English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "20"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآية 36  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا بما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس العشرين من دروس سورة النساء ، ومع الآية الكريمة السادسة والثلاثين ، وهي قوله تعالى :

(سورة النساء)

         أيها الإخوة ، أول حقيقة في هذه الآية أن مهمتك الأولى في الحياة الدنيا أن تعبد الله ، والعبادة خضوع كامل ، وانصياع ، وطاعة تامة لله عز وجل ، إنها حق الله على عباده ، وثمن الجنة ، وعلة وجودنا ، العبادة طاعة لله مع المحبة ، فمن أحب الله ، ولم يطعه فهو كاذب في محبته ، ومن أطاعه ، ولم يحبه فعبادته غير صحيحة ، إنها طاعة القهر ، العبادة طاعة مع محبة، ولابد لها من أساس علمي هي معرفة الله ، ولابد لهذه الطاعة التي أساسها معرفة الله من ثمرة هي إسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة ، لأن غاية كل حي السعادة ، بل إن السلامة قبل السعادة ، ما من مخلوق على وجه الأرض شعر أو لم يشعر إلا وهو يبحث عن سلامته وسعادته، فالذي يحقق للإنسان سلامته من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة أن يعبد الله ، ويتبع منهج الله ومنهج الصانع ، ويتبع تعليمات الشركة الصانعة ، فالجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها .

(سورة فاطر)

أنت حينما تؤمن بالله ، تؤمن بعلمه المطلق ، وحكمته المطلقة ، ورحمته المطلقة ، ثم تؤمن بكتابه ، وفي كتابه أنه خلقك للجنة لا للدنيا ، فحينما تؤمن أنك مخلوق للحسنى تتقي أن تعصي الله ، وتبني حياتك على العطاء والبذل ، قضية من أخطر قضايا الحياة ، أن تؤمن أن لهذا الكون خالقاً ومربياً ومسيراً ، أن لهذا الكون إلهاً موجوداً وكاملاً وواحداً ، وأن أسمائه كلها حسنى ، وأن صفاته كلها فضلى ، وأنه خلقك لجنة عرضها السماوات والأرض ، وأن هذه الجنة إعداد لتلك الجنة ، وأن عبادته تعني سلامتك وسعادتك ، وتعني دخول الجنة ، وهي علة وجودك، وواجبك تجاه خالقك ، وحق الله عليك ، وسبب سلامتك ، وسبب سعادتك ، ولكن المسلمون يتوهمون أن العبادة تعني العبادة الشعائرية .

إخواننا الكرام ، هناك تصنيف فقهي ، أنا لا أعترض عليه ، ولكن أخاف أن يعتمد في فهم العبادة ، نحن في الإسلام عندنا عقائد وعبادات ومعاملات وآداب ، فإذا قلنا : عبادات لا نفهم منها إلا الصلاة والصيام والحج والزكاة والنطق بالشهادتين ، هذا تصنيف الفقهاء ، أما العبادة تعني أن تتقن عملك ، وتحسن إلى زوجتك ، وتعد لعدوك ، إذا كانت العبادات بالمفهوم الحقيقي الواسع القرآني قد تزيد العبادات بالمفهوم القرآني النبوي الموسّع عن مائة ألف أمر ، كيف أن هذه الأوامر قلّصت إلى عبادات شعائرية ، لذلك المسلمون في مؤخرة الركب ، في النهاية الدنيا ، لأنهم فهموا دينهم أنه عبادات شعائرية ، يصلي ويصوم ، ويفعل ما يشاء ، أنبأني أحد الإخوة الكرام أن عدداً من رواد المساجد يبيعون أقراصًا مدمجة كلها أفلام إباحية ‍! ما خطر في باله لحظة أن هذا العمل يتناقض مع دينه وإيمانه واستقامته ، هو يصلي ، وفي الصف الأول ، لكن حرفته بيع هذه الأقراص ، والذي يروج منها الأقراص الإباحية ، يبيعها ! أخطر شيء في الدين أن تفصل العبادة التعاملية عن العبادة الشعائرية ، إذا بقي الإسلام عبادة شعائرية يعني أنه انتهى، والدليل ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهمَا قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ)) .

(صحيح البخاري)

  بني الإسلام شيء ، والخمس شيء ، إذا قلت بناء من خمسين طابقًا ، بني على خمسين عامودًا، هل هذه الأعمدة هي البناء ؟ هي أساسات البناء ، فالعبادة الشعائرية مهمتها أن تعطيك شحنة روحية ، أما العبادة التعاملية هي الإسلام الدين المعاملة ، بماذا وصف سيدنا جعفر رسول الله ؟ قال : نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه ، بماذا أمرنا ؟ بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، الصحابة الكرام فهموا الدين سلوكً، وقيمًا ، وأخلاقًا ، وعفة ، واستقامة ، وأمانة ، وإتقانًا في العمل ، وصدقًا في الأقوال ، وإنجازًا للوعد ، وحفاظًا على العهد ، لما فهموا الدين هذا الفهم الأخلاقي فتحوا أطراف الدنيا ، أما المسلمون اليوم فيزيدون عن ثلث سكان الأرض ، مليار وأربعمائة مليون ! ليس لهم وزن إطلاقاً ، ولا يستطيعون بمجموعهم أن يؤثروا في السياسات الدولية الكبرى ، السبب أن دينهم أصبح ديناً شعائرياً ، هذه الأديان الوضعية ما مشكلتها أن فيها طقوساً وحركات وسكنات وتمتمات لا تعني شيئاً ، تؤدى أداء شكلياً ، وبعدها يفعل الناس ما يشاءون ، حتى أتباع الديانات الأخرى ، وحضورهم في المعابد بحركات وتمتمات ، ولا تجد دينهم في أعمالهم ، ولا في بيوتهم، ولا في تجارتهم .

          فالمشكلة الكبرى حينما نفهم الدين فهماً شعائرياً فقط ، صلاة نؤديها ، حجًا نقصده ، زكاة ندفعها ، صيامًا نصومه ، وانتهى الأمر ، وبيوتنا ، وأعمالنا ، وعلاقاتنا ، ولهونا ، وأفراحنا، وأتراحنا على النمط الغربي فيه اختلاط ، ومعاصٍ ، وملء العين من محارم الله ، وفيه كذب في الوعد ، وغش في البيع والشراء ، هذه هي حالة المسلمين .

  لذلك كلمة اعبدوا تدخل في أدق شؤون حياتك ، وفي أدق خصوصياتك ، وفي علاقتك بزوجتك ، وفي تربية أولادك ، وفي نظافتك ، وحركتك ، وسكنتك ، وفي كسب ، وإنفاق مالك.....

   العبادة أيها الإخوة ، أي أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، العبادة أن نعد لأعدائنا ما نستطيع من قوة ، وأن نتقن أعمالنا ، ونعمر الأرض كما أراد الله عز وجل ، لأنه استعمرنا فيها ، العبادة أن نفعل عملاً صالحاً ، فلذلك المصيبة الكبرى أن هذا المفهوم العظيم ، وعلة وجودنا ، وأن واجبنا تجاه ربنا ، وحق الله علينا أن سبب سعادتنا ، وسلامتنا هو العبادة ، والعبادة نفهمها أداء العبادات الشعائرية ليس غير .

  لهذا يقول الله عز وجل :

        يجب أن ننصاع لله بكل إخلاص ، غاية الخضوع ، والحب ، والتوكل على الله ، والثقة بالله ، وغاية الإخلاص له ، والمحبة ، والولاء هذه العبادة ، العبادة تدخل في كل ثانية في يومك، فإن دخلت بيتك ، وأطلقت وجهك في أبنائك وزوجتك ، وملأت البيت سعادة فأنت في عبادة ، ولو عدت مريضاً فأنت في عبادة ، ولو جلست إلى أهلك تؤنسهم ، واشتريت ثياباً جميلة لتكون أمام الناس مرموقاً ، لأنك تمثل المسلمين ، وإذا انغمست في عملك حتى ، أتقنته ، ونفعت به المسلمين فأنت في عبادة ، حينما تحسن الزوجة رعاية أبنائها ، وتعتني بزوجها هي في عبادة ، مفهومها واسع جداً يدور مع كل نشاطات الإنسان ، إن أخذت أولادك إلى نزهة كي تقربهم إليك، وكي تدخل على قلوبهم السرور فأنت في عبادة ، إذا نلت من عدو نيلاً فأنت في عبادة ، إذا سهرت طوال الليل تفكر في شيء ينفع المسلمين فأنت في عبادة ، شيء واسع جداً .

   كل أوامر القرآن التفصيلية ، وكل أوامر النبي التفصيلية ، وكل عاداتك التي يفعلها معظم الناس بحكم العادة إن فعلتها أنت بحكم المؤمن فأنت في عبادة ، إذا دخلت إلى البيت ، وأعنت والدتك في شؤون البيت ، وإن درست أخاك الصغير الضعيف في مادة دراسية فأنت في عبادة ، هذا المفهوم الحضاري ، العبادة انصياع لمنهج الله بكامله .

   من قال لك : إن منهج الله خمس عبادات شعائرية ليس غير ؟ بني الإسلام على خمس ، لذلك يقول الله عز وجل :

لو أنك عبدته وعبدت جهة أخرى فما عبدته ، لأن الله لا يقبل معه أحداً ، أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، لذلك جاء الأمر الإلهي :

أن تعبده وحده ، وتحبه ، وتطيعه ، وتتوكل عليه ، وتثق به ، وتعقد عليه الأمل ، وترضى بحكمه وحده ، هذه العبادة ، كل حركاتك كأن تنظف جسمك ، وتهيئ لبيتك ما يدخل على قلب أهلك السرور فأنت في عبادة ، وسع هذا المفهوم تجد أن المؤمن له هدف كبير ، أن يأخذ بيد من حوله إلى الله ، فالعبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية ، ينبغي أن تعبد الله وتعبده وحده ، وينبغي ألا تشرك به أحداً ، وأن تكون في عبادته مخلصاً ، يقول الله عز وجل :

       أيها الأخ الكريم ، عبادتك لله عز وجل فرع من وجودك ، أنت موجود أكبر فرع من فروع وجودك أن تعبد الله ، من هما اللذان كانا سبب وجودك ؟ إنهما الوالدان ، لذلك في أكثر من عشر آيات ، أو أقل أو أكثر من آيات عديدة جاءت عبادة الله مقرونة ببر الوالدين ،

العطف أيها الإخوة يقتضي المشاركة ، ليس من المعقول أن تقول : اشتريت بيتاً وملعقة، تقول اشتريت بيتاً وأرضاً ومركبة ومزرعة ، لابد من التناسب بين المتعاطفين ، فحينما تعلم أن الله رفع الإحسان بالوالدين إلى مستوى عبادته ، لأن عبادة الله فرع من وجودك ، ووجودك له سبب قريب وسبب بعيد ، القريب والداك والبعيد سيدنا آدم ، وآدم من خلقه ؟ الله عز وجل ، الأمر الإلهي :

(سورة الإسراء)

هناك ملمح في الآية رائع هو أن هذه الباء باء الإلصاق ، ينبغي أن تكون قريباً من والديك ، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى :

(سورة المدثر)

هم معه ، من بر الوالدين أن تكون قريباً منهما وفي خدمتهما ، وتكثر من الاتصال بهما في اليوم الواحد ، وأن تسدي إليهم المعروف لا عن طريق أحد ، بل بك مباشرة ، لأن الباء باء الإلصاق، فينبغي أن تكون لصيقاً بهما ، وينبغي أن يكون برك لهما عن طريقك أنت لا عن طريق أحد ، هناك أبناء أقوياء وأغنياء يعطون توجيهات لمن حولهم : خذ لوالدي هذه الحاجة ، خذه إلى نزهة، معنى الآية يقتضي أن تكون أنت في خدمته بحجمك الكبير .

  أيها الإخوة :

يا ترى ولو كانا كافرين ؟ نعم ولو كانا مشركين ، لأن الوالد هنا مطلق ، والمطلق على إطلاقه .

(يا رسول الله أمي مشركة أفأصلها ؟ قال : صليها)

  فالوالدان مؤمنان أو كافران .

من ملامح قوله تعالى قال :

(سورة هود)

 استنبط بعض العلماء أنه لا يجوز إقامة حد شرعي على ابن أمام أبيه رأفة بالأب ، كما لا يجوز إقامة حد شرعي على ابن أمام أمه ، لأن قلب الأم والأب لا يحتمل هذا العقاب .

فالأب هو سبب وجودك ، فأنت في نعمة لأنك موجود ، هناك نعمة الإيجاد والإمداد ونعمة الهدى والرشاد ، فالله سبحانه وتعالى خالق أوجدك ، ومرب يمدك بكل شي ، وهاد يهديك إليه ، فأنت في نعم كبرى ثلاثة ، وقد أضاف بعضهم وهي إضافة لطيفة : هناك أب أنجبك ، وأب زوجك ، وأب دلك على الله ، فالذي أنجبك سبب وجودك ، والذي زوجك ينبغي أن تعامله كأب ، لأنه ربى ابنته ثمانية عشر عاماً ، ورعاها ، واعتنى بأخلاقها ، وصحتها ، وشؤونها ، ودراستها حتى سلمها إليك هو أب لك بمعنى أو بآخر ، والذي دلك على الله سبب سعادتك الأبدية ، فينبغي أن تعترف بفضل الأب الذي أنجبك ، وزوجك ، ودلك على الله .

لو أن الأب أو الأم أمراك بمعصية ولتكن أكبر معصية ، الشرك بالله .

(سورة لقمان)

 لكن بنعومة ، لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يحادون الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ، الإحسان غير الولاء ، لو أن إنسان له أب عاص غارق في المعصية ، فالإحسان إليه شيء ، والولاء شيء آخر ، وهو ممنوع ، أب يشرب الخمر ، ويقترف الفواحش ، ولا يصلي ، وظالم ، هذا الأب في الحقيقة أب ينبغي أن تحسن إليه ، لكن لا ينبغي أن تواليه ، وتقره على أعماله .

       أيها الإخوة ، الشيء اللطيف في الإسلام والعجيب وجود تضامن اجتماعي على أساسين ، على أساس جغرافي وأساس نسبي ، الضمان الاجتماعي في الإسلام أساسه جغرافي الجوار ، وأساسه نسبي ذوي القربى .

  يقول الله عز وجل بعد أن بدأ بالأمر بعبادته بالمعنى الواسع لا بالمعنى الفقهي أن تصلي ، وتصوم ، وتحج ، وتزكي ليس غير ، لا ، بالمعنى التعبدي الواسع الشمولي أن تطيعه في كل ما أمر ، وتنتهي عن كل ما نهى عنه وزجر ، والعبادة غاية الخضوع ، والحب ، والولاء، والإخلاص ، والتوكل ، وفيها جانب معرفي وسلوكي وجمالي ، فالجانب السلوكي هو الأصل ، والمعرفي هو السبب ، والجمالي هو الثمرة والنتيجة ، وكل واحد من بني البشر شاء أم أبى يبحث عن سلامته وسعادته ، والسلامة والسعادة الحقيقية لا تتحقق إلا بعبادة الله العبادة الشمولية ، ينبغي أن تعبده فيما أقامك ، أقامك غنياً ، العبادة الأولى إنفاق المال ، أقامك عالماً العبادة الأولى تعليم العلم ، أقامك قوياً العبادة الأولى إنصاف الضعيف ، أقامك امرأة العبادة الأولى رعاية الزوج والأولاد ، أقامك طبيباً العبادة الأولى أن تنصح المسلمين في طبك ، أقامك محامياً العبادة الأولى أن تنصح الموكلين في دعواك ، أقامك مهندساً أن تنصحه في البناء ، لذلك العبادة متعلقة بالحرفة ، وبالأحوال الشخصية ، وبالزواج ، وبإنجاب الأولاد ، وبتربيتهم وشؤون الصحة ، ينبغي أن تعتني بصحتك لأنها ملك المسلمين ، ينبغي أن تأكل كما أمر النبي أن تأكل ، وأن تنام كما أمر النبي أن تنام ، ينبغي أن تقيم علاقة مع زوجتك كما وجهك النبي عليه الصلاة والسلام ، العبادة تشمل شؤون حياتك كلها ، حتى في أدق الخصوصيات وفي أشد العلاقات دقة ، ينبغي أن ترعى العبادة ، هناك عبادة فيما أقامك وعبادة أخرى في الظرف الذي وضعك فيه ‍!

   لو أن عدواً اقتحم البلاد لا سمح الله ، ولا قدر فالعبادة الأولى رد هذا العدوان ، لو أن مجاعة ألمت بالمسلمين العبادة الأولى إطعام الطعام ، لو أن مرضاً ألم بالمسلمين العبادة الأولى أن ننهض جميعاً لمكافحة هذا المرض ، ونعبد الله فيما أقامنا ، وفي الظرف الذي وضعنا فيه ، وفي الظرف الذي أظلّنا .

          العاشر من ذي الحجة العبادة الأولى فيه ذكر الله ، في رمضان العبادة الأولى الصيام والقيام ، يوم الجمعة يوم عيد المسلمين العبادة الأولى حضور صلاة الجمعة ، وزيارة الأقارب والأرحام ، أن تعبده فيما أقامك ، وتعبده في الظرف الذي وضعك فيه ، وتعبده في المهمة التي وكلك إليها.

   إذا كان العدو يتحدانا بالإفقار كسب المال الحلال ، وإنفاقه في وجوهه الصحيحة أول عبادة .

         اليوم العدو يتحدى المسلمين بالإفقار ‍! يأخذون منا ثرواتنا ، ويهددونا ، العبادة الأولى أن تكون منتجاً وكاسباً للمال ، وتنفق هذا المال في وجوهه الصحيحة ، وإذا كان العدو يتحدانا في إضلالنا فالعبادة الأولى تعني أن نوضح الحق ، ونبين ، وننشر الحق ، ونلقي الحق على الناس ، ونأتي بالحجج والبراهين والأدلة والمؤيدات ، ونطالع ، ونقرأ ، ونؤلف ، ونلقي الحق على الناس  وإذا كان العدو يريد إفساد أخلاق أبنائنا فينبغي أن نصونهم من كل فساد ، ونهيئ لهم مناشط إسلامية ، ونحفظهم ، ونؤسس لهم كل ما يشدهم إلى الدين ، إن أراد إفقارنا فالعبادة الأولى كسب المال الحلال ، إن أراد إضلالنا فالعبادة الأولى أن نوضح الحق للناس ، إن أراد إفسادنا فالعبادة الأولى أن نصون أجيالنا من الضياع والفساد ، أما إذا أراد العدو أن يذلنا فالعبادة الأولى أن نثأر لشخصيتنا وكرامتنا وديننا ، أما إذا اجتاح أرضنا ينبغي أن ننهض جميعاً لرد عدوانه ، هذا المفهوم التعبدي الواسع الشمولي الذي يتناسب مع قوله تعالى :

(سورة البقرة)

إله يأمر بحركات جوفاء وتمتمات لا معنى لها ، ينبغي أن يكون أمر العبادة متناسباً مع عظمة الله عز وجل .

  حينما تذبح دابة لا تحد شفرتك ، وعندئذ لا ترتاح ذبيحتك ، فأنت في معصية، العبادة أنك إذا ذبحت أن تحسن الذبح ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)) .

(سنن الترمذي)

         أما هذا الذي يذبح الدجاجة ، ثم يغمسها في الماء المغلي كي يسهل عليه نتف ريشها هذا يعصي الله ، كل أوهامنا أن الدين صيام وصلاة بالجامع ، بكل مهنة وحرفة ، أنت حينما تضيف مادة لصنعتك الغذائية تضر بالمسلمين أنت في أكبر معصية ، ولو صليت ألف ركعة في اليوم ، حينما تضيف مادة مسرطنة لكنها تحسن لون البضاعة ، ولا ترعى صحة المسلمين فأنت في أكبر معصية ، أنت حينما لا تعلم الصغار إذا كنت معلماً العلم النافع الصحيح فأنت في أكبر معصية ، أنت حينما تتسلم قضية لموكل ، ولا تحسن المرافعة أمام القاضي فأنت في معصية ، أنت حينما تعالج مريضاً بسرعة ومن دون تؤدة وإتقان فأنت في معصية ، كل حركاتك وسكناتك متعلقة بالأحكام الشرعية .

الدائرة الأولى أخوك أختك ابنك ابن أخيك ابن أختك ذوي القربى جدك جدتك .

الدائرة الأولى من الأقرباء والثانية والثالثة والرابعة .

    النبي عليه الصلاة والسلام يوجه بعض أصحابه أن يتوجه ليتصدق على بعض الأقربين فعَنِ الرَّبَابِ عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ ابْنِ عَامِرٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا فَالْمَاءُ فَإِنَّهُ طَهُورٌ و قَالَ الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ)) .

(سنن الترمذي)

التضامن الاجتماعي أساسه النسب ، ولك إنسان يعرف أهله وأوضاعهم الاجتماعية ومشكلاتهم الصحية والاجتماعية والمالية والتربوية .

اليتيم هو الذي فقد الأب ، والمعيل والراعي والولي ، فقد الذي يهتم بشأنه ، قد تجد من يعتني بالأيتام عناية لا حدود لها ، ومع ذلك كل هذه العناية التي أساسها نفقات باهظة لا تساوي أن يكون الابن مع أبيه ، لأنه ما من إنسان على وجه الأرض أحرص على سلامة ابنه وسعادته من أبيه وأمه ، فهذا اليتيم فقد الأب المعيل المشرف المعلم ، لذلك يقتدي منهج الله عزل وجل أن ينهض جميع المسلمين لرعاية هذا اليتيم ، وشاءت حكمة الله أن يكون سيد الخلق وحبيب الحق يتيماً إكراماً لليتامى ، وأحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مكرم ، فأن ترعى يتيماً من أعظم الأعمال الصالحة .

تصور كل إنسان آتاه الله مالاً أو علماً أو جاهاً تفقد أقربائه ، زارهم دعاهم ، كم تكون الحياة رائعة ؟

         حدثني أخ ورجاني أن أنقل لكم قصته : نشأ على تقاطع بين أفراد أسرته، فلما حضر دروس العلم خطر في باله أن يزور أقرباءَه ، طرق باب أحد الأسر في العيد لا يعرفونه قال : أنا ابن عمكم ، فاستقبلوه ، وقدروا له هذه الزيارة ، ووعدوه أن يردوا له هذه الزيارة في بيته ، دخلوا إلى بيته فإذا هو بيت لا تدخله أشعة الشمس إطلاقاً ، تحت الأرض ، وغير صحي ، فهؤلاء الأقربون المحسنون تبرعوا له ببيت ، بمبلغ جيد جداً ، أقسم بالله أنه حينما وصلهم لا يقصد الذي حصل إطلاقاً ، ولم يعلم أنهم يفعلون هذا ، ولكن هذه بركة التواصل ، إذا كل واحد واصل أهله ، تفقد أحوالهم.

   بالمناسبة أيها الإخوة ، صلة الرحم لا تعني أن تزورهم فقط ، بل تتفقد أحوالهم المعيشية التربوية العلمية ، أن تسأل عن أولاد إخوتك كيف أحوالهم ، ودينهم ، وتوجيههم ، وتحصيلهم ، وصحتهم ، أن تزورهم ، وتتفقد أحوالهم ، وتحل بعض مشكلاتهم ، ثم تأخذ بيدهم إلى الله ، هذا هو المعنى الدقيق لصلة الرحم .

الدائرة الثانية إنسان له خالة عمة عم خال ابن أخ ابن أخت حفيد جد ، ينبغي أن يصل هؤلاء ويتفقد أحوالهم جميعاً ، أن يمد إليهم يد المساعدة جميعاً ، هذا هو الدين.

         لذلك سبحان الله من أدق الأحاديث الشريفة : ما ذكره النبي أن صلة الرحم تزيد في الأجل ، بمعنى أن الأعمال الصالحة التي تكتب لك من هذه الصلة كأنك عشت عمرين ، بهذا المعنى .

المسكين في القرآن الكريم تعبير الفقراء والمساكين ، فإن اجتمعا افترقا ، وإن افترقا اجتمعا ، إذا قال الله للفقراء الذين أخرجوا من ديارهم تعني الفقراء والمساكين ، وإذا قال المساكين تعني الفقراء والمساكين ، أما إذا قال : للفقراء والمساكين افترقا ! ليس الفقير من ترده اللقمة أو اللقمتان ، ولكن الفقير الذي لا يجد حاجته ، يسكن بيتًا - يبيع بيته ! كيف هذا ؟ ! أين سيسكن ، لكن يحتاج لعملية جراحية لابنه ، ودخله محدود ، هناك من يتسم بضيق الأفق يبيع بيته - إذا باع بيته أين يسكن ؟ فهذا اسمه فقير ، دخله لا يغطي حاجاته ، هذا ينبغي أن نساعده، ونغنيه إما لسنة أو لطول العمر ، عن طريق تهيئة حرفة له أو أداة أو آلة أو مركبة ، أما المسكين العاجز الساكن الذي لا يتحرك ، ذو العاهة ، فإذا قال الله المساكين تعني الفقراء والمساكين ، وإذا قال الفقراء تعني الفقراء والمساكين ، أما إذا قال الفقراء والمساكين عندما يجتمعان يفترقان ، فالفقير هو الذي لا يجد حاجته ، كل إنسان دخله أقل من المصروف الأساسي كالطعام والشراب وثياب ومعالجة ومأوى هذه أساسيات الحياة ، فالذي دخله لا يكفي لأساسيات الحياة هذا عند الله فقير ، أما المسكين الذي لا يتحرك مصاب بمرض عضال ، هذا ليس له دخل إطلاقاً .

إخواننا الكرام ، في مصطلح العلماء أربعون بيتاً من جهة الشمال هم جيرانك ، وأربعون بيتًا من جهة الجنوب هم جيرانك ، وأربعون بيتًا بجهة الشرق هم جيرانك ، وأربعون بيتًا بجهة الغرب هم جيرانك ، وأربعون طابقًا فوقك هم جيرانك ، وأربعون طابقًا تحتك في اليابان هم جيرانك ! أربعون بيتًا في كل الجهات هم جيرانك .

         لذلك مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيوّرثه ، عندما يكون الإنسان في ، بناء والجيران يحبهم ، ويحبونه ، ويرعاهم ويرعونه ، لو أنه سافر يسافر مطمئن البال .

          حدثني أخ قال : كنت مسافراً ، وابني دهس بسيارة قال : الجار كأنه ابنه أخذه للمشفى، وعالجه أدق علاج ، وأعاده إلى البيت ، وتتبع مشكلة السائق الذي فعل الحادث ، ورعى تمريضه بعد حين والأدوية ، هذا الجار ، لذلك الجار شيء مقدس جداً ، لكن هنا في الآية يوجد ثلاثة أنواع للجيران ، يوجد الجار ، والجار ذي القربى ، جار مسلم له حقان ؛ حق الجوار وحق الإسلام ، جار مسلم ابن أخيك له ثلاث حقوق ؛ حق الإسلام ، وحق الجوار ، وحق النسب، فكل جار له حق فوق حق الجار هو جار ذي القربى ، والجار ذي القربى ، أي عنده حق زائد ، قد يكون قريبًا وقد يكون مؤمنًا ، إن كان لك جار مؤمن فهذا شيء استثنائي ، ويصلي الفجر ، ويغض بصره عن أهلك ، ويرعاك عند الشدة ، يتفقدك ، يزورك يمدك بكل خير ، والجار ذي القربى جار مؤمن أو قريب أو جار مؤمن قريب له ثلاث حقوق ، حق الجار ، وحق القربى ، وحق الإيمان ، وهناك جار جنب ، لك جار غير مسلم يجب أن ترعاه .

         يقال : إن أبا حنيفة رحمه الله تعالى له جار شاب أقلقه مدة طويلة جداً بغنائه ، وله أغنية مشهورة : أضاعوني وأي فتى أضاعوا ، فلما ألقي القبض عليه لمخالفة ارتكبها ذهب أبو حنيفة بمكانته الكبيرة للمحتسب ، وتوسط له وأعاده ، وفي طريق العودة عاتبه قال : هل أضعناك يا فتى ؟ لعلك إن أحسنت إلى جار ليس ملتزماً يمكن أن ترده إلى الدين بإحسانك ، وكم من جار التزم الشريعة بإحسان جاره له ، هذا الجار الثاني جار الجنب جار لصيق فقط ، من يسكن فوقك ؟ لا أعرف ! هذا شيء مألوف في زمن التفلت ، بناء من أربع طوابق لا يعلم الجار من فوقه ، ولا يوجد بينهما سلام ، بينما المؤمنون الجار شيء مقدس ، إن استعان بك أعنته ، إن استقرضك أقرضته ، إن أصابه خير هنأته ، إن أصابته مصيبة عزّيته ، إن مات شيعته، لا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الرياح إلا بإذنه ، إن اشتريت فاكهة فأهدي له منها ، فإن لم تفعل فأدخلها سراً ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده ، ولا تؤذِه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، هذا حق الجار .

   ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ، هذا الجار الجنب ، إنسان قد يكون غير مسلم ينبغي أن تحسن إليه .

  اطلعت على قصة لم يتح لي أن أراجع مدى صحتها ، لكن لها معنى : كان للنبي جار يؤذيه ، في أحد الأيام كفّ عن أذى النبي ، فظنه مريضاً فعاده ، فكانت عيادة النبي له سبب إسلامه ، ينبغي أن تحسن إلى جارك ولو كان مسيئاً .

هذا جار طارئ ، أنت مسافر لحلب ، الذي إلى جانبك هذا جار طارئ ، في سفر ، أو حفل ، أو مشروع ، أو طالبا في كلية ، بعمل واحد ، فكل معاملة طارئة مغطاة ، والصاحب بالجنب ، ويوجد علماء قالوا : هو زميل العمل ، أنت في دائرة مدرس ، هو مدرس معك ، أو محام معك في المكتب ، أنت طبيب ، وهو طبيب معك في العيادة ، تاجر جارك بالتجارة ، زميل، زميل العمل ، أو جار طارئ مسافر .

هؤلاء ينبغي أن تحسن إليهم .

المنقطع ابن الطريق ليس له مأوى ، وقد فقد ماله ، هذا ابن السبيل ينبغي أن نحسن إليه ، وكثيرون هم أولئك الذين ينقطعون هم طلاب علم أحياناً يطلبون مبلغاً ليعودون لأوطانهم ، هذا المبلغ محسوب من الصدقات .

بالمفهوم الواسع عندك شاب في المحل التجاري ، هذا موظف عندك ينبغي أن تعامله معاملة طيبة ، عندك خادم ينبغي أن تطعمه مما تأكل ، ومما تلبس ، ولا تكلفه مالا يطيق ، والليل له والنهار لك ، إن كلفته ما يطيق ينبغي أن تعينه على ذلك ، وتحسن إليه هذا الإسلام ، الفوقية العالية غير إسلامية ، هذا أخ مؤمن تحت يدك .....

  عمال بمعمل موظفون في محل تجاري خدّام في المنازل بالمعنى الواسع ، هؤلاء ملكت شؤونهم ، يعملون لصالحك ، ويتقاضون منك أجراً ، بالمعنى التقليدي العبيد الذين أخذوا أسرى في الحرب .

أنت إنسان عظمتك ليست في استعلائك بل في طاعتك لله .

  من صفات النبي عليه الصلاة والسلام يصغي الإناء للهرة ، ويخدم نفسه ، وفي مهنة أهله ، هذه من صفات النبي عليه الصلاة والسلام .

اختياله لا أساس له هو عبد فقير .

      ((إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة)) ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام .

(ورد في الأثر)

   مختالاً في مشيته فخوراً في كلامه .

(سورة البلد)

         أنا أنفقت على العرس كذا مليون ، أنا في سفرتي كلفتني مائة ألف ، هكذا يتباهى بإنفاق المال .

فالمؤمن لا يختال لا في مشيته ، ولا في حركته ، ولا في سكنته ، كما أنه لا يفتخر بحاله ، بل يرى فضل الله عليه ، والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi