائص الجسمية مختلف ، والعقلية مختلفة ، من دون تفضيل لكن مختلفة ، والجسمية مختلفة ، والاجتماعية مختلفة ، والنفسية مختلفة ، ومع ذلك متساويان من حيث التكليف والتشريف والمسؤولية ، شيء رائع ، متساويان في الشرف ، فالنبي الكريم حينما فتح مكة أين ينام ؟ ما من بيت إلا وتمنى أن يكون بيتاً لرسول الله ، ماذا فعل فيما ترويه بعض السير قال : انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة ، وركز راية النصر عند قبرها ، ليشعر الناس أن هذا الفتح المبين لها منه نصيب، هي سنده من الداخل ، الإنسان إن ترك عملا عظيمًا في الحياة ، هذه المرأة التي معه ، والتي تخدمه ، والتي تصبر عليه ، والتي تهيئ له الجو المناسب ، تأليف مثلاً للإنجاز ، والتي ترضى أن يغيب عنها طويلاً ليقوم بأعمال جليلة ، هذه سند من الداخل ، النبي ما نسي أن السيدة خديجة مع أنها ماتت هذا الفتح المبين لها منه نصيب ، فالمرأة مساوية للرجل من حيث التشريف، ومن حيث التكليف ، كلفها بالصلاة والصيام والحج والزكاة ، وكلفها بأركان الإسلام ، بأن تنطق الشهادتين ، وأن تصلي وتصوم ، وأن تحج ، وكلفها بأركان الإيمان ، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره من الله تعالى ، وجعلها مسؤولة عن أولادها وزوجها ، اعلَمي أيتها المرأة ، وأعلِمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ، إذاً :

   مرة كنت في مؤتمر فقام أحد المؤتمرين ، وألقى كلمة عن هذه الآية ، والله أعجبتني الفكرة ، لأنها طريفة ، قال : ليشكر الإنسانُ اللهَ ، لأنه يستيقظ ليجد زوجته بقربه ، وأن زوجته إنسان ، وليست بضبع مثلاً ، هكذا قال : إنسان ! لو كانت من جنس آخر فهذا شيء مخيف ، إنسان تكلمها، وتكلمك ، تلاطفها ، وتلاطفك ، تبتسم لها ، فتبتسم لك .

هي إنسان ، ولكن من طبيعة ثانية ، أنت وإياها تتكاملان ، هي تسكن إلى قوتك ، وأنت تسكن إلى عاطفتها المتأججة ، هي تسكن له لأنه يحميها ، وهو يسكن لها ، لأنها تلبي له حاجات هو بحاجة إليها .

الزواج من آيات الله الدالة على عظمته ، لأن الله إذا قال :

(سورة فصلت)

(سورة الشورى)

(سورة الروم)

إذاً

   يوجد معنى دقيق أرجو أن يكون واضحاً لديكم ، كيف يعرفنا الله عز وجل بذاته العلية ؟ كيف يعرفنا برحمته ؟ من قلب الأم تعرف رحمة الله ، تجد امرأةً كل حياتها من أجل أولادها ، يسعدها أن يأكلوا ، وأن يشربوا ، وأن يتفوهوا ، وأن يناموا ، كل سعادتها بسلامة أولادها ، إذاً تمنحهم كل شيء دون أن تأخذ منهم شيئاً ، فإذا كان قلب الأم هكذا فكيف الله عز وجل؟ والنبي استغل هذا المعنى حينما سأل أصحابه مرة ، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)) .

(صحيح البخاري)

يمكنك أن تعرف رحمة الله من رحمة الأم ، يمكنك أن تعرف رحمة الله من رحمة الأب ، فنظام الأمومة والأبوة بحد ذاته دال على رحمة الله، لذلك قال تعالى :

(سورة البلد)

الأب لا هم له إلا أولاده ، مستعد أن يقدم كل شيء من أجلهم ( الأب الطبيعي طبعاً ، لكن يوجد آباء نادرون ، وحوش ! ) مستعد أن يقدم كل شيء من أجل أولاده ، هذه هي الأبوة ، لذلك حينما قال عز وجل :

   كل إنسان عمره أكثر من ستين ، إن أحصيت ذريته ، وجدتها أكثر من الخمسين ، عنده ست بنات متزوجات ، وكل واحدة منهن عندها أربعة أو خمسة أولاد ، مع الأصهار وأولاده الذكور ، وأولاد الذكور ، تجدهم في العام الخمسين ، وهو حي يرزق ، ومن أجل أن يجمعهم كلهم يريد مكاناً كبيراً .

   لكن يوجد في القرآن إشارات علمية ، الشيء المحير أن نسب النساء إلى الرجال نسب دقيقة جداً ، دائماً تجد بالمائة خمسة زيادة رجال ، لأن الرجل معرض للحوادث والحروب ، أكثر من النساء ، فلو فرضنا أن حرباً جرت بين بلدين ، ومات مليون شهيد ، لو أحصيت نسب الولادات شيء لا يصدق ، أكثرها ذكور ، إلى أن ترجع النسبة ، مائة وخمسة إلى خمسة وتسعين ، هكذا هو التصميم الإلهي ، فالرجال أكثر ، لأنهم معرضون للأخطار أكثر .


   هذه الآية أيها الإخوة من أدق الآيات ، لولا أن الله أودع في قلب الأب أو الأم محبة هذا الطفل فهل يستطيع الطفل أن يسأل أباه شيئاً ؟ طفل في الطريق هل يجرؤ أن يسأل رجلاً : يا عم أعطني ألف ليرة ؟! هذا مستحيل ، أما من أبيه فيطلب وبإلحاح ، وأحياناً يرفع صوته ، لأنه موقن أن هناك رحمة ، من أودع هذه الرحمة ؟ .

   ثمة قصة رمزية ، هكذا ترويها الكتب ، لها دلالة كبيرة ، سيدنا موسى يمشي في الطريق ، رأى أمًّا تخبز على التنور  ، كلما وضعت رغيفاً قبَّلتْ ابنها ، قال : يا رب ما هذه الرحمة ؟ قال: يا موسى هذه رحمتي أودعتها في قلب أمه ، وسأنزعها ! فلما بكى ألقته في التنور !! هل هنالك من أم في الأرض إذا بكى ابنها ألقته في التنور ؟ بل تقبِّله ، وتضمه ، وتخشى عليه من الهواء ، لذلك اتق هذا الإله العظيم الذي يحبك ، وعلامة حبه لك أنه أودع محبتك في قلب أمك وأبيك ، والله أيها الإخوة ، ما محبة الأب والأم إلا من محبة الله ، والذي يؤكد هذا المعنى قوله تعالى :

(سورة طه)

أي أنك لو كان لديك أب وأم ، وتدللت عليهم ، وطلبت منهم ، وألححت ، وغبت عن المنزل حتى يعطونك حصة ، وطالبتهم بقسوة لثقتك أنهم يحبونك ، فمن هذا الذي أودع حبك في قلوبهم ؟

لولا أن أودع في قلب الأب والأم رحمة لما سألت أباك وأمك شيئا ، تلاحظ الابن يطلب من أبيه ، وقد يطلب من أمه ، بإلحاح ، لأنه واثق أنه سيجاب ، لأن الله أودع في قلب الأم والأب محبة هذا الطفل ، هذا معنى .

   لكن هناك معنى آخر ، لك أن تسأل الناس لوجه الله ، تقول لشخص : أسألك لوجه الله أن تعطيني ، ويوجد أحاديث متنوعة بعضها يؤكد أنه ملعون من سأل بغير الله ، بالله ، الجواب الدقيق هو أنك إن سألت إنساناً ، وظننت أنه مستقل في إرادته عن الله ، وأن علاقتك معك مباشرة فهذا شرك ، أما إن سألت الله ، واتبعت الوسيلة ، بأن سألت من يحل هذه المشكلة ، وأنت واثق من الله ، تسأله أنت دون أن تشركه بالله عز وجل قال : هذا ينبغي ، إذاً لك أن تسأل بالله عز وجل مع التوحيد ، أما إذا سألت غير الله ، ولو سألته بالله مع الشرك فأنت آثم ، ولو قلت له : أسألك بالله أن تعطيني . وظنك أنه يعطيك ، وأنه قوي ، وتركن إلى قوته وإلى غناه ، هذا نوع من الشرك .

الأرحام لها قراءتان :

أي واتقوا الله أن تعصوه ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، والشيء الدقيق أيها الإخوة أن الله جل جلاله جعل ما يسمى بالضمان الاجتماعي على أساس أسري ، فأنت مكلف بزوجتك وأولادك ، وأمك وأبيك ، ويوجد عندنا نظام النفقة في الإسلام نظام دقيق جداً ، أي لابد من إنسان مكلف بالإنفاق على إنسان ، إن وجد الأب أو الأم ، الأب والأم ، والزوج زوج ، والابن ابن ، والبنت بنت ، أحياناً يكون العم ، أحياناً يكون الخال ، فالله جعل الضمان الاجتماعي أساسه الأسرة ، لذلك: واتقوا الله أن تعصوه ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، لذلك عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ)) .

(صحيح مسلم)

وهناك في الأحاديث الشريفة ما يزيد عن ثلاثين حديثاً صحيحاً كلها تعد قاطع الرحم بالنار ، بل إن الرحم مشتقة من اسم الله الرحمن .

أن تعصوه ، واتقوا

أن تقطعوها ، والذي يصل رحمه يزيد الله في عمره ، بمعنى من معاني الزيادة ، أي يجعل عمره غنياً بالأعمال الصالحة .

   أيها الإخوة ، صلة الرحم تعني أن تزور أرحامك ، وبالتعريف الدقيق للأرحام : مطلق أقربائك، من دون تدقيق ، أقرباء الأم والأب ، مطلق أقربائك ، أن تزورهم ، وأن تتفقدهم ، وأن تعينهم ، وأن تأخذ بيدهم إلى الله ، لأن الله عز وجل قال :

(سورة الشعراء)

إذاً أنت مكلف أن تزورهم ، وأن تتفقد أحوالهم ، وأن تمد لهم يد العون ، وأن تأخذ بيدهم إلى الله، فاتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وفي قراءة ثانية :

والأرحامِ : بالكسرة ، لك أن تسأل بالله ، ولك أن تسأل بحكم قرابتك من فلان ،  نحن أخوان من أم واحدة ، أي لك أن تسأل بالله وبالأرحام ، هذه قراءة ، ولك أن تتقي الله أن تعصيه ، والأرحام أن تقطعها .

   أيها الإخوة ، روى الشيخان البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ)) .

(صحيح مسلم)

قد تجد إنسانًا فقيرًا له أقرباء أغنياء ، ولفقره يقطعونه ، تجده متألماً أشد الألم ، لو أن هؤلاء الأقرباء الأغنياء أو الأقوياء أطلوا عليه من حين إلى آخر لملأوا قلبه سعادة ، والله حدثني أخ قال لي : لي أرحام لا أعرفهم أبداً ، فأخذت بسنة النبي أن أزورهم ، وزرتهم في العيد ، وعرفتهم على نفسي ، هم لا يعرفونه إطلاقاً ، فهؤلاء من أهل الغنى ردوا له الزيارة ، وأقسم بالله العظيم أنه ما قصد من زيارتهم إلا تطبيق السنة ، هؤلاء محسنون ، رأوا بيتاً مظلماً تحت الأرض لا يصلح للسكنى ، قال له : اذهب وابحث عن بيت ، له مواصفات جيدة ، بعد حين وجد بيتًا بمبلغ يقارب المليونين والنصف مليون ، ونقضوه الثمن ، ونقلوه من هذا البيت الذي هو كالقبر تماماً إلى بيت ، قال لي : والله ما قصدت إلا أن أطبق سنة النبي ، أنت موكل بأقربائك بالدرجة الأولى ، بمعونتهم وهدايتهم .

((الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ)) .

   وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ إِنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ)) .

أي قاطع رحم .

   وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)) .

(صحيح البخاري)

   لذلك فيما يروى عن رسول الله قوله صلى الله عليه وسلم مما ورد في الأثر : أمرني ربي بتسع ، خشية الله في السر والعلانية ، كلمة العدل في الغضب والرضا ، القصد في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني ، وأعفو عمن ظلمني ، وأعطي من حرمني ، وأن يكون صمتي فكراً ، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة .

   وفي حديث رابع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((...وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ...)) .

(صحيح البخاري)

كل هذه الأحاديث تؤكد أن صلة الرحم واجبة في الإسلام وجوباً عينياً ، لذلك :

  

أن تقطعوها ،

والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفتْنا:

لاحظ لو أنك أحسست أنك مراقب ، ماذا تفعل ؟ تحاسب نفسك على الكلمة ، لو أنك مراقب عبر الهاتف ، لا تقول كلمة لها معنيان ، تحتاط ، لا تقول "روشيش" بل تقول : رشاش ماء ، لأن الأولى تفهم بمعنى آخر ، إذا كنت مراقباً تضبط كلامك ، وتضبط حركاتك وسكناتك ، وتضبط سيرك ، لا تمشي على رصيف في سفارة ، إذا كنت مراقباً من إنسان فكيف من الواحد الديان ؟

تحت علم الله وسمعه وبصره ، اعملوا ما شئتم ، هذه الآية منهج :

 

وفي درس آخر إن شاء الله نتابع الحديث عن آية ثانية .

***

سؤال : هل تجبر الفتاة على تغطية الوجه ؟

الجواب : طبعاً إن كانت الفتنة قائمة في الوجه ، لأن أجمل ما في الفتاة وجهها .

سؤال : هل تسقط صلة الأرحام عن المرأة المتزوجة إذا منعها زوجها؟

الجواب : إن كان الزوج مؤمنًا ، وفي هذا البيت تفلت وعري واختلاط ، وإن بعث بزوجته إليهم فسيراها ابن خالتها ، وابن عمتها ، وسيضحكون معها ويمزحون ، والبيت غير منضبط ، والـزوج منضبط ، فإنْ منَعَها فلا مانع ، بل الأولى أن يمنعها ، ودع خيراً عليه الشر يربو ، ودرء المفاسد مقدم على جلب المنافع .