English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "02"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآيتان 2 – 3  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

            الحمد لله رب العالمين والصلاة ، والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وازدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين . 

         أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثاني من دروس سورة النساء ، ومع الآية الثانية من هذه السورة ، وهي قوله تعالى :

 

أيها الإخوة الكرام ، في الآية الأولى :

           اتقوا أن تعصوه ، اتقوا أن تخالفوا أمره ، اتقوا أن تحيدوا عن صراطه ، ومن تفصيلات هذه الانحراف وهذا الحيدان ، وهذا التقصير موضوع اليتامى .

           اليتيم أيها الإخوة من فَقَدَ أباه أو  أمه أو فَقَدَ كليهما ، والنبي عليه الصلاة والسلام يبين أنه لا يتم بعد الحلم ، ولو أخذنا نص التعريف أن كل من فقد أباه أو أمه ، أو فقد كليهما يتيم فكلُّنا أيتام ، أو معظمنا أيتام ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أنه لا يُتْمَ بعد حلم ، من كان بالغاً لا يسمى يتيماً ، وشيء آخر ، حينما يقول الله تعالى :

 

( سورة الشعراء الآية : 46 ) .

     لا يمكن لساحر أن يسجد ، فإذا سجد لم يكن ساحراً ، بل هو عابد لله ، يعني ألقي من كانوا من قبل سحرة ، فإذا تحدث الله عن الأيتام فهو مَن كانوا أيتام سابقين .

   أيها الإخوة الكرام ، في قوله تعالى :

( سورة الضحى الآية : 9 ) .

اليتيم فَقَدَ أباه ، والأب أكبر دعم للإنسان .

( سورة التوبة الآية : 24 ) .

       بدأ بالأب لأنه موطن اعتزاز ، وموطن قوة ، والأب يرعى ابنه أودع الله في قلب الأب رحمة تكفي كي يرعى أولاده ، لذلك ربما لا تجد في القرآن وصية للآباء بأبنائهم ، لأن رعاية الابن طبع في الإنسان ، أو جزء من طبعه ، فكأن الله سبحانه وتعالى من أجل أن تستمر الحياة ، ومن أجل أن يعتنى بالصغار ، أودع في قلب الآباء والأمهات ابتداءً محبة أولادهم ، فالأب المؤمن وغير المؤمن ، والأم الفاسقة وغير الفاسقة ، أيّة أم وأيّ أب في الأصل ، وهذا في الأعم الأغلب عنده رغبة قوية أن يرعى أولاده ، أما إذا فقد الابن أباه بموت أو شيء من هذا القبيل فقدْ فَقَدَ الدعم ، فَقَدَ الإمداد ، فَقَدَ الرعاية ، فَقَدَ التوجيه ، فَقَدَ العطف ، فَقَدَ الحنان ، فَقَدَ الإنفاق ، لذلك أنت مكلف أن ترعى اليتيم ، وأن تقدم له جزءًا مما فقَدَ من حنان الأب ، وهذا واجب اجتماعي ، وواجب على كل مسلم ، وبيت فيه يتيم مكرم هذا بيت يحبه الله عز وجل ، لذلك ينبغي أن ترعى اليتيم ، فإن لم ترْعَ اليتيم فأنت آثم ، فإن آذيت اليتيم فأنت مجرم .

( سورة الضحى الآيتان : 9 ـ 10 ) .

( سورة الماعون الآيتان : 1 ـ 2 ) .

          يعني يضربه ، ويؤذيه ، وكأن الله سبحانه وتعالى أظهر أن من أشنع الأعمال عند الله أن تدفع يتيماً ، أو أن تؤذيه ، بل إنك إن لم تقدم له شيئاً فأنت آثم ، فكيف إذا آذيته ، فكيف إذا بالغت في إيذائه ، لكن هذا اليتيم بعد أن يبلغ سن الرشد لا يبقى يتيماً ، بل من حقه أن يأخذ ماله ، والأموال كما تعلمون قد يرثها اليتيم عن أبيه ، لكن لأنه صغير لا يستطيع أن يدير هذا المال فقد نظم الشرع نظاماً رائعاً ، أن لكل يتيم وصيًّا يتولى أمره ، وفي الأعم الأغلب ينبغي أن يكون هذا الوصي من أقربائه ، ممن عرفوا بالصلاح والاستقامة والعدل والرحمة والورع ، فما من وصي إلا وهو من الأقرباء إجمالاً ، ويبالغون في هذا فيضعون ناظراً للوصي ، وصي ومن يراقب هذا الوصي ، لحرمة مال اليتيم ، لكن هذا اليتيم لا يعطى ماله ، لأنه لا يستطيع أن يديره ، وكذلك السفيه الكبير ، السفيه الكبير أيضاً يحجر على أمواله ، فالذي لا يستطيع إدارة أمواله ، أو الذي ينفق ماله إنفاقاً عشوائياً فيه إتلاف للمال ، فإذا كان كبيراً فهو سفيه ، والسفيه محظور عليه أن يدير ماله ، يلقى ما يسمى بالحجر على تصرفاته ، فلا يستطيع أن يبيع ، ولا أن يشتري ، والصغير كذلك لضعف إدراكه لا يستطيع ، أما إذا كبر هذا اليتيم فينبغي أن يدفع إليه ماله ، أما إذا كان صغيراً يدفع إليه مال كي يأكل منه ، وكي يكتسي منه ، فما كان دون سن الرشد ينبغي أن يدفع إليه مال من ريع ماله .

( سورة النساء الآية : 5 ) .

ينبغي أن تنفق عليه من ربح ماله لا من أصل ماله ، كي تنمي ماله ، والنبي عليه الصلاة والسلام بين أننا إذا لم نستثمر مال اليتيم تأكله الزكاة ، فلا بد من دفع زكاة مال اليتيم ، فإن لم يكن في الاستثمار أكلته الزكاة ، إذاً كأن النبي عليه الصلاة والسلام حضنا على أن نستثمر مال اليتيم ، بالمعروف طبعاً ، إذاً اليتيم ما دام صغيراً ، وله وصي معروف بالصلاح والورع والتدين والحرص والأمانة والنزاهة هذا الوصي ينبغي أن ينفق على اليتيم من ريع ماله ، هذا هو الصواب ، فإن لم يكن ، وأنفق من ماله المال صار في طريق النفاذ ، وهذه مشكلة ، وأكبر خسارة أن يخسر الإنسان رأس ماله ، هنا أمر إلهي يقول الله عز وجل : [وَءَاتُوا الْيَتَامَى] ، بعضهم قال : إذا كان اليتيم دون سن البلوغ معنى الإيتاء هنا أن تنفقوا عليهم نفقة تصلح معاشهم ، يأكلوا ويشربوا ويلبسوا ، أما إذا بلغوا سن الرشد ينبغي أن تمتحنوا هؤلاء اليتامى ، أن تمتحنوا خبراتهم في الحياة ، أن تمتحنوا دقتهم في التعامل ، أن تمتحنوا عقلهم الراجح .

( سورة النساء الآية : 6 ) .

   وقال بعض الفقهاء : إذا بلغ اليتيم خمسًا وعشرين سنة ينبغي أن يأخذ ماله كله من دون قيد أو شرط ، ما لم يكن سفيهاً أو مجنوناً ، إذاً كأن هذه الآية بعد الإيجاز الأول : [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] تفيد أن من بنود التقوى حسن التعامل مع مال اليتيم ، ولحكمة أرادها الله عز وجل هناك من يموت في سن مبكرة ، هناك من يموت في الحرب أحياناً ، هناك من يموت موتاً طبيعياً ، وله أولاد صغار ، هؤلاء الصغار من يرعاهم ؟ من ينفق عليهم ؟ من يدير شؤونهم ؟ لا بد من أن يعين القاضي وصياً عليهم بمثابة أبيهم تقريباً ، ولهذا الوصي أيضاً من ينظر أمره ويمتحن فعله فهنا الآية : [وَءَاتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ] ، إن كان دون سن الرشد ينبغي أن تنفق عليه ، وإن بلغ سن الرشد ينبغي أن تمتحنوا هؤلاء اليتامى ، امتحان رشدٍ ، وامتحان عقل ، وامتحان دقة ، [فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ] ، إلا إذا كانوا سفهاء ، لكن ما دام الله عز وجل قد وجهنا أن ننفق عليهم من ريع أموالهم ، إذاً الأولى أن نستثمر أموالهم ، العلماء لهم وقفة لطيفة متأنية ، أنه في الأعم الأغلب إذا كان الذي يستثمر أموال اليتامى غنياً ينبغي أن يستعفف عن أن يأخذ شيئاً مقابل هذا الاستثمار ، أما إذا كان فقيراً محتاجاً فله أن يأكل بالمعروف ، والأكل بالمعروف حدده العلماء بالقاعدة التالية ، أن يأخذ أجر المثل أو حاجته أيهما أقل ، لو أن يتيماً وضع مع إنسان مليون ليرة ، وكان ريع هذا المبلغ مئة ألف في العام ، وكان هذا الذي يدير أمواله يكفيه خمسون ألفًا فرضاً ، الأرقام لا تعني شيئاً ، لو أن هذا الذي يدير أمواله يكفيه خمسون ألفًا ينبغي أن يكتفي بالخمسين ، إن كان الربح أربعين ألفاً ، وهو محتاج إلى خمسين ينبغي أن يكتفي بالأربعين ، يأخذ حاجته ، أو يأخذ أجر المثل أيهما أقل ، هذه قاعدة رائعة في أخذ الأجر على استثمار أموال اليتامى ، وكل هذه المعاني لفظها الفقهاء في قوله تعالى :

( سورة النساء الآية: 2 ) .

   تروي كتب التفسير أنه في الجاهلية كان هناك عادات سيئة ، منها أن وصي اليتيم يأخذ بقرته الجيدة ، ويعطيه بقرةً هزيلةً مكانها ، يأخذ شاةً حلوباً ، ويعطيه شاةً عجفاء مكانها ، يعني يأخذ من مال اليتيم جيده ، ويدفع إليه من ماله سيئه ، هذا لأنه المشكلة أن الوصي هو وصي ، وأمره نافذ، وهو موكل عن اليتيم فقد يبيع له بضاعته بأبخس الأثمان ، إذا كان وصي اليتيم تاجرًا فاشترى له من بضاعته ، من نوع بضاعته لهذا اليتيم ، هو وصي ، هو وكيل ، لو أنه اشتراها بثمن بخس ، يعني اشترى من نفسه ، هو يمثل التاجر ، ويمثل الوكيل في آن واحد ، فربنا عز وجل يقول : [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ] أن تأخذوا أطيب أموال اليتيم ، وأن تدفعوا بدلاً منه أسوأ أموالكم ، هذا أيضاً ممنوع ، هذا يذكرني بقوله تعالى :

( سورة النساء الآية : 19 ) .

   قال بعض العلماء : ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها ، بل أن تحتمل الأذى منها ، لو طبقنا هذه القاعدة ليست الوصاية على مال اليتم تعني عن تمتنع عن إيقاع الأذى بماله ، بل أن تتحمل بعض المتاعب من أجل صيانة ماله ، ومن أجل تثمير ماله ، ولا تنسوا أيها الإخوة الآية الكريمة الرائعة :

( سورة البقرة الآية : 88 ) .

الآية فيها ملمح رائع ، لا تأكل مالك ، ما لي هو ، لمَ لا آكله ، هو في الحقيقة مال أخيك ، وإنما وصف بأنه مالك من أجل أن تتعامل معه ، وكأنه مالك من حيث حفظه وصيانته ، يجب أن تتعامل مع مال اليتيم ، وكأنه مالك من أجل حفظه وصيانته ، أو من زاوية حفظه وصيانته ، أوضح مثل قد تعير إنسانًا سيارتك ، تقول له : اجعلها كأنها سيارتك ، من أي ناحية ؟ بالتملك ؟ لا ، من حيث العناية بها ، والحفاظ على جاهزيتها ، إذاً : [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ] يعني هذا المال الذي هو مال اليتيم هو في الحقيقة مالك ، من زاوية أنه يجب أن تحافظ عليه وكأنه مالك ، فلأن تمتنع عن أكله بالحرام من باب أولى .

   شيء آخر : أنك إذا حفظت مال أخيك نما هذا المال ، وكان أخوك مكتفياً ، فإن لم تحرص على مال أخيك نقص هذا المال ، وصار أخوك عبئاً عليك ، المؤمن العاقل يرى في قوة المؤمنين قوة له ، ويرى في ضعفهم ضعفاً له ، فإذا قواهم قوي معهم ، وإذا أضعفهم ضعف معهم ، إذاً [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ] لأنك أنت الوصي ، وأنت المشتري ، وأنت البايع ، وأنت المجيب ، وأنت القابض ، فلذلك هناك خطورة أن تأخذ من أمواله ما ليس لك [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ] ، ثم يقول الله عز وجل :

( سورة النساء الآية : 2 ) .

تأكلوا هنا بمعنى تضموا ، لا تضموا أموالهم إلى أموالكم ، أي أنتم هنا أغنياء ، وكأن الله سبحانه وتعالى نهانا عن أشنع صورة من صور الاحتيال ، أن تأكل مال يتيم ، وأنت غني ، هذه صورة لا توصف ، أن تأكل مال اليتيم الضعيف الفقير ، وأنت غني .

( سورة النساء )

إنه كان إثماً كبيرا ، الحوب ؛ هو الإثم ، أي تأثموا إثماً كبيرا ، ليس معنى ذلك أن تأكل ماله إذا كنت فقيراً ، لأنّ الله جل جلاله قد يأتي بالحالة الدنيا لينهى عما فوقها .

( سورة الإسراء الآية 23 ) .

   هذه حال الدنيا ، كلمة أف يحرم أن تقولها لأمك وأبيك ، طبعاً أن تقسو عليهما بالكلام من باب أولى ، أن تدفعهما بيدك من باب أولى ، هنا معكوسة ، هنا جاء الشارع الحكيم بأشنع صورة أن تأكل ماله ، وأنت غني ، طبعاً هذه شناعة ما بعدها شناعة ، [تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ] ، أي لا تضموا أموالهم إلى أموالكم ، المشكلة أن الطفل الصغير ليس في قدرته أن يحاسبك ، يعني مثلاً ماذا يفعل بعضهم ، معه أموال يتيم ، هو تاجر البضاعة غير المعروفة ، ربحها غير معروف ، يا ترى تباع أو لا تباع  ، هذه في علم الله ، يستثمر بها مال اليتيم ، فإن خسر ماذا يقول ؟ سبحان الله ! هذا قدر الله وترتيبه ، وإن ربح جس بها السوق ، أدخل ماله الذي يملكه هو في هذه الصفقات ، فجعل مال اليتيم ذريعة جس بها السوق ، فإن ربحت هذه الصفقة أدخل ماله الأساسي، وإن لم تربح ، يعني عرف على حساب غيره ، عرف نوع هذه البضاعة ، ومدى صلاحيتها ، ورواجها على حساب اليتيم ، هذا المعنى أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام  فقال : ولا تجعل ماله دون مالك ، تجس به السوق ، فإن ربحت هذه الصفقة أدخلت مالك الأساسي ، وإن لم تربح اعتذرت بالقضاء والقدر ، لكن ما الذي ينبغي أن تفعله في مثل هذه الحالة ؟ ينبغي أن تستثمر مال اليتيم في صفقة ربحها شبه مضمون ، كل تاجر عنده بضاعة تباع بشكل مستمر وأرباحها ثابتة ، وليس فيها إشكال إطلاقاً ، ينبغي أن تستثمر مال اليتيم في مثل هذه الصفقات ، الصفقات التي تباع بوقت قصير ، وأرباحها مجزية ، من يعرفها ؟ الذي يستثمر يعرفها ، لذلك محرم أن تجعل من مال هذا اليتيم مجساً للسوق ، أو ذريعةً تحفظ به مالك ، ولا تجعل ماله دون مالك ، [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا] ، إنه كان إثماً كبيرا ، هذه القضايا المالية .

   وهناك تفاصيل في كتب الفقه ، كيف يمتحن اليتيم ؟ وكيف يدفع له ماله ؟ وكيف على وصي اليتيم أن يشهد على ماله الذي أخذه شهوداً عدولاً ؟ وكيف ينفق على اليتيم قبل أن يبلغ سن الرشد ؟ كيف ينفق ؟ مستوى الإنفاق ؟ حجم الإنفاق ؟ كيف يعامل هذا اليتيم ؟ كيف يؤدب هذا اليتيم ؟ أيضربه ؟ سأل رجلٌ النبي عليه الصلاة والسلام : أفأضربه ؟ قال عليه الصلاة والسلام  : نعم ، مما تضرب منه ولدك ، إذا ارتكب ولدك إثمًا يقتضي أن يؤدب فينبغي أن تؤدب هذا اليتيم ، الآن في قضية اجتماعية دقيقة جداً مرتبطة بهذا الموضوع ، أنت قريب وتحت وصايتك يتيمة ، أعجبك جمالها ، ولك أن تتزوجها ، أو أعجبك وفرة مالها ، ولك أن تتزوجها ، من هو الذي يبت في قضية زواجها ؟ أنت ، أنت وكيل عنها أنت وصي عليها ، وأنت الطرف الثاني في آن واحد ، فما الذي يحصل ؟ عندك يتيمة أعجبك حسنها ، أو عندك يتيمة أعجبتك أموالها ، فأنت الذي أجبت ، وأنت الذي قبلت ، وأنت زوجت نفسك من هذه اليتيمة  من الذي يعرف ما إذا ظلمتها أو لم تظلمها؟ الله جل جلاله ، أعطيتها حقها أعطيتها مهر المثل ، إن كنت طامعاً في مالها ، عاملتها كزوجة ، أم أنك طمعت بمالها ، وأهملتها كزوجة ، فقال الله عز وجل  :

( سورة النساء الآية : 3 ) .

يعني إن كانت عندك يتيمة ، وأنت وصي عليها ، وأردت أن تتزوجها هناك مزلق خطير أن تظلمها ، إما بعدم إعطائها المهر الذي يناسبها ، والذي يكافئ مستواها ، أو بعدم التفاتك إليها كزوجة إذا كنت طامعاً في مالها ، هذه ماذا تتمنى ؟ تتمنى زوجاً يحبها ، ويحترمها ، ويكرمها ، وإن توافر هذا في الوصي تتمنى أيضاً مهراً يتناسب مع قدرها ، فحينما يبيع الإنسان نفسه هنا في مشكلة كبيرة جداً ، أضرب لكم مثلاً يوضح هذه الفكرة ، لو أن لك قريبة وضعت معك مالاً للاستثمار ، وأنت عندك معمل نسيج خبرتك في الخيوط ، خبرتك الجيدة في الخيوط فهذه القريبة أعطتك مبلغ من المال بقصد أن تستثمره ، وأن يكون الربح بينكما ، اشتريت به خيطاً ، في وقت ما أنت بحاجة إلى هذا الخيط كصاحب معمل نسيج ، أنت الآن شخصية مزدوجة ، أنت وكيل هذه القريبة التي وضعت معك مالاً للاستثمار وأنت طرف آخر في شراء هذه الصفقة كصاحب معمل، ما الذي يمنع أن تشتري هذه البضاعة بثلثي قيمتها ، التي أعطتك المال لا تعلم بالأسعار ، وضعته عندك ووثقت بأمانتك ، فأنت حينما تبيع نفسك أو تشتري من نفسك هناك مزلق خطير  لذلك بعض المذاهب منع أن يبيع الإنسان نفسه ، ممنوع ، لا ينعقد هذا البيع ما دام أنت المشتري ، وأنت البائع ، فهناك مزلق خطير جداً ؛ أن تشتريها بأبخس الأثمان ، أو إن بعتها لهذه المستثمرة أن تبيعها بأغلى الأثمان ، تشتري بأبخس ، وتبيع بأغلى ، لذلك بعض المذاهب منع أن يبيع الإنسان نفسه ، لكن بعض المذاهب الأخرى قالوا : لو أنك أردت أن تبيع هذا الخيط الذي هو لقريبة لك تستثمر عندك مالها ، لو سألت أسعار الخيط بالسوق الكيلو بمئة ليرة ، وكتبت أن سألنا فلانًا ، سألنا فلانًا ، سألنا فلانًا ، الكيلو بمئة ليرة ، وأنت اشتريت منها بمئة وخمس ليرات ، في معك استقصاء معك معلومات مسجلة ، وأنت ورعاً ودفعاً للشبهة اشتريت بأغلى مما ينبغي ، ما في مشكلة ، طبعاً سقت هذا المثل لأنه دقيق جداً ، وهذا اليتيم الذي بيدك ماله هذه حالة مشابهة تماماً ، أنت البائع وأنت المشتري ، أن المجيب وأنت القابض ، إذاً : [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى] ، إن رأيت أن هذه اليتيمة إذا تزوجتها هضمت حقها ، أو إن رأيت أن هذه اليتيمة إن تزوجتها ربما لن تعاملها كزوجة ، لأنه لا يعجبك حسنها ، لكنك طمعت بمالها ، فأنت إذاً تظلمها، ماذا ينبغي أن تفعل ؟ ورعاً أن تتزوج غيرها ممن لها ولي ، ممن يحاسبك إذا قصرت ، ممن يطلب منك إذا أقررت .

( سورة النساء الآية : 3 ) .

   والحقيقة بموضوع التعدد ، موضوع خاض فيه أناس ، فالذين عددوا يتوهمون أن التعدد هو الأصل ، والذين لم يعددوا يظنون أن تبقى على واحدة هو الأصل ، والحقيقة الدقيقة أن التعدد ليس إلزامياً ، لكن الله سمح به ، كلام دقيق واضح جداً ، وسمح به لأسباب أساسية في الحياة ، لكن الشيء الذي يدهش أن الله سمح به ، ولم يطالبك ببيان السبب ، بل طالبك بالعدل ، فلو أن الله سمح لك بالتعدد ، وطالبك ببيان السبب لاضطررت أن تفضح نفسك ، ومن أشد العلاقات خصوصيةً ما كان بين الزوجين ، فقد تقول : إنها لا تحصنني ، اتهمتها ، وقد تقول : إنها مريضة، وربما لا تكون كذلك ، فحينما سمح الله لنا بالتعدد أعفانا من ذكر السبب ، ولكن طالبنا بالعدل التام .

   ذكرت لكم سابقاً أن برنامجاً حول التعدد ، بني هذا البرنامج على أسئلة لكبار المعنيين بهذه الأمر في الشرق ، فجاء سؤال إلى أستاذة في الجامعة تسأل عبر الهاتف عن رأيها بالتعدد ، بالفعل كانت إجابتها رائعة ، قالت : كيف أدلي برأي في التعدد ، وقد سمح الله به ؟ خالق السماوات والأرض سمح بالتعدد ، ذلك أنه في دين الإسلام ليس هناك زوجة وخليلة ، ليس هناك زوجة وعشيقة ، ليس في الإسلام إلا زوجة ، إنها علاقة واضحة وضوح الشمس ، تكون تحت ضوء النهار دون خوف ولا وجل ، ولا تستر ولا سرية ولا كتمان ، الزواج من السنة أن يشهر ، وهذا الذي يفعله الأزواج يوم عرسهم يشهرون هذا الزواج بأساليب عديدة ، فنحن ليس في الإسلام شيء نستحي أن نفعله علناً ، فإذا كان في أسباب تقتضي أن يكون لهذا الزوجة زوجة ثانية ، لو أن الأولى لا تنجب أنلقيها في الطريق ؟ لا ، نبقيها ، ونعاملها أكرم معاملة ، ونبحث عن زوجة تنجب ، لو أن هذه الزوجة مريضة نلقيها في الطريق لأنها مريضة ؟ لا ، نبقيها أكرم زوجة ، ونبحث عن زوجة صحيحة ، هناك أسباب كثيرة ، وفي أيام الحروب قد يفقد بلد مليون شهيد ، فصار في نقص بالرجال ، فهل يعقل أن تبقى امرأة لرجل فقط ، ما الذي يمنع من التعدد في أزمات الحروب ؟ فثمة أمراض ، وعقم ، وعدم إحصان ، في أسباب كثيرة ، لكن عظمة الشرع أعفتك من بيان السبب ، وأوجبت عليك العدل التام ، والعدل التام أن تعدل بين الزوجتين ، أو بين الثلاثة ، أو بين الأربعة في الإنفاق ، وأن تعدل في المنزل ، في البيت ، وأن تعدل في الوقت ، وقت واحد ، ليلة بليلة  ليلتان بليلتين ، وبيت في مستوى واحد ، وبيتان في مستوى واحد ، ونوع الإنفاق واحد ، أما حينما يشترط الزوج ألاّ ينام معها إطلاقاً ، يأتيها من حين لآخر ظهراً ، هذا مجانب للعدل ، امرأة تتمتع بزوجها معها طوال الليل ومع أولادها ، وامرأة لا يمكنها زوجها إلا أن يكون عندها ساعة في النهار ، هذا ليس من العدل ، لذلك طالبنا الشرع بالعدل التام ، ولم يطالبنا بالعدل المطلق ، المطلق في الميل ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ، قلبك ليس بملكك ، قد تميل لمن لها كلام طيب ، من لها شكل مقبول ، أو شكل جيد  من لها رقة ، وقد تنفر ممن لها قسوة في حديثها ، وقد يعلو صوتها على صوتك ، فأنت لم تطلب بالعدل في الميل ، لكنك طولبت بالعدل في الإنفاق والمسكن والوقت لذلك : [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى] ، يعني تزوجت هذه اليتيمة فظلمتها من حيث المهر ، أو ظلمتها من حيث الإنفاق ، أو ظلمتها من حيث الحب ، فإن خفت أن تحملك وصايتك لهذه اليتيمة على أن تظلمها فَدَعْها ، وخذ من تأخذ حقها منك بالتمام والكمال .

   وقد يقول قائل : لو أن إنسانًا توفي أخوه ، فهؤلاء البنات هن بناته حكماً ، بحكم وصايته عليهم، وخشي من التردد على بيت أخيه بعد موته ، فيسيء الناس الظن به ، ما الذي يمنع أن يتزوج أمهم ؟ لا مانع ، بالعكس هذا أولى ، يعني حسماً للقيل والقال ، هو مكلف أن يرعى هؤلاء البنات وأمهم أجنبية بالنسبة إليه ، فإن تزوجها حل مشكلة كبيرة ، [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ] ، هذا من يقول إن مثنى اثنتان ، وُثلاثًا ثلاث نسوة ، مما يساوي خمسًا ، وإنّ رباعًا أربعُ  نسوة فصاروا تسعًا ، هذا كلام لا أصل له إطلاقاً ، لك أن تتزوج امرأتين ، أو ثلاث نساء ، أو أربعًا .

   وقد تروي بعض الكتب أن امرأة جاءت سيدنا عمر تشكو زوجها بلطف بالغ ، قالت : يا أمير المؤمنين إن زوجي صوام بالنهار قوام بالليل ، يبدو أن سيدنا عمر كان مشغولاً ، فقال لها : بارك الله لكِ بزوجك ، فعنده أحد الصحابة ، قال : يا أمير المؤمنين ، إنها لا تمدحه ، إنما تشكوه ، ولكن بأدب ، فَحَكَم بينها وبينه ، وألزمه أن يتفرغ يوماً لها كل أربعة أيام ، لو أنه تزوج أربعًا فلها حق في يوم ، فحكم لها أن يكون معها لا صواماً ولا قواماً في هذه الليلة ، وحينما رأت السيدة عائشة امرأة عثمان بن مظعون في صورة مزرية تهمل نفسها ، سألتها ، قالت : ما لي وله ، هو صوام قوام ، فاستدعاه النبي ، وقال له : يا عثمان أليس لك بي أسوة ؟ إنني أصوم وأفطر ، أنام وأقوم ، فتوجه عثمان بن مظعون إلى زوجته ، وأعطاها نصيباً من اهتمامه ، فجاءت في اليوم التالي عطرةً نضرة ، فسألتها أخواتها ، قال أصابنا ما أصاب الناس .

   أيها الإخوة ، من يظن نفسه لا يعدل بين زوجتين ينبغي أن يبقى على واحدة ، لأن هذا ظلم شديد ، ويأتي يوم القيامة ليحاسب عن عمله حساباً عسيرا  ، وأنا والله أصدقكم أن عدداً كبيراً ممن عدد لا يطبق هذه التعليمات ، واحدة مهضومة الحق ، والثانية تأخذ كل شيء ، وأكثر الذين عددوا ، ولم يعدلوا ندموا أشد الندم ، ودائماً يشعر أنه ظالم ، فإن استجاب إلى ضغوط الأولى أو الثانية وقع في ظلم الأخرى ، فمن لم يأنس من نفسه العدل في معاملة زوجتيه فعليه أن يكتفي بواحدة .

( سورة النساء ) .

أي ألا تنحرفوا وتظلموا ، وتأتوا يوم القيامة في شكل محاسَبين عند الله أشد الحساب .

   وفي درس آخر إن شاء الله تعالى نتابع هذه الآيات وهي قوله تعالى :

( سورة النساء ) .

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi