English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "05"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآيات 7-10  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين . 

         أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخامس من دروس سورة النساء ، ومع الآية السابعة ، وهي قوله تعالى :

       المفروض يحتاج إلى فارض ، فمن هو الفارض ؟ إنه الله ، قضية الإرث فرضها الله بذاته العلية ، ولم يسمح لأحد من خلقه أن يتدخل فيها ، ولو أنه تركها للخلق لكانت العلاقات الاجتماعية والضغوط والمحاباة سبباً في ظلم الناس بعضهم بعضًا ، فلذلك أمور الإرث فرضها الله بنفسه ، ولم يسمح للنبي عليه الصلاة والسلام ، وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق أن يكون الأمر فيها إليه ، الأمر لله وحده ، [نَصِيبًا مَفْرُوضًا] ، والفارض هو الله ، وهناك فرق بين الفرض والواجب ، الفرض يأتي من الأعلى ، أما الواجب فينبع من الأدنى ، فلان يقوم بواجبه طوعية ، وفلان فرض عليه هذا الأمر من أعلى ، فالفرض من أعلى ، أما الواجب فمن أدنى .

        أيها الإخوة الكرام ، يروي العلماء أن هذه الآية نزلت في أوس بن ثابت الأنصاري ، توفي ، وترك امرأة يقال لها : أم كجة ، وثلاث بنات له منها ، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ، ووصياه يقال لهما : سويد وعرفجة ، فأخذا ماله ، ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا ، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء .

   والآن إذا احتال الأب الغني ، وخص بماله أولاده الذكور ، وحرم الإناث أليس هذا العمل جاهلياً ؟ ويفعل هذا العمل كثير من أغنياء المسلمين  ، ويفعل هذا العمل كثير من أبناء بعض المناطق ، ظنًّا منهم أن البنت إذا نالت من أبيها شيئاً انتقل المال إلى زوجها ، وهو غريب عن العائلة ، وهذا كلام مخالف للحقيقة ، ومخالف لمنهج الله عز وجل ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض ما روي عنه : ((إن أحدكم ليعمل في طاعة الله ستين عام ثم يضار في الوصية فتجب له النار)) .

   يعبد الله ستين عامًا ، فإذا اقترب أجله حرم البنات ، وخص الذكور ، بشتى الدعاوى ، قد يكتب الذكور على أبيه سندات عالية جداً ، فإذا أبرزوا هذه السندات أخذوا كل مال أبيهم ، هذا الإله العظيم الذي أمرك أن تعبده لا تخفى عليه خافية ، هناك من يهرب من إعطاء البنات حقهن ، هذا له عند الله عقاب شديد ، لأن المرأة عند الله مساوية للرجل في حقوقها ، وفي واجباتها ، مساوية له في التكليف والتشريف والمسؤولية ، فكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء .

   وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير ، وإن كان ذكرا ، ويقولون : لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل ، وطاعن بالرمح ، وضارب بالسيف .

   مع أن المنطق أن تعطي الصغير قبل الكبير ، لأن الكبير اشتد عوده ، له بيت ، وله سيارة ، وله زوجة ، أما هذا الصغير إذا مات أبوه ، وتركه صغيراً لا شيء عنده ، لذلك الجاهلية في بعض الآيات وصفت بأنها الجاهلية الأولى ، وفي هذا إشارة إلى أنه سوف تكون هناك جاهلية ثانية ، فعدم إعطاء البنات حقهن من أبيهم أحد أنواع الجاهلية .

   ويقولون : لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل ، وطاعن بالرمح  وضارب بالسيف ، وحاز الغنيمة ، فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما ، فقالا : يا رسول الله ، ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل كلا ، ولا ينكأ عدوا ، فقال عليه السلام : ( انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن ) ، فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم : [لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا] ، لذلك التلاعب بالإرث تلاعباً بدين الله ، لا شأن لك أن تقول : هذا فقير ، وهذا غني ، وهذه البنت لها زوج ميسور الحال ،  لا أعطيها ، هذا ليس من شأنك ، هذا شأن الشرع ، والشرع محكم في حياتنا ، وليس منطقنا الأعوج محكماً في الشرع .

   أيها الإخوة الكرام ، أتمنى على كل أخ كريم مسلم أن يكون دقيقاً في توزيع ماله وفق شريعة الله ، لا وفق مزاجه الشخصي ، والله أنا أستمع أحياناً إلى شكاوى من بعض الأخوات لا يسامحن آباءهن ولا قيد أنملة ، لأنه حرمهن من الإرث ، فهذا الإرث من حق الأولاد جميعاً بحسب الفرائض التي فرضها الله عز وجل ، [مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ] ، أثبت الله تعالى للبنات نصيباً في الميراث ، ولم يبين كم هو قال : [لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا] ، من قِبَل الله عز وجل .

   النقطة الدقيقة أن الله تولى بنفسه توزيع أموال المتوفى ، ولم يَدَعْ هذا للنبي عليه الصلاة والسلام  ، لذلك لا يملك أحد على وجه الأرض أن يعدل في نظام الميراث ، لأنه نصيب مفروض من قبل خالق الكون ، ولم يبين كم هو ، قال : [مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ] .

فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة ألا يفرقا من مال أوس شيئا ، فإن الله جعل لبناته نصيبا ، ولم يبين كم هو حتى أنزل الله عز وجل : [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ] .

   ما هي الوحدة التي بموجبها توزع الأموال ؟ نصيب الأنثى ، ما قال للنساء نصف حظ الرجال، الأصل هي المرأة ، قال :[لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ] ، فجعل الله أصل التوزيع نصيب المرأة ، لا تدققوا فيما آلت إليه المرأة في عصور التخلف ، التي آلت إليه جاهلية ثانية ، أما المرأة في أصل القرآن الكريم ونصوص النبي عليه الصلاة والتسليم لها حقوق لا تدانيها حقوق في أية أمة من أمم الأرض ، من منكم يصدق أن المرأة في الجاهلية كانت تورث ، وكأنها قطعة أثاث ، تورث ؛ ترك بيتًا وسريرًا وخزانة وزوجة ، هكذا ، كانت المرأة تورث ، فإذا هي في الإسلام كائن له شخصية مستقلة ترث وتورث ، ولها الحق في إدارة مالها ، بشرط ألا تسبب للأسرة متاعب هي في غنى عنها .

   قال بعض العلماء : [نَصِيبًا مَفْرُوضًا] ، هو كقولك قسماً واجباً ، وحقاً لازماً ، أيها الإخوة هذا، الكلام يدعونا إلى أن نقدس نظام الميراث في الإسلام ، لو عندك من الوقت لتقرأ القوانين التي ابتدعها كبار العلماء في الأمم السابقة لوجدت أن نظام الإسلام أروع نظام على وجه الأرض ، لأنه نظام خالق الكون ، لأنه تشريع الصانع ، والصانع هو الخبير ، لكن ما الذي يحدث ؟ رجل ترك أموالاً ، وترك ورثة ، وحول هؤلاء الورثة أقرباء وجيران وفقراء ، فهؤلاء الأقرباء والجيران والفقراء ينظرون إلى هذه الأموال كيف توزع ؟ كي نستل الحقد من قلوبهم ، وكي نطيب نفوسهم ، وكي نجعلهم يلتفون حول هذا الذي توفي ، أو حول ورثته بالعناية والرعاية ، يقول الله عز وجل :

( سورة النساء ) .

أرأيت إلى هذا الشرع :

   طيب ماذا نفهم من هذا الحكم ؟ تطلب أحيانا طعامًا ، فيحمل لك الطعامَ صانع فقير ، ألا يشتهي هذا الذي نقل لك الطعام أن يأكل قطعة ، إن أخذت هذا الطعام النفيس منه ، وصرفته ألا يحقد عليك ؟ هو إنسان يشتهي أن يأكل ، فكل إنسان حضر قسمة ، أو حضر طعاماً ، أو حضر توزيعاً ، ينبغي أن تطعمه من هذا الطعام ، طبعاً الأصل أن هؤلاء الأقرباء الذين لا يرثون ، وأن هؤلاء الجيران الذين لا نصيب لهم من هذا الإرث ، لكنهم حولكم أيها الورثة ، هؤلاء الذين حضروا القسمة رأوا كيف توزع الأموال ، كيف تقسم هذه الأموال غير المنقولة والمنقولة ، ما الذي يمنع أن تعطي هؤلاء الذين حولك من الفقراء والمساكين والجيران والأقرباء شيئاً تطيب به قلوبهم ، هو أساساً حينما قال الله عز وجل حينما عن الزكاة :

( سورة التوبة الآية : 103 ) .

   إذا دفع الإنسان زكاة ماله طهر من الشح ، وإذا أخذ الفقير زكاة الغني طهر من الحقد ، والآن حينما يرى الفقير البيوت والمركبات والمطاعم والفنادق والطعام النفيس ، والثياب الجميلة ، والنساء السافرات الكاسيات العاريات ، وهو محروم من مأوى يسكنه ، من طعام يأكله ، من ثياب تستره ، ماذا يفعل الغني حينما يخرج بزينته أمام الفقير ؟ يملأ قلبه حقداً ، ويملأ قلبه جريمة أحياناً، لذلك المجتمع الإسلامي فيه تعاون ، وفيه تكافل ، المجتمع الإسلامي فيه تراحم ، المجتمع الإسلامي غنيه متواضع وسخي ، وفقيره متجمل وعفيف ، أما حينما خرج على قومه بزينته كقارون فقد قال تعالى : [فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ] ، خسفنا به ، فإياك أن تتباهى بطعامك وشرابك وبيتك ، إياك أن تزرع الألم في قلوب الآخرين ، إياك أن تزرع في قلوبهم الحقد ، إياك أن تتباهى بما أكلت ، وما شربت ، وأين سافرت ، وفي أي فندق نزلت ، ومع من سهرت ، هذا كلام الجهلاء ، قل كلامًا يؤلف القلوب ، ولا تقل كلامًا يبث الأحقاد ، تحدث عن الله يجتمع الناس حولك ، تحدث عن نفسك يتألم الناس منك ، فعود نفسك على أنّ هذا الذي أمامك إنسان .

   مثل بسيط ، يركب إنسان بمركبة عامة ، ويجلس إلى جانبه إنسان مع طفل صغير ، يأكل الفستق والفواكه والموز ، ولا يخطر بباله أن يضيِّفَ الصغير شيئًا مما يأكل ، هذا وحش ، إنسان يشتهي ما تأكل ، بالمقابل لا تعطِ ابنك إلى مدرسته شيئاً غالي الثمن ، أحيانا يعطيه خمسمئة ليرة، وهو في الحضانة ، يعطيه أكلات ثمنها مئة ليرة فما فوق ، له رفيق فقير ، ((ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها)) .

[ حديث شريف رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن عدي في الكامل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ] .

   الإسلام في تعاطف ، المؤمن الكريم متواضع ، يشعر بمن حوله  لا ينفرد في طعام أو شراب،   وإذا اشتريت فاكهة فأدخلها سراً ، ((ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها)) ، آية واحدة يبنى منها مئة حكم .

( سورة النساء الآية : 8 ) .

قريب محجوب ، محجوب بالمصطلح الفقهي ، والمعنى أنه لا يرث ، العلماء استنبطوا الوصية الواجبة الآن من هذه الآية ، يعني إنسان مات في حياة والده ، أولاده لا يرثون ، الوصية الواجبة انطلاقاً من هذه الآية أعطتهم نصيباً ، لآن المتوفى جدهم ، ولأن أباهم مات في حياة جدهم ولأن أباهم مات في حياة جدهم لا يأخذون شيئاً ، إذاً الوصية الواجبة جاءت لتقرر هذه الآية هؤلاء حضروا القسمة ، حضروها ، توفي جدهم ، وأعمامهم أخذوا ، هم لم يأخذوا ، لأن والدهم توفي في حياة جدهم .

( سورة النساء الآية : 8 ) .

قس عليها حالات لا تعد ولا تحصى ، جاء إليك إنسان بطعام فأطعمه منه ، جاء لك بفاكهة فأطعمه منها ، قدم لك خدمة فأعطه ما يقابلها كي تستل منه الحق ، وكي تزرع في قلبه الحب .

         إخواننا الكرام ، نحن الآن في أمس الحاجة إلى الحب ، عندنا مساجد ، وعندنا مكتبات ، ونعقد مؤتمرات ، لكن الحب الذي كان بين الصحابة نفقده اليوم  ينبغي أن نؤسس هذا الحب ، على التبادل ، وجبت محبتي ، كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي : ((وجبت محبتي للمتحابين بيّ ، والمجالسين فيّ  والمتباذلين فيّ ، والمتزاورين فيّ ، والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم النبيون عليهم يوم القيامة)) .

   أنا أرى أنه من واجبنا جميعاً أن يحب بعضنا بعضاً ، لا بالكلام ، ولكن بالفعل ، إذا زرت أخاك ، إذا أعنته ، إذا تفقدت أحواله ، إذا أعطيته ، إذا استنصحته ، إذا رفقت به أحبَّك ، فالنبي أمرنا بأسباب الحب ، ونهانا عن أسباب البغضاء ، كل المسلم على المسلم حرام ، ماله وعرضه ودمه ، بالعكس في آية أخرى :

( سورة النساء الآية : 29 ) .

كيف ؟ لي جيبان نقلت ألف ليرة من جيب إلى جيب ، فماذا فعلت ؟ [لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ] ، أي ؛ لا تأكل مال أخيك ، الله سماه مالك ، هو مالك من زاوية واحدة ، من زاوية وجوب الحفاظ عليه فقط ، فإذا كنت مكلفاً أن تحافظ عليه فلأن تمتنع من أكله من باب أولى ، تماماً لو قلت لرجل أعرته مركبتك : عدَّها سيارتك ، ما معنى ذلك ، تتملكها يعني ؟ لا ، أن تعتني بها وكأنها سيارتك ، [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ] ، يعني مال أخيك مالك ، من زاوية وجوب الحفاظ عليه ، وكأنه ماله ، إذاً : [وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى]، الأقرباء الذين لا يرثون بالنصيب المفروض ، بالمناسبة :

( سورة النحل الآية : 90 ) .

كما أنك مأمور بالعدل فأنت مأمور بالإحسان ، العدل : توزيع الأموال وفق النصيب المفروض ، والإحسان : [وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه] ، العدل : قسري ، والإحسان : طوعي لكنك مأمور بالعدل والإحسان .

   أيها الإخوة الكرام ، ألف قضية لا تستقيم على العدل ، لكنها تستقيم على الإحسان ، قال لي مرةً أخ : أنا اشتريت هذا المحضر في دكان لإنسان فقير هدمها له بحسب القانون ، فسألته : لمَ فعلت هذا ؟ قال : ليس له عندي شيء ، أنا اشتريت هذا المحضر ، وهذا الإنسان ينبغي أن يقدم لي هذا المحل فهدمته ، قلت : والله شيء رائع ، هذا هو العدل ، فأين الإحسان ؟ فسكت ، والله دفع شيئًا من زكاة ماله ، واشترى لصاحب هذا المحل محل في مكان آخر ، فإذا كانت القضية لا تستقيم على العدل يسعها الإحسان ، عود نفسك أن تكون منفذاً لهذه الآية التي يقرؤها ، ويتلوها خطباء المساجد من ألف عام عقب كل خطبة : [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ] .

   والله التقيت بشخص ، طلقت زوجة أبيه ، أعطيت حقها كاملة ، فابنه من أهل اليسار والغنى ، يجعل لها راتباً شهرياً من عشرين عامًا ، لا يتغير أبدا ، قضية الإحسان قضية واسعة جداً ، بالإحسان تحل كل مشكلاتنا بالإحسان ، العدل قسري ، العدل نصيباً مفروضاً ، أما الإحسان فهو طوعي ، [وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا] .

   أيها الإخوة الكرام ، يقول بعض العلماء : ضيع الناس هذه الآية ، وقال الحسن : لكن الناس شحوا أي ؛ بخلوا ، لكن هذا الحق حق على المحسنين ، وعلى المتقين ، وعلى المؤمنين [فارزقوهم منه] ، يعني أعطوهم جزءاً من هذا الميراث ، [وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا] ، قال : إذا كانت الأموال قليلة جداً لا تسع من حضر القسمة ، ترك شيئا لا يذكر ، لا يحتمل أن تعطي آخر ، فإن لم تعطه قال : [وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا] ، يعني اعذرونا الوضع في ضيق ، والورثة فقراء ، والمبلغ قليل ، هؤلاء أيتام إن لم تعطهم فلا بد أن تقول لهم قولاً معروفاً ، وإن أعطيتهم فينبغي أن تقول لهم كما قال بعض العلماء ، هذا المبلغ قليل ، لكن إن شاء الله في مناسبات أخرى لا نقصر معك ، اعذرنا لقلة هذا المبلغ ، وفي كلام آخر هذه هدية ، هناك من يعطي ويؤذي ، خذ زكاة مالي ، لماذا هذه الغلظة يمكن أن تؤدي زكاة مالك دون أن تقول : هذه زكاة مالي ، على شكل هدية على شكل مناسبة ، انتهز مناسبة ، انتهز أول العام الدراسي فرضاً ، بأيام رمضان ، بالعيد ، يمكن أن تستشف ما يحتاجه هذا البيت ، وأن تأتيه بحاجة أساسية دون أن تذله ، وأن تقول له أنت فقير ، وهذه زكاة مالي ، [وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا] ، قال بعضهم : من القول المعروف خذ بورك لك فيه ، من القول المعروف وددت لو كان أكثر من هذا  ، من القول المعروف لا تستحي من إعطاء القليل ، فإن الحرمان أقل منه ، انتقِ كلام لطيف ، طيب به قلب الفقير ، ولعل هذا الفقير أقرب إلى الله منك ، ولعل قلامة ظفر هذا الفقير أعظم عند الله من مئة من أمثالك ، لعل  الله له مقاييس غير مقاييس البشر ، ربَّ أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب ، لو أقسم على الله لأبره ، ثم يقول الله عز وجل :

( سورة النساء ) .

   المنطلق من هذه الآية عامل الناس كما تحب أن يعاملوك لو أنك غادرت الدنيا ، ولك أولاد ضعاف كيف تحب أن يعامَلوا بعد موتك ؟ فإذا كنت وصياً على أيتام فعاملهم كما تحب أن يعامَل أولادك بعد وفاتك ، ارعَ حقهم ، وارع أموالهم ، وأدبهم ، وعلمهم ، واعتنِ بهم ، [وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ] ، في الأيتام الذين تحت وصايتهم ، ليعاملوا الأيتام التي تحت وصايتهم كما يتمنون أن تعامل ذريتهم الضعيفة بعد موتهم ، هذا المعنى الدقيق ، [فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا] .

   أيها الإخوة الكرام ، إذا سألك رجل :نويتُ أن أكتب هذا البيت لأولاد الزوجة الجديدة ، أحبها كثيراً ، وأحرم أولاد الزوجة القديمة ، لا تقل له : معك الحق ، وتجامله ، تكلم بالقول السديد ، قل له : لا يجوز ، هذا يوجب لك النار ، لا تجامله ، لا تقل : أعطه جمله ، لا ، [وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ] ، لمن يستنصحهم ، [وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا] ، ذكره بالآخرة ، ذكره أن هذه البنت الذي حرمتها ربما تقف يوم القيامة تحت العرش ، وتقول : يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ، لأنه حرمني ، حينما تميز الذكور على الإناث فأنت جاهلي ، جاهلي بالكلمة العريضة ، [وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا] ، إذا استنصحوا ، لا تنصح بغير كلام الله ، لا تنصح بغير سنة الله ، لا تجامل أحداً ، قال : يا رسول الله اشهد - النعمان بن البشير - أني نحلت ابني حديقة ، قال : يا نعمان ألك ولد غيره ؟ قال نعم ، قال : هل نحلتهم جميعاً كما نحلت هذا ؟ قال لا ، قال فأشهد غيري فإني لا أشهد على جور ، [وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا] ، [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ] ، "الدين النصيحة ، قالوا لمن ؟ قال لله ، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، الدين النصيحة ، ثم يقول الله عز وجل :

( سورة النساء الآية : 10 ) .

يعني إنما يأكلون في بطونهم مالاً سوف يوجب لهم دخول النار ، هذا اسمه مجاز عقلي ، بما سيأتي ، كأن تقول : رعينا الغيث ، الماء لا يرعى ولكن يرعى الكلأ ، فإذا قلت رعينا الغيث لما سيكون .

( سورة النساء ) .

   أيها الإخوة ، قضية الأموال قضية خطيرة جداً ، يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين ، وقد استوقفني مرة إنسان في الطريق ، وخرج من دكانه غاضباً ، وقال : سمعت اليوم قصة لم أستطع تفسيرها ، قلت تفضل ، قال : جاء إنسان إلى محلي التجاري في أحد أسواق دمشق القديمة ليبيع الأقمشة ، وليسترزق رزقاً حلالاً لأولاده ، سمع صوت إطلاق النار ، مد رأسه ليرى من يطلق النار فإذا برصاصة تستقر بعموده الفقري ، فشُلَّ فوراً ، هو أخذ الحادثة على ظاهرها ، قال : ما ذنبه ؟ جاء ليسترزق ، جاء ليفتح دكانه ، والعمل عبادة ، فما تفسير هذا ؟ قلت : والله لا أعلم ، لا يمكن أن تفهم عدل الله من خلال أفعاله إلا أن يكون لك علم كعلم الله ، والله لا أعرف ، أنا مؤمن بعدل الله وحكمته ورحمته ، أخ كريم بعد عشرين يوماً حدثني عن قصة لم يعلم ما أبعادها عندي، قال لي ، لي جار يسكن فوقي ، وقد أكل أموال الأيتام ، يعني أولاد أخيه لهم عنده ثمن بيت تقريباً، وأكله زوراً وبهتاناً ، احتكموا إلى أحد علماء دمشق ممن توفاهم الله عز وجل ، هذا العالم جاء بهذا العم ليحمله على إعطاء أولاد أخيه حقهم ، فركب رأسه ، وقال : أنا لا أعطيهم شيئاً هذا الحاضر ، اتجه هذا العالم لأولاد الأخ فقال : يا بني هذا عمكم لا تشكوه إلى القضاء ، هو عمكم ، ولكن اشكوه إلى الله ، هو نفسه الذي أطل من دكانه فاستقرت رصاصة جعلته مشلولاً ثاني يوم الساعة التاسعة ، هو نفسه سألته أين هو ؟ قال : هو له محل في السوق الفلاني ، قلت : منذ متى؟ قال : من عشرين يومًا ، هو نفسه ، فالله كبير ، بموضوع الأموال يجب أن نخاف الله خوفاً لا حدود له ، لأنك لو بذلت أثمن ما تملك ، وهي روحك ، وعليك دين لا تنجو من عذاب الله ، فكيف لو أكلت أموال اليتامى ظلماً ، كان عليه الصلاة والسلام إذا دعي للصلاة على أحد أصحابه يقول : أعليه دين ؟ فإن قالوا : نعم ، قال : صلوا على صاحبكم ، ما كان يصلي عليه ، فكيف إذا أكل أموال اليتامى ظلماً ، [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا] ، هذا العمل سوف يوصلهم إلى جهنم ، فالإنسان يعد للمليون قبل أن يأكل درهماً حراماً ليخشَ الله عز وجل ، ولا سيما إذا كان المال مال يتيم ، بل إن مال اليتيم يقول الله فيه :

( سورة الأنعام الآية : 152 ) .

اجعل بينك وبينه هامشاً واسعاً ، هذا هو حكم الشرع ، في درس قادم إن شاء الله  نتحدث عن آيات المواريث .

والحمد لله رب العالمين

·        سؤال : قال أحدهم إغلاق العينين في الصلاة من أجل الخشوع يبطل الصلاة .

الجواب : لا ، لا يبطلها ، لكن إذا أغمضت عينيك ، وأنت تصلي في مكان فيه أفاعٍ ، وفيه عقارب ، وفيه أخطار لا تستقيم صلاتك ، أما إذا دخلت إلى مسجد ورأيته مزخرفاً ، هذه الآية والله خطها جميل ، وأنت تصلي ، وهذه المروحة ما نوعها ، وأنت تصلي ، لا أغمض عينيك ، أغمضها وارتَحْ ، إذا أردت أن تفتح عينيك ، وأن تتأمل ما حولك وأنت في الصلاة ، لا  ، الأولى أن تغمض عينيك ، أما إذا في مكان ، والمكان فيه خطر إذا أغمضت عينيك لا تستقيم صلاتك ، تقلق ، افتح عينيك .

 

·        سؤال : ما حكم الاحتفال بعيد الأم ؟

الجواب : إخواننا نحن عندنا 365 يومَ عيد أم ، والأصح عندنا 365 ضرب اثنين ، إذا كانت والدتك قريبة منك ، تريد أن تزورها صباحاً ومساء ، نحن لسنا أولادًا عاقين ، من السنة للسنة مرة ، فنحن عندنا بإسلامنا 365 يوم عيد أم ، أما هذا العيد فهو لغيرنا ، هذا العيد لإنسانة تنتظر 365 يوم يطل عليها بالسنة يوم ، ولا يأتي أيام ، والله حدثني أخ زار ألمانيا بمعرض ، لم يجد فندق ، سكن في بيت ، قال لي ما وقعت عيني على حديقة في حياتي أجمل من هذه الحديقة فسألت صاحبة البيت ما سر ذلك ؟ قالت : والله أنا أزينها ، لعل أولادي يأتون في العام مرة ، أصنع لهم أطيب الطعام ، وأعتني بالحديقة كي يجلسوا جلسة ، بـ 365 يومًا تنتظر مجيئهم ، يوم كان عندها اعتذروا ، فبكت بكاء كادت تموت فيه من الألم ، فذهب إلى السوق ، واشترى لها الهدايا هو ، هذا العيد ليس لنا ، هذا العيد لأناس عاقين ، قال لي رجل : أنا جئت من بريطانيا لأسكن في الشام ، وأنا في بحبوحة كبيرة جداً ، وسيارته جاكوار ، ولديه فيلا ، إلخ ، قلت له مداعباً : ما الذي حملك على أن تأتي إلينا ؟ قال لي : والله يسكن في بناء مجاور في الطابق الأخير إنسان ، في لندن الجو بارد جداً ، والأبواب محكمة ، والنوافذ محكمة ، فمات هذا الجار ، ومضى على موته ستة أشهر ، وله في لندن أربعة أولاد ، أو خمسة ، لم يخطر في بال أحد أولاده أن يأتيه مرة زائراً في هذه الأشهر فرأى مصيره ، أراد أن يعود إلى بلده ، هذا العيد لهؤلاء ، لهؤلاء العاقين ، أما نحن فعندنا 365 عيد أم ، كل يوم .

 

·        ما حكم النظر إلى النساء ؟

لزوجتك مباح ، من دون قيد أو شرط ، لمحارمك بثياب الخدمة  للأجنبيات محرم .

( سورة النور الآية : 30 ) .

 

·   سؤال : قال معظم المسلمين ممن يكونون مؤدين لأمور العبادة بشكل كامل ، من صلاة ، وزكاة ، وصيام ، وغير ذلك ، ولكنهم لا يقومون بتقويم أسرهم ، وإرشادهم ، حيث إنك تجد معظم الأسر يتبعون المسلسلات والأفلام  ، ويستمعون إلى الأغاني دون أن يوجهون أهليهم بالنصح والتوجيه ، فهل هذه العبادات تصح منهم بحيث أنها أصبحت عبادة سلبية لا أثر فيها .

الجواب :  لابد أن يستمروا على عبادة الله ، ولكن ينبغي أن يجمعوا معها الاستقامة على أمر الله، من أجل أن يقطفوا الثمار الصحيحة .

 

·        سؤال : هل يجوز توزيع الزكاة خارج البلد الذي جمعت فيه ؟

الجواب : الأصل أن توزع الزكاة في البلد التي جمعت منه الزكاة ، لأن فقراء هذا البلد أولا بزكاة الأغنياء الذين هم سبب غناهم ، من بلد آخر ، إلا لمصلحة راجحة ، إذا أنت عندك بيت لكن غيرك ليس عنده بيت ، هدم بيته  ، فإذا كان في مصلحة راجحة ، ولك طريق آمن إليهم ، يجوز أن تنقل أموال الزكاة من بلد إلى بلد .

 

·        سؤال : هل يجوز الدعاء في صلاة الفرض ؟

الجواب : هي الصلاة دعاء ، أما يا رب زوجني فلانة بنت فلان خائنة ، ومثل هذه التفاصيل في الدعاء تفسد الصلاة ، يا رب أريد دولارات مثلاً ، أي اسم لم يرد في الأدعية المأثورة فثمة مشكلة ، لأن الصلاة دعاء .

Copyright © 2007 Nabulsi