English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "03"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآيتان 4 – 5  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين . 

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من دروس سورة النساء ، ومع الآية الرابعة ، وهي قوله تعالى :

( سورة النساء ) .

          أيها الإخوة الكرام ، إن أقدس عقد على وجه الأرض عقد الزواج ، لأن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الذكر والأنثى جعل العلاقة بينهما من خلال الزواج فقط ، وليس ثمة علاقة أخرى ، علاقة الذكر بالأنثى علاقة زواج ، لا علاقة صداقة ، ولا علاقة مخادعة ، ولا علاقة عشق ، ولا علاقة تسلية ، هناك عشرات العلاقات الآن في جاهلية القرن العشرين علاقات بين الذكر والأنثى لا على أساس الزواج ، على أساس التسلية أحياناً ، أو على أساس الحب ، على أساسٍ ما أنزل الله بها من سلطان ، لأن القناة الوحيدة النظيفة في العلاقة بين الجنسين هي الزواج، إذاً عقد الزواج هو أقدس عقد على الإطلاق .

( سورة النساء ) .

ما يتاح للزوج ما يرى من زوجته لا يتاح لأقرب الناس إليها ، أبيها ، وأخيها ، ولا ابنها، ولا أي إنسان آخر يتاح له من امرأة ما يتاح للزوج من زوجته ، بل إن بعض العلماء ، وهذا رأي الجمهور أن الزواج إن لم يكن على التأبيد فهو زنى ، لأن الزواج الموقت فيه غش للمرأة ، يمكن أن تطلق لأسباب يقبلها الله منك ، لكن حينما تعقد العقد ، وفي نيتك أن يكون الطلاق بعد حين هذا خداع ، وهذا غش للمرأة ، لكن حالة العالم اليوم لا تصدق ، أحد الإحصاءات في أمريكة أن 90 بالمئة من حالات الزواج من غير عقد ، ولا اتفاق ، ولا ورق ، ولا تسجيل ، إنما هي مساكنة تستغل كزوجة ، وتلفظ في أية لحظة ، وتركل بالقدم في أي ثانية ، فوضى ، لذلك الانهيار في المجتمعات الغربية ليس له حدود ، لكننا ولله الحمد مع بقية الدين التي أنعم الله بها علينا ، مع بقية الوفاء ، بقية الحياء ، ينعم العالم الإسلامي بأسر متماسكة في الأعم الأغلب ، وكلما قلد الغرب انحلت هذه الأواصر .

   حدثني أخ قاضٍ شرعي أن نسب الطلاق في بلاد المسلمين تقل عن خمسة عشرة بالألف ، بينما في بعض البلاد تزيد عن خمسة وستين في المئة ، نسب الخيانة الزوجية في بعض البلاد تزيد عن سبعين في المائة من حالات الزواج ، فالمجتمع يقاس تماسكه وقوته بتماسك أسره ، يعني شاءت حكمة الله أن يكون هذا المجتمع ، هذا الصرح الكبير مؤلف من خلايا ، الأسرة هي الخلية لذلك أي نظام يرعى الأسرة ، ويقويها ، ويدعمها ويزيل العقبات أمام إنشائها هو نظام يسهم في تقوية المجتمع ، وأي نظام يسهم في تحلل الأسرة ، وفي تفككها ، وفي انحرافها هو نظام يهدم المجتمع ، وكأنني سمعت أن أقوى رئيس في العالم قال : هناك خمسة أخطار تهدد أمريكة ، قبل سنوات ؛ أنا تصورتُ الصين أكبر تجمع بشري في الأرض ، تصورت الاتحاد الأوربي ، إنه تفكك الأسرة ، إن أكبر خطر يهدد أمريكة تفكك الأسرة ، لذلك لا زلنا بخير ، لا زالت أسرنا بخير هذه بقية الدين ، بقية ، لأن هذه الأسرة الخلية هي الأولى في المجتمع ، تماماً كالحجر في حائط كبير ، فكلما تضعضع أحجار الأساس انهار البناء ، لذلك أيها الإخوة ، وأنا أقول لكم بكل وضوح : إن العالم الغربي يسعى لا إلى أن ينتصر علينا عسكرياً ، هذه قد تتم له أحياناً ، ولكن يسعى إلى أن ينتصر علينا ثقافياً ، بمعنى أن يهدم قواعد الأسرة المبنية على الشرع ، لعلي ذكرت هذا من قبل ، لكن لا بأس أن أعيده عليكم .

   سفير أقوى بلد في العالم من تقاليد تعيينه كسفير أن يقام حفل في وزارة الخارجية ، يحضره وزير الخارجية ، ويعطيه أوراق اعتماده التي سوف يقدمها إلى رئيس البلد الذي يذهب إليه ، هذا السفير معين في بوخارست في رومانيا ، ومن تقاليد هذا البلد أن كل احتفال لا بد أن تكون الزوجة مع زوجها إلى جانبه ، لتشهد أيامه العظيمة ، هذا السفير وفي وزارة الخارجية ، وفي وجود وزير الخارجية يأتي إلى الحفل مع شريكه الجنسي ، ليس مع امرأته ، لكن مع شريك جنسي ، فحينما يصل المجتمع إلى هذا المستوى فاقرأ على الحضارة السلام ، هي قوية جداً ، لكنها في ميزان القيم في الوحل والحضيض ، وحينما قال الله عز وجل :

( سورة البقرة الآية : 256 ) .

أي أنه لن تؤمن بالله قبل تكفر بالكفر ، وما دامت جهة قوية طاغية في موضع احترام من قبل المسلمين فالطريق إلى الله ليست سالكة .

   فلذلك أيها الإخوة ، قواعد الزواج التي جاء بها الشرع مهمة جداً ، وكما قلت قبل قليل العالم الغربي بدأ يحارب المسلمين لا بالأسلحة الفتاكة ، بل بأي يفرض على المسلمين أنظمةً في الأحوال الشخصية ، كأن يقول ، وهذا الكلام أنا عندي موثق ، هذا الكلام هو توصيات مؤتمري السكان اللذين عقد أحدهما في القاهرة والثاني في بكين ، والقرارات والتوصيات ارتقت إلى مستوى الإلزام ، وأي بلد لا ينفذ هذه التوصيات تنتظره عقوبات قاسية جداً ، أن يكون الزواج شيئاً ، والعلاقة الجنسية شيئاً ، والإنجاب شيئاً آخر ، تزوج امرأةً ، ولك علاقة مع امرأة ، وتنجب من امرأة ، وأن تكون الزوجة في حل من أن تساكن زوجها ، أو أن تنصاع لأمره ، لها أن تسافر متى شاءت من دون إذنه ، ولها أن تعمل أي عمل من دون إذنه ، وأن يسمح بالإجهاض الآمن كما يقولون ، وأن يمنع الزواج قبل سن الثلاثين ، وأن يسمح لمن دون هذا السن بعلاقات تحت سمع الآباء وبصرهم ، والحديث طويل حول هذا ، ونحن بخير والحمد لله ، رفضت هذه التوصيات جملةً وتفصيلاً  ، لأنها تتناقض مع أصل ديننا ، فنحن معنا وحي السماء ، نحن معنا تشريع خالق الأرض والسماء ، نحن معنا كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأي انحراف عن وحي السماء فهناك آثار خطيرة لا يعلمها إلا الله ، في بلد كالصين منع الإنسان من إنجاب أكثر من ولد واحد ، بقانون فيما أظن مطبق قبل سنوات ليس أكثر ، ما هي نتائج هذا القانون ، أن كل أسرة تنجب بنتاً تخنق إلى أن يأتيها الذكر فتسجله ، قرأت خبراً موثقاً أن خمسين مليون شاب لا يجدون فتيات يتزوجونهن ، لذلك نشأت عصابات هناك لخطف الفتيات في سن الزواج ، لما حددنا إنجاب طفل واحد لهذه الأسرة اختل توازن المجتمع .

   لذلك أيها الإخوة ، حينما أمرنا الزوج أن يدفع لزوجته نصف ممتلكاته تهرب معظم الأزواج من تسجيل عقود القران ، مساكنة فقط ، ليس معها وثيقة إطلاقاً ، والشيء العجيب أن أي تغيير بمنهج الله نحصد سلبيات لا تعقل .

   ذكر لي أخ كريم من شمالي إفريقيا : صدر قرار بتقليد الغرب بمنح المرأة نصف أملاك زوجها عند الطلاق ، قال لي أخ كريم : إن سوق الزواج قد بار ، فصار والد الفتاة يقدم لخاطب ابنته وصل أمانة بمبلغ فلكي ، إن طالبناك بنصف أملاكك طالبنا بهذا السند ، حتى يستمر الزواج.

   فيا أيها الإخوة ، هذه الأنظمة ، أو هذه الأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن ، وبيّنها النبي العدنان ليست من صنع بشر ، إنها من عند خالق البشر ، من عند الخبير ، قال تعالى :

( سورة فاطر ) .

         هو الخبير ، وأنت حينما تمتلك آلةً بالغة التعقيد ، غالية الثمن عظيمة النفع ، وتصاب بخلل ، ماذا تفعل ؟ لك جار يبيع الخضراوات ، وهو طيب جداً هل تدفع إليه هذه الآلة ؟ طيبة نفسه شيء ، وخبرته شيء آخر ، لا تدفعها إلا إلى وكالة البيع ، حيث الخبراء من قبل الشركات المصنعة ، إذاً إن كنت حريصاً على سلامتك وعلى سعادتك ينبغي أن تأتمر بأمر الخبير ، فالله هو الخبير ، وهو الصانع الحكيم ، والجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها ، هذه مقدمة .

        نحن معنا تعليمات الخالق ، تعليمات الصانع ، معنا تعليمات الخبير والخبير ينبغي أن يطاع ، ولأن الله كان من الممكن أن يأتي بالناس جميعاً إلى الدنيا دفعة واحدة ، وأن يأخذهم منها دفعة واحدة ، إذاً ليس ثمة يتم  ، ولكن شاءت حكمة الله أن نأتيها تباعاً ، وأن نغادرها تباعاً ، ما دام الأمر هكذا إذاً من الممكن أن يغادر الأب الدنيا وأولاده صغار ، إذاً هناك مشكلة أن أكبر داعم للطفل هو الأب ، والعرب إن أرادت أن تسب إنساناً تقول له : لا أب لك ، أكبر داعم للطفل هو الأب ، لأن الله أودع فيه حب أولاده والرغبة في تربيتهم وتنشئتهم ، لذلك هذا طبع لا تكليف ، وهل يعقل أن يصدر مرسوم تشريعي يلزم الناس أن يتناولوا الطعام ؟ مستحيل ، لأن تناول الطعام طبع ، لذلك أوصى الله عز وجل الأولاد بالآباء ، لأن عناية الأبناء بالآباء تكليف ، وليس بطبعٍ ، بينما عناية الآباء بالأبناء طبع ، فحينما يحرص الأب على إطعام ابنه ، وعلى كسائه وعلى نومه نوماً مريحاً ، أنا لا أقول ليس له أجر ، أقول أجره ضعيف جداً ، لأن هذا من طبعه ، هذه رحمة ليست كسبية ، إنما هي وهبية ، متى يؤجر ؟ إذا حرص على دين ابنه ، إذا حرص على أخلاقه ، إذا حرص على أن يدخل الجنة ، إذا كان سبباً في دخول الجنة ، أقول لكم هذه الحقيقة أيها الإخوة لو أن أباً عارض ابنه في سعيه لطلب الله عز وجل ، لو أن أباً لم يرضَ لابنه أن يكون متديناً ، ثم صار ابنه من كبار علماء الدنيا فلا أجر له ، لأن هذا الأب ما أراد لهذا الابن أن يكون كذلك ، فإن كان كذلك فليس له أجر ، إنما الأعمال بالنيات ، فالأب الذي يتبنى أن يكون ابنه صالحاً مؤمناً ولياً لله عز وجل ، وكان ابنه كذلك فله أجر كبير ، فإذاً لأن الناس يأتون إلى الدنيا تباعاً ، ويغادرونها تباعاً نشأت حالة الموت ، ومع الموت اليتم ، ومع اليتم الترمل ، هذه ظاهرة في العالم كله ، كتشريع لهذه الظاهرة يقول الله عز وجل :[وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً] ، طبعاً في الدرس الماضي قال الله عز وجل :

( سورة النساء الآية : 2 ) .

   الآن كتشريع آخر متعلق بالزواج عقد الزواج أقدس عقد على الإطلاق ، وأن الله سبحانه وتعالى أوجب للمرأة مهراً ، وهذا المهر نحله اللهُ المرأةَ ، هذا الحق نحلة من الله ، لذلك أمر الأزواج أن يؤتوا نساءهم صدقاتهن ، يقول الله عز وجل : [وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً] ، الصداقات هي المهور ، وأي عقد زواج ليس فيه مهر فهو عقد فاسد ، لكن العقد الفاسد شيء ، والعقد الباطل شيء أخر ، العقد الباطل لا يصحح ، بينما العقد الفاسد يصحح ، يصحح بمهر المثل:

( سورة القصص الآية : 27 ) .

هذا الإيجاب :

( سورة القصص الآية : 27 ) .

المهر :

( سورة القصص الآية : 27 ) .

   هذا الموقف الكامل من أولياء الفتيات ، فسيدنا موسى رد عليه فقال :

( سورة القصص الآية : 27 )

قبلت :

( سورة القصص الآية : 28 ) .

   إذاً لا بد من إيجاب وقبول ومهر وشاهدين ، هذا هو عقد الزواج ، ومن أحد شروط الزواج تسمية المهر ، [وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً] ، هو الذي يحصل أنك إذا تزوجت امرأة من دون مهر ، أو بمهر رمزي جداً كدرهم فضة تصبح الزوجة هينة على زوجها ، لأتفه سبب يطلقها ، أما إذا كان ثمة مهر معقول ، فالمهر يجعله يفكر في قضية الطلاق ، المهر يجعله يحسب حسابه ، ويراجع نفسه ، هناك مبلغ مائتا ألف مثلاً ينبغي أن تدفع ، أنا لست مع مغالاة المهور ، لأن أعظم النساء بركةً أقلهن مهراً ، ولست مع إلغاء المهور ، إلغاء المهور تطرف ، ومهور بالملايين المملينة أيضاً تطرف ، لكن مع المهر المعتدل ، مع المهر الذي تقره العادات الإسلامية ، فالمهر ضروري ، ولأن الله فرضه ، ولأن الله أمر به ولأن الله أمر الأزواج أن يقدموه لزوجاتهم : [وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً] ، أي ؛ عطاء من الله ، وقال بعض المفسرين : نحلة أي أن ؛ تدفع مهرها إليها عن طيب نفس ، دون أن تفكر في استرداده .

   أذكر قصةً لعلها مناسبة في هذا المقام ، خطب شاب فتاةً أعجبه حسنها ، ولم يعجبه دينها ، متمسكة ، فلما انتقلت إلى بيته كانت عقبةً أمام رغباته ونزواته ، لم تقبل أن تكون مع أصدقاءه ، ولا أن تسهر معهم ، ولا أن تجلس بينهم ، هو يفكر بخلاف ذلك ، يريدها زوجةً عصريةً ، متفلتة، أعجبه حسنها ، ولم يعجبه دينها ، ومهرها كبير جداً ، فخططت له أمه أن يضايقها مضايقةً لا تحتمل حتى تجود له بمهرها ، والذي توقعت حصل ، فضايقها ، وضربها ، وأهانها ، وغاب عنها كثيراً ، وجعلها تجوع وتعرى ، إلى أن طلبت منه المخالعة دون أن تأخذ منه شيئاً ، وكل هذا بتخطيط الأم ، وكان الأب يستنكر ذلك ، حدثني أخ كريم عن هذه القصة ، لأنه يعرف الأطراف كلها ، عندئذٍ خلعها ، ولم يعطها شيئاً ، ثم تزوج فتاةً كما يتمنى ، وصارت معظم تندراته بين أصدقائه كلما نجا من مشكلة يقول : نجونا من هذه المشكلة ، كما نجونا من مهر فلانة، وفي مرة كان يركب مركبته من مكان إلى مكان ، ولحكمة بالغة ركبت زوجته إلى جنبه ، وأمه خلفه ، وأباه خلف زوجته ، وكلما مشى بين مركبتين ، وحذره أبوه أن يبطئ من سرعته يقول له : نفذنا ، ونجونا كما نجونا من مهر فلانة ، وفي مكان ما قرب دمشق لم ينج فدخل بين مركبتين فشق نصفين ، وأمه كذلك ، ونجت الزوجة والأب الذي كان ينكر عليه فعله ، هذا الذي يستهين بحقوق المرأة يجب أن يعلم أن الله كبير ، وأنه سينتقم ، يقول الله عز وجل : [وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً] ، لذلك ورد في بعض الأحاديث أنه من تزوج امرأة على صداقٍ ، وفي نيته ألا يؤديه لها لقي الله زانياً .

   نحلة ؛ منحة من الله ، إذاً أنت كمؤمن ينبغي أن تنفذ ، ونحلةً ؛ أن تطيب نفسك بدفع هذا المهر، خرج من نفسك ، ونحلةً ؛ ألاّ تنوي استرداده ، فأناس كثيرون إذا فرض عليهم مهر كبير ، يقول لك : اكتب ، عندي الحل ، الحل يضايقها ، يهددها بالطلاق ، إلا أن تتنازل له عن مهرها ، فلذلك نحلةً ؛ أن تعطيه إياها طيبة نفسك ، أن تعطيه إياها دون أن تنوي استرداده ، أن تعطيه إياها ، لأن الله في عليائه فرضه لها ، وأنت بهذا تذعن لأمر الله عز وجل ، ولماذا قال الله قبل قليل : [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى] ، يعني عندك يتيمة ، وأنت وليها ، وأمرها بيدك ، وأنت وكيلها ، لماذا أرشدك الله إلى عدم الزواج منها ، بل أن تتزوج ما طاب لك من النساء ، لئلا تظلمها في مهرها ، هي لن تطالبك ، تستحي منك ، أنت ولي نعمتها ، فإذا خفت ألا تقسط في اليتامى فانكح غير اليتامى لذلك : [وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً] ، لكن هؤلاء النساء حينما يكرمها الله بزوج وفي ، بزوج مؤمن ، بزوج كريم يرعاها ، ويحترم مشاعرها ، ويحترم إنسانيتها ، ويؤدي لها حقوقها ، ويعطيها ما تستحق هي تحبه حباً جما ، فإن كان في ضائقة مالية، وقدمت له بعض مهرها قال :

 

( سورة النساء )

   إذا قالت لك زوجتك : خذ هذه الأساور ، وبعها ، وانتفع بثمنها ، وهي صادقة ومحبة ، وأنت كل حياتها ، وأنت كل أملها في الحياة ، فلا مانع أبداً ، لكن أن تكرهها إذا ورثت ، إذا لم تعطني أطلقك ، لا ، هذا إكراه ، بالمناسبة من عظمة هذا الشرع أن المرأة تمتلك مهرها ، ولها أن تتصرف به ، وهي صاحبة القرار فيه ، إلا في حالات نادرة طبعاً ، لو أنها أرادت أن تتجر به ببضاعة محرمة فلك أن تمنعها ، أو بطريقة محرمة ، أن تهرب مثلاً ، لك أن تمنعها ، لأن هذا قد يصيبها بالأذى ، أنت العاقل ، أنت صاحب الرؤية ، نساء كثيرات يتجرن بمادة محرمة أحياناً ، هي بعيدة عن جو الأسواق ، يقول لك : الربح عالٍ ، لكن هذا فندق ، خمس نجوم ، فيه موبقات ، وخمر ، فلك أن تمنعها إذا أساءت التصرف بمالها ، أما إن لم تسئ التصرف بمالها فهي حرة في أن تدير أموالها ، وهذا الحق لم تكن تحظى به امرأة في العالم القديم ، الإسلام وحده هو الذي أعطاها ذلك الحق ، بل إن المرأة في بعض البلدان القديمة كانت تنتقل إرثاً من الأب إلى ابنه ، كأنها قطعة أثاث ، ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام لعظم هذا العقد بين الزوجين لم يشأ أن يضع مكانته النبوية في شأن شخصي ، فحينما كرهت امرأة زوجها ، وطلبت من رسول الله أن يخالعها زوجها ، فقال لها عليه الصلاة والسلام : لو تراجعيه ، هي فقيهة ، فقالت : أفتأمرني ؟ قال لا ، إنما أنا شفيع ، فأبت ، قالت : إني أكره الكفر بعد الإيمان ، لا تحبه ، قال له النبي عليه الصلاة والسلام : طلقها تطليقة ، وردي له الحديقة ، هذه مخالعة ، [فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا] ، بعض الأقوال لسيدنا عمر : إن المرأة قد يضغط عليها زوجها ، وقد يستعطفها ، وقد يستميلها ، فتعطيه بعض مالها إن صحت من غيبوبتها ، وإن خطأت نفسها فلها أن تسترد ما أعطت لزوجها ، هذا الرأي سيدنا عمر رضي الله عنه ، كل هذا من أجل أن تكون المرأة في أعلى درجة من التكريم ، ومن الحرية ، ومن الكرامة من دون أن تستخدم هذا استخداماً لا يرضي الله عز وجل ، ثم يقول الله عز وجل :

( سورة النساء الآية : 5 ) .

   بصراحة تقوم حياتك على المال الذي بين يديك ، بهذا المال تزوجت ، بهذا المال اشتريت بيت، بهذا المال أنفقت على أهلك ثمن الطعام والشراب ، بهذا المال كسوت أولادك ، بهذا المال استرضيت زوجتك ، بهذا المال عالجت أولادك المرضى عند الطبيب ، بهذا المال أدخلتهم المدارس وتعلموا ، بهذا المال أنفقت منه على الفقراء والمساكين فارتقيت عند الله ، فالمال قوام الحياة ، وهذا الذي يزهد بالمال زهداً أبله غبياً ، ثم يحتاج الناس يضع نفسه في مكان ذليل ، يعني أنا أدعو الله عز وجل لي ولكم الدعاء المشهور : اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت يا رب من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء ، وبصراحة الآن أعداء المسلمين أحد أكبر خططهم أن يفقروا المسلمين  بعبارة جديدة تجفيف منابع الجمعيات الخيرية ، أحد أكبر خططهم إفقار المسلمين، وأنا أقول وأحد أكبر أنواع العبادات اليوم أن تكسب المال الحلال لتصون به عرضك ، ولتتقرب به إلى ربك ، والله ما رأيت كلمة لصحابي جامعةً مانعةً كهذه الكلمة ، قال حبذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي ، حبذا المال ، أطعم أولادي أكسوهم ، أسكن بيتاً صحياً، أقدم لهم الطعام والشراب ، أعالجهم إذا مرضوا ، حبذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي ، إذاً الذي يتقن عمله ، ويلزم عمله ، ويبدع في عمله ، لتكون يده هي العليا هو في أعلى درجات العبادة ، بل إن من العبادة أن تكسب رزقك بيدك ، ما دامت حرفتك مشروعة في الأصل ، وسلكت بها الطرق المشروعة ، وابتغيت منها كفاية نفسك وأهلك ، ونفع المسلمين ، ولن تشغلك عن واجب ديني ، ولا عن طاعة انقلبت هذه الحرفة إلى عبادة ، لأنك بهذه الحرفة تصون عرضك وتتقرب إلى ربك .

   أيها الإخوة ، عظمة الزواج الإسلامي أن الزواج الإسلامي يكون الله بين الزوجين ، فكل طرف يخشى الله أن يظلم الطرف الآخر ، وكل طرف يتقرب إلى الله لخدمة الطرف الآخر ، لذلك حينما قال الله عز وجل :

( سورة الروم الآية : 32 ) .

والسماوات والأرض تعبير قرآني ، أو مصطلح الكون ، والكون ما سوى الله ، الكون كله دليل على عظمة الله .

( سورة فصلت الآية : 37 ) .

( سورة الروم الآية : 21 ) .

   المودة والرحمة بين الزوجين من خلق الله عز وجل ، من خلقه  لذلك حينما سئل النبي عليه الصلاة والسلام : من أعظم الرجال حقاً على المرأة ؟ قال زوجها ، يعني أن أول رجل في عالم المرأة هو زوجها ، هو الأصل ، وكم من امرأة مسلمة تهتم بغير زوجها أضعافاً مضاعفة عما تهتم بزوجها ، أحيانا تغيب شهرًا ، تقول لك : عند ابني ، وزوجك ؟ كبر ، فهذه المرأة التي لا تهتم بزوجها ، ولا تطيع الله عز وجل ، بل إن ربع دين المرأة طاعتها لزوجها ، إذا صلت خمسها، وصامت شهرها ، وحفظت نفسها ، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها ، ولا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه ، بل ((إن الرجل التي تحته امرأة سيئة إن لم يطلقها لا يقبل له دعاء)) .

   عند الله ، لأن مئات وألوف النساء يتمنين زوجاً ، وهذه لها زوج  ولها بيت ، ولها أولاد ، تأكل وتشرب وتتنعم ، وتسيء معاملته .

   أيها الإخوة ، أي زوج يسيء إلى زوجته إنما هو يكفر نعمة الزواج ، وأية امرأة تسيء إلى زوجها إنما هي تكفر نعمة الزواج ، ولا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها ، وهي لا تستغني عنه ، ((وأيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس لم ترح رائحة الجنة)) .

طلقني تقول له ، لماذا ؟ لأسباب تافهة ، ثم إنه أيضاً لأسباب تافهة يطلقها ، لأسباب مضحكة ، فقلت لأحد هؤلاء : أنت حينما تطلق زوجتك لأسباب تافهة ينبغي أن تتسكع على أبواب العلماء ممن يفتي لك أن تعود إليك ، تشك في علمه ، والذي يقسو عليك في الفتوة لا تحتمله ، فأنت بين منتقد ومتألم ، وأنت تتسكع على أبواب العلماء لأنك ارتكبت أحموقة ، وطلقت زوجتك لأسباب تافهة ، الإنسان العاقل هذه زوجته جملةً وتفصيلاً مقبولة ، خلص ، يعاتبها ، يهجرها ، ليبتعد عن الطلاق ، لذلك قال بن عباس : أيرتكب أحدكم أحموقته ، ثم يقول : يا ابن عباس يا ابن عباس ، والله ما رأيت سؤالاً يتردد في المساجد أكثر من سؤال الطلاق ، تجد الشاب زوجته ممتازة لسبب تافه يطلقها ، أو يحلف عليها بالطلاق ، والذي لا أصدقه أن معظم الزوجات لأن زوجها حلف عليها ألا تذهب إلى بيت فلان فليس في حياتها شيء أهم من أن تزورهم ، كي تكسر يمين زوجها، إنه حمق ما بعده حمق من الزوجة ، فيا أيها الإخوة هذا الزواج أقدس عقد ، البطولة ليس أن تتزوج أن تبقى متزوجاً ، والبطولة أيتها المرأة لا أن تتزوجي أن تكوني تحت رجل صالح ، وإلا تطلقين ، إذاً : [وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ] ، [وَمِنْ ءَايَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ] ، [وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا] ، " لكن أروع ما في الآية: [وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً] ، المودة ؛ قالوا : إنها سلوك يعبر به عن الحب ، لأنك تحب زوجتك فتبتسم في وجهها ، ولأنها تحبك تسعى لمرضاتك ، فإذا انقطعت هذه المنفعة أصاحبها مرض عضال معنى ذلك أنه صار لزامًا أن تطلقها ، لا  قال : [وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً] ، فإن لم يكن عامل المودة قائماً ، هناك عامل الرحمة ، فكم من امرأة تعمل في البيوت لتطعم زوجها المشلول ؟ هذا معظم البيوتات ، فلذلك لما قلت لكم : نسب الطلاق في العالم الإسلامي 15 بالألف نسبة مثالية، لكن مع الأسف أصبحت الآن 15 بالمئة ، وهذه الظاهرة جاءت مع انتشار الصحون ، فلذلك أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون كل منا سعيداً في بيته ، وأن يفعل مع امرأته الأسباب التي تدعوها إلى محبته وطاعته ، وأن تفعل المرأة مع زوجها الأسباب التي تدعوه إلى محبتها وخدمتها [وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا] .

   من الطرف ، قال بعض العلماء : اطلب من زوجتك درهماً من مهرها واشتر به عسلاً ، واجعله يذوب بماء السماء ، واشربه ، لأن الله قال : [فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا] .

( سورة ق الآية : 9 ) .

وهذا من باب الطرفة درهم من مهر الزوجة يشترى به عسل يذاب في ماء السماء ، ويشرب ، ففيه الشفاء إن شاء الله .

والحمد لله رب العالمين

سؤال : يقول أخ أنه : من كان تحته امرأة سيئة ولم يطلقها فإنه لم يقبل له دعاء .

جواب : هذا حديث صحيح للنبي الكريم ، تبالغ في الإساءة ، تتحدى زوجها ، تشتمه ، تضربه أحياناً ، وليس لها أحد غيره ، طيب هذه هل نبقى معها أذلة ؟ لا ، يجب أن تؤدَّب ، يجب أن تبقى بلا زوج ، أن تكون مطلقة ، أن تقبع خادمة عند أخيها ، طبعاً ، عندها زوج عندها بيت ، وعندها أولاد  ، حينما تفعل هذا فإنما هي تكفر نعمة الزواج ، ليس فيها رحمة ، ساذجة ، إذًا ثمة إساءة بالغة ، وعصيان ، وتحدٍّ ، وكبر ، ضغط غير معقول ، لماذا نسكت عن الخطأ ؟ هذا حديث صحيح .

 

سؤال : جواب : والله لا بد أن يكون النص موثقًا ، من كان تحته امرأة سيئة فلم يطلقها فإنه لا يقبل دعاء ، أو كما قال .

   هناك فهم آخر ، أنه لا يطلقني زوجي ، يخاف ، مثلاً ، هذا الفهم لا ينبغي أن يكون موجودًا ،  ثمة خطأ يستلزم الطلاق ، ليس ثمة خطأ ثمة طمأنينة وأمن .

 

سؤال : ابن المبارك كانت تحته زوجة سيئة ، وكان يصبر عليها ، كيف نوفق بين توجيه النبي وبين فعل ابن المبارك ؟

جواب : سهل جداً ، إن غلب على ظنك أن صبرك عليها يصلحها فينبغي أن تصبر عليها ، وإن رأت صبرك عليها ضعفاً وخوفاً وخضوعاً وذلاً فلا ينبغي أن تصبر عليها ، وقال النبي الكريم : ضع صوتك حيث يراه أهل المنزل ، يعني أنت معك سلاح ، لا تلغِ السلاح ، اتركه معك ، لكن أنا لا أقر الحمقى كلما قامت يده عن رجله حلف عليه بالطلاق الثلاث ، وكلما أحل لك شيخ يحرمك عشرة ، لا هذا عمل أحمق ، مع امرأة مؤمنة طاهرة عفيفة طائعة ، والله حينما تطلقها فكأن عرش الرحمن اهتز ، طبعاً أنا لا أتكلم من فراغ ، أنا حينما أتكلم بحدة عندي آلاف الحالات، والله في الأسبوع الواحد تأتيني عدة مشكلات ، امرأة شاردة متفتلة تحتقر زوجها ، تسارع إلى ضربه أحياناً ، تسب أمه وأباه ، ولا تقبل بشيء ، وتحمله على كسب المال الحرام ، هذه امرأة لا ينبغي أن نسكت عن خطأها ، أنا أقول عن تلك الحالات الخاصة ، لا تقل : الشيخ أفتى بالطلاق ، وغداً يلصقون لي مشكلة .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi