English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "04"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآية 6  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

           الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . 

        أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع من دروس سورة النساء ، ومع الآية السادسة ، وهي قوله تعالى :

           أيها الإخوة الكرام ، الإسلام في مكة كان ترسيخاً لأصول العقيدة ، وفي المدينة كان تشريعاً للعباد ، إسلام مكة إسلام عقيدة ، وإسلام المدينة إسلام تشريع ، ولا يستغنَى عن أحدهما ، فلا بد من عقيدة سليمة ، ولا بد من تشريع حكيم ، لا بد من إيمان ، ولا بد من عمل ، وأنت بالكون تعرفه ، وبالشرع تعبده ، هناك علاقة دقيقة وخطيرة ، وهي أنك إذا عرفته خالق الأكوان، مبدع السماوات والأرض ، رب العالمين ، بيده ملكوت كل شيء ، تشعر بحاجة إلى أن تتقرب منه ، الإنسان في أصل فطرته يحب الجمال والكمال والنوال ، فإذا ثبت لك اعتقاداً أن أصل الجمال عنده ، وأن أصل الكمال عنده ، وأن العطاء كله منه ينبغي أن تتجه إليه ، في العلاقات اليومية ، يكون للإنسان مكانة ، غني ، له منصب رفيع ، تجد الناس يتحلقون حوله ، يطمحون إليه ، يزورونه في كل مناسبة ، يقدمون له آيات الولاء في كل وقت ، لأنه عنده شيء ، إما علم ، أو جاه ، أو مكانة ، أو مال ، فالناس يقبلون على العظيم طمعاً بما عنده ، فإذا ثبت لك يقيناً أن الكمال كله عند الله ، وأن النوال كله من عند الله ، وأن أصل الجمال هو الله فلا بد أن تتقرب منه، كيف ؟ كيف تتقرب منه ؟ بعبادته ، بطاعته ، أنت إذاً بحاجة ماسة إلى أن تعرف أمره ونهيه ، يعني قد تتقرب لإنسان بهدية ، قد تتقرب إلى إنسان بزيارة ، لكن علاقتك مع خالق الأكوان كيف تتقرب منه ؟ أنت حينما تعبده ، وتطيعه تكون قد تقربت منه ، هل يمكن أن تكون عبادة بلا علم بالأمر والنهي ؟ نعود إلى قاعدة خطيرة ذكرتها في الخطبة ...

ما لا يتم الفرض به فهو فرض ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة ، فإذا أردت أن تتقرب إلى الله بعبادته حتماً ينبغي أن تعرف بنود عبادته ، الأمر والنهي ، لذلك ورد في بعض الأحاديث أن طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم ، كيف تعبده ؟ بطاعته ، بتنفيذ أمره ، والبعد عن نهيه ، هكذا يُعبد الله ، لذلك معرفة الأحكام الشرعية جزء من الدين ، بل إن معرفة الأحكام الشرعية تأتي مرحلة حتمية لازمة بعد معرفة الله .

ذكر أن أخاً اصطلح مع الله ، يعمل في إصلاح المركبات فتاب توبة نصوحًا ، أنا أعتقد لأنه تاب توبة نصوحًا ، ولأنه اصطلح مع الله ، ولأنه أراد أن يبقى وفق منهج الله ، أتعبني في أسئلته في مصلحته ، شعرت أنه صادق في التوبة ، ما دام صادقاً في التوبة فهو يسأل : ما حكم هذا ؟ ما حكم هذا ؟ كيف أفعل مع فلان ؟ ما حكم القطعة التي جددتها ؟ هل أستعمل هذه القطعة التي بليت ؟ لي الحق أن آخذها ؟ أمطرني بوابل من الأسئلة ، لماذا ؟ لأنه عرف الله وأراد أن يطيعه ، فهذا الذي لا يبالي بأمر الله ونهيه في الأساس إيمانه ضعيف ، كلما اهتممت لأمره ونهيه كلما كان هذا دليلاً على اهتمامك بالله عز وجل ، فلذلك حينما نقرأ آيات التشريع فإنها لا تقِلُّ في قيمتها عن آيات العقيدة ، بل هناك ملمح رائع في الجزء الأخير من القرآن الكريم ، آيات الجزء الأخير كلها آيات مكية ، وكلها في العقيدة ، في الإيمان بالله واليوم الآخر ، من دون استثناء.

( سورة الفجر ) .

( سورة الشمس ) .

( سورة الليل ) .

( سورة التين ) .

أبداً : إلا سورة واحدة ، لو أن فهم الإنسان سطحي وساذج يراها قد أُقحِمت إقحامًا .

( سورة المطففين ) .

         من أجمل ما قرأت عن هذه السورة ، وعن علاقتها بالسياق العام ، وكيف أنها ليست مقحمة عليك ، أنك إذا فرطت في حق مخلوق يعد هذا التفريط سبب هلاكك ، فكيف إذا فرطت في حق الخالق ، إذا طففت ، إذا أعطيته أقلَّ من حقه وزناً ، أو مساحة ، أو طولاً ، أو كمية ، أو نوعية فالتطفيف أن تعطيه أقلَّ من حقِّه ، فإذا قست القماش الذي تبيعه مشدودًا ، وقست القماش الذي تشتريه مرخياً فهذا تطفيف ، إذا وزنت الكيس لما تبيعه مع البضاعة ، وقد تكون بضاعة غالية جداً فصار ثمن الكيس من ثمن البضاعة فقد طففت ، أما إذا اشتريت حذفت وزن الكيس ، وأخذت الصافي فقد طففت ، فالويل لك ، والويل هو الهلاك للمطففين ، فإذا طففت في حق مخلوق كان هذا التطفيف سبب هلاكك ، فكيف إذا بخست حق خالقك ، كيف إذا بخست حق الذي أوجدتك، حق الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، كيف إذا بخست حق هذا النبي العظيم الذي جاء لإنقاذنا ، فلم تعبأْ بسنته ، ولم تعرف قدره ، ولم تصلِّ عليه، قال عليه الصلاة والسلام حينما صعد المنبر : ((آمين ، فلما صعد الدرجة الثانية قال : آمين، فلما صعد الثالثة قال : آمين ، سألوه بعض أصحابه علامَ أمنت ؟ قال جاءني جبريل فقال لي : تعس ـ أي خاب وخسر ـ من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك ، خاب وخسر ، وتعس من أدرك والديه فلم يدخلاه الجنة ، وتعس وخاب وخسر من أدرك رمضان فلم يغفر له ، إن لم يغفر له فمتى)) .

   إذاً كما أننا في أمس الحاجة إلى أن نعتقد بالله اعتقاداً صحيحاً بالله موجوداً وواحداً وكاملاً ، بالله خالقاً ورباً ومسيراً ، بالله صاحب الأسماء الحسنى ، والصفات الفضلى ، وبرسول الله رسولاً ونبياً ، وباليوم الآخر جزاءً ومصيراً ، وبالملائكة والكتب والأنبياء ينبغي أن نتعلم شرع الله عز وجل .

   مثلاً : من دخل السوق دون أن يتفقه أكل الربا ، شاء أم أبى ، أنا أذكر لكم دائماً مثلا ، هنا محل إعادته ، أنّ المظلي قد يجهل أشياء كثيرة لا علاقة لها بسلامته ، وقد يجهل شيئاً واحداً يكون سبب هلاكه ، قد يجهل شكل المظلة ، دائري ، مربع ، بيضوي ، مستطيل ، وقد يجهل نوع قماش المظلة ، من خيوط صناعية أو طبيعية ، وقد يجهل عدد الحبال وألوان الحبال ، ونوع خيوط الحبال ، هذا كله لا يؤثر على سلامته ، أما إذا جهل طريقة فتحها ينزل ميتاً ، في الدين جانب من العلم سماه العلماء ، علم ينبغي أن يعلم بالضرورة ، فمن لم يتعلم هذا العلم هلك ، مثقف، غير مثقف ، مشغول ، غير مشغول ، متفرغ ، غير متفرغ ، أمي ، متعلم ، هذا العلم سماه العلماء علم ينبغي أن يعلم بالضرورة ، لأنه فرض عين على كل مسلم ، تقول ليس لديّ وقت ،  إذا درس الرجل ، وجاء إلى بلده ، واشترى عيادة بالدَّين ، والآلات بالدَّين ، وعليه ديون باهظة ، وحدد موعد الزيارة من الخامسة حتى السابعة ، وجاءه مريض في الساعة السادسة ، قال له : ما عندي وقت ، الجواب اللطيف : لأي شيء خصصت وقتك إذاً ، هذا اختصاصك ، وهذا وقتك ، فإذا قال إنسان لك : أنا ما عندي وقت أعرف الله عز وجل فجوابه قوله تعالى :

( سورة النمل الآية : 84 ) .

   ما هو الشيء الذي هو أعظم من أن تعرف الله ، ما هو الشيء الذي هو أعظم من أن تعرف منهجه ، ما هو الشيء الذي هو أعظم من أن تعرف الطريق الموصلة إليه ، إذاً أن تقتطع من وقتك الثمين وقتاً لمعرفة الله ، لمعرفة كتابه ، لمعرفة سنة نبيه ، لمعرفة أحكام الفقه ، لمعرفة سير الصحابة والتابعين ، لمعرفة العقيدة السليمة ، لمعرفة سر وجودك وغاية وجودك ، هذا استثمار للوقت ، وليس استهلاكاً له ، إنسان متعلم ، معه اختصاص نادر ، يدرس عشر سنوات هذه السنوات العشر فهل هي استهلاك للوقت أم استثمار له ؟ بعد التخرج يقول لك : دخل باليوم 800 ألف ، من هذا العلم الذي تعلمه ، هناك اختصاصات نادرة جداً ، ودخلها فلكي ، فالوقت الذي أمضاه في الدراسة والتعلم هل يعد ضياعاً واستهلاكاً له ، أم يعد استثماراً ؟ إنه استثمار .

حينما تأتي إلى مجلس علم ، ماذا تعمل ؟ أنت حصنت نفسك ، يا بني العلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال . 

   سائق سيارة أشارت إليه امرأة فوقف ، ركبت معه سألها : إلى أين ؟ قالت له : حيث تشاء ، فهم ، وعدَّها غنيمة ، وقضى حاجته ، وأعطته ظرفين ، قصة وقعت في الشام ، وقرأتها في الجريدة ، أعطته ظرفين ، فتح الأول فإذا فيه خمسة آلاف دولار ، وفتح الثاني ، فإذا فيه رسالة ، فيها سطر واحد : مرحباً بك في نادي الإيدز ، والمبلغ مزور ، فأودع السجنَ ، ولو حضر درس علم واحد ، وعرف حدود الله عز وجل لنجا ، فحينما تقول له : خذني إلى أي مكان تريده ، يفتح الباب ، ويركلها بقدمه ، وينجو من المرض والسجن .

   والله أذكر أنه في أول خطبة خطبتها في شهر آب في عام 1974 في هذا المسجد سألني أخ كريم بعد الخطبة في صحن المسجد ، وصار يبكي ، قلت له : خير إن شاء الله ، قال : زوجتي تخونني ، قلت له مع من ؟ قال مع الجار ، قلت : وكيف عرفته ؟ قال لي : والله الحق علي ، كان الجار عندنا يومًا فأردت ألا تبقى وحدها ، فقلت لها : تعالي اجلسي معنا ، هذا مثل أخيك ، لأنه جاهل ، إنه يجهل طبيعة العلاقة بين الذكر والأنثى ، وعنده خمسة أولاد ، وتخونه من سنتين كل يوم ، وتعطيه مع كأس الشاي مادة مخدرة ، قلت : العلم حصن ، العلم حارس ، يا بني العلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، لا يقبل أن تقول : ليس عندي وقت لمعرفة الله ، معرفة كتاب الله أصل في الدين ، ومعرفة سنة رسول الله أصل في الدين ، ومعرفة الأحكام الفقهية ، كم إنسان في هذا البلد المسلم يستثمر أمواله بنسبة ثابتة ، عين الربا ، يسمعك لك كلامًا مضحكًا ، أكثر راحة من الحسابات والجرد ، على الألف مئة ليرة في الشهر فرضاً ، عين الربا ، كم إنسان يسهم مع إنسان في شراء بيت ، يطالبه بالأجرة من حقه ، لكن لأنه يضمن حقه بالتمام والكمال أصبحت الأجرة فائدة ربوية، إذا أراد أن يبيع حصته ، فقيم البيت تقيماً جديداً فلا مشكلة ، والأجرة يستحقها ، أما دفع مليون ، فالمليون ثابت لا يزيد ولا ينقص ، ويريد عليه أجرة ، فهذا عين الربا ، مئات الحالات التي يتعامل الناس بها في الأسواق هي عين الربا ، ولا يشعرون ، لضعف ثقافتهم الفقهية ، حتى في العلاقات الاجتماعية ، حتى في المناسبات ، في الأفراح ، في البيع والشراء ، من دخل السوق دون أن يتفقه أكل الربا شاء أم أبى ، هكذا قال سيدنا عمر ، فأنت حينما تقتطع من وقتك وقتًا لمعرفة الله من خلال كتابه ، ولمعرفة رسول الله من خلال سنته ، ولمعرفة أحكام الفقه ، ولمعرفة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام تنجو من مطبات الحياة .

مرة قال لي أحدهم : هناك اتصال هاتفي مع زوجتي ، أنا لا أحتمل ذلك ، إنسان سفيه يتكلم معها كلمات لا تليق ، قال لي : والله أنا أعرفها طاهرة معرفة يقينية ، قلت له : ألم تقرأ في السيرة أن السيدة عائشة رضي الله عنها ، وهي زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي بنت الصديق اتهمت بالزنى ، قال : لي الله أكبر ، والله لا أعلم ذلك ، وكأن هذه القصة جاءت على قلبه برداً وسلاماً ، لو قرأ السيرة لعرف ، على كل أيها الإخوة هذا تقديم ، لأننا قادمون على سلسلة آيات تتعلق بالمواريث ، إنسان يقول لك : موضوعات ثانوية ، هي صلب الدين ، المواريث من صلب الدين ، بعد قليل إن شاء الله نصل إلى هذه الآيات ، ونقف عندها وقفة متأنية .

   آية اليوم الآية السادسة : [وَابْتَلُوا الْيَتَامَى] ، الابتلاء هو الامتحان ، [حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ] ، ورد في كتب الفقه أن الصغير يبلغ الحلم إذا بلغ الخامسة عشرة من عمره ، أو يبلغ الحلم إذا ظهرت عنده صفات المراهقة ، كخشونة الصوت ، وظهور الشعر في أماكن مختلفة من جسمه ، أو حينما يحتلم ، طبعاً عند الفتاة قضية واضحة جداً ، حينما تأتيها الدورة فهذه علامة البلوغ قولاً واحدًا ، الشاب حينما يحتلم ، أو حينما تظهر علامات الرجولة في جسمه ،  أو بنبت شعر في بعض الأماكن ، أو صوت خشن ، أو إذا بلغ الخامسة عشرة فهو بالغ حكماً ، هذا بعض ما ورد في كتب الفقه ، [وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ] ، يعني بلغوا سناً يتاح لهم أن يتزوجوا ، بالمناسبة أنا من أنصار الزواج المبكر ، ولا سيما في هذا العصر ، نعم [فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا]، يعني بالسؤال والجواب والامتحان ، ثمة مواضيع معينة ، وأسئلة دقيقة ، وثمة إجابات رائعة ، وإجابات ساذجة ، فسأله في شأن البيع والشراء والتجارة والاستثمار فرضاً والادخار ، موضوعات مالية يعيشها كل إنسان ، وموضوعات تعاملية يعيشها كل إنسان ، ينبغي أن تمتحنه [فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا] ، يعني عقلاً وفهماً وحكمة فادفع إليه ماله ، وعلماء النفس قالوا : هناك عمر زمني ، وهو أتفه أعمار الإنسان ، وهناك عمر عقلي ، قد تجد طالبًا في صف بالصف التاسع عمره العقلي في الصف الثاني عشر ، وقد تجد طالبًا في الصف التاسع عمره العقلي في الصف السابع ، الإنسان كما أن له عمرًا زمنياً له عمر عقلي .

   مرة كان معنا مدرس رياضيات يدرس الشهادة الثانوية ، جاء رمضان قال هكذا في مجلس المدرسين : ماما قالت له صم فصام ، مدرس رياضيات ، ماما قالت له : صم فصام ، فهذا عمره العقلي متخلف جداً ، لكن قد يكون معه شهادة عليا في الرياضيات ، عمره ألتحصيلي جيد ، فعندنا عمر تحصيلي  ، وعمر عقلي ، وعمر اجتماعي ، وعمر انفعالي ، هناك إنسان ذكي اجتماعياً ، يرضي الناس جميعاً دون أن يعطيهم شيئاً ، كلامه لطيف معسول ، وهناك إنسان عنده غلظة اجتماعية ، كل يوم يلقي قنابل مِن حوله ، يفجر مشكلات باستمرار ، كل يوم يصنع أعداء ، بغير حساب ، فهذا متخلف في عمره الاجتماعي ، هناك إنسان عنده عمر انفعالي متدنٍ ، يبكي مباشرة، ينهار مباشرة ، وثمة إنسان متماسك ، تأتيه مصائب تهد الجبال ، ويبقى متماسكًا ، فهناك عمر اجتماعي ، وعمر انفعالي ، وعمر تحصلي متعلق بالدراسة ، وعمر عقلي ، وعمر زمني ، والعمر الزمني أتفه أعمار الإنسان .

   يروى أن أحد كبار علماء الذرة إينشتاين الذي جاء بالنظرية النسبية أقام في أمريكا ، وطاف بخمس وثلاثين ولاية يتحدث عن نظريته النسبية ، في آخر ولاية عنده سائق ذكي جداً ، حفظ هذه المحاضرة عن ظهر قلب ، وكان صاحب دعابة ، فرجا إينشتاين أن يسمح له أن يلقي عنه المحاضرة ، وأن يقدمه لهذه الجامعة على أنه هو إينشتاين ، ويبدو أن العالم نفسه إينشتاين صاحب دعابة ، فقدم سائقه على أنه هو إينشتاين ، وصعد إلى المنصة ، وألقى المحاضرة تماماً كما ذكر ، لأنه حفظها عن غيب ، فقام أحد الأساتذة يسأله سؤال عويصاً ، وهو يحفظ المحاضرة بصمًا ، وغيباً ، لكن ليس عنده إمكانية للجواب ، فلما سئل قال : السؤال سخيف جداً ، والدليل أني سأكلف سائقي أن يجيبك ، هذا عنده ذكاء ، عنده ذكاء حاد ، لكن عقله فتحصيلي ضعيف .

   فيا أيها الإخوة ، [وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا] ، مرة أحد الخلفاء وجد شابًا ، والقصة طويلة ، لكن ملخصها أنه أعجب بإجابته فأعطاه ديناراً ، اعتذر أن يأخذه ، لِمَ ؟ قال : والله يا سيدي لو قلت لأمي : إن هذا الدينار أعطانيه الملك لَضَرَبتْني وكذبتني، إن هذا الدينار ليس من عطاء الملك ، فاضطر أن يعطيه ألف دينار ، فقد تجد إنسانًا ألمعيًّا ، لكن بالمناسبة أتفه أعمار الإنسان عمره الزمني ، لا يقدم ولا يؤخر ، سيدنا الشافعي عاش خمسين سنة، بل ما أتم الخمسين ، سيدنا النووي ما أتم الخمسين ، توفي في السادسة والأربعين ، وترك علمًا ، وترك كتبًا لا يعلم خيرها إلا الله ، الأذكار ، كتاب فقه مشهور ، بغية المحتاج ، شرح صحيح مسلم ، رياض الصالحين ، كتب لا يعلم خيرها إلا الله ، فالعمر الزمني لا قيمة له إطلاقاً .

   الآن إذا فتح إنسان محلا تجاريًا ، كم ساعة فتح ؟ إذا فتح إنسان ساعة واحدة جمع مليون ليرة، وإنسان فتح 12 ساعة جمع مئة ليرة ، الوقت ما له قيمة أبداً ، العبرة بالغلَّة التي يجمعها في هذا الوقت ، فالإنسان كلما كان قريباً من الله بارك الله له في عمره ، ومن أدى عباداته أعطاه الله بركة في عمره ، فقال : [فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا] ، والله أيها الإخوة هاتان الكلمتان في هذه الآية لا يعرفهما إلا الخبير ، أنت ذاهب لشراء صفقة لهذا اليتيم في حلب ، تذهب بالطائرة من أجل راحتك ، لست مضطرًا لتنام في فندق خمس نجوم ، يأتيك عشاء إلى الغرفة ، والسعر مضاعف ، هي كلها مصاريف الصفقة ، لكن لو أن المال هل مالك تفعل هكذا ؟ مستحيل  فهناك من يتجر بمال اليتيم ، وينفق نفقات غير مقبولة ، إن في الطعام، أو في الشراب ، أو في التنقل ، أو في المصاريف ، بل لو أن اليتيم كلفك بحاجة في أثناء السفر تسجل عليه قسماً من مصروف الرحلة ، أخدمه لوجه الله ، [وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا] ، إياك أن تسرف ، في عنا قاعدة ، قاعدة رائعة عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ، [وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا] ، بداراً ؛ أن تبادر إلى أكلها قبل أن يكبر ، فيأخذ ماله ، يعني أن تبادر إلى أكلها بطريقة أو بأخرى قبل أن يكبر ، فإذا بلغ السن التي ينبغي أن يعطى فيه ماله دفعت له ماله ، فقبل أن يبلغ هذه السن ينبغي أن تستنزف ماله كله ، ولا تأكلوها بداراً ، من يحاسبك ؟ الله وحده ، أنت مؤتمن ، أنت ولي أمر اليتيم ، لأنك مؤتمن كلفت بذلك ، لأنك مظنة صلاحٍ كلفت بذلك ، لأن الناس يثقون بك كلفت بذلك ، فإذا كنت موضع ثقة الناس فينبغي ألا تخيب ظنهم فيك ، أن تحاسب نفسك حساباً دقيقاً ، أنت في متجر من مال اليتيم ، وأنت شريك مضارب ، جاء أخوك هات كوكتيل ، هذه ثمنها مئة ليرة ، على المصروف ، ما علاقة اليتيم بالضيافة ؟ قد يأتي إنسان ليشتري ، قد تقيم له طعام الغذاء فلا مانع ، لمصلحة التجارة ، قد يأتي إنسان ، وقد تدعوه لطعام ، وعلى حساب المصروف ، لأن هذا الإنسان قد يشتري صفقة كبيرة جداً ،  فلا بد من إكرامه ، أما حينما يأتي صديقك الشخصي ، وتقدم له ضيافة في المحل من مال اليتيم فقد خنت الأمانة ، الضيافة على حسابك ، هناك شيء أدق من ذلك ، في عالم التجارة صفقات رابحة أساسية ، فالتاجر ماله في هذه الصفقة ، لكن هناك صفقة جديدة لعلها تربح كثيراً ، ولعلها لا تربح ، أجسُّ نبض السوق فيها بمال اليتيم ، فإن ربحت أنزلت مالي بعده فيها ، وإن لم تربح أقل له : هذا ترتيب الله ، ماذا نريد أن نفعل ؟ كلام معسول ، كله نفاق ،  أخي هو الربح نصيب من الله ، أنت اخترت له صفقة مجهولة ، اخترت له صفقة اسمها لغم ، قد تنفجر ، ربما لا تربح ،  فإذا ربحت عرفت السوق من خلالها فأدخلت بعدئذ مالك فيها ، لذلك ورد في بعض الأحاديث : ولا تجعل ماله دون مالك ، هذه خيانة ، إذا كان معك مال ليتيم فينبغي أن تستثمره في صفقة رابحة ، ليس بالمئة مئة ، فهذه لا يملكها أحد ، لكن في الأعم الأغلب ، وفي أغلب الظن أنها رابحة ، بضاعة أساسية في السوق ، وقديمة ، وأرباحها ثابتة وسعرها ثابت ، هكذا ، [وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا] ، دققوا في توجيه الله عز وجل لهذا الإنسان : [وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ] ، فليستثمر له هذا المال دون أن يأخذ شيئاً ، [وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ] ، عنده محل، وشركة طويلة عريضة ، وأموال طائلة بين يديه ، وقال لك : مئة ألف ليتيم ، اشترِ له بها صفقة ، وبعها ، وأعطه كل الربح إليه ، هذا ، [وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ] ، أما أنت مهندس مثلاً ، ولا تملك شيئًا من الدنيا ، وعندك يتيم صغير عمره أربع سنوات ، معه مال جيد ، وأنت أمين ، وليس عندك دخل ثانٍ ، فلك أن تستثمره في عمل معين بحسب خبرتك ، وأن تأخذ نصف الربح لك ، أو أربعين بالمئة حسب الاتفاق ، أو حسب العرف ، هذا يجوز ، [وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ] ، ما هو المعروف الذي تحدث عنه الفقهاء ؟

   المعروف الذي تحدث عنه الفقهاء بقاعدة رائعة : أجر المثل ، أو حاجتك ، أيّهما أقلُّ ، كيف ؟ وضع معك مليون ليرة ، ربحت مئتي ألف ، وأنت فقير ، والعرف بالمئة خمسون ، لك مئة ألف ، ومئة ألف له ، أنت تحتاج في الشهر إلى عشرة آلاف ، فأنت بحاجة إلى مئة وعشرين ألفًا ، ينبغي أن تأخذ مئة ألف فقط ، أجر المثل ، أنت بحاجة إلى خمسة آلاف في الشهر ، ليس عندك زوجة ولا أولاد ، وتسكن عند والدك ، بحاجة إلى خمسة آلاف ، يكفيك ستون ألفًا ، فينبغي أن تعطيه مئة وأربعين ، وأن تأخذ الستين ، يعني حاجتك أو أجر المثل أيهما أقلّ ، هذا معنى بالمعروف ، [وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ] ، وقبلها :[وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا]  .

   مرة سأل أحدُ الخلفاء أحد أكبرِ دهاة العرب ، قال له : يا فلان ما بلغ من دهائك ؟ قال : والله ما دخلت مدخلاً إلا وعرفت أن أخرج منه ، فقال له : لست بداهية ، أمَا أنا فو الله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه ، في جو معين تدفع لهذا اليتيم ماله ، ولا يخطر في بالك أن هناك مشكلة ، تمضي السنوات ، تفجر مشكلة ، يقول لك : لم آخذ منك شيئاً ، أين البينة ؟ تقع في إشكال كبير ، المؤمن الصادق ، المؤمن الواعي ، المؤمن الحذر :

( سورة النساء الآية : 71 ) .

دفعت اكتب وثيقة ، وسجل ، وأشهد عليه شاهدين ، كل شيء مكتوب مريح ، والله أيها الإخوة آلاف المشكلات التي دمرت أسر بأكملها بسبب عدم الكتابة ، مشروع تجاري اشتري بعشرين ألفًا ، في وقت معين ، وقتٍ صعب جداً ، أحدهم دفع عشرة ، والثاني عشرة ، الثاني يعمل في هذا المشروع ، بعد عدة سنوات المشروع قيِّم بمليونين ليرة ، وثمنه عشرون ألفًا ، فالأول طلب الأرباح فدفع له خمسة آلاف بخمسة آلاف ، فلما طالبه مرة ثالثة ، قال له : أنت أخذت رأس مالك، وما كتبا عقداً بهذه الشركة ، القضية كيفية ، والرجلان حيان يرزقان ، الثاني طمع لأنه ليس ثمة وثيقة  ، فاعتبرها دينًا ، رد له خمسة بخمسة ، ومن حقه يأخذ مليونًا ، مئات الحوادث المؤسفة سببها عدم الكتابة ، سببها عدم الوعي ، [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ] .

( سورة البقرة الآية : 282 ) .

   بشكل عميق ، أنك إذا لم تقيد الطرف الآخر بعقد أصولي موثقٍ في محكمة البداية ربما أعنت عليه الشيطان فأغراه أن يأكل هذا المال كله ، وأنت لك مسئولية على هذا ، أنت حينما لا تقيد الطرف الآخر بمواثيق وعهود وكتب وعقود وسندات موثقة تغريه أن يأكل مالك ، وأن يدعك بلا مال ، فإذا أكل هذا المال ، وأفسدته بهذا المال تتحمل أنت نصيباً وافراً من الإثم والمسؤولية ، لذلك :[فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا] ، هذه الآية تتعلق بأموال اليتامى ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون واقفين عند حدود الله ، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقَّافاً عند كتاب الله ، يأتمر بما أمر ، وينتهي عما عنه نهى وزجر.

والحمد لله رب العالمين .

أخ كريم الحديث الذي ذكرته في الأسبوع الماضي جاءني به موثقاً فله الشكر .

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم : رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه ، ورجل أتى ماله سفيها .

هؤلاء الثلاثة إذا دعوا الله عز وجل لا يستجاب لهم .

(رواه الحاكم في المستدرك والديلمي في المسند وصححه الألباني)

Copyright © 2007 Nabulsi