English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "16"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآية 32  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس عشر من دروس سورة النساء ، ومع الآية الثانية والثلاثين ، وهي قوله تعالى :

أيها الإخوة الكرام ، في القرآن الكريم أمر ونهي ، وكل أمر يقتضي الوجوب وكل نهي يقتضي الترك ، كل نهي يقتضي الامتناع ، فإنك كمؤمن بينك وبين الله عقد إيماني ، هذا العقد الإيماني ينبغي أن تفعل إذا أمرت ، وأن تنتهي إذا نهيت ، هذه الآية مصدرة بـ لا الناهية ، الله جل جلاله يقول : [وَلاَ تَتَمَنَّوْا] ، والتمني فعل متعلق بالمستقبل ، التمني أن تتمنى شيئًا لا يقع ، بينما الترقب أن تنتظر شيئًا يقع ، إذا قلت : ألا ليت الشباب يعود يومًا ، فهذا تمنٍّ ، والتمني كما يقول بعض الحكماء بضائع الحمقى ، تعيش في خيالات ، وفي أوهام لا تقع ، فالله سبحانه وتعالى تطيباً لقلوبنا ، وإراحة لنفوسنا نهانا أن نتمنى في المستقبل ما فضل فيه بعضنا على بعض .

 الحقيقة أيها الإخوة ، أن الله سبحانه وتعالى خلق جنس البشر ، وجنس البشر خلق على نوعين ، ذكر وأنثى ، وللذكر أفراد ، وللأنثى أفراد ، صار هناك جنس ، ونوع ، وأفراد ، فالجنس البشري مؤلف من نوعين ؛ ذكر وأنثى ، مشكلة الحضارة الحديثة أنهم أرادوا إزالة الفروق كلياً بين النوعين ، فالمجتمع في فساد خطير ، حينما تزول الفوارق بين الذكر والأنثى فهناك فساد عريض ، الحقيقة أن أصل التصميم الإلهي أن الإنسان ذكر وأنثى ، وأن لكل من الذكر والأنثى خصائص عقلية ، ونفسية ، واجتماعية ، وجسمية ، ينفرد بها كل طرف ، لكنهما يجتمعان في أن الأنثى والذكر كائنان مكرمان عند الله ، كائنان مخيران ، كائنان مسؤولان ، كائنان مشرفان ، فحينما أقول الجنس البشري ذكر وأنثى فهناك قواسم مشتركة بينما ، وهناك فوارق ، القواسم المشتركة أكدتها آيات كثيرة .

( سورة الأحزاب الآية : 35 ) .

كلاهما في التكليف ، وفي التشريف ، وفي المسؤولية سواء ، المرأة راعية في بيت زوجها ، ومسؤولة عن رعايته ، والرجل راع في بيته ، ومسؤول عن رعيته ، فنقاط الاشتراك كثيرة جداً، هي من بني البشر ، هي إنسان ، لها فكرها ، ولها مشاعرها ، ولها عواطفها ، يؤذيها ما يؤذيك ، ويفرحها ما يفرحك ، ترقى إلى الله كما ترقى أنت إلى الله ، تسمو كما تسمو ، وتسقط كما تسقط ، وتنحط كما تنحط ، هناك قواسم مشتركة بين الذكر والأنثى  لأنهما من جنس واحد ، من جنس البشر .

( سورة الروم الآية : 21 ) .

من جنسكم ، من جنس بشريتكم ، إنسان ، لكن :

( سورة آل عمران الآية : 36 ) .

أنت حينما تتجاهل ما تتميز به الأنثى وقعت في خطأ كبير ، وحينما تتجاهل ما يتميز به الرجل وقعت في خطأ كبير ، فلذلك ورد في أسباب نزول هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى حينما فرض الفرائض ، وفرض للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن يكون لهم في الإرث نصيب كنصيب الرجل ، وحينما فرض للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى الرجال أن يكون أجرهم في الآخرة مثلي أجر المرأة ، فجاءت الآية الكريمة ، [وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ] ، المنطلق أن الله سبحانه وتعالى أعطى لكل نوع الخصائص التي تعينه على أداء مهمته ، ففي أصل التصميم صممت المرأة لتكون أماً ، ولتكون زوجة أعطيت من الخصائص الجسمية والخصائص النفسية ، وهو شدة عاطفتها ، ومن الخصائص الاجتماعية تعلقها بزوجها ، ومن الخصائص الفكرية اعتنائها بالجزئيات ما يؤهلها لتكون زوجة ناجحة ، وأماً ناجحة ، فهذه الخصائص التي اختص بها الله النساء كجنس بنيت على حكمة بالغة ، وعلى خبرة لا نهائية ، وعلى علم كبير ، قال تعالى :

( سورة فاطر الآية : 14 ) .

وتلك الخصائص التي خصها الله للذكور من اهتمام بالكليات لا بالجزئيات ، ومن خصائص جسمية نفسية ، واجتماعية ، وعقلية تتناسب مع كسب الرزق ، ومع الحركة خارج البيت ، وفي الآية الكريمة .

( سورة الليل الآية : 1 ) .

الليل من خصائصه السكون والهدوء ، وأنه يحجب كل شيء .

( سورة الليل الآيتان : 1 ـ 2 ) .

ومن خصائص النهار الحركة والضياء ، ثم يقول الله عز وجل :

 

( سورة الليل الآية : 3 ) .

هناك إشارة لطيفة إلى أن الرجل عمله خارج البيت ، عمله كسب الرزق ، وأن المرأة مهمتها الأولى تربية الأولاد ، هي سكن لزوجها ، وهو قائد لمؤسسة البيت ، هناك تناغم ، وتكامل بينهما ، وقد ورد هذا المعنى في قصة المرأة التي اشتكت زوجها إلى الله ، فقال الله عز وجل :

( سورة المجادلة الآية : 1 ) .

قالت : يا رسول الله إن زوج تزوجني وأنا شابة ذات أهل ، ومال ، وجمال ، فلما كبرت سني ، وتفرق أهلي ، ونثر بطني ، وذهب مالي قال لي : أنتِ عليّ كظهر أمي ، ولي منه أولاد ؛ إن تركتهم إليه ضاعوا ـ أنا أربيهم ـ وإن ضممتهم إلي جاعوا ، هو ينفق عليهم ، هذه المرأة الصحابية وضحت أن للرجل والمرأة تكاملاً فيما بينهما ، فيا أيها الإخوة ، الحضارة الغربية تريد أن تلغي الفوارق بين الذكور والإناث ، يعني حينما تختلط المرأة مع الرجل في العمل ، وحينما لا تكون ملتزمة في ثوبها ، وفي حجابها ينشأ عن هذا الاختلاط ، وهذا التواصل فساد لا يعلمه إلا الله ، لأننا خرجنا عن منهج الله عز وجل ، فلذلك الله جل جلاله يقول : [وَلاَ تَتَمَنَّوْا] ، هناك صفات إنسانية مشتركة بين الذكور والإناث ، كلاهما مكرم عند الله ، وكلاهما مشرف عند الله ، وكلاهما مكلف عند الله ، وكلاهما مسؤول أمام الله ، ولحكمة أرادها الله جعل امرأة فرعون الطاغية الذي قال :

( سورة النازعات الآية : 1 ) .

والذي قال :

( سورة القصص الآية : 38 ) .

جعل امرأة هذا الطاغية صدّيقة ، آسيا امرأة فرعون ، وبكل ثقله ، وكل جبروته ، وكل قوته ، وكل ألوهيته المزعومة ما استطاع أن يقنعها أن تعبده ، ولا أن تقر بألوهيته المزعومة ، قالت :

( سورة التحريم الآية : 11 ) .

ماذا أراد الله من هذه القصة أن يعلم النساء جميعاً أن المرأة مستقلة في دينها عن زوجها، تحاسب عن دينها ، ولتعلم أيضاً أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فلذلك معظم النساء حينما يقلن : هكذا يريد أزواجنا ، إن شاء الله هذا في رقبتهم ، هذا كلام مرفوض ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، هي مكرمة كما هو مكرم ، مشرفة كما هو مشرف ، مكلفة كما هو مكلف ، مسؤولة كما هو مسؤول ، هذه نقاط الالتقاء ، أما نقاط الاختلاف فإذا تجاهلناها وقعنا في فساد عريض ، وقع تحت يدي كتاب عنوانه عمل المرأة في الميزان ، هذا الكتاب ليس من مؤلفه كلمة ، ولا كلمة إلا أن مؤلفه جمع إحصاءات في العالم الغربي عن الفساد العريض الذي يحصل حينما تكون المرأة مع الرجل في العمل ، ولا يكون عند الطرفين الإيمان الرادع ، إذاً حينما قال الله عز وجل :

( سورة الأحزاب الآية : 33 ) .

الأصل أن المرأة تقوم بأخطر عمل أناطه الله بها ، حينما تقره في بيتها لتربية الأولاد ، المرأة التي تربي أولادها ، وتدفعهم إلى المجتمع عناصر ملتزمة مخلصة واعية هي امرأة بطلة ، لأن شهاداتها الحقيقية ليست تلك الأوراق التي تعلق على الجدران ، إن شهاداتها الحقيقية أولادها الذين ربتهم ، ودفعتهم إلى المجتمع ، وكثيراً ما نعثر على شباب يلفتون النظر بأخلاقهم ، ويلفتون النظر برحمتهم ، ويلفتون النظر بتعاونهم ، ويلفتون النظر بحبهم للخير ، لو دققنا ، وبحثنا لوجدونا أنهم تلقوا تربية عالية من أمهاتهم ، إنك إن علمت فتاة علمت أسرة ، فيا أيها الإخوة الكرام ، المرأة والرجل كلاهما مكلف ، وكلاهما مشرف ، وكلاهما مسؤول ، ولكن هناك فروق دقيقة جداً ، وكثيرة جداً بين الذكور والإناث ، خصائص الذكور نبدأ بالجسمية والعقلية والاجتماعية والنفسية تتناسب مع المهمة التي أنيطت بهم وخصائص الإناث العقلية والجسمية والاجتماعية والنفسية مع المهمات التي أنيطت بهن .

حينما كنا في الجامعة درسنا كتابًا لمؤلف فرنسي عن الفروق الدقيقة بين الذكور والإناث، والكتاب يقع في 800 صفحة ، القدرة على الحفظ ، كيف هي في الرجال ، وكيف هي في النساء  القدرة على الخطابة ، القدرة على التأمل ، القدرة على التحليل ، القدرة على استيعاب المواد مادةً مادة ، الفتيات يتفوقن في التاريخ في الجغرافية ، وقد يتخلفن عن الذكور في الرياضيات وبعض المواد المجردة ، على كلٍ الكتاب ممتع جداً ، وهو مترجم إذا قرأته من دفته إلى دفته ثم قرأت قوله تعالى : [وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى] ، لا تملك إلا أن تخر لله ساجداً ، لأن القرآن ذكر آية خطيرة ، هذا الكتاب ترجمة هذه الآية ، فأي مجتمع وأي نظام ، وأي ترتيب يتجاهل الفروق بين المرأة والرجل ، هذا نظام يقع في إشكال كبير ، وفي فساد عريض .

[وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ] .

شيء آخر : طبعاً بدأت بالفرق بين الذكور والإناث ، ولكن لو أخذ الذكور وحدهم ، كما يقال : إنسان ساقته الأقدار ليكون معلمًا ، وإنسان ساقته الأقدار ليكون تاجرًا ، وإنسان ليكون مهندسًا ، فهذه الحرف ، وتلك الدخول ، وهذه الخصائص التي خصك الله بها ، لو كشف لك الغيب ما تمنيت غير ذلك ، لذلك قالوا : لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع ، فأنت مخير ، وأنت مسير ، أنت مخير فيما كلفت ومسير في أشياء كثيرة ، إنك مسير في والديك ، من منا اختار والديه ، ولا أحد ، أنت مسير في زمن ولادتك ، نحن جئنا في هذا القرن ، لو جئنا قبل خمسة قرون لكان حالنا حالاً آخر ، أنت مسير في البلد الذي ولدت فيه ، لو جئنا في مجاهل أفريقيا  أو في أستراليا ، أو في أمريكا ، لكان لنا حال آخر ، إذاً أنت مسير في أمك وأبيك ، مسير في مكان ولادتك ، مسير في زمن ولادتك ، ثم إنك مسير في شكلك ، من منا اختار شكله ، مسير في قدراتك ، هذا ألمعي ، وهذا أقل ذكاء ، وهذا محدود ، وهذا فيه ضعف فكري شديد ، وهذا قوي البنية ، وهذا عليل الصحة ، وهذا يتمتع بذاكرة قوية ، وهذا يتمتع بطلاقة لسان ، وهذا يتمتع بقدرة على الخطابة ، فهناك آلاف القدرات ، كل واحد منا خصه الله ببعض هذه القدرات ، هذا يسوقنا في التوحيد إلى حقيقة مهمة جداً ، وكلمة حظوظ مصطلح ، يعني أنت لك حظ من الوسامة ، لك حظ من الذكاء ، لك حظ من الصحة ، لك حظ من الإرث ، إنسان يولد من أبويين فقيرين ، وإنسان يولد من ابن ملك ، طبعاً ليس هذا من كسبه ، وليس ذاك من كسبه ، إرثك ، وخصائصك ، وقدراتك ، وشكلك ، وإمكانياتك ، واستعداداتك هذه أيضاً أنت مسير فيها ، ولكن ينبغي أن تعلم علم اليقين أن هذا الذي سيرت في لصالحك مئة في المئة ، ولو كشف الغطاء ما اخترت إلا الواقع ، وهذا معنى قول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : " ليس في الإمكان أبدع مما كان" ، أو ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني ، لذلك نقول : توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء ، لو أن إنسانيين لهما عمر واحد ، أحدهما يملك الملايين المملينة ، والثاني لا يملك القروش ، اختلفا في حظ المال ، حظ المال امتحان من الله ، فالغني امتحن بغناه ، والفقير امتحن بفقره ، فرضاً لو أن الفقير نجح في امتحان الفقر فكان صابراً محتسباً متجملاً عفيفاً ، ولو أن الغني امتحن في امتحان الغنى فلم ينجح ، وعاشا ثمانين عامًا ، الفقير يتلوى من الجوع ، لكنه صبر ، والثاني يتلوى من التخمة ، لكنه كفر ، ثم انقلبا إلى الآخرة ، فالفقير في الجنة إلى أبد الآبدين ، وهذا الغني الذي لم ينجح في امتحان الغنى في جنهم إلى أبد الآبدين ، فمن هو الرابح الحقيقي ؟ هذا الدنيا دنيا الصور ، لماذا قال الله عز وجل حينما وصف الدار الآخرة بأنها خافضة رافعة ؟

 ((رُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)) .

[ رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة ] .

في الآخرة .

((ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا ، طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا ، جائعة عارية يوم القيامة)) .

[ رواه ابن سعد البيهقي في شعب الإيمان عن أبي البجير ] .

فالعبرة للمستقبل الأبدي ، وإن الخسارة الحقيقة هي خسارة الأبد .

أيها الإخوة الكرام ، [وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ] ، الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء ، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء ، يعني قصة أرويها لكم فيها موعظة بالغة إن شاء الله .

دخلت إلى أحد البيوت ، وكان بيت من أرقى البيوت ، قال لي صاحب البيت : هذا البيت مساحته 400 متر ، قلت له : بارك الله به ، شي جميل   قال لي : وهذا البلاط استوردته خصيصاً من إيطاليا ، قال لي : بالشحن الجوي شي جميل ، وهذا الأثاث مستورد ، وهذه اللوحة ثمنها كذا ، وهذا الثريا ، حتى أطنب إطناباً لا حدود له في الحديث عن بيته ، وعن كسوة بيته ، وعن أثاث بيته ، فخطر لي أن أذكره بآية قرآنية ، قلت له : ما قولك لو وازنا بين هذا البيت ، وبيت يقع في أطراف المدينة تحت الأرض بلا طلاء ، وبلا مرافق ، وهو صغير ، قال لي : لا نسبة بينهما ، وازنا بين بيتين ، بيت لا يزيد ثمنه عن مئة ألف ، وبيت لا يقل ثمن عن خمسين مليونًا ، لا قياس بينهما ، وازن بين طبيب جراح ، كل عمل جراحي يتقاضى عليه مبلغًا كبيرًا ، وبين ممرض مبتدئ مهمته تنظيف المرضى المقعدين ، كلاهما في الطب ، لكن هذا ممرض ، وذك طبيب جراح ، وازن بين أستاذ في الجامعة يحتل أعلى مكانة ، وله دخل كبير ، ومعلم ابتدائي في قرية ، وزان بين رئيس غرفة التجارة ، وبين بائع متجول في الأسواق يخاف من الشرطة ، وازن بين رتبة عسكرية عالية جداً في مكتب فخم مكيف ، عدة سيارات على الباب ، وبين جندي في خدمة إلزامية في الخط الأول في الشتاء في حفرة كلها ماء ، مثلاً ، قال تعالى :

( سورة الإسراء الآية : 21 ) .

مسافة كبيرة قال :

( سورة الإسراء الآية : 21 ) .

مراتب الدنيا أيها الإخوة لا تعني شيئاً ، لأنها مؤقتة ، بل تعني العكس ، في ثماني آيات هؤلاء الذي أترفوا هم الكفار ، كفروا وأترفناهم في الحياة الدنيا ، الله عز وجل قرن بين الترف وبين الكفر ، قلت له : مراتب الدنيا لا تعني شيئاً ، وقد تعني العكس ، مراتب الدنيا مؤقتة ، وليست أبدية ، بينما مراتب الآخرة أبدية .

( سورة الحجر الآية : 48 ) .

أما لو اعتنى أحدنا بالبيت عناية تفوق حد الخيال فلا بد أن يخرج منه أفقياً ، ولو كان ثمنُ بيتك مئة مليون ، في أحد الأيام يخرج المرء من بيته هكذا " أفقيًا " ولن يعود ، ألم تدخل إلى بيوت فخمة جداً لتعزي أصحابها هم الذي بنوها ، وزينوها ، وفرشوها ، أين هم الآن ؟ في القبور ، فلذلك مراتب الآخرة تعني كل شيء ، مراتب الدنيا لا تعني شيئًا ، مراتب الدنيا مؤقتة ، مراتب الآخرة أبدية ، [وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ] .

الآن دعونا من الفرق بين النساء وبين الرجال ، والذكور والإناث ، فيما بين الرجال ، فلان دخله كبير ، لا تتمن أن يكون دخلك كدخله ، ارضَ بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس ، أنا لا أدعو إلى أن تجلس ، وأن تقعد ، إلى أن تتكاسل ، اجتهد ما أمكنك الاجتهاد ، حيث وصل بك الاجتهاد إلى هذا المكان فهذا أنسب مكان لك ، لذلك قال بعض العارفين بالله ، وهو ابن عطاء الله السكندري : "ربما كان المنع عين العطاء" ، يقول : "ربما كان المنع عين العطاء ، ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك"  .

( سورة البقرة الآية : 216 ) .

أيها الإخوة الكرام ، لا تتمنوا كما قال الله عز وجل ما فضل الله به بعضكم على بعض ، الآن سبب هذا التفضيل إذا أعدناه إلى نوع الجنس نحن من جنس البشر ، لكن نحن ذكور ، وأخواتنا في القبو إناث ، قال : [وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مَمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ] ، فإن الله أناط بالذكور مهمات ومسؤوليات ،  من أجل أن يحققوا أهدافهم بخصائص متعلقة بهم ، أو أن لكل واحد بحسب استقامته ، وبحسب إقباله ، وبحسب انضباطه ، وبحسب علاقته بربه هيأ الله له الشيء الذي يعد بحقه حكمة بالغة .

إن من عبادي لا يصلح له إلا الغنى ، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه ، ومن الناس من لا يتحمل الغنى ، مقاومتهم هشة ، لمجرد أن يتوافر المال بين أيديهم ينحرفون عن سواء السبيل ، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه ، ولأن الله سبحان وتعالى علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، يعني أنت بهذا الحال مستقيم ، والحمد لله ، ولكن لا أنا أعلم ، ولا أنت تعلم لو كنت في حال آخر كيف تكون ، فكأن الله اختار لك أفضل شيء لك ، وهذا معنى قول الإمام علي رضي الله عنه : "لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً" ، فيقيني بحكمة الله ، وعدالة الله ، ورحمة الله قبل كشف الغطاء كيقيني بعد كشف الغطاء .

[وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ] ، أي لنوع الرجال [نَصِيبٌ مَمَّا اكْتَسَبُوا] ، تقول المرأة : أنا امرأة ، طيب أنت أيتها المرأة الكريمة دينك بسيط : ((إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت فرجها ، وأطاعت زوجها ؛ دخلت الجنة)) .

[ أخرجه البزار عن أنس أحمد في مسنده عن عبد الرحمن الزهري الطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن حسنة ] .

من منكم يصدق أن الرجل أمامه مئة ألف امتحان ، مئة طريقة لكسب المال محرمة ربما لا يعلمها ، فهناك مسؤوليات منوطة بالرجل ، وهناك مسؤوليات مناط للمرأة ، فالإنسان لا يتمنى أن يكون من جنس آخر لذلك :((لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء)) .

[ أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عباس ] .

أن يقف أمام المرآة ساعات وساعات ، وأن يتبختر في مشيته ، وأن يتعطر ، وأن يتكسر، وأن ، هذا كله محرم ، ((والمتشبهات من النساء بالرجال)).

المتشبه من الرجال بالنساء يتمنى أن يكون امرأة ، والمتشبهة من النساء بالرجال تتمنى أن تكون رجلا ، بل إن المرأة الرجلة ؛ أي المسترجلة ، فعلها من أكبر الكبائر لأنها ، رفضت اختيار الله لها أن تكون أنثى ، فالمرأة المؤمنة ترضى عن الله أنه اختارها أنثى ، مع أن الأنثى لا تقل ولا شعرة واحدة في مكانتها عند الله عن الذكر .

نحن تحدثنا عن الفرق بين الذكور وبين الإناث ، ثم تحدثنا عن الفرق بين الذكور ، لكن لو أنك تمنيت أن تكون مثلاً غنياً ، وأنت لست كذلك ، فهذا لا يمنع ، قال : [وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ] ، لا تحسد ، بل تسأل ، لا تحسد ، الحسد جهل ، والحاسد جاهل ، الحاسد يتمنى أن يتحول الخير من أخيه إليه ، هذا مستوى ، في مستوى أشر ، أن يتمنى أن يتحول الخير عن أخيه فقط دون أن يصل إليه ، والمستوى الأشر من هذين المستويين ، أن يسعى بجهده كي يذهب عن أخيه الخير ، الحسود جاهل ، والحسود عاصي لله ، والحسود لا يعرف الله .

ألا قل لمن ظل لي حاسدا          أتدري على من أسـأت الأدب

أسأت على الله في حكمه          إذا أنت لم ترض لي ما وهـب

أما البطولة : [وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ] ، قال بعض الشعراء :

ملك الملوك إذا وهب     لا تسألن عن السبب

قم فسألن عن السبب ،

الله يعطي من يشاء      فقف على حد الأدب

هذا الذي أعطاه يعطيك ، وهذا الذي أكرمه يكرمك ، الإله الذي رفعه يرفعك ، الإله الذي أغناه يغنيك ، الإله الذي وفقه يوفقك ، كن موحدًا ، تمنيت شيئاً على أخيك المؤمن لا مانع ، بالمناسبة ليس من المحرم أن تتمنى من خيري الدنيا والآخرة ، اللهم اجعل لي رزقًا حلال طيباً ، اللهم ارزقني زوجة صالحة ، تسرني إن نظرت إليها ، وتحفظني إن غبت عنها ، وتطيعني إن أمرتها ، ليس حراماً أن تتمنى من فضل الله في الدنيا والآخرة ، ولكن الحرام أن تتمنى أن يزول هذا الخير عن أخيك ، لضيق أفق منك ، أو لجهل منك "[وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مَمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ] ، بديل الحسد أن تسأل الله من فضله   ، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي :((إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا فيقول : هل من سائل فأعطيه ؟ هل من طالب حاجة فأقضي له ؟ هل من مستغفر فاغفر له ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ حتى ينفجر الفجر)).

الله موجود ، اسأله فيما بينك وبينه ، بل إن الله سبحانه وتعالى في أكثر من اثنتي عشرة آية جاءت على الشكل التالي :

( سورة البقرة الآية : 219 ) .

   ( سورة البقرة الآية : 219 ) .

( سورة البقرة الآية : 222 ) .

( سورة البقرة الآية : 189 ) .

اثنتا عشرة آية إلا آية واحدة .

( سورة البقرة الآية : 186 ) .

ليس في هذه الآية كلمة "قل" ، يعني ليس بينك وبين الله حجاب ، وليس بينك وبين الله وسيط ، وليس بينك وبين الله إنسان ، اسأله مباشرة .

وإن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع ، وإن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلها ، وإن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه ، وإن الله يحب الملحين في الدعاء ، ومن لا يدعني أغضب عليه .

ليس بينك وبين الله حجاب ، اسأل ربك حاجتك كلها ، اسأله ملح طعامك ، شسع نعلك ، اسأله كل شيء ، وليس بينك وبينه وسيط ، وليس بينك وبينه إنسان ، إذاً بديل الحسد والحقد والتآمر والكيد والعداوة والبغضاء [وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ] ، أسأله الذي أعطاه يعطيك ، والذي أكرمه يكرمك ، والذي وفقه يوفقك ، يعني .

( سورة الحجرات الآية : 13 ) .

والله لا أنسى كلمة دخلت إلى أعماق أعماقي ، سيدنا عمر التقى بسعد بن أبي وقاص ، سيدنا سعد بن أبي وقاص له ميزتان ، كان كلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم يداعبه ، إذا دخل على النبي يقول : هذا خالي أروني خال مثل خالي ، وهو الصحابي الوحيد من بين أصحاب النبي الذي فداه النبي بأبيه وأمه ، في إحدى المعارك قال : له أرم سعد فداك أبي وأمي، هذا الصحابي التقى عمر بن الخطاب بعد وفاة النبي فقال له سيدنا عمر : "يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل : خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له"، لا أحد أحسن من أحد ، نتفاضل عند الله بطاعتنا فقط ، أطع أكثر تكن أكرم على الله من أي إنسان آخر ، حتى بأية جلسة ، لو أخلص أحدكم أشد من إنسان يظن أنه الأول لسبقه ، [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ، بديل الحسد ، [وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا] .

أيها الإخوة الكرام ، الشيء الدقيق في هذه الآية أن متاعب الناس ؛ العداوة ، البغضاء  الحسد ، الحسد فتت قلوبهم ، بجلسة كلها غيبة ونميمة ، كلها حسد ، بل إن الاختلاف على أنواع ثلاث .

1 ـ اختلاف أساسه نقص المعلومات ، هذا اختلاف طبيعي ، لا فيه إثم ، ولا فيه ثواب ، أوضح مثلا له ، سمعنا إطلاق مدفع ، غداً العيد ، يا ترى هذا مدفع العيد ، لقد ثبت أن العيد غداً، الله أعلم ، وقد يكون تفجيرًا بالجبل ، اختلفنا ، سبب الخلاف نقص المعلومات ، استمعنا في الأخبار أنه ثبت لدى القاضي الشرعي غداً أول أيام عيد الفطر ، معنى ذلك هذا مدفع العيد .

( سورة يونس الآية : 19 ) .

( سورة البقرة الآية : 213 ) .

اختلفوا لنقص معلوماتهم ، جاء الأنبياء ، وحسموا الخلاف ، الخلاف الأول اختلاف طبيعي ، سببه نقص المعلومات ، فإذا جاء الوحي من السماء حسم الأمر .

2 ـ اختلاف الحسد والبغضاء ، وهذا اختلاف قذر ، اختلاف الحسد والبغضاء ، بكل أسف المسلمون بينهم تسعة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة ، ادخل أي جامع في الأرض تسمع : قال الله تعالى ، قال رسول الله ، ومع ذلك يتقاتلون ، وبينهم تسعة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة ، أعداء المسلمين يتعاونون ، وبينهم خمسة بالمئة فقط قواسم مشتركة ، أليس هذا الاختلاف بين المسلمين وصمة عار بحقهم ؟ فلذلك الاختلاف الثاني اختلاف الحسد والبغي ، قال تعالى :

( سورة آل عمران الآية : 19 ) .

اختلاف أساسه الحسد ، أكثر ما يقوم به مشادات بين الناس موضوع تأكيد للذات ، يعني أخوك تكلم يجب أن انتقده ، يجب أن أسفهه غير صحيح ليس إلى لهذه الدرجة ، هذا شيء غير صحيح، فحينما يقصد الإنسان أن يؤكد ذاته على حساب مكانة أخيه إذاً هذا اختلاف الحسد ، وهناك اختلاف محمود اختلاف التنافس ، قال تعالى :

( سورة المطففين الآية : 26 ) .

إنسان رأى أن أفضل شيء تأليف القلوب ، بدعوة مباشرة ، وإنسان رأى أن أفضل شيء تأليف الكتب ، إنسان رأى بناء المساجد ، إنسان رأى تأسيس جمعيات خيرية ، نحن نختلف هنا، في وجهات النظر ، لكن هذا الاختلاف محمود ، لأنه رحمة ، كل واحد أخذ خطاً وسار فيه .

أيها الإخوة الكرام ، إن شاء الله في الدرس القادم نتابع الآيات التي تلي هذه الآية .

               

[وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا].

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi