English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "17"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآيتان 33-34  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

             الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين .

            أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس السابع عشر من دروس سورة النساء ، ومع الآية الثلاثة والثلاثين ، وهي قوله تعالى :

 

          الموالي ؛ جمع مولى ، والمولى في هذه الآية الذي واليته في ظرف استثنائي ، المولى في اللغة العبد ، أو السيد ، وهو من ألفاظ التضاد ، كأن تقول :  شرى ، باع أو اشترى ، تقول يا مولاي ، تخاطب الله عز وجل ، وتقول لعبدك : يا مولاي ، أي أنت مولاي بمعنى أنه مملك لك ، لكن هنا حينما قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار ، آخى أصحابه اثنين اثنين ، هذه المؤاخاة تعني علاقات متينة جداً ، تعني أن هذا الأخ مع هذا الأخ يتعاونان ، يتناصحان ، يتناصران ، سلمهم واحدة ، حربهم واحدة ، يتوارثان ، يتوارثان في مرحلة محددة ، لذلك بعضهم قال : هذا هو الفقه الاستثنائي ، فالله عز وجل يقول :[وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ] ، يعني كل واحد منكم أيها المؤمنون جعل له مولى ، يعني أخًا في الله ، وأنا أتمنى على كل أخ كريم في هذا المسجد أن يوالي أخًا ، الحد الأدنى أن يتفقد حضوره ، ما أروع أن يتصل بك أخ كريم يقول لك : لم تكن في هذا الدرس ، نحن قلقون عليك ، الأمور إن شاء الله صحيحة، تتفقده ، تزوره ، يزورك ، تنصحه ، ينصحك ، تقرضه يقرضك ، تستشيره ، يستشيرك ، تأخذ بيده ، يأخذ بيدك ، النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نتآخى اثنين اثنينِ ، هكذا فعل النبي الكريم ، لو أن الواحد منكم آخى مؤمنا ، فهو مسؤول عنه ، مسؤول عن وضعه ، يا ترى وضعه الصحي جيد ، لعلك تعرف طبيباً له اختصاص بارع في مشكلته الصحية ، يا ترى هو متزوج ، عنده مشكلة عائلية ، عنده مشكلة اجتماعية ، عنده مشكلة مالية ، هذا هو الإيمان ، أن يتولى كل واحد منك أخاه ، فهذا منهج من منهج النبي عليه الصلاة والسلام ، فحينما قدم مكة آخى بين أصحابه ، آخى أنصاريًا مع مهاجر ، لكن هذه المؤاخاة بلغت إلى درجة أن الأنصاري يقول لأخيه المهاجر : عندي بيتان خذ أحدهما ، وعندي دكانان خذ أحدهما ، وعندي بستانان خذ أحدهما ، إلى هنا فقط ، فصار الأخوان في الله يتعاونان ، يتناصران ، يتناصحان ، يتباذلان يتزاوران ، يتحابان في الله ، هناك حكم استثنائي ؛ كان الأخوان في عهد النبي يتوارثان ، قال تعالى : [وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ] ، أي ينبغي أن تعطوا هذا الولي حصته من الميراث ، وكانت السدس ، إلا أن هذا الحكم نسخ في آية كريمة :

( سورة الأنفال الآية : 75 ) .

هذا حكم استثنائي ، كيف أن قوله تعالى :

( سورة النساء الآية : 43 ) .

هذا حكم استثنائي ، ثم حرمت الخمر كلياً ، لا بين الصلوات ، ولا في أثناء الصلاة .

          [وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا] ، وهذا يعني أن المسلمين عند شروطهم ، أنت حينما تتفق مع أخ على شرط وفق كتاب الله ينبغي أن تنفذه قال : [فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا] .

         أيها الإخوة ، ثم ننتقل إلى الآية التي تليها ، وهذه الآية أصل في العلاقات الزوجية الله عز وجل يقول :

قوامون ؛ مفردها قوام ، وقوام صيغة مبالغة ، لا نقول قائم:  بل قوام  ، مثلاً الذي يغفر مرة واحدة اسمه غافر ، أما الذي يغفر الذنوب الكثيرة اسمه غفار ، على وزن فعال ، فهذه صيغة مبالغة ، قوامون فهو قائم دائماً على هذه الأسرة ، ليلاً ونهاراً ، يسعى لتأمين رزقها ، ويسعى لصيانة زوجته وأولاده من كل خلل ، يصون علمهم ، يصون أخلاقهم ، يصون تربيتهم ، يصون أولاده ، كلمة قوام تعني أنه لا يستريح أبداً ، وثمة  نقطة دقيقة أشار إليها الخليفة عمر رضي الله عنه حينما قال : لست خيراً من أحدكم ، ولكنني أثقلكم حملا ، الحقيقة بالمفهوم الإسلامي الصحيح الأب رب الأسرة ، ليس خيراً من أحد أفراد أسرته ، لكنه أثقلهم حملا ، ينبغي أن يسعى لكسب رزق حلال ، وما أصعب تحصيل الرزق الحلال ، وينبغي أن يعود إلى البيت ، وأن ينتبه إلى زوجته وإلى أولاده ، إلى صحتهم ، وإلى علمهم وتحصيلهم ، وإلى تربيتهم ، وإلى أخلاقهم ، وإلى دينهم ، وإلى صلاتهم  هذا الأب في الأساس ، الأبوة مسؤولية كبيرة جداً فحينما يقول الله عز وجل : [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ] ، يعني هم يتعبون بلا كلل ، وبلا ملل بشتى الاتجاهات في كسب الرزق ، وفي مراقبة الأسرة ، وفي صون الأخلاق ، وفي ترسيخ القيم ، وفي متابعة تحصيل الأولاد ، وفي العناية بالزوجة ، كلمة قوام تعني شديد القيام ، لا يرتاح إلا إذا رأى أولاده في أعلى مقام ، لا يرتاح إلا إذا رأى زوجته قد عرفت ربها ، واستقامت إليه ، هذا معنى القوامة ، لكن مع الأسف الشديد هناك من يفهم القوامة أنه أعلى منها ، يستطيع أن يذلها ، يستطيع أن يطلقها ، يستطيع أن يستخدمها ، يستطيع أن يستهين بها ، ليست هذه القوامة إطلاقاً ، ولأن المسلمين فهموا القوامة استعلاء ، وفهموها تعسفًا ، وقهرًا ، وإذلالاً ، واحتقارًا ، لذلك خرجت المرأة عن الطوق ، وكالت للزوج الصاع صاعين ، القوامة رحمة  ، القوامة علم ، القوامة بذل جهد كبير ، القوامة سهر على مصالح الأسرة ، القوامة قلق على مصير الأبناء ، القوامة بذل الجهد ، والوقت ، والمال ، والعلم ، للأولاد ، إذا فهموا الأزواج القوامة هكذا كانوا في أعلى مرتبة في أسرتهم ، أما إذا فهموا الأزواج أن القوامة استمتاع بالزوجة ، واستعلاء عليها ، وأن يجلس ، ويرتاح ، وهي تعمل ، ولا سيما في بعض المناطق ، وهو لا يعمل شيئاً ، هي تذهب ، وهي تعمل ، وهي تجهد ، وهي تحصد ، وهي تحلب الحليب ، وهو مرتاح في البيت ، ليست هذه هي القوامة ، [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ] ، قد يفهم أحدنا أن القوامة ، قوامة الزوج على زوجته ، لا ، قوامة الزوج على زوجته ، وقوامة الأب على أولاده ، وقوامة الأخ الأكبر على أخواته ، وقوامة أي مؤمن على من أناطهم الله بهم ، لك إخوة صغار ، أنت قيوم عليهم ، لك أخوات عوانس أنت قيوم عليهن ، ينبغي أن ترعاهن ، أن تكرمهن ، كي يتقربوا إلى الله عز وجل ، هذه القوامة لا تعني قوامة الرجل على زوجته فحسب ، بل تعني قوامته على من أناطهم الله به ، على إخوته الصغار ، وعلى أخواته البنات ، على أخواته الكبار، على من أناطه الله به ، [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ] .

           كرامة كل من في المركبة في مستوى واحد ، لكن لا بد لها من قائد ، الكرامة واحدة ، انظر إلى أسرة نموذجية ، الأب في عمله ، والأم تطبخ الطعام ، والابن يأتي بالأغراض من السوق ، والبنت تنظف البيت ، وفي الساعة الثانية ظهراً الأربعة على مائدة واحدة ، وفي مكانة واحدة ، وفي كرامة واحدة ، وفي محبة متبادلة ، وفي إخلاص فيما بينهم ، توزيع الأدوار لا يعني انتقاص الإنسان من كرامته ، البيت المسلم ؛ الزوجة ، والابن ، والبنت ، والأخت ، إن كانت في البيت فهي كرامة واحدة ، لكن كل واحد له دور ، فإذا أناط الله القيادة بإنسان في هذه الأسرة فينبغي أن يطاع ، فلا بد في كل مؤسسة ، في كل مركبة ، في كل عمل ، من صاحب قرار ، والله سبحانه وتعالى جعل الزوج صاحب قرار ، قد نكون في ثكنة عسكرية فيها رتب كثيرة ، وفيها رتبتان متساويتان تماماً ، فلا بد من أحد الرتبتين أن يكون قائداً لهذه السرية ، أبداً، نبحث عن القدم عندئذٍ ، قد يكون رتبتان متشابهتان ، لكن لابد من أن يكون أحدهما أقدم من الآخر ، أو علاماته أعلى ، يتسلم هذا الأول رتبة القيادة ، في الإسلام نظام  ، هذه الأسرة فيها محبة ، فيها مودة ، فيها تبادل ، فيها تناصح ، فيها حب ، لكن فيها واحد صاحب قرار ، إذا قال لا ، لا .

           أيها الإخوة ، مما يشكو منه المسلمون أن معظم الأسر ليس في الأسرة صاحب قرار ، العلاقات ليست واضحة ، كلام الزوج لا ينفذ ، أحياناً كلام الزوجة هو النافذ ، [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ] ، القيادة لهم ، لكن بينهم وبين النساء كم درجة ؟ درجة واحدة .

( سورة البقرة الآية : 228 ) .

         ثمة أزواج والعياذ بالله يرون أن الزوج هو كل شيء ، وأن الزوجة لا شيء ، ليست هذه القوامة ، القوامة درجة واحدة ، هي درجة القيادة ، وقد وجهت أزواج إلى أن يتشاور مع زوجاتهم قال تعالى :

 

( سورة الطلاق الآية : 6 ) .

يعني تأمرها ، وتأمرك ، تستشيرها ، وتستشيرك ، تأخذ وجهة نظرها ، وتأخذ وجهة نظرك ، لكن لك الكلمة الأخيرة ، لك القرار ، ألم يقل الله عز وجل :

( سورة آل عمران الآية : 159 ) .

ما قال : فإذا عزمتم .

يعني أنت هيِّئ مجلسًا استشاريًا ، واسأل أصحابك في كل شيء ، أما القرار فهو لك ، والزوج كذلك ، قد يسأل زوجته ، وقد يستشيرها ، وقد يستشير ابنه ، وقد يستشير ابنته ، لكن في النهاية هو صاحب القرار ، إذا قال : لا ، أو  نعم ، فهو كذلك  .

 

هذه الباء باء السبب ...

أعود وأكرر : إن كلمة بعضهم على بعض تعني معاني دقيقة جداً ، هو مفضل عليها أنه صاحب قرار ، مفضل عليها أنه هو الذي يكسب الرزق ، مفضل عليها أنه هو الذي يخرج من البيت ، الأصل أنه يخرج من البيت ، هي مفضلة عليه أنها سكنٌ له ، يجب أن يعود إلى البيت ليرى بيتاً مرتباً ، ليرى زوجة تنتظره ، ليراها مزينة له ، ليرى طعامه جاهزًا ، ليرى أولاده في حالة جيدة ، ليرى مرافق البيت نظيفة ، هي سكن له ، الإنسان يتعب كثيراً ، أما إذا رأى في بيته راحة ، رأى طمأنينة ، رأى زوجة مخلصة ، تعتني بنفسها ، وبأولادها وببيتها ، هي عبادتها الأولى عبادة المرأة الأولى أن تحسن القيام بزوجها وأولادها ، ((اعلمي أيتها المرأة ، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله)) .

         إذاً فضل الله الرجل بكسب الرزق ، وفضله بإنفاق المال ، وفضله بالقوامة ، وفضلها عليه أنها سكن له ، ومعنى السكن أن الرجل يكمل لزوجته ما نقص فيه ، تنقصه عاطفة جياشة ، ينقصه قلب كبير ، ينقصه عطف شديد ، ينقصه حب ، يجد الزوج المؤمن بزوجته المؤمنة ما ينقصه ، إذاً هي سكنٌ له ، هي مكلفة إذاً فهذه التي تهمل بيتها ، وتهمل أولادها ، وتهمل زوجها، هي أخذت ولم تعطِ ، المرأة ينبغي أن تأخذ ، وأن تعطي ، أخذت ولم تعطِ .

            كسب المال شيء صعب جداً ، بل إن كسب المال الحلال صعب جداً جدا ، فهذا الذي يذهب الحياة معركة أيها الإخوة من أجل أن تكسب رزقاً حلال ، فتأتي بطعام وشراب وثياب ووقود وعلاج للأولاد المرضى ، وبحاجات أساسية للبيت ، أنت تبذل جهداً كبيراً ، وتدخل في منافسة مع بقية الناس ، وبمفاجآت ، وبصعوبات ، لو وازنا بين حجم دين المرأة مع حجم دين الرجل لوجدنا فرقًا كبيرً جداً جدا بينهما ، المرأة ... ((إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت فرجها ، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها)) .

[ أخرجه ابن حبان من أبي هريرة ] .

           أربعة بنود ، أعتقد أن الزوج أمامه مئة ألف بند ، ينبغي أن يغض بصره ، وأن يحرر دخله ، وأن يصدق في البيع والشراء ، وألا يغش ، وألا يدلس ، وألا يكذب ، وألا يوهم ، وأن يبتعد عن كل علاقة ربوية ، أمامه عشرات ، بل مئات ، بل ألوف الأحكام الشرعية ، ينبغي أن يطبقها ، ثم عليه أن يعتني بأولاده وزوجته ، وتأمين حاجاتهم ، وسلامتهم ، وتربيتهم ، وإيمانهم ، ودينهم  [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ] ، لذلك لماذا هم يعترضون ؟

( سورة النساء الآية : 11 ) .

           لأنه يكسب المال ، وينفق المال ، ويعطي المهر ، هي تقبع في البيت تربي الأولاد ، وتأخذ المهر ، وليست مكلفة أن تعطي زوجها شيئاً ولو كانت غنية ، هو يعطي ، وهي تأخذ ، شيء طبيعي جداً أن يكون [لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ] ، ولكن المشكلة أن الإسلام منهج كامل ، فإذا أردنا أن نأخذ من الإسلام بعض بنوده ، ومن الحياة المعاصرة التي لا ينتظم الإسلام دقائقها بعض البنود نقع في إشكال ، فالتي تعمل ، وتأتي إلى البيت الساعة الثانية منهكة القوى ، أعصابها متوترة ، تعاني ما يعاني الرجل من مشكلات في العمل ، ومن منافسة ، ومن قضايا تحتاج إلى معالجة ، ومن تجبر بعض الأشخاص ، ومن ، ومن ... فتأتي إلى البيت منهكة متعبة، وعليها أن تطبخ أيضاً ، وعليها أن تربي ، فأعصابها متوترة دائماً ، لم تعد سكناً له ، الآن الدخل من يأخذه ، هو أم هي ؟ تقول له : هذا لي ، وهو لها ، لكن لم يأخذ منها كل اهتمامها ، أربعة أخماس اهتمامها لعملها ، فهناك تداخل ، الحياة المعاصرة فيها تداخل ، لو أن النساء كن متفرغات لأزواجهن ، متفرغات لتربية الأولاد ، حينما تدفع المرأة بابن إلى المجتمع صحيحة عقيدته ، صحيح جسمه ، سليمة أخلاقه ، إنها تقدم أكبر خدمة للمجتمع ، بل إن أرقى مرتبة تكتب على بطاقة المرأة في بعض البلاد ، أرقى رتبة تكتب على بطاقة المرأة سيدة منزل، إنها متفرغة لتربية أولادها ، هذا الطفل سيغدو عالماً سيغدو قائداً ، سيغدو باحثاً ، سيغدو مصلحاً، من يربيه في البيت ، أيعقل أن يترك للطريق ، لأصدقاء السوء ، لخادمة لا تفقه في التربية شيئاً ؟ لذلك أيها الإخوة حينما تتفرغ المرأة لتربية أولادها تكون قد حققت الهدف الذي من أجله خلقت ، للتقريب فقط .

            لو قال الطيار : أنا ضقت ذرعاً بهذه الغرفة الصغيرة ، ضاقت نفسي ، ينبغي أن أكون كالركاب متمتعاً بالحركة ، والذهاب ، والإياب ، والجلوس على مقعد خلف الطائرة ، أنت في رقبتك أربعمائة راكب ، هنا مكانك الصحيح ، أنت حينما تقبع في هذه الغرفة ، في قيادة الطائرة ، أنت تؤمن السلامة للأربعمائة راكب ، ليست هذه الغرفة حداً لحريتك ، ولكنها ضمان لسلامة الركاب .

         يفهم كثير من الناس أن جلوس المرأة في البيت يعني أنها جاهلة ، لا ، قد تكون الزوجة في أعلى مستوى ثقافي ، وقد تكون في أعلى درجات الإيمان ، لكنها متفرغة لزوجها وأولادها ، لذلك الابن يتعلم من أمه كل شيء ، قالت : يا رسول الله : إن تركتهم إليه ضاعوا ، هو لا يربيهم ، وإن ضممتهم إلي جاعوا ، هو ينفق عليهم ، لذلك هناك أدوار رسمها القرآن الكريم ، حينما نحترمها نقطف ثماراً يانعة ، أما حينما لا نحترمها ، ونريد أن تنافس المرأة الرجل في كل شيء تفقد شيئين ؛ تفقد السباق ، وتفقد أنوثتها ، [وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ] ، قال تعالى :

أي الزوجات الصالحات .

قانتة يعني متفرغة لله عز وجل ، طاعة ربها ، وتربية أولادها ، والعناية بزوجها ، هذا هو قمة نجاحها في حياتها ، زواج المرأة كل فصول حياتها ، بينما زواج الرجل أحد فصول حياته ، فالمرأة التي تعرف ربها ، والتي تعرف حق زوجها ، وتعرف حق أولادها ، وينبغي للرجل أن يعرف حق زوجته ، وحق أولاده ، فالمرأة التي تعرف المهمة الخطيرة التي أنيطت بها ، وأنها في أعلى درجات القرب من الله حينما تحسن رعاية زوجها وأولادها ، والحديث أعيده عليكم :                       ((اعلمي أيتها المرأة ، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله)) .

          هذه المرأة عبدت الله فيما أقامها ، ماذا أقامها ؟ أقامها امرأة ، أقام هذا الإنسان عالمًا ، أول عبادة له تعليم العلم ، أقام هذا الإنسان غنياً ، أول عبادة له إنفاق المال ، أقام هذا الإنسان قوياً ، أول عبادة له إنصاف المظلوم ، وأقامكِ امرأة ، أول عبادة لكِ حسن رعاية الزوج والأولاد، هل تصدقون أيها الإخوة أنه ورد  في بعض الكتب ، كتب الحديث ، وهو الأدب المفرد للبخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((أول من يمسك بحلق الجنة أنا)) .

يعني أول إنسان يدخل الجنة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((فإذا امرأة تنازعني)) .

عجيب ، ((تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت : من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة مات زوجها، وترك لها أولادًا فأبت الزواج من أجلهن)) .

           كم هي تربية الأولاد عند الله عظيمة ! شهد الله أيها الإخوة أنا حينما أستمع إلى قصة أخت كريمة متفرغة لأولادها ، تعتني بأخلاقهم ، تعتني بتربيتهم ، تعتني بتحصيلهم العلمي ، تعتني بصحتهم ، تعتني بطعامهم ، بثيابهم ، بنظافتهم ، والله هناك أخوات يأتون بأولادهم إلى المعهد ، وينتظرون ثلاث ساعات في الطريق ليضمنوا أن الابن أمسكته يد أمه ، وسلمته إلى المعهد ، وهي تنتظره ساعات ثلاثًا ، تعيده إلى البيت ، هذه امرأة ، والله أيها الإخوة ، المرأة التي تعرف حق زوجها وأولادها ، والله قلامة ظفرها تساوي مليون رجل شارد عن الله عز وجل، قلامة ظفرها ، وهناك ملمح ذكرته في الخطبة اليوم ، حينما قال الله عز وجل :

( سورة النساء الآية : 32 ) .

                حينما تعبد المرأة الله فيما أقامها يمكن أن تصل إلى أعلى مرتبة في الجنة ، والرجل حينما يعبد الله فيما أقامه يمكن أن يصل إلى أعلى مرتبة في الجنة ، فيا أيتها المرأة لا تتمني أن تكوني كالرجل ، ويا أيها الرجل لا تتمنَّ أن تكون كالمرأة ، لأن الله هيأ لك أعمالا صالحة تصل بها إلى أعلى درجة في الجنة ، ويا أيتها المرأة ، لك أعمال صالحة هيأها الله تصلين بها إلى أعلى مرتبة في الجنة ، إذاً العبرة أن تصل إلى الجنة ، ذكراً كان أو أنثى ، فقال تعالى : [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ] ، يعني ملتفتات إلى الله ، منقطعات لله عز وجل ، كانت الصحابية الجلية تقف على باب البيت قبل أن تودع زوجها ، تقول له : اتقِ الله فينا ، نصبر على الجوع ، ولا نصبر على الحرام ، كم من زوجة الآن تضغط على زوجها ، إلى أن تحمله على كسب المال الحرام ، إلى أن تحمله على أن يرتشي ، من أجل أن يلبي غرورها ، تبدل فراش البيت ، تقول له : اتقِ الله فينا ، نحن بك ، نصبر على الجوع ، ولا نصبر على الحرام ولا تقوم إلى صلاة الليل حتى تستأذن زوجها ، تقول له ألك بي حاجة ، وكم من امرأة تهمل زوجها ، وتجلس عند بناتها أسابيع وأسابيع ، ولا تعبأ بزوجها ، ولا بطعامه ، ولا بشرابه ، ولا براحته ، هناك تقصير كبير ، هذا الفساد الذي ترونه ، من تطلُّعِ الأزواج إلى غير زوجاتهم هو بسبب تقصير الزوجات، وهذا الفساد الذي ترونه من تفلت الزوجات بسبب تقصير الأزواج ، لو أن الزوج عرف مهمته ، وعرفت مهمتها ، وتعاونا على تأسيس عش مسلم ينتج عناصر مؤمنة للمجتمع لكنا في حال غير هذا الحال ، [فَالصَّالِحَاتُ] ، فهذه المرأة الصالحة هي حسنة الدنيا ، قال تعالى:

 ( سورة البقرة الآية : 201 ) .

          قيل : ما حسنة الدنيا ؟ قيل : هي المرأة الصالحة ، التي إذا نظرت إليها سرتك ، بعضهم يظن أن الجمال وحده هو سبب سعادة الزوج ، الحقيقة المرأة لها عدة مقومات ، أحدها الجمال ، أما حينما يسعى الإنسان إلى مقوم واحد إلى ، الجمال البدني فقط ، وينسى الإخلاص ، وينسى التقوى ، وينسى خوف الله ، وينسى الصدق ، وينسى الأمانة ، وينسى الحكمة ، وينسى المنبت الراقي ، يقع في وهم كبير ، لأن هذا المقوم البدني عمره قصير ، وسريعاً ما يزول هذا الجمال ، ثم سريعاً ما يزول تأثيره بالزوج ، هو يزول سريعاً ، وقد يسبق زواله نقص تأثيره في الزوج ، فكل إنسان يسعى فقط إلى هذا المقوم دون غيره ، فبعد حين يألف هذا الشكل ، ثم يفاجأ بعد الصدق ، وعدم أمانة ، وعدم التربية ، وعدم الإخلاص ، فضَاحة ، تتحدث عن زوجها بما تريد في غيبته ، لا تشكره ، إن أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ، ثم رأت منك شيئاً قالت : لم أر منك خيرًا قط ، فما الذي حمله على الزواج منها ؟ مقوم واحد ، إنه شكلها ، ثم اكتشف أن شكلها بدأ بالتناقص ، أو بدأ تأثيره بالزوال ، وبقيت أخلاقها السيئة ، ورفع صوتها عليه ، ولؤمها ، وإهمالها لأولادها ، وطلبها للمظاهر الفارغة .

        ورد في بعض الآثار  : ((من تزوج المرأة لجمالها - فقط - أذله الله  ، ومن تزوجها لمالها أفقره الله ، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءة ، فعليك بذات الدين ترتبت يداك)) ، أنا أقول لكم أيها الإخوة ، وأنصح الشباب المسلمين على الزواج ، ألصق شيءٍ في حياتك زوجتك وعملك ، فإذا وفقت فيهما فقد وفقت في خير الدنيا والآخرة ، إنها حسنة الدنيا ، التي إن نظرت إليها سرتك ، في رواية التي إن نظرت سرتك ، ليس لها ، دخلت إلى المطبخ فإذا هو نظيف ، نظرت إلى أولادك يرتدون ثيابًا نظيفة ، نظرت إلى غرفة النوم مرتبة ، نظرت إلى الجدران نظيفة ، نظرت إما إليها ، أو نظرت سرتك ، وإذا أمرتها أطاعتك ، صدقوني أيها الأخوة ، ما من سؤال يأتيني من حيث الكثافة كسؤال أنه حلف عليها ألا تفعل ذلك ، فلا بد أن تكسر يمينه ، ليس لها شهوة إلا أن تكسر يمينه ، ولسبب تافه ؛ لا تذهبي إلى بيت أختك ، تضحي بزوجها ، وتضحي بارتباطها بزوجها ، يقع الطلاق ، لا بد أن تكسر كلامه ، وأن تذهب إلى بيت أختها ، التي إن نظرت إليها سرتك ، وإذا أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك ، في نفسها ومالها ، مالك محفوظ ، يكون في البيت حاجات غالية جداً ، وأنت دخلك محدود ، يأتي أهلها فتعطيهم من دون إذنك ، تأخذ بلا أذن ، تحفظ مالك في غيبتك ، وتحفظ نفسها في غيبتك .

وإذا كان عند إنسان زوجة إذا ذهب إلى عمله ذهب مطمئنًا إليها ، فهذه من نعم الله الكبرى ، من نعم الله الكبرى أنها لا تكذب ، من نعم الله الكبرى أنها أمينة ، من نعم الله الكبرى أنها ترعى مال زوجها قال : [فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيِبْ] ، يعني يحفظن أنفسهن في غيبة أزواجهن.

والله مرة كنت آتيًا بالطائرة من بلد بعيد ، ووراء مقعدي امرأة كلها تفلت في الحديث ، وفي الثياب ، منقطع النظير ، المسافة طويلة ، ساعات طويلة عشر ساعات ، وجنبها إنسان لا تعرفه، ولا يعرفها ، حديث ، ومزح ، وضحك ، ومباسطة لا تكون إلا بين زوجين ، وهو أجنبي ، وصلنا إلى المطار ارتدت معطفًا ، ووضعت على رأسها خمارا ، واستقبلها أهلها ، وهم محجبون، إذاً العبرة أن تحفظك في غيبتك ، حالات كثيرة إذا غاب الزوج لم يعد في البيت قيد ، يفتح الباب على مصراعيه ، بثياب مبتذلة ، أين الورع ؟ من هي المرأة المؤمنة قال : [فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ] ، هنا المعنى الدقيق ، [حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ] ، لا باجتهادها مثل : هذا أخي ، لا ليس مثل أخيك [بِمَا حَفِظَ اللَّهُ] ، الاجتهادات السخيفة من الناس : هذا مثل أخي ، تربينا سوى ، لا فرق بيني وبينه ، يجب أن تحفظ نفسك وفق منهج الله ، هذا أجنبي لا يجوز أن يدخل عليك في غيبة زوجك ، [حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ] ، يعني وفق منهج الله هذا أجنبي ، هذا محرم ، حتى المحرم نرتدي ثياب الخدمة ، الثياب المحتشمة ، والثياب شفافة ، ويقوم في البيت بثياب فاضحة ، يجب أن تحفظ المرأة زوجها وفق منهج الله ، وليس باجتهادها الشخصي ، [حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ] .

          أيها الإخوة الكرام ، هناك نقطة دقيقة أرجو الله أن يوفقني بشرحها ، في الحياة قانون هو الإدراك ، ثم الانفعال ، ثم السلوك ، هذا قانون ، تمشي أنت في بستان ، رأيت أفعى ، أنت تعلم أن الأفعى سمها قاتل ، وسمعت عن هذا عدة قصص ، وفوق ذلك عندك مفاهيم قديمة عن الأفعى ، ولك مشاهدات ، فحينما رأيت الأفعى أدركت أنك في خطر ، بعد الإدراك يأتي الانفعال، تخاف ، بعد الانفعال يأتي السلوك ، أبداً ، لا يمكن أن تسلك إلا إذا انفعلت ، ولا يمكن أن تنفعل إلا إذا أدركت .

           مرة قال لي طالب : إنه لا يخاف من الله ، قلت له : معك حق ، استغرب الطلاب ، قلت له : أحيانا الأخ الكريم المزارع يذهب إلى المزرعة ، يأخذ معه طفلا صغيرًا يضعه بين القمح ، يأتي ثعبان طوله عشرة أمتار ، فلا يخاف منه ، ليس فيه إدراك ، فليس فيه خوف طبعاً، فالذي لا يخاف الله لا يعرف الله إطلاقاً ، فأنت لا تتحرك إلا إذا انفعلت ، ولا تنفعل إلا إذا أدركت ، الآن منهج الله عز وجل أين يحاسبنا ؟ على البند الثالث فقط ، أنت تمشي في الطريق، شاهدت بيتًا جميلا جداً ، أدركت أن البيت جميل ، موقع ممتاز ، بناء فخم ، له إطلالة جميلة ، تمنيت أن يكون لك هذا البيت ، هل تحاسب على أنك استوعبت جمال هذا البيت ؟ لا طبعاً ، تحاسب ؟ لا تحاسب ، هل تحاسب على أن يكون لك هذا البيت ؟ لا تحاسب ، أما إذا دخلت إلى البيت من دون إذن أهله تحاسب ، أصبحت سارقًا ، متى تحاسب ؟ على السلوك ، إلا مع المرأة، هنا الشاهد ، مع المرأة أنت قد تنظر إلى وردة جميلة جداً ، استوعبت أنها جميلة ، لكن لم تقطعها ، لم تدخل إلى صاحب الحديقة ، وتقطعها من دون إذنه ، أنت لا تحاسب إلا على العمل، إلا مع النساء فتحاسب على أول بند ، على النظر  ، السبب لأنه في أجهزة بالجسم حينما تنظر تتحرك هرمونات معينة ، ويحدث ما يسمى بالإثارة ، فأنت إذا نظرت ، فالنظر قادك قسراً إلى الانفعال ، والانفعال قادك قسراً إلى السلوك ، في علاقتك بالمرأة أنت محاسب عن أول خطوة ، نحن بكل حياتنا أول خطوة معفى عنها ، ثاني خطوة معفى ، الثالثة محاسب ، أحدهم رأى شيئًا جميلا ، لم يتكلم كلمة ، استوعبه ، وانفعلت نفسه به ، لكن ما تحرك ، لا يحاسب ، أما إذا نظر إلى المرأة ، وانطبعت صورتها في مخيلته ، ففي أجهزة معينة تتحرك هرمونات كلها مع الحركة ، فصار الرجل في شهوة ، ومع الشهوة صارت حركة سلوك ، لذلك بمنهج الله عز وجل لا يمكن أن تكتفي بالسلوك الثالث ، لا بد أن تغض بصرك عن محارم الله ، من هنا قال الله تعالى :

( سورة النور الآية : 30 ) .

أيضاً هذه القسم الثاني من الآية يحتاج إلى تأنٍّ في الشرح ، لأنه معالجة مشكلات الأسر تتم وفق هذا المقطع من الآية .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi