English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "09"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآيات 19-21  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا بما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس التاسع من دروس سورة النساء ، ومع الآية الكريمة التاسعة عشرة ، وهي قوله تعالى :

(سورة النساء)

    أيها الإخوة الكرام ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

(سورة البقرة)

فالذي آمن بالله عز وجل آمن باختياره ، فإذا آمنت باختيارك فمن موجبات إيمانك بالله عز وجل أن تنصاع لتوجيهاته المتعددة ، الله عز وجل يخاطب عامة الناس بأصول الدين .

 

(سورة البقرة)

أما إذا خاطب المؤمنين فكأن بين المؤمن وبين ربه عقداً إيمانياً ، أنت يا عبدي آمنت بي، وبعلمي ، وبحكمتي ، وبرحمتي ، لأنك آمنت بي طواعية من دون إكراه ، فهذا يقتضي أن تتبع مسائل الإيمان التفصيلية ، كل من يدعي أنه مؤمن ، ولا يستجيب لأمر الله عز وجل فهو كاذب في ادعائه .

(سورة الأنفال)

الاستجابة لأمر الله جزء من إيمانك ، لذلك الأحكام التفصيلية والتوجيهات الجزئية في القرآن الكريم تتصدرها العبارة :

فالله عز وجل بعد أن بين الشيء الذي يحل أن نورثه ، هناك مورث ووارث وموروث ، بعد أن بين لنا من قبل في هذه السورة بالذات الأموال التي يمكن أن تورث ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى تولى بنفسه توزيع هذا الإرث ، لئلا تدخل الاعتبارات الاجتماعية هذا حق الله عز وجل ، وفي دروس سابقة كان الحديث عن طريقة تقسيم الإرث ، ولكن اليوم يبين الله لنا أن في حياة المسلم أشياء لا يمكن أن تورث ! لأنه في الجاهلية كانت الزوجة تورث ، وكأنها متاع ! فالورثة يتزوجونها بلا مهر ، لأنها جزء من الميراث كغرفة النوم ، أو يزوجونها لمن يريدون ، ويأخذون المهر ، أو يعضلونها كي تفتدي نفسها بكل شيء ، فالمرأة في الجاهلية كانت تورّث كما يورث المتاع ، فالله جل جلاله بعد أن بين لنا أن هناك أشياء تورث ، والحكم فيها واضح ، ومرَّ ذكره قبل درسين ، ولكن في هذه الآية يبين جل جلاله أن هناك أشياء يحرم توريثها كالزوجة ، إنها امرأة وشريكة الحياة ، فإذا أمضت عدتها فلها الحق أن تتزوج ، وأن يختارها من يشاء ، ويدفع مهرها لها ، يقول الله عز وجل :

المرأة مقهورة ، وهي جزء من متاع البيت ، فإذا مات زوجها تزوجها من يشاء من الورثة ، أو زوجوها ، وقبضوا ثمنها ، أو أعضلوها ، ومنعوا زواجها كي تفتدي بنفسها ، هذا حكم محرم في الإسلام ، لأن المرأة كما تعلمون مساوية للرجل تماماً في التكليف ، والتشريف ، والمسؤولية ، ولكن إذا قال الله عز وجل :

(سورة آل عمران)

فلأن خصائص المرأة العقلية والجسمية والنفسية والاجتماعية تتناسب مع المهمة التي أنيطت بها ، كما أن خصائص الرجل الاجتماعية والعقلية والنفسية والجسمية منوطة ومتناسبة مع المهمة التي أنيطت به ، فالمرأة والرجل يتكاملان ، ولا يتشابهان ، وحينما اختلطت الأوراق في العصور الحديثة ، وفي مجتمع التفلت والكفر كان هناك من الأخطار ، ومن أسباب انهيار المجتمعات ما لا سبيل إلى وصفه .

المرأة إنسان مكلف مشرف ، إنها شريكة حياة الرجل ، فإذا مات زوجها فلها الحق بعد أن تمضي عدتها أن تتزوج من تشاء ، ولكل من سمع بها أن يخطبها إذا شاء ، وتأخذ مهرها بيدها .

    أيها الإخوة ، في بعض الحضارات الشرقية إذا مات الزوج ينبغي أن تحرق معه ، وهذا ظلم شديد ، جاهلية العرب فيها ظلم ، وثقافة الشعوب في بعض البلاد الشرقية تقضي أن تحرق المرأة مع زوجها الميت ، وكلا الحالتين فيهما ظلم شديد ، بينما وحي السماء يعطي كل ذي حق حقه .

     هناك حكم شرعي آخر ، قال تعالى :

الحكم الأول : المرأة لا يمكن أن تورّث ، إنها إنسان في أعلى درجات الكرامة والإنسانية ، أمرها بيدها ، بينما لا يمكن أن يتم عقد زواج دون أن تسأل الفتاة ، ويأخذ القاضي موافقتها ، وإلا لم ينعقد العقد ، وأنتم ترون حينما تحضرون عقود قران لابد لكاتب المحكمة أن يذهب ليستمع إقرار الفتاة بأذنه ، على أنها قبلت هذا الزواج من هذا الشاب على هذا المهر .

    الآن عندنا حكم آخر : هو أن الزوج أحياناً يمنع زوجته أن يطلقها ، لا يطلقها إضراراً بها كي تفتدي نفسها بكل ما أعطته ، وهذا محرم أشد التحريم ، ولو تتبعنا أصل هذه الكلمة (عضل) ، حينما يبدأ المخاض يتقلص الرحم تقلصات لطيفة نظامية إلى أن يدفع الغلام إلى الخارج ، وبعد هذه التقلصات المتزامنة اللطيفة ينقبض الرحم انقباضاً شديداً ، وكأنه صخر ، التقلص الأول اللطيف من أجل أن يدفع الجنين إلى خارج الرحم ، فلو كان تقلصاً شديداً لمات الجنين ، والتقلص العنيف بعد الولادة من أجل أن يسد عشرات آلاف الأوعية المتقطعة من الولادة ، فلو أن الآية انعكست كان التقلص شديداً في بداية المخاض ، ثم كان رخوا بعد المخاض لماتت الأم ووليدها ، قال تعالى :

(سورة عبس)

   لكن أحياناً ، وكلمة أحياناً أقصد بها حقيقة توحيدية ، الرحم ينقبض ، ولا يسمح للجنين أن يخرج ، نقول : عضل الرحم ، فلابد من عملية قيسرية ، لابد من إخراج الجنين من خاصرة أمه، لو أن الله جل جلاله جعل الأسباب مترافقة مع النتائج إلى أبد الآبدين لما عرفنا الله ، ولكانت الأسباب والنتائج شيئًا تافهًا ، لأنها رتبية ، لكن مع أن هذا الجسم مبني على نظام دقيقٍ دقيق لكن ما كل سبب في الجسم يفضي إلى نتيجة ، وما كل نتيجة لها سبب ، فكأن الله جعل الأسباب نظاماً للكون كي تنتظم حياتنا ، بل جعل في الأعم الأغلب أن هذه الأسباب مترافقة مع النتائج ، لكن أحياناً هذا الرحم لا يدفع الجنين إلى خارجه ، صار هناك عضلة ، العضل هو عضلة الرحم تكف عن التقلص ، ولابد حينئذ من عملية قيسرية ، هؤلاء الذين عبدوا الأسباب والنتائج تخيب آمالهم أحياناً ، وقد نستفيد من هذا في معركتنا مع العدو ، الكفار أخذوا بكل الأسباب ، لكن أحياناً يفاجئون بمعطيات لم تكن في حسبانهم أبداً ، أين أسبابهم ؟ فلذلك يأخذ المؤمن بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، ويتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، الفرق الكبير بين الغرب المشرك والشرق العاصي أن الغرب المشرك أخذ بالأسباب أيما أخذ ، واعتمد عليها ، وألهها ، فأتاه الله من حيث لا يحتسب ، والشرق لم يأخذ بها كسلاً وجهلاً وتهاوناً فوقع في المعصية ، الرحم مع أن له نظاماً دقيقاً جداً هو أنه في بدء المخاض يتقلص ، لكن أحياناً لا يتقلص ، من أجل أن تكون متعلقاً لا بالأسباب ، بل بمسبب الأسباب ، كي لا تكون متعلقاً لا بالأشياء المادية ، بل بخالقها ، وكأن هذه الاستثناءات التي لا تأخذ الأسباب مجراها ، وتعطل فيها الأسباب ، أو تلغى من أجل أن يلفتك الله إلى ذاته ، يا عبدي لا تعبد الأسباب ، واعبد خالق الأسباب ، فالعضل هو المنع والكف ، فعضلة الرحم تعضل ، أي تكف عن دفعه إلى الخارج فلابد من عملية قيسرية .

أي أن زوجاً لم تكن زوجته كما يتمنى فعضلها ، لا يعاملها كزوجة ، ولا تأخذ حقها منه كزوجة ، ولا يطلقها فيفسح لها المجال كي تتزوج ، هذه معصية من أكبر المعاصي والآثام .

وهناك أزواج ظلام ، من أجل أن تفتدي نفسها بكل مهرها يسيء معاملتها ، إلى أن تطلب منه المخالعة ، فإذا طلبت المخالعة ينبغي أن يسترد كل شيء أعطاه لها ، فهذه الطريقة في معاملة الزوجة معاملة سيئة من أجل استرداد كل ما أعطيته لها ، هذا شرعاً منهي عنه أشد النهي .

        أحياناً تكون المرأة غنية ، وليست في مستوى طموح زوجها فيعضلها ، من أجل أن يرث مالها ، وهذا محرم ، قد يطمع أن تفتدي نفسها بكل ما أعطاها ، أو قد يطمع بمالها كي يرث مالها، فالمرأة التي لا تروق للزوج ينبغي أن يصبر ، وإلا يطلقها كي يفسح لها المجال ليتزوجها من هو معجب بها .

        قال العلماء : الفاحشة المبينة هي الزنا ، هذا قول من أقوالهم ، المرأة إذا زنت قد تخسر كل مالها ، ويحق للزوج أن يكرهها على الطلاق بعد أن تفتدي نفسها منه بكل ما أعطاها ‍! لأنها خانت الأمانة ، بعضهم قال : الفاحشة النشوز ، أن تستعصي على زوجها ، فلا تطيعه ، وكما تعلمون أن دين المرأة من أربع فقرات : إذا صلت خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت نفسها ، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها ، ربع دين المرأة طاعتها لزوجها ، فالزوجة التي نشزت ، أي التي خرجت عن طاعة زوجها ، هذه أيضاً لا تستحق مهرها ، والزوجة التي هي سيئة المعاملة ، لسانها سليط عليه لا تقيم له وزناً ، فتتطاول عليه ، ولا تعتني به ، تهمل واجباته ، هذا أيضاً من الفاحشة ، في بعض التفاسير هناك أقوال ثلاثة في الفاحشة ؛ نشوز الزوجة ، أو وقوعها في الفاحشة ، أو معاملتها السيئة ، والذي تحته امرأة سيئة لا يرجو صلاحاً لها ، ويبقيها تحته لا يستجاب دعاؤه ، من أروع ما في تفصيل هذا الحديث ، وهو صحيح : لو أنك في ضائقة ، وقال لك خبير : اخرج من هنا ، فرفضت أن تخرج ، ثم قال لك : ماذا أفعل ؟ أنت لك الحق أن تمتنع عن إعطائه توجيهاً معيناً ، أنا ذكرت لك أن تخرج من هنا ، فإن لم تستجب لتوجيهي فلن أستجيب دعائك ، فهذا الذي تحته امرأة سيئة ، ولا تطيعه ، ولا تقوم برعاية زوجها وأولاده ، وهي سليطة اللسان ، متكبرة لا يرضيها شيء ، ولا ترضى عن شيء ، وتسأل زوجها الطلاق من غير بأس ، فإذا خرجت اشتكت على زوجها ، فهذه امرأة ليست مؤهلة أن تكون زوجة لمؤمن ، بل ينبغي أن يطلقها ، لأنها أم أولاده ، وستربي بناتها تربية خاطئة ، فالفاحشة عند بعض المفسرين ، والقرطبي من كبار المفسرين الذين وجهوا الآيات توجيهاً فقهياً ، فالفاحشة هي الزنى والنشوز ، وعدم طاعة الزوج ، وسوء المعاملة .

أن تبقي امرأة لا تعاملها كزوجة ، ولا تطلقها كي تفتدي نفسها منك ، أن تبقي امرأة غنية لا تطلقها ، ولا تعاملها كزوجة هذا هو العضل .

   هناك معنى فرعي ليس في هذه السورة ، حينما قال الله عز وجل :

(سورة النور)

   يتوهم إنسان أن هذه البنت يجب أن تبقى لخدمته ، فيقيم العقبات أمام زواجها ، لأنانية وضيق أفق ، هذا أيضاً محرم ، لذلك الله عز وجل يوجه الخطاب للمؤمنين .

لا يعقل ولا بالمليار واحد أن مؤمناً يكره ابنته على فعل الفاحشة ، إلا أنك إذا عضلتها ، وكلما جاء الخاطب وضعت العراقيل ، وأوقعت العقبات ، وسألت عن بيته ، ولم يعجبك مدخل بيته مثلاً، ولا دخله ، ووازنته بدخلك ، وأنت في الستين ، فمثل هذا الأب يرتكب خطأ كبيرًا جداً حينما يعضل ابنته ، وكأنه بهذا العضل يدفعها إلى المعصية .

          أيها الإخوة ، 

قال العلماء : يجوز أن تسترد الذي أعطيتها إذا أتت بفاحشة ، أو إذا نشزت ، أو إذا عصت ، ومن هنا شرع الخلع أحياناً .

       ثم يقول الله عز وجل :

        قال تعالى :

(سورة يونس)

(سورة فصلت)

(سورة الروم)

    الأصل في العلاقة الزوجية المودة ، والمودة سلوك أساسه الحب ، فحينما تكون الزوجة وفق طموح زوجها ، وحينما يكون الزوج وفق طموح زوجته ينشأ بينهما الحب ، ويعبر عنه بالود ، فمن كلمة طيبة إلى ابتسامة إلى خدمة إلى صبر ، وإلى مؤاثرة ، وإلى تضحية ، إلى ما لانهاية له من علاقة الود بين الزوجين ، ولكن لو أن المصلحة انقطعت بين الزوجين ، أصيبت الزوجة بمرض عضال ، أو الزوج افتقر فانقطعت المصلحة بينهما ، ماذا يبقى ؟ الرحمة .

فهذا البيت بني ليبقى ، فإما أن يبقى على الحب والود ، وإما أن يبقى على الرحمة ، فلذلك جاءت الآية في قوله تعالى :

والمعاشرة بالمعروف أوسع بكثير من الود ، ما كل بيت يبنى على الحب ، لكن الزوج إذا تزوج وله أولاد من زوجته كان مستقبل الأولاد فوق كل شيء ، بل إن العلاقة بينه وبين زوجته ليس ملكاً لهما ، بل هي ملك أولادهما ، فالزوج العاقل والزوجة العاقلة تلغيان موضوع الحب إذا كان هناك أولاد ، وكانت مصلحة الأولاد الراجحة في بقاء هذه الحياة الزوجية ، جاءت الآية

       وقد قال العلماء : ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها ، بل أن تحتمل الأذى منها ، لو أن الزوج أو الزوجة فَهِمَا المعاشرة بالمعروف أن تحتمل أذى الزوج ، أو أذى الزوجة فما الفرق بين اثنين في العالم الإسلامي ، هذا هو توجيه الله عز وجل .

       هناك حقيقة لابد من شرحها : حينما يجهل الإنسان طبيعة المرأة يقع في خطأ كبير ، هناك امرأة وهبها الله حكمة ، وامرأة وهبها عقلاً ، وامرأة وهبها الله وفاء ، وامرأة وهبها جمالا ، الجمال أحد خصائص المرأة ، وليس كل خصائصها ، فحينما الإنسان يتضجر من عيب في زوجته ينبغي ألاّ ينسى النواحي الأخرى التي امتازت بها ، فما كل شيء في المرأة هي شكلها هذه حقيقة ، فالمؤمن ينبغي أن يصبر ، والزوجة ينبغي أن تصبر ، لأن الزواج قد ينجح نجاحاً كبيراً من دون هذا الشرط الذي يبحث الناس عنه كل يوم ، ولهذا الشرط أمد قصير ، وتأثيره يضعف مع الأيام ، ثم يكتشف المرء أن الأصل في العلاقة الزوجية الود ، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما حدثنا عن المرأة المسلمة ذكر أنها ودود ولود ، تنجب له أطفالاً يملؤون البيت فرحة ، فهو وودود في معاملتها له ، لذلك أزواج كثيرون حينما يشتكون من فظاظة زوجاتهم ينسون مع هذه الفظاظة جمال زوجاتهم بالتأكيد ، فكأن الله عز وجل لحكمة بالغةٍ بالغة وزع خصائص المرأة بين النساء متفرقة ، هذه تنال في هذه الصفة مائة درجة ، وفي هذه الصفة عشر درجات ، وفي هذه الصفة خمسين درجة ، وفي هذه الصفة سبعين درجة ، والمجموع ثابت ، فأنت حينما تحكم على امرأة ينبغي أن تحكم على دينها ، وعلى أخلاقها ، وحكمتها ، ووفائها ، وأمانتها ، وشكلها ، أما أن يكون الشكل وحده كل شيء في المرأة فهذا ليس في واقع الكون ، فالله عز وجل جعل المجموع ثابتاً .

من زاوية الشكل فقط ، الدين جيد ، الأمانة ، الصدق ، الخلق ، الحكمة ، إدارة المنزل الجيدة ، تربية الأولاد الحازمة .

       قد تنجب لك أولاداً نجباء ، قد تمنحك راحة من طرف تربية الأولاد ، قد ترى بيتك منتظماً بفضل حكمتها ، قد يكون بيتك من البيوت المثالية .

ومعظم المفسرين على هذا الجانب الذي يلهث الرجال وراءه .

 

        تروي الكتب أن إنساناً تزوج امرأة ، فلما رآها يوم الدخلة لم تعجبه ، قضى ليلته ، وخرج هائماً على وجهه عشرين عاماً ، وعاد إلى المدينة ، فإذا في مسجدها درس فيه طلاب علم كثر ، جمع غفير متحلق حول شاب ، فلما سأل عنه إذا هو ابنه الذي أنجبته امرأته منه يوم دخل بها ، فلما عاد إلى زوجته ، وعلم أن هذا ابنه ، حينما ضجر منها يوم الدخول قالت له كلمة : هذه الكلمة لعل الخير كامن في الشر ، إن رأيتني شراً ، فلعل الخير كله فيّ ، وحينما علم أن هذا الابن كان عالماً كبيراً من علماء المسلمين ، لذلك حينما قال : يا بني قل لأمك : في الباب رجل يقول لك : قد يكون الخير كامناً في الشر .

   هناك خيرات حسان لا يعملها إلا الله ، قد تتأتى من زواج إسلامي صحيح .

وهذا الإنصاف أن تنظر إلى أمانتها ، وعفتها ، ودينها ، وحسن إدارتها ، وتصرفاتها ، وأهلها المنضبطين ، وأبيها ، وأمها ، هناك آلاف المقاييس التي ترفع المرأة إلى أعلى عليين ، لكن بعض الرجال لا ينظر إلا إلى زاوية واحدة من المرأة فيكرهها أحياناً .

     ولكن إذا تفاقمت هذه الكراهية إلى درجة أنها حملت الزوج على أن يقترب من المعصية ماذا نفعل ؟

لكن إن لم يستطع الزوج أن يبقى مع زوجته ، وكاد يقترب من المعصية عندئذ لابد من الطلاق ، قال :

(سورة النساء)

أكبر وهم أن يتوهم الزوج أن هذا المهر موزع على العمر ، فإذا طلقها في مقتبل العمر يحق له الذي أعطاها ، وهذا جهل فاضح ، لكن هذه الآية بينت أن المهر تستحقه المرأة مرة واحدة ، إذا مكنته من نفسها فقط ، وينتهي المهر

القنطار ، جلد البقرة إذا سلخت يتسع إلى ماذا ؟ لو أنك ملأت جلد البقرة مالاً أو ليرات ذهبية .

المهر استحقته الزوجة حينما مكنتك من نفسها مرة واحدة ، معنى ذلك أن هذا العقد الغليظ في القرآن ورد مرتين ، فقد أخذ الله عز وجل من الأنبياء ميثاقاً غليظاً ، وأن عقد الزواج بين الزوجين هو عند الله ميثاق غليظ .

   عقد السيارة قد ينتهي بالبيع ، ولا شيء عليه ، والبيت قد تسكنه بالعقد ، وربما لا تسكنه ، أما إذا اقترنت بامرأة ، ثم جاء الأولاد ، فهذا الابن هذا أبوه ، وهذه أمه ، من يعاني هذه المشكلة ؟ الذي سافر إلى بلاد الغرب ، وفي لحظة طائشة تزوج امرأة هناك ، ابنه منها ، هي في واد ، وهو في واد آخر ، لأن أقدس عهد في الأرض بعد الأنبياء هو عهد الزواج ، وكيف تأخذون المهر ، وقد أفضى بعضكم إلى بعض ؟ لا يتاح لا للأب ، ولا للأخ ، ولا لابن ، ولا للأخت ، ولا لابن الابن ، ولا ابن الزوجة أن يرى من هذه المرأة ما أبيح لزوجها أن يرى منها .

    امرأة مقدسة ، جوهرة مكنونة أبيحت لإنسان ، هذا شيء كبير جداً ، لذلك هؤلاء الذين يستخفون بعقود الزواج لا تنسوا أن في العالم الغربي الآن تسعين بالمائة من حالات مساكنة فقط ، لا يوجد عقد ، ولا وقت ، ولا توقيع ، ولا إيصال ، في أي لحظة يركلها بقدمه خارج البيت ، لأنها مساكنة ! أما عندنا في الإسلام فأقدس عهد ، وعقد هو عقد الزواج ، وهذا العقد سيترتب عنه أولاد ، جيل ، طفل مؤمن ، أو كافر.

      بعض الإخوة عندما يحدثونني عن زوجاتهم الذين تزوجوهن في بلاد الغرب ، وكيف أن الابن تبع أمه ، وترك دينه ، وأصبح من هؤلاء الشاردين ، كيف أن الأب كلما تذكر هذا ذاب قلبه ألماً ، أقدس عقدٍ عقدُ الزواج .


لمجرد أن تريد تطليق امرأتك ينبغي أن تؤدي لها كل المهر معجله ومؤجله .

أما هي إن كرهت هذا الزوج ، وطلبت المخالعة يحق له أن يسترد منها كل شيء ، أو إذا نشزت، أو زنت ، أو ساءت معاملتها ، لذلك في دعاوى التفريق إذا وجد إساءة معاملة قد يحكم القاضي للزوج بنصف المهر ، أو ربعه ، أو بعشره ، أو بثلثيه ، الأصل الزنى ، والنشوز ، والإساءة ، هذه تذهب حق المرأة في مهرها .

أتأخذونه ، وقد استحقته المرأة يوم مكنتك من نفسها ، ويوم أفضيت إليها ، الإفضاء من الفضاء ، يوم دخلت عليها من أوسع الأبواب ، لا شيء محرم فيها عنك ، كل شيء مباح لك إلا ما حرم النبي عليه الصلاة والسلام .

والميثاق الغليظ هو عقد الزواج ، لذلك ينبغي على الإنسان أن يحسن اختيار زوجته ، لئلا يحتاج إلى تطليقها ، وفي طلاقها كسر لها ، وتشريد للأولاد ، وإضاعة لهم .

ولم يرد الميثاق الغليظ إلا مع ميثاق الأنبياء ، العالم الإسلامي يتمتع بحصانة للزواج ما بعدها حصانة ، لذلك حينما تطلق المرأة ينبغي أن تدخل في العدة ، لو أنها في سن اليأس فقضية براءة الرحم ليست واردة ، ينبغي أن تمسك العدة ثلاثة قروء حفاظاً على قدسية هذا العقد ، أما إذا مات عنها زوجها فالعدة أربعة أشهر وعشرة أيام ، شيء مقدس لا يكون إلا بتمهيد ، ولا ينتهي إلا بتوابع ، وفي درس آخر إن شاء الله نتابع هذه الآيات ، والحمد لله رب العالمين .

سؤال : نصوم يوم الاثنين لعل الله يفرج على إخواننا بفلسطين !

الجواب : عندي رأي دقيق : هذه أشياء كلها جزئية ، إذا لم يكن هناك عودة إلى الله عز وجل ، ولا يوجد صلح مع الله ، ولا استقامة على أمره ، ولا رغبة قوية أن نقيم الإسلام في بيوتنا ، هذه الأشياء لا تقدم ولا تؤخر ، والله عز وجل يردنا أن نرجع إليه ، ولعل الحكمة الكبيرة من هذه الشدة التي أصابت المسلمين كما ذكرت في الخطبة اليوم أن هذه المحنة الشديدة لعل وراءها منحة من الله عز وجل ، وأن هذه الشِدة لعل وراءها شَدة من الله عز وجل

(سورة البقرة)

فهذا كبير مجرمي الصهاينة لعل مهمته عند الله من دون أن يشعر ، حيث يريد أن يوحد المسلمين، ويشحذ فيهم البطولة والفداء ، ويدفعهم إلى العطاء ، وهذا الذي يحصل ، لعل كبير مجرمي الكيان الصهيوني أن يحركنا ، ونعود إلى قرآننا وديننا ، وإلى سنة نبينا ، أن نصحو بعد غفلة ، ونقف بعد قعود ، ونتحرك بعد سكون ، ونتعاون بعد منافسة ، نتسامح بعد العداوة والبغضاء ، هذا كله شيء ضاغط علينا ، الآن ينبغي أن نبحث عن حلول استراتيجية ، وليست تكتيكية ، لا يكفي صيام يوم الاثنين ، ولا تحل المشكلة ، لكن تحل إذا عقد كل واحد النية أن يتوب إلى الله توبة نصوحًا ، وإذا نظر كل واحد إلى مسافات بعيدة كيف أحمي هذه الأمة من العدو الغادر ؟ ينبغي أن يختار موقعاً يصب فيه كل طاقاته وخبراته ، ليس بمقدور إنسان أن يرفع المعاناة عن الأمة كلها إلى الله ، أما كإنسان فاخترْ عملك ، وأخلص ، وخفف الأعباء عن المسلمين ، ومدهم بما يحتاجون .

     ذكرت اليوم في الخطبة أشياء كثيرة ، أربع أو خمس أبواب للجهاد متاحة لكل المسلمين في بلادهم ، ذكرت اليوم أن شركة دخان واحدة أرباحها في اليوم من مبيعاتها في العالم الإسلامي ثمانمائة مليون دولار ! وبين هذه الشركة والكيان الصهيوني عقد اثنا عشر بالمائة للكيان الصهيوني ، تسعة ملايين دولار يأخذها اليهود من ربح هذا الدخان من مسلمي العالم ، والشيء الذي يجرح الفؤاد أن المسلمين أكثر الشعوب تدخيناً ! فما قولك في بقية أرباح شركات الدخان ؟ ما قولك في أرباح شركات المطاعم المنتشرة في شتى بقاع العالمين العربي والإسلامي ؟ ما قولك في أرباح شركات المياه الغازية التي تعد أرباحها فلكية ؟ ما قولك في أرباح شركات السيارات التي تتصدر إعلاناتها المحطات الفضائية في العالم العربي ؟ هل يجبرك أحد أن تشتري هذه البضاعة في العالم كله ، لو لم تتلق توجيها من قيادة بلدك ، والتمس لها العذر هل يجبرك أحد في الأرض أن تشتري هذه البضاعة ؟ هل يحاسبك أحد إذا لم تشتر هذه البضاعة ، هذا باب مفتوح من أبواب الجهاد ، باب آخر لو بحثت عن قناة نظيفة آمنة توصل من خلالها جزء من مالك إلى هؤلاء الذين هدمت بيوتهم ، ودمرت ممتلكاتهم ، وجرفت أراضيهم ، وقطعت عنهم الكهرباء فتلفت موادهم الغذائية ، قطعت عنهم المياه فشربوا المياه المالحة ، أعدم رجالهم بالرصاص ، أخذ أولادهم إلى السجون ، ويعانون ما يعانون ، أتهنأ أنت في حياتك ؟ أترتاح في طعام تأكله ، أو سرير تنام عليه ، أو ابن أمامك تتمتع به ، وهم قد فقدوا كل شيء ، وتقول : ماذا أفعل ؟ أمامك مليون فعل تفعله دون أن تكون مسؤولاً .

    فيا أيها الإخوة ، القضية قضية عودة إلى الله ، حينما نتوهم ، ونسمع من هذا الذي يقبع في واشنطن أن شارون رجل سلام ، ما قولكم بهذا الكلام ؟ أتتحمل هذا الكلام ؟ لا تعلق أمل بأهل الأرض ، لن ينفعوننا شيئاً ، الأمل بالله وحده :

(سورة آل عمران)

بالأرض القضية أسهل ، فلان يحل المشكلة ، لكن فلان ليس عنده منهج تطبقه ، أنت مرتاح ، فكلما علقت الحل بأهل الأرض فلا مشكلة لديك ، أما إذا علقت الحل بالله فعند الله منهج إذا لم تطبقه لا يعطيك النصر .

    المشكلة أننا نجامل أنفسنا ، كلما أردنا حلاً أرضياً نحن نجلس مرتاحين ، كسالى ، غير مطبقين للمنهج ، أما عندما نجعل الحل هو الله ، فإن الله له منهج .

 

(سورة محمد)

ألا تقام حفلات في ردهات الفنادق ، وأبهاء المطاعم ، وحدائق المزارع ، تكلف مئات الألوف ، واختلاط ، وغناء ؟ هذا وضع المسلمين ، أيطيب للمسلم يرى إخوته يقتلون ، ويؤسرون ، ويجوعون ، أدويتهم دمرت ! القضية كبيرة ، لا تحل بقضية تكتيكية ، لا تحل إلا بشكل استراتيجي ، أراد الله من هذه المحنة أن نرجع إليه ، وإن رجعنا إليه سوف ترون آيات الله صارخة وواضحة .

(سورة الروم)

    أيها الإخوة ، القضية تحتاج إلى مراجعة بيتك وعملك ، لك موقع تقدم فيه خدمة للمسلمين تربي أبنائك ! هذه المشكلة ، المشكلة لا تحل بصلاة غائب ، ولا بصيام يوم الاثنين ، بل بأكبر من ذلك ، طالب لم يدرس أبداً ، وعنده امتحان ، قال له زميل له : خذ حبة أسبرين ، ماذا تنفعه ؟ والآخر قال : اقرأ الفاتحة ، وقال الآخر : قبل يد أمك ، لا تحل لا بقبلة على يد الأم ، ولا بقراءة الفاتحة ، ولا بأسبرين ، لأنه لم يدرس أبداً ، هذا الواقع المر ، دائماً ابق مع الحقيقة المرة ، واترك الوهم المريح ، الواقع المر عندنا مشكلة كبيرة مع الله ، فحينما امتحننا الله بهذا البلاء الشديد ، والله ما بعده بلاء ، والله الذي يراه الناس ، ويسمعونه لا يحتملونه ، تشعر أنك مدمر لأعماق أعماق أعماقك ! لا يوجد إلا الأمل بالله عز وجل .

    فيا أيها الإخوة ، كأن الله تخلى عنا ، وقلت في الدعاء : يا رب لا تتخلَّ عنا، ولكن هناك منا من يفعل ، ويوجب أن تتخلى عنا .

    فرحنا بالأمطار ، لاحظ من هنا إلى منين طريق الربوة ، كم يوجد ملهى ؟ وكم مغنية ، وراقصة ، وخمر ؟ هذا بعدما أكرمنا الله بالمياه .

    عندنا معاصٍ كبيرة جداً ، صلاح الدين الأيوبي حينما حارب أوروبا بأكملها ماذا فعل ؟ أزال المنكرات ، وفتح المدارس ، بل حينما فرض على الرعية ضريبة من أجل تجنيد الجيش ، وسأل بعض العلماء قال : هذه ليست شرعية ، فألغاها في اليوم الثاني ، فجاء قواده ، وقالوا : كيف تلغي الضريبة ؟ كيف نجهز الجيش ؟ فقال صلاح الدين رحمه الله : لا يبنى جهاد على معصية.

   أنا قلت : حينما تؤمن بالله إيماناً حقيقياً ينبغي أن يحملك على طاعة الله ، وحينما تؤمن بالآخرة إيماناً حقيقياً ينبغي أن يحملك على ألا تظلم مسلماً .

   ألا يوجد ظلماً لبعضنا ؟ دعك ، خذ الطبقة التحتية والشعب ، كم دعوة فيها ظلم ؟ كم أسرة ، وكم عائلة فيها ظلم ؟ كم صاحب معمل يظلم عماله ؟ الظلم ظلمات ، لذلك عند الله عز وجل حقيقة مؤلمة جداً ، ولا أتمنى أن أقولها : إن الله ينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الظالمة ! إذا وجد ظلم فيما بيننا ، أو مشكلة كبيرة جداً لا تحل بصيام ، ولا بصلاة غائب ، بل بعودة إلى الله من الأعماق ، وكل واحد يعاهد الله أن يعمل شيء ، ويتجاوز حاجاته اليومية ، وشغله ، ويعمل شيئًا ثمينًا لله حتى يستجيب له الدعاء ، والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi