English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "13"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآيتان 29-30  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

           الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وارنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول ، فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث عشر من دروس سورة النساء ، ومع الآية التاسعة والعشرين ، وهي قوله تعالى :

           أيها الإخوة ، ماذا تفهمون من قوله تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ؟ ما من أمر تكليفي إلا ويبدأ في القرآن الكريم بـ : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ، الله عز وجل يقول :

( سورة البقرة الآية : 256 ) .

            ثم يقول : يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا وكذا ، فكيف نوفق بين قوله تعالى : [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينَ] ، وبين قوله تعالى : افعل ولا تفعل ، في الأمر ، وفي النهي .

           أيها الإخوة ، الإنسان مخير ، مخير بكل الأدلة العقلية والنقلية والواقعية ، ولكن مخير أن يدخل في دين الله أو لا يدخل ، فإذا دخل فهو ملزم بأوامر ونواهٍ ،  كالطالب فهو مخير أن يدخل في الجامعة أو لا يدخل ، أما إذا دخل في الجامعة فثمة امتحان ، ورسالة ، ونظام ، ودوام ، ومسألة ، وتوبيخ ، وإنذار مسجل ، وترقين قيد ، وفصل من الجامعة ، وأوامر ، ونواهٍ ، وعقوبات ، لكن هذه كلها بعد أن تتنسب إلى الجامعة ، لو أن الالتحاق بالجيش اختياري تطوعي ، فأنت مخير أن تلتحق أو لا تلتحق ، أما إذا التحقت فهناك نظام ، ودوام و، تنفيذ الأمر ، وهناك عقوبات ، معنى ذلك الله عز وجل يأمر عباده الذين آمنوا به ، أما الذي لم يؤمن فاختياره يعاقبه ، الطالب مخير مثلاً يدرس أو لا يدرس ، لو اختار ألا يدرس فسوف يجد بعد حين أن كل من حوله لهم مناصب مرموقة ، لهم تجارات ، لهم مكاتب ، يحملون شهادات ، لهم زوجات ، لهم أولاد ، لهم مكانة اجتماعية ، وهو شارد في الطريق ، فأحياناً الاختيار نفسه يعاقب صاحبه ، أما أنت إذا آمنت بالله عز وجل فإنه يأمرك وينهاك : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ، في الآيات السابقة تحدث الله جل جلاله عن العلاقات بالنساء ، قضايا الزواج والطلاق ، والقضايا المتعلقة بالمرأة ، وغزيرة الجنس غريزة متغلغلة في أعماق الإنسان ، لذلك تجد آيات وأحاديث كثيرة فيها تنظيم دقيق لعلاقة المرأة بالرجل ، علاقة منظمة ، ودائماً هناك عبارة استخدمها أصل التصميم ، حينما خلق الله جل جلاله الأنثى صممها لتكون زوجة ، أو أماً ، أو أختاً ، أو بنتاً ، أو عمة ، أو خالةً ، وكلها علاقات مقدسة ، فأصل التصميم أن تتزوج ، وأن تنجب أولادًا يكونون من بعدك استمراراً لك ، وتخليداً لذكراك ، ينفعون الناس من بعدك ، فكأن الله سبحانه وتعالى أرادك أن تتزوج ليكون لك عمل صالح مستمر بعد حياتك ، ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له)) .

[ أخرجه البخاري في الأدب ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ] .

          فالله جل جلاله إذا قال : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] فهو يخاطب الذين آمنوا  ، يخاطب الذي اختاروا الإيمان ، يخاطب الذين دخلوا في دين الله مختارين  حينما يؤمن الإنسان يؤمن مختاراً ، فإذا آمن مختاراً فهناك موجبات للإيمان ، واتباع ، وائتمار ، وانتهاء ، وثواب ، وعقاب ، ومحفزات ، ومثبطات ، من المحفزات أن الله سبحانه وتعالى حبب إلينا الإيمان ، وزينه في قلوبنا، حينما يؤمن الإنسان ، وحينما يصطلح مع الله يشعر براحة ، يشعر أن جبالاً أزيحت عن كاهله ، يشعر بتوازن ، يشعر بالفلاح ، بالنجاح ، بالتفوق ، يشعر أن المستقبل لصالحه ، يشعر أن خطه البياني في صعود ، يشعر أن الآخرة هي دار القرار ، هي دار النعيم .

         ذكرت اليوم في عقد قران أن واحداً في الأرض وأصفار إلى القمر ، أو إلى الشمس ، المسافة 156 مليون كيلومتر ، وكل ميليمتر صفر ، ما هذا الرقم بربكم ؟ ثلاثة أصفار ألف ، ثلاثة أخرى مليون ، ثلاثة وثلاثة ألف مليون ، كل ميلي صفر ، ليست المسافة متر ، المتر في ألف صفر  المسافة 156 مليون كيلومتر ، هذا الرقم إذا وضع صورة ، ووضع المخرج لا نهاية قيمته صفر ، معظم البشر يتنافسون على الصورة بينما المؤمنون يتنافسون على المخرج ، معظم البشر يتقاتلون من أجل المحدود ، بينما المؤمنون يسعون إلى لا محدود ، معظم البشر يتنافسون على حطام الحياة الدنيا ، بينما المؤمنون يتنافسون على جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر)) .

[ أخرجه البخاري ومسلم وأحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ] .

             هذه الآخرة هي الحياة الحقيقية ، والدنيا مهما عظمت لا يمكن أن تكون عطاءاً لأنه منقطع بالموت ، ولا يليق بكرم الله أن يعطيك عطاءاً ينتهي بالموت والله سبحانه وتعالى وصف الشاردين عنه قال :

( سورة الروم الآية : 7 ) .

             فالتنافس ينبغي أن يكون على المخرج ، على لا نهاية ، على الأبد  لا أن يكون على الصورة ، مهما عظمت الدنيا لا شيء ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى أعطى الدنيا لمن لا يحب ، فأعطاها لفرعون ، وأعطاها لقارون ، لكنه أعطى الحكمة والعلم لمن يحب .

( سورة القصص الآية : 14 ) .

( سورة النساء الآية : 113 ) .

          إذاً حينما تقرأ قوله تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ، يجب أن تشعر أنك في عقد إيمان مع الله ، وأن هذا العقد الإيمان مع الله يقتضي الطاعة ، وأن هذا العقد الإيمان مع الله يقتضي المؤاخذة ، ويقتضي التأديب لذلك :

( سورة السجدة الآية : 18 ) .

( سورة القلم الآيتان : 35 ـ 36 ) .

( سورة القصص الآية : 61 ) .

               [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] انتقلنا من الشهوة الأولى ، وهي شهوة النساء إلى الشهوة الثانية ، وهي شهوة المال ، ويكاد التشريع الإسلامي في تسعة أعشاره يتعلق بالمال والنساء ، ومن كان محصنًا من الانزلاق مع امرأة ، أو الانزلاق في كسب المال ، أو إنفاقه فقد جمع الدين من أطرافه ، فما من فضيحة على الإطلاق إلا في أحد موضوعين ؛ فضحية مالية ، أو فضيحة جنسية ، ولا يسقط الرجال في العالم إلا بإحدى هاتين الفضيحتين ، ومن فضل الله على المؤمنين أن المؤمن محصن من هاتين النقطتين .

          [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ] ، الأكل يومي ، وقد استعير فعل الأكل لضم المال ، يعني أصل الآية : يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالاً ليست لكم ، قال : [لاَ تَأْكُلُوا] ، لأن الأكل يومي ، وهناك من يأكل أموال الناس بالباطل يومياً ، الشيء الدقيق في هذه الآية أيها الإخوة أنني حينما أخاطب إنسانًا ، وأقول له : لا تأكل مالك ، فهذا كلام لا معنى له ، إنه ماله ، لو أن لك جيبين ، ووضعت مبلغاً في جيب ، ونقلت إلى جيب آخر ماذا فعلت ؟ هذا مالك ، لا ، بلاغة القرآن تقول : هذا المال الذي نهيت عن أكله هو مال أخيك ، وقد وصف بأنه مالك من زاوية واحدة ، من زاوية الحفاظ عليه ، وكأنه مالك فلأن تمتنع عن أكله بالباطل من باب أولى ، ولا شيء يوضح هذه الحقيقة إلا أن يقول أحد الناس إذا أعار مركبته للإنسان يرجوه أن يعتني بها يقول له : عدها سيارتك ، من زاوية واحدة أن تعتني بها ، ألا تحملها ما لا تطيق ، ألا تهمل حاجاتها ، إذاً : الله عز وجل يقول : [يَا أَيُّهاَ الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ] ، مال أخيك هو مالك من زاوية وجوب الحفاظ عليه ، لأن مال الإنسان يحافظ عليه .

           مرة وجدت في طريق وعرة جداً مركبة تسير بسرعة عالية ، وكأنها تتكسر بهذا الطريق ، فعلمت أن سائقها لا يملكها ، فلما وجدت مركبة أخرى تسير ببطء شديد علمت أن سائقها يملكها ، فصرت أعرف ملكية السيارة من سرعتها .

          الإنسان يحافظ على ماله أشد المحافظة ، فلذلك الله عز وجل قال : مال أخيك مالك ، بمعنى أنك كيف تحافظ على مالك ينبغي أن تحافظ على مال أخيك ، المعنى الثاني أن هذا المال الذي هو مال أخيك هو مالك ، بمعنى آخر إذا قوي أخيك قويت معه ، وإن افتقر وجب عليك أن تعينه ، هذا يحدث في المجتمعات الصغيرة ، إنسان بلا عمل ، بلا دخل ، هذا الإنسان عبء على من حوله ، عبء معنوي ، وعبء نفسي ، أخ كريم بلا عمل ، يحتاج إلى إنفاق ، فإذا وجد عملاً، وكسب مالاً يرتاح من حوله ، كان عبئًا عليهم ، فارتاحوا لراحته ، وسعدوا لاكتفائه ، إذاً المجتمع الإسلامي مجتمع متعاون ، فالذي يقوى في المؤمنين قوة واحد منهم قوة لجميع المؤمنين ، وضعف واحد منهم إضعاف لجميع المؤمنين ، فكلما حلت مشكلة شاب في مجتمع معين ، إخوانه وأصدقاؤه يرتاحون ، لا أقول : يرتاحون منه ، لكن يفرحون لكفايته ، وترتاح نفوسهم لراحته ، [يَا أَيُّهاَ الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ] ، وكأن هذا الأكل الذي نهي المسلمون عنه مقيد بالباطل ، هل هناك أكل أموال بالحق ، طبعاً أنت حينما تشتري بضاعة ، وتسافر ، وتتجشم نفقات السفر ، وتتخذ قرارًا بالشراء ، وربما لا يكون مصيباً ، وقد تخسر ، وربما لا تربح ، وقد تلف البضاعة ، وقد تحترق ، وقد تفسد أحياناً ، وقد لا تباع بالسعر المناسب ، فأنت ضمنت أخطاراً كثيرة ، فإذا جئت بهذه البضاعة ، وبعتها في محل صغير في حي من أحياء المسلمين ، هذا المسلم ما تحمل عبء السفر ، ولا الاستيراد ، ولا الضرائب ، ولا التلف ، ولا الاحتراق ، ولا أخطار النقل والشحن ، ولا أخطار المنافسة العالية جداً ، فلك أن تأكل من ماله ربحاً بالمعقول ، فهذا أكل بالمعقول ، وهذا هو الربح حلال .

           أيها الإخوة ، هناك قاعدة كلية ، أي علاقة مالية بين اثنين في دنيا المسلمين ينبغي أن تكون مبنية على منافع متبادلة ، يعني أنا اشتريت هذا الحاجة بكمية صغيرة ، وقد وصلت إلى بيتي بسعر معتدل فالذي اشتراها ، وتحمل مشاق السفر ، واختارها ، وغامر بشرائها ، وضمن أخطار النقل والشحن ، وأخطار المنافسة ، وأخطار التلف ، وأخطار الفساد ، ونقلها إليك بسعر معتدل فله أن يضيف على التكلفة ربحاً يعيش منه ، أنا انتفعت ، وهو انتفع ، هي علاقة البيع والشراء ، إنسان معه مال ، لكنه كبير في السن عاش حياته موظفاً لا يحسن التجارة ، أو امرأة توفي زوجها ، وترك لها ميراثاً كيف تستثمره ، أو طفل ورث عن أبيه المتوفى مبلغاً كبيراً كيف يستثمره ؟ إنسان معه مال لا يحسن استثماره ، يأتي شاب متفتح ، مخلص ، أمين ، خبير ، طاقة هائلة ، لا يملك المال ، فإذا أعطى صاحب المال ماله لهذا المضارب الخبير ينتفع كليهما ، هي منفعة متبادلة ، إذاً شركات المضاربة منافع متبادلة ، التجارة منافع متبادلة ، القاعدة الكلية في كسب المال ، لا يشرع الإسلام طريقة آمنة لكسب المال إلا إذا بنيت على منافع متبادلة ، هذا أصل من أصول كسب المال ، منافع متبادلة ، أما إذا جعلنا يانصيباً ، فاليانصيب إنسان دفع ، وما أخذ شيئاً ، وإنسان أخذ ، وما دفع إلا قليلاً ، فاليانصيب لا يبنى على منافع متبادلة ، يبنى نفع على ضرر ، الضرر متعدد ، يعني 500 ألف إنسان اشتروا بطاقة ، واحد ربح خمسين مليونًا ، إنسان دفع ، وما أخذ ، وإنسان أخذ ، ,ما دفع ، القمار محرم ، لأنه مبني على منفعة من طرف واحد ، وهذه المنفعة مبنية على ضرر الآخرين ، القمار محرم ، التأمين ، شركة تعتمد على الاحتمالات الضئيلة ، فإنسان يدفع سبعة آلاف إلى عشرة آلاف في العام بأكمله ، ولا يحدث معه شيء ضاع المبلغ ، فالتأمين ليس فيه عوض ، فيه نفع لجهة على حساب المؤمّن على حساب جهة أخرى ، فأي شيء تجدونه محرماً في الإسلام لأنه نفع مبني على ضرر ، الغش محرم ، لأنه الذي اشترى البضاعة توهمها جيدةً فدفع ثمناً لا يوازي سلعته ، والذي باعها أخذ مبلغًا أكبر مما دفع للبائع من بضاعة فوق الربح ، إذاً كقاعدة عامة : أي ربح يبنى على خسارة فهذا دخل محرم، وأي ربح يبنى على منفعة متبادلة فهذا دخل حلال ، فلذلك الكذب في البيع والشراء قد يوهم بمستوى في البضاعة فهي ليست فيه ، التدليس أخو الكذب ، الاحتكار  تجمع البضائع في أيدي قليلة ، ويرفع سعرها ، فمن دفع ثمن هذه البضاعة لم يدفع ، ثمنها بل دفع ثمن احتكارها ، صار الثمن مضاعفًا ، فما من معصية لكسب المال إلا أساسها منفعة بنيت على ضرر ، ربح بني على خسارة ، إنسان كسب ، وإنسان خسر ، فالله سبحانه وتعالى يقول : [يَا أَيُّهاَ الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ] ، الباطل الشيء الزائل ، المال يزول ، ويبقى العقاب ، والذي انتفع نفعه بالمال يزول ، ويبقى الإثم ، والعقاب في الآخرة ، الباطل كما قلت الشيء الزائل الذي لا يصمد ، لذلك قال تعالى في تقسيم البشر إلى صنفين قال :

( سورة الليل الآيتان : 5 ـ 6 ) .

صدق بأنه مخلوق للجنة ، استناداً لهذا التصديق اتقى أن يعصى الله ، واستناداً لهذا التصديق بنى حياته على مطلق العطاء ، فأعطى من وقته ، وماله ، وعلمه ، وخبرته ، ومن عضلاته ، ومن كل طاقاته ، لأنه آمن بالآخرة ، لأنه تعامل مع كريم ، لأنه تاجر مع الله ، أعطى واتقى أن يعصيه ، إطلاقاً من أنه صدق بالحسنى ، فهذا رد الإله له :

( سورة الليل الآيتان : 7 ـ 8 ) .

بنى حياته على الأخذ ، واستغنى عن طاعة الله ، لأنه ما صدق بالجنة  وأنا أقول أحياناً : ما ترون من جشع الناس ، وتكلابهم على المال ، وحرص على كسب المال بأية طريقة شيء طبيعي جداً إذا كفروا بالآخرة ، وإذا آمنوا بالدنيا ، الدنيا فيها شهوات ، والمال مادة الشهوات ، فإن أردت أن تستمتع إلى أقصى درجة فلا بد لك من المال ، وربما لا تكفي قدراتك ، ومنهج الله أن تكسب المال الكثير ، إذاً لا بد من الكذب ، والتدليس ، والاحتكار ، والغش ، والنفاق ، وما إلى ذلك ، [يَا أَيُّهاَ الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ] ، ثمة معنى مخالف ، بالحق لا مانع ، ربح التاجر مشروع ، ربح المزارع مشروع ، ربح الصانع مشروع ، ربح من يؤدي خدمات للأمة مشروع ، طبيب يتقاضى تعويضاً عن عنايته بالمريض ، المحامي يتقاضى تعويضاً عن أتعابه ، المهندس ، المعلم ، أية حرفة ، تقديم خدمة ، وأخذ أجرة ، أو تعويض ، قال : [إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ] ، التجارة كأن الله سبحانه وتعالى ذكر من بين أنواع المكاسب مكاسب الزراعة ، والصناعة ، والتجارة ، التجارة لأنها الحلقة الوسطى بين عدة حلقات ، نحنا عندنا إنتاج ، وعندنا استهلاك ، من هو الوسيط بين المنتج والمستهلك ؟ التاجر ، المعامل تنتج ، والأشخاص يستهلكون هذه البضائع ، من هو الذي يشتري من المعامل ، ويبيع المستهلكين ؟ التاجر ، المزارع تنتج برتقالا ، وحمضيات ، وتفاحًا ، وزيتونًا ، والبشر يستهلكون ، فمن الذي يتوسط بين المنتج الزراعي والمستهلك البشري ؟ التاجر ، طيب أحياناً ثمة مكاتب خدمات ، تحتاج أنت إلى خدمة معينة ، يكون المكتب وسيطًا بين أصحاب هذه الخدمات ، وبين من يحتاجون هذه الخدمات ، فالله سبحانه وتعالى قال : [إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ] ، لو أن الغش كشف للمشتري هل يرضى ؟ لو أن الاحتكار كشف للمستهلك هل يرضى ؟ أن يدفع أربعة أضعاف ثمن الحاجة ، لأن الذي يبيعه إياها محتكر لها ، بعض الناس يحتالوا على الشرع ، يعطيه مركبة ، يقول له : انظر إلى المركبة ، وقد يكون فيها عيوب خفية ، ربما لا يعرفها ، لو كشفت له هذه العيوب هل يرضى ؟ لا يرضى ، إذاً أول شرط لصحة البيع أن يكون هناك تراض ، لذلك عقود الإذعان باطلة ، أنت مضطر فيرفع السعر عليك أضعافًا مضاعفة ، لأنك مضطر ، لا خيار لك ، حالات المرض أحياناً، مرض خطير ، بعد أن بدأت العملية يُطالب ذوو المريض بمبلغ يفوق طاقتهم ، أو يموت المريض ، هذا عقد إذعان ، شراء السلاح في أثناء الحروب ، كلها عقود إذعان كلها ، قد يرتفع السعر إلى مئة ضعف ، [إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ] ، فلذلك التاجر الصدوق مع النبيين.

            ثمة شيء يلفت النظر ، تاجر باع ، واشترى ، وكسب المال ، واشترى بيتًا ، وأكل ، وشرب ، وتزوج ، ولبس ، وأنت أيها الإنسان مع النبيين ، الحقيقة مع النبيين ، لأن أكبر دولة إسلامية الآن في جنوب شرق آسيا ما دخلها جندي واحد ، دخلها التجار ، وكانوا دعاة إلى الله ، 250مليون في إندونيسيا بسبب التجار المسلمين الذين دعوا إلى الله بطيب معاملتهم ، فحينما قال عليه الصلاة والسلام : ((التاجر الصدوق مع النبيين يوم القيامة)) فهذا كلام طيب .

            [يَا أَيُّهاَ الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم] ، النبي عليه الصلاة والسلام استنبط من هذه الآية عشرات ، بل مئات الأحاديث ، كيف يكون التراضي في البيع والشراء ؟ بالإيجاب والقبول ، وكيف هناك خيار العيب ، وخيار الوقت ، بحوث كثيرة جداً ، هذه تأخذ في كليات الشريعة في موضوعات فقه البيوع ، إذاً : المسلمون يشكلون وحدة أموالهم للجميع .

           هناك معنى ثالث : أنت معك مال ، وهذا المال في الظاهر هو لك ، أما في الحقيقة هو ملك جميع المسلمين ، فإذا أسرفت في إنفاقه فأنت محاسب عند الله ، إذا أسرفت في المباحات ، أو بذرت في المعاصي فأنت محاسب عن الله ، يمكن - وأنا أعني ما أقول - لعقد قرآن يكلف 85 مليون ؟! ومئات الشباب يبحثون عن غرفة ليتزوجوا فيها ، فمعنى : لا تأكلوا أموالكم الكتلة النقدية التي بين أيدي المسلمين هي في الحقيقة ملك لكل المسلمين ، فأنت لك أن تأكل ، وأن تشرب ، وأن ترتدي ثياباً ، وأن تتزوج ، وأن تنفق لكن بالمعقول .

( سورة الأعراف الآية : 31 ) .

         إذاً الإسراف محرم في المباحات ، والتبذير محرم في المعاصي ، كلمة لا تأكلوا أموالكم، يعني هذا المال ملك جميع المسلمين ، لك أن تنفق منه بالمعروف ، وليس لك أن تبذره في المعاصي ، ولا أن تنفقه إسرافاً في المباحات ، كما أنه ليس لك أن تضيعه ، أو أن تتلفه ، فإذا ضيعته ، وأنفقته في غير ما ينبغي حجر على تصرفاتك ، لأنه ملك جميع المسلمين ، هذا هو المعنى الثالث .

               [يَا أَيُّهاَ الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ] ، حينما ينهي الإنسان حياته باختياره يئساً وقنوطاً من رحمة الله فهذا مخلد في النار ، [وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ] ، وهناك معنى آخر ، يعني لا تعمل عملا ينتهي بقتل نفسك ، فحينما يرتكب الإنسان معاصي كثيرة جداً يهلك نفسه في الدنيا والآخرة دون أن يشعر ، [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا] ، واللهُ عز وجل يعجب أحياناً .

( سورة البقرة الآية : 175 ) .

           لما يعتدي الإنسان على الآخرين يعرض نفسه لعقاب الله عز وجل ، إذاً سوف يذوق النار ، [فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ] ، [وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ] ، طبعاً هذا الموضوع لا يتعلق بما نسمعه من أناس أرادوا أن يهزوا كيان العدو ، هذا موضوع ثانٍ ، لا علاقة له بهذه الآية ، إنسان يائس كافر بالله عز وجل ، يئس من عطاء الله أنهى حياته تكذيباً بالقضاء والقدر ، فهذا إنسان منتحر ، ومصيره إلى النار ،  [وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ] ، وفي آية ينبغي أن نذكرها الآن يقول الله عز وجل :

( سورة البقرة الآية : 254 ) .

( سورة البقرة الآية : 195 ) .

            قال بعض المفسرين : أنفق بعض من مالك ، ولا تنفق كل مالك ، لك أولاد ، ولك زوجة ، ولك ظروف صعبة ، فإذا أنفقت كل مالك كأنك ألقيت بنفسك إلى التهلكة ، المعنى الآخر: أنفق من مالك ، فإن لم تنفق فقد ألقيت بنفسك إلى التهلكة ، إذًا إلقاء النفس إلى التهلكة في حالتين حادتين ، في حالة عدم الإنفاق ، وفي حالة إنفاق المال كله ، والإسلام وسط متوازن ، [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسُرِفُوا] ، فأنت هالكٌ إن أنفقت كل مالك ، وأنت هالك إن لم تنفق من مالك ، لأنك إن لم تنفق من مالك سوف تهلك في الدنيا وفي الآخرة ، [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمٍ رَ‌‍حِيمًا] ، هذا الذي يعيش ساعته ، يعيش وقته ، ينتهز كل فرص اللذات دون أن يفكر في آخرته ، هذا إنسان يهلك نفسه ، والله سبحانه وتعالى رحيم به ، خلقك في الدنيا كي تسعد ، والدليل :

( سورة هود الآية : 119 ) .

قال :

( سورة النساء الآية : 30 ) .

من أخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه ، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله .

         بالمناسبة أيها الإخوة ، حقوق العباد مبنية على المشاححة ، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة ، أنا لا أصدق ، وربما لا تصدقون أن أعظم عمل على الإطلاق أن تقدم نفسك في سبيل الله ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود ، ومع ذلك إذا كان عليك دين فالدين لا يغفر ، يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين ، وقد علمنا النبي عليه الصلاة والسلام عظم حقوق العباد ، فكان إذا مات أحد أصحابه الذين جاهدوا معه ، ودعي إلى الصلاة عليه يقول : أعليه دين ؟ فإن قالوا : نعم قال : صلوا على صاحبكم ، ولا يصلي عليه ، فإن قال أحدهم : يا رسول الله علي دينه ، عندئذٍ يصلي عليه ، ومرة سأل فقيل : عليه دين ، قال صلوا على صاحبكم ، فقال أحد أصحابه : علي دينه يا رسول الله ، فصلى عليه ، وفي اليوم التالي سأله : أديت الدين ؟ قال : لا ، في اليوم الثالث سأله : أديت الدين ؟ قال : لا ، في اليوم الرابع سأله : أديت الدين ؟ قال : نعم  قال الآن ابترد جلده ، ابتراد جلد الميت لم يكن بالتعهد بالأداء ، لذلك الإنسان ممنوع أن يستقرض ما لا يستطيع أن يؤديه ، إن أردت أن تستقرض ينبغي أن تفكر في الأداء ، [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا] ، يعني يأكل أموال الناس بالباطل ، ويغشهم ، يأخذ أموالهم قماراً ، أو يأخذها كذباً ، أو غشاً ، أو تدليساً ، أو احتكاراً ، أو كذباً ، أو احتيالاً ، أو بضغط شديد ، كل شيء أخذ بسيف الحياء فهو حرام .

             [لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ] ، هنا قف عند سوف ، قد تكسب المال الحرام إلى حين ، والعقاب لا يأتي بعد دقيقة ، ولا بعد ساعة ، ولا بعد شهر ، قد تستمع بالمال سنوات طويلة ، وهو مال حرام ، ثم فجأة يسحب البساط من تحت رجليك ، وتقع في قبضة الله عز وجل ، لو جاء العقاب عقب المعصية لألغيَ الاختيار ، لو جاء العطاء عقب الطاعة لألغيَ الاختيار ، قل للناس جميعاً : ادفع مئة ، وخذ ألفاً ، بحسب الآية ترَ طوابير لا تنتهي ، وكلهم غير مؤمنين بالله ، لكن أنت مخير ، قد تنفق من مالك ، ولا تأخذ شيئاً ، كل بعد حين ، لما قال الله عز وجل :

( سورة التوبة الآية : 28 ) .

           ثمة قوانين اقتصادية ، ما دام المنع من دخول مكة ساريا معنى ذلك أنه لا سياحة ، وتهديد بالفقر .

( سورة التوبة الآية : 28 ) .

أي سوف تفتقرون ، قال :

( سورة التوبة الآية : 28 ) .

               قوانين اقتصادية واضحة ، إنسان عنده مطعم فيه خمر ، وفي أماكن معينة الخمر مطلوب في المطاعم ، فيكثر زبائن هذا المطعم ، ولو أنه تاب إلى الله توبة نصوحًا ، وألغى بيع الخمر ، فلا بد أن تقلّ غلته إلى الربع ، أو إلى العشر ، هذا ثمن قراره البطولي ، [وَإِنْ خِفْتُمْ عَيلَةً] ، وكل إنسان يتخذ قرارًا بطوليًّا يدفعه ثمنه كي يرقى يوم القيامة ، لكن بعد أن يتخذ هذا القرار البطولي ، ويدفع ثمنه ، ويصبر على ذلك ، ولا يتشاءم ، وهو فرح بطاعة الله ، الآن الله عز وجل يدخله تحت منظومة قوانين اسمها قوانين العناية الإلهية ، عندها يعود عليه الضيق سعةً، والخسارة ربحاً ، [وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ] ، سوف هي للامتحان ، فيمكن أن تطيع الله وتخسر إلى حين ، فإذا علم الله منك صبراً ورضى وطاعةً الآن يدخلك في منظومة قوانين أخرى ، اسمها قوانين العناية الإلهية ، عندئذٍ تربح ، ربحت طاعتك بالله ، وربحت الدنيا ، لذلك من آثر النص الشرعي على مصالحه ربح طاعته لله ، وربح الدنيا ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، أرجو أن أكون قد وضحت ذلك الكلام الدقيق في قوانين مستنبطة من حركة الحياة ، وبشكل حسابي على الآلة الحاسبة إذا أقرضت قرضًا ربويًا ، أقرضت مئة ألف بفائدة عشرين بالمائة ، يأتيك مئة وعشرون ألفًا ، وإذا أقرضت قرضًا حسنًا يأتي مئة ألف ، ومع التضخم النقدي 80ألفًا ، على الحاسبات القرض الحسن خاسر ، والقرض الربوي رابح ، أما على قوانين العناية الإلهية فـ :

( سورة البقرة الآية : 276 ) .

الذي فعلته صدقة يربو المال بطريقة عجيبة لا يعلمها إلا الله ، حينما يعلم الله منك الطاعة تطيعه ، ولو خسرت الدنيا ، هذا موقفك ، وسوف تنال طاعتي والدنيا ، الآن لا تبالي ، تعطيه من أجل الدنيا سوف تخسر الدنيا ، وتخسر طاعتي ، كلام دقيق ، بحسب حركة الحياة هناك أوامر تبدو لك أنها تضرك ، وهناك أفعال لا ترضي الله تبدو لك وكأنها تنفعك ، ولكن العاقبة للمتقين ، في النهاية الذي تفعله طاعة لله ، ولا تعبأ بمصالحك تعود عليك الدنيا أضعافاً مضاعفة ، هذه حقيقة أيها الإخوة ، [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا] ، لعل أوفق في كلمة : الخيارات التي بيد القدرة الإلهية لا نهاية لها ، ممكن أن تحقق ربحًا بالملايين ، وتخسر صحتك ، القلب بيده، والشريان بيده ، وخثرة الدماغ بيده ، كل شيء بيده ، فأنت من جهة حققت أموالا طائلة ، [عُدْوَانًا وَظُلْمًا] ، فسلبك الله الصحة التي تستمع بها بالمال .

            كان لي طالب في الحادي عشر ، حدثني عن خاله ، خاله صاحب دار سينما ، بنى ربحه على إفساد أخلاق الشباب ، ودار سينما من الدرجة الدنيا ، أفلام كلها فاضحة ، هذه القصة عام 1965 ، جمع خمسًا إلى ست ملايين ، ما يعادل 500 مليون الآن ، أصيب بمرض عضال في ريعان الشباب ، قال لي : دخلت عليه ، وهو يبكي ، قال له : أنا جمعت هذا المال كي أستمتع به في خريف عمري ، هذه المنية عاجلتني قبل أن أستمتع بهذا المال .

         إخواننا الكرام ، حينما تنصاع لأمر الله ، ولا تعبأ بمصالحك يخضعك الله عز وجل لقانون لا تعرفه أنت ، هو قانون العناية الإلهية ، والله أعرف أناسًا بذلوا أموالا كثيرة في طاعة الله ، قال لي أحدهم : مرة صفقة كبيرة جداً شعرت بانقباض لا مبرر له ، لم أفهم لماذا كنت مضطربًا ، لما اشتد انقباض صدره ألغى الصفقة ، هذه الصفقة لو أخذها لدفع كل ما يملك ، صرف الله عنه الخسارة عن طريق ضيق القلب ، أنت حينما تأتمر بما أمر الله ، وتنتهي عما عنه نهى الآن أخضعك الله لقانون العناية الإلهية ، فإنك بأعيننا ، يشرح صدرك لما هو خير لك ، ويقبض صدرك لما له شر لك أحياناً ، إذاً :  [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] ، دائماً العبرة لا أن يكون الناس جميعاً مؤمنين ، ولكن العبرة أن تأتي النتائج متوافقة مع المقدمات .

( سورة الكهف الآية : 29 ) .

               من شاء فليكسب المال الحلال ، ومن شاء فليكسب المال الحرام ، والآن أيها الإخوة إنسان جمع من القمار ثمانية ملايين هو على فراش الموت ، طلب إنسانًا يعمل في الدعوة، قال له : ماذا افعل ؟ قال له : والله لو أنفقت المبلغ كله لا تنجو من عذاب الله ، العبرة بخريف العمر ، العبرة بساعة المغادرة ، ماذا تفعل ؟ فكسب المال الحرام محبب للناس ، ولكن لو فكروا في مصيرهم ، قد يخسر حياته ، ولا يستمع بماله ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام : ((أندم الناس غنياً دخل ورثة بماله الجنة - كسبوه حلالاً - ودخل هو بماله النار)) ، مًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] .

 في درس قادم إن شاء الله نتابع شرح الآية الكريمة :

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi