English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "12"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآيتان 26-28  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني عشر من دروس سورة النساء ، ومع الآية السادسة والعشرين ، وهي قوله تعالى :

أولاً : الله جل جلاله ذات كاملة ، هذه الذات الكاملة لا تريد إلا الخير .

( سورة هود الآية : 119 ) .

خلقهم ليرحمهم ، خلقهم ليسعدهم ، هذا أصل في الخلق ، كما أن المركبة صنعت لتسير لكن لا بد لها من مكبح ، والمكبح يتناقض مع السير ، لأنه يوقفه ، لكن حاجة المركبة إلى المكبح حاجة أساسية ومصيرية ، لأن المكبح يضمن سلامتها ، كذلك المصائب في الدنيا أساسها ضمان سلامة الإنسان ، لأن الله عز وجل يقول :

( سورة السجدة الآية : 21 ) .

فالله سبحانه وتعالى يريد ، يقول ابن عباس رضي الله عنهما : "في سورة النساء ثماني آيات لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، هي خير لها مما تطلع عليه الشمس وتغرب :

  الأولى :

  الثانية :

  الثالثة :

  الرابعة :

  الخامسة :

  السادسة :

  السابعة :

  الثامنة :

هذه الآيات أيها الإخوة ، كلها في سورة النساء ، وهي خير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم مما تطلع عليه الشمس أو تغرب ، الآية الأولى : [يُرِيدُ اللَّهُ] ، يعني الله عز وجل إرادته أن يهدينا ، أن يعرفنا بذاته ، أن يعرفنا طريق سلامتنا وسعادتنا ، أما هذا الذي يقول لك خلقنا ليشقينا، خلقنا للنار ، هذا يتناقض مع هذه الآية ، الله عز وجل يقول : [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ] ، معناها الهداية أحد أكبر الأهداف الكبرى التي يستهدفها الدين ، ينبغي أن تهدي ، أن تهتدي إلى الحقيقة الكبرى ، أن تهتدي إلى الحقيقة الوحيدة في الكون ، إنها الله ، إذاً كل شيء يقربك من هذه الحقيقة هو الحق ، وكل شيء يبعدك عن هذه الحقيقة هو الباطل ، النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث يقول : ((ليس شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به ، وليس شيء يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه)) .

[ أخرجه النسائي عن ابن مسعود ] .

        معنى ذلك أن في الكون حقيقة واحدة هي الله ، هو مصدر السعادة ومصدر الأمن ، ومصدر السلامة ، بيده النصر ، بيده التوفيق ، بيده العزة  بيده العطاء ، بيده المنع ، بيده كل شيء ، فإذا عرفته ، وتقربت إليه فقد حققت الهدف الذي من أجله خلقت ، وإذا غفلت عنه ، وابتعدت عنه فقد خسرت خسران مبيناً ، بل إن البشر لا يزيدون عن رجلين ، رجل عرف الله ، وعرف منهجه ، واستقام على أمر ربه ، وأحسن إلى خلقه فسعد في الدنيا والآخرة ، ورجل غفل عن الله ، وتفلت من منهجه ، وأساء إلى خلقه ، فشقي في الدنيا والآخرة ، إذاً يريد الله أن يهدينا ، لذلك هناك كلمات يرددها بعضهم نحو : سبحان الله الذي أضله الله أضله ، هذا كلام كفر ، الله عز وجل أراد أن يهدينا جميعاً ، أراد أن يعرفنا جميعاً ، لكن الإنسان مخير ، قد يفرض أن يتعرف إلى الله ، ومعنى مخير يعني يريد أن يفعل ما يختار ، إذاً أحياناً يسمح الله لمعصية ، لكنه لم يأمر بها ، ولم يرض بها ، لم يأمر ، ولم يرض ، لكنه أراد ، معنى أراد أي سمح ، إذا أعطيت إنسانًا حرية الاختيار ، وأردت أن تمتحنه فإذا منعته من فعل اختياره فقد ألغيت اختياره .

( سورة السجدة الآية : 13 ) .

يعني لو شئنا أن نلغي اختياركم ، لو شئنا أن نلغي هويتكم ، لو شئنا أن نلغي الأمانة والتكليف ، لو شئنا أن نلغي اختياركم ، وأجبرناكم على شيء ما لأجبرناكم إلا على الهدى :

 لكن حقيقة الإنسان أنه مخير :

( سورة الكهف الآية : 29 ) .

( سورة الإنسان الآية : 3 ) .

( سورة الأنعام الآية : 148 ) .

آيات كثيرة تؤكد بشكل قطعي أن الإنسان مخير ، فما علاقة إرادة الله باختيار الإنسان ، إرادة الله مع اختيار الإنسان أن يسمح له أن يفعل ما يريد ، ولكن لا على حساب أحد .

 

( سورة الأنعام الآية : 129 ) .

 قد يختار الإنسان أن يسرق ، لكن لا يستطيع أن يسرق ممن يشاء  ، بل يسرق ممن سمح الله له أن يسرق منه فقط ، إذاً أنت مخير ، وسمح الله لك ، أو أراد أن تحقق اختيارك ، ولكن لا على مزاجك ، بل على توجيه من الله عز وجل

الظالم صوت الله ينتقم به ثم ينتقم منه .

( سورة يونس الآية : 107 ) .

ما قال : إن يردك الله بضر ، الضر ليس مراد من الله عز وجل ، وللتقريب إليكم هذا المثل ، مدرسة من أعلى مستوى أنشئت كي تعلم الطلاب ، كي تهذبهم ، كي ترسخ فيهم القيم الأخلاقية ، كي تنير عقولهم ، كي تخرجهم قادة للأمة ، لكن هذه المدرسة فيها عقوبات ، فإذا عاقبنا طالباً أيحق أن نقول : إنما أنشأت هذه المدرسة كي تعاقب الطلاب ؟ لا ، أنشئت كي تعلمهم، وكي تربيهم ، وكي تهذبهم ، لكنها تضطر أحياناً أن تعاقبهم ، إذاً حينما يقول الله عز وجل : [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ] ، الله عز وجل ألزم ذاته العلية بهداية الخلق ، قال :

( سورة الليل الآية : 12 ) .

( سورة القصص الآية : 51 ) .

فالهداية على الله عز وجل .

( سورة النحل الآية : 9 ) .

أي وعلى الله بيان الفصل ، إذاً أول إرادة من إرادات الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إليه ، وأن يعرفنا بذاته ، وأن يبين الطريق إليه كي نسلم ، وكي نسعد في الدنيا والآخرة ، [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ] ، وما هذا الكتاب إلا تبيان لنا ، وما بعثة الأنبياء والمرسلين إلا تبيان لنا ، وما الكتب السماوية إلا تبيان لنا ، وما الدعاة في الأرض إلا تبيان لنا ، وكل مهمة يقول بها العلماء بعد الأنبياء إنما هي تبيان لنا ، لقول الله عز وجل :  [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ] ، يعني البيان المطلق ، أن تعرف من أنت ، أنت المخلوق الأول ، أن تعرف ما حقيقة الدنيا ، إنها دار ابتلاء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبة ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببًا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا ، يريد الله ليبين لنا حقيقة الكون ، إنه تجسيد لأسماء الله الحسنة ، يريد الله أن يبين لنا حقيقة الحياة الدنيا ، إنها دار تكليف لا دار تشريف ، دار عمل لا دار أمل ،  دار سعي لا دار تكريم ، التكريم في الآخرة ، يريد الله ليبين لنا أن الإنسان هو المخلوق الأول .

( سورة الأحزاب الآية : 72 ) .

يريد الله ليبين لنا أن هذه المرأة خلقت لتكون زوجة ، لا خليلة ، دخلنا في المنهج التفصيلي ، قواعد الزواج ، قواعد العمل ، كسب المال وإنفاقه ، وكل شؤون الحياة جاء الشرع الحكيم ليبينه للناس كي يستريحوا من متاعب الحياة ، لأن الإنسان مخير ، وكل شيء في الأرض حيادي بالنسبة إليه ، الشهوة حيادية ، إما أن تكون سلمًا نرقى به ، أو دركات نهوي به ، كل الحظوظ التي يؤتيها الله للإنسان يجب أن تستخدم في الخير ، كما يمكن أن تستخدم في الشر ، لأنه مخير ، إذاً معنى يريد الله : أي أن هداية الخلق أحد أكبر إيرادات الله عز وجل ، فأنت حينما تبحث عن الحق تحقق إرادة الله عز وجل ، هذا الذي يريد ، أما إن غفلت عن الحق فإنك لا تحقق ما يريده الله لك ، يريد الله لك أن تهتدي ، يريد الله لك أن تسلم ، يريد الله لك أن تسعد ، فإذا أصررت على الضلالة وعلى الشقاء فهذا شأنك ، الآن علاقة إرادة الله بإرادة الإنسان ما دام الإنسان مخيراً فإرادة تقتضي أن يسمح له أن يفعل ما يريد ، ولكن لا على حساب أحد ، فالظالم سوط الله ينتقم به ، ثم ينتقم منه .

 [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ] ، فلماذا أهلك هذه بعض الأمم السابقة  ؟ لسبب بينه الله عز وجل ، أمة انحرفت في المكيال والميزان ، أمة انحرفت في غريزتها التي أودعها الله فيها ، أمة طففت ، أمة عبدت غير الله عز وجل ، أمة شاع فيها الزنى ، أمة شاع فيها الخمر ، فلذلك يريد الله أن يبين الأسباب التي من أجلها أهلكت الأمم السابقة ، ويهديكم السنن والقوانين الثابتة التي خلقها الله عز وجل ، والتي بموجبها يهلك الإنسان أو يسعد ، فكل إنسان حينما يرى مصيبة وقعت للإنسان يسأل : لماذا وقعت هذه المصيبة ؟ ما الذنب الذي ارتكبه ؟ ما الخطأ الذي اقترفه ؟ لماذا دمرت هذه الأمة ؟ لماذا ارتفعت هذه الأمة ؟ ارتفاع الأمم وسقوطها ، ازدهارها وزوالها له قوانين ، فكأن الله سبحانه وتعالى بين هذه القوانين التي بها ترقى الأمم ، وبها تسقط ، من أجل ماذا ؟ من أجل أن نتبع قوانين سعادتنا وسلامتنا ، وأن نبتعد عن مسببات شقائنا وهلاكنا ، أساساً لماذا يبحث العلم عن القوانين ؟ كي يستطيع أن يتنبأ بالمستقبل ، نحن حينما لا نعد فراغاً بينيناً في الأبنية ، ويأتي شهور الصيف ، حيث يتمدد الحديد ، ويتصدع البناء، لأن المعادن تتمدد بالحرارة ، هذا القانون يعيننا على أن نصمم بناءً فيه فواصل تمدد ، من أجل ألا يتصدع ، فحينما تكتشف قوانين الله عز وجل من أجل ألا تقع تحت سطوتها ، من أجل أن تنجو من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة ، ولماذا تعرف قانون السقوط ؟ لأنك إن أردت أن تسقط بمظلة ينبغي أن تكون المظلة مدروسة ، اتساع حجمها يتناسب مع مقاومة الهواء ، ومع وزنها ، إذاً تنزل سالماً ، فكأن الله سبحانه وتعالى حينما يقول : [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ] ، أي هذه القوانين الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير ، [وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ] ، من أجل أن تستغفروا ذنوبكم ، وأن يقبل الله استغفاركم وتوبتكم ، [وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ، إذاً أحد الأهداف الكبرى من بعثة الأنبياء ، ومن إرسال الرسل ، ومن إنزال الكتب أن يبين لنا الله عز وجل أن هؤلاء القوم أهلكوا بذنب كذا ، وهؤلاء القوم أهلكوا بذنب كذا .

 

( سورة الحاقة الآيات : 5 ـ 7 ) .

( سورة الفجر الآيات : 11 ـ 14 ) .

( سورة فصلت الآية : 17 ) .

إذاً القوانين التي يبين الله لنا جل جلاله في هلاك الأمم ، وفي رقيها من أجل أن ننتفع بهذه القوانين، فنسعد ، ونسلم في دنيانا وأخرانا ، [وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ، طيب ألا يعلم من خلق ، العلم المطلق هو للخالق .

( سورة البقرة الآية : 21 ) .

العلم المطلق للخالق ، ثم يقول الله عز وجل :

الحقيقة أن الإنسان أودع فيه الشهوات ، والشهوات متغلغلة أعمق التغلغل في الإنسان ، ففي ساعة غفلة ، أو ساعة ضعف ، قد يقع الإنسان في معصية ، فلو أن الله سبحانه وتعالى لم يشرع التوبة إطلاقاً ما الذي يحصل ، بعد أي ذنب يرتكبه الإنسان ييئس من رحمة الله ، فيتركب ذنباً وذنباً وذنوباً ، إلى أن يستحق الهلاك في الدنيا والآخرة ، لكن شاءت حكمة الله نظراً لضعف الإنسان أمام شهوته أن الله سبحانه وتعالى فتح له باب التوبة ، وأراد له أن يتوب ، التوبة فيها أشياء ثلاثة ، فيها تشريع للتوبة ، وفيها توبة العبد ، وفيها قبول التوبة ، فتوبة تأتي قبل توبة العبد وهي تشريع التوبة وتوبة العبد وقبول التوبة أو عدم قبولها ، لكن التوبة رحمة من الله ، لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ، [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] ، إن الله يحب التوابين ، ويحب المتطهرين ، معنى ذلك أنك حينما تتوب إلى الله يفرح الله بتوبتك ، تفرح الله عز وجل بفرح يليق بجلاله وكماله ، وفي الحديث : ((لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد ، ومن الضال الواجد ، ومن الظمآن الوارد)) .

[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ] .

لماذا يفرح الله بتوبتك ؟ لأنه خلقك ليسعدك ، لذلك يفرح بتوبتك  الإرادة الثانية : أولاً أراد أن يبين لنا ، فإذا بين لنا ، وفي ساعة ضعف ، أو غفلة وقعنا في معصية الإرادة الثانية ، [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] ، فلذلك لو لم يكن هناك توبة لارتكب الإنسان مليون ذنب ، لكن لأن هناك توبة من أول ذنب يتوب منه وانتهى الأمر ، [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] ، هذه الآية أيها الإخوة دقيقة جداً ، الله عز وجل ، الإله العظيم ، والرب الحكيم يبين لنا لماذا خلقنا ، وهذا بيان مهم جداً، وكل ما يقوله عامة الناس كلام باطل ، يريد أن يبين لنا ، يريد أن يهدينا ، كلمات يقولها أناس كثيرون تتناقض مع القرآن الكريم ، الآن إذا وقعنا في خطأ فإن الله جل جلاله يريد أن يتوب علينا، بل إن بعضهم يقول : ما فتح الله لنا باب التوبة إلا ليتوب علينا ، وما فتح الله لنا باب الاستغفار إلا ليغفر لنا ، وما فتح الله لنا باب الدعاء إلا ليجيبنا ، أمرنا أن ندعوه ليجيبنا ، وأمرنا أن نستغفره ليغفر لنا ، وأمرنا أن نتوب إليه ليتوب علينا ، لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يتوب علينا شرع لنا التوبة .

( سورة الزمر الآية : 53 ) .

( سورة الأعراف الآية : 156 ) .

فاغلب الظن أن رحمة الله عز وجل تسع كل الذنوب والآثام ، لذلك :

( سورة يوسف الآية : 87 ) .

الكافر يائس ، والكافر قانط .

طبعاً أهل الأهواء والشهوات يحبون أن تنجر إليهم ، وأن تسقط في وحولهم ، وأن ترتكب الآثام التي وقعوا فيها ليستأنسوا بك ، فدائماً :

( سورة الكهف الآية : 28 ) .

أتبع من ؟

( سورة لقمان الآية : 15 ) .

رجلان ، رجل يتبع سبيل الله ، [وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ] ، رجل يتبع هواه ، هذا لا تصغِ إليه ، لا تستشره ، لا تهتدِ برأيه ، لا تلقِ له بالك ، لا تعبأ به ، [وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا] ، أما معنى أغفلنا قلبه عن ذكرنا فإياكم أن تفهموا أغفلنا قلبه عن ذكرنا أي أن الله سبحانه وتعالى خلق في قلبه غفلة ، لا ، بل المعنى وجده غافلاً ، هكذا اللغة العربية ، والقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين ، عاشرت القوم فما أبخلتهم ، أي ما وجدتهم بخلاء ، عاشرت القوم فما أجبنتهم ، أي ما وجدتهم جبناء ، وزن أفعلَ أي وجد ، لا بمعنى أنه خلق فيهم الغفلة ،  [وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا] ، من وجدنا قلبه غافلاً عن ذكرنا ، لأنه غفل عن ذكر الله عز وجل اتبع هواه .

 

( سورة الماعون الآيات : 1 ـ 2 ) .

( سورة القصص الآية : 50 ) .

هما فريقان لا ثالث لهما ، إن لم تكن على طريق الحق فأنت على طريق الباطل ، [فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يِتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ] ، وهما طريقان لا ثالث لهما ، طريق الحق ، أو طريق الهوى ، طريق الجنة ، أو طريق النار ، طريق الخير ، أو طريق الشر ، طريق الدنيا ، أو طريق الآخرة ، [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا] ، أي أن تنحرفوا   [مَيْلاً عَظِيمًا] ، وكلما أمعن الإنسان في المعصية فرح أهل الباطل ، قد يعطونه شهادة حينما يرتكب المعاصي كلها ، فلذلك لا تصحب من لا ينهض بك إلى الله حاله ، ويدلك على الله مقاله ، لا تصحب إلا مؤمناً ، ولا يأكل طعامك إلا تقي ، والآية الكريمة ينبغي أن نفهمها على نحو أو آخر .

( سورة الكهف الآية : 28 ) .

الإنسان فيه نقاط ضعف ، هذه النقاط في أصل خلقه ، أول نقطة :

لماذا خلق ضعيفاً ؟ ليفتقر بضعفه إلى الله ، فيسعد بافتقاره ، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته ، فشقي باستغنائه ، إذاً الضعف لصالحه .

مثل آخر : آلة غالية الثمن ، عظيمة النفع لا بد من نقطة في مسار التيار ضعيفة جداً ، هذا تسمى بالمصطلح فيوز ، إذا جاء التيار عالياً لولا هذه القطعة الضعيفة لاحترقت الآلة ، وخسر الإنسان قيمتها ، أما هذه الوصلة الضعيفة جداً تسيخ فتبدل ، ونقي بهذا الآلة .

فالضعف الذي خلق في الإنسان ضعف لصالحه ، خلق ضعيفاً ليفتقر بضعفه ، فيسعد بافتقاره ، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه ، هذه إحدى نقاط الضعف ، الإنسان الذي لا يخاف لا يتوب ، أما حينما يلوح له شبح مصيبة تنهار أعصابه ، فيسرع إلى باب الله عز وجل، لماذا تاب ؟ لأنه خاف ، لماذا خاف ؟ لأنه ضعيف ، فالضعف سبب توبته ، والتوبة سبب سعادته، خلق الإنسان ضعيفاً ، ولا نبالغ إن قلنا إن : معظم التائبين سبب توبتهم أنه لاح لهم شبح مصيبة فخافوا ، فارتعدت فرائصهم فتابوا فالتجؤوا إلى الله عز وجل ، فقبلهم الله ، وأكرمهم ، وأسعدهم في الدنيا والآخرة ، إذاً خلق الإنسان ضعيفاً ليفتقر بضعفه ، فيسعد بافتقاره ، وأيضاً خلق الإنسان هلوعاً .

( سورة المعارج الآية : 19 ) .

من هو الهلوع ؟

( سورة المعارج الآيات : 20 ـ 21 ) .

يحرص على ما بيديه ، هذا هو المنوع ، لا ينفق ، فإذا انفق عاكس فطرته ، فإذا عاكس فطرته ارتقى إلى ربه ، لو أن الدنيا ليست غالية على الإنسان لما ارتقى بإنفاقها ، لو أن المال ليس أسيراً عند الإنسان لما ارتقى بإنفاقه ، [إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا] ، يعني لا سمح الله ولا قدر ، ووقانا وإياكم جميعاً من مرض عضال ، إذا لاح شبح مرض عضال تنهار قوى الإنسان ، ليس أمامه إلا الصلاة ، والله أيها الإخوة عشرات ، بل مئات من الناس الشاردين حينما لاح لهم شبح مصيبة كبيرة التجؤوا إلى الله عز وجل ، والله عز وجل يداوي ، ودواؤه مر أحياناً ، فإذا كان الإنسان شاردًا وسائحًا ولاهيًا وغافلا فإن الله عنده أدوية تدع الحليم حيران ، فلذلك البطولة أن تأتيه طائعاً ، فإما أن تأتيه طائعاً مختاراً خائفاً منيباً ، أو يحملك أن تأتيه طائعاً تائباً مختاراً ، وخلق ضعيفا .

حدثني أخ مضيف في طائرة دخلت في غيمة مكهربة ، فتلفت مقدمتها ، وكانت على وشك السقوط، وبينها وبين السقوط وموت جميع الركاب دقائق ، لكن الله بحكمته ورحمته نجا ركاب هذه الطائرة ، فهذا الأخ كان مضيفاً في هذه الرحلة ، قال لي : المنظر لا يصدق ، أناس يضربون وجوههم ، يمزقون ثيابهم ، يصرخون بويلهم ، لأن الموت صار محققًا ، فالطيار طلب من المضيفين أن يهدؤوا الركاب ، فلا أحد ينتبه ، ولا أحد يسمع ، وهم في ضجيج ، وفي ذعر ، وفي هلع ، وفي خوف ، وفي شدة ، أحد المضيفين رأى راكباً هادئاً فتوسم فيه الخير ، فتوجه إليه كي يطلب منه أن يهدئ الركاب فوجده مغمى عليه ، هذا الوحيد ،

بالهلع تتوب ، وبالحرص على ما بيديك ترقى إذا أنفقته ، والمال محبب ، وإنفاقه يحتاج إلى إرادة قوية ، والإنسان يرقى بإنفاق المال ، والوقت ثمين فارقَ بإنفاق الوقت ، والجاه غالٍ فارق بإنفاق جاهك ، إذاً :

 

( سورة الأنبياء الآية : 37 ) .

يريد الشيء أمامه على عجل ، فالمؤمن ماذا فعل ؟ أعرض عن العاجلة واختار الآجلة ، إذاً اختار عكس فطرته ، طبع الناس جميعاً أن يختاروا العاجلة معظم الناس يعيشون وقتهم ، في متعة راهنة يمارسها ، وفي شهوة محرمة يقتنصها ، في مال محبب يأكله حراماً عاجل لأنه أمام يديه  أما المؤمن رسم هدفًا بعيدًا جداً ، فهو يسعى إلى ما بعد الموت ، إذا لما اختار هدفًا بعيدًا عاكس طبعه ؟ فلما عاكس طبعه ارتقى إلى الله عز وجل ، فالله يقول : [يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا] ، حينما بين لنا ، حينما أراد لنا أن نتوب لأنه يعلم ضعفنا أمام الشهوات ، فحينما يضعف الإنسان أمام شهوته فله باب مفتوح ، هو باب التوبة ، فكأن هذه التوبة تخفف عنه العبء، سبحان الله لما يتوب الإنسان إلى الله توبة نصوحًا يشعر أن جبالا قد أزيحت عن كاهله ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، حينما تتوب إلى الله عز وجل تشعر يقيناً أن جبالاً ضاغطة أزيحت عن كاهلك ، [يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا] ، ثلاث إرادات إلهية عظيمة ، الإرادة الأولى : [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ] ، والإرادة الثانية : [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] ، والإرادة الثالثة : [يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ] ،فهذا الذي يفعل السيئات لا سمح الله ولا قدر ، وهذا الذي يقترف الآثام ، أو هذا الذي يبني مجده على أنقاض الآخرين ، يبني أمنه على خوف الآخرين ، يبني حياته على موت الآخرين ، يبني غناه على إفقار الآخرين ، هذا حينما يعود إلى فطرته تعذبه فطرته عذاباً لا يوصف ، لذلك ورد في بعض الأحاديث في الجامع الصغير : ((إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول : يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى ، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب)) .

[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن جابر ] .

فحينما الله عز وجل دعانا إلى معرفته ، وإلى طاعته ، وإلى التوبة أراد أن يخفف عنا .

لو أن طفلا مثلاً سرق قلماً من صديقه ، ثم اشتكى صاحب القلم المفقود إلى المعلم ، وأغلق المعلم الباب ، وفتش الطلاب ، فإذا خرج هذا القلم من جيب الطفل السارق تحمل من الخزي والعار ما لا يحتمل ، فالله عز وجل يعلم ما سيكون .

( سورة غافر الآية : 10 ) .

يقول الله عز وجل : [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ] ، يعني إذا وجد أب ابنه لا يدرس ، ولا يداوم ، وهو يصاحب رفقاء السوء، فإن الأب بخبرته العميقة يرى ابنه في النهاية فقيرًا ، لا عمل ، ولا وظيفة ، ولا اختصاص ، ولا حرفة ، ولا زواج ، ولا بيت ، بل هو منبوذ في الطريق ، فمتى يتألم الأب ؟ حينما يرى ابنه الصغير لا يدرس ، أما متى يتألم الابن ؟ حينما يكبر ،  [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ] ، متى مقت الله ؟ [إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ]  .

أيها الإخوة ، ثلاث إرادات عظيمة لله عز وجل ؛ إرادة البيان ، والتوبة والتخفيف .

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi