English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "21"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآية 37  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الواحد والعشرين من دروس سورة النساء ، ومع الآية السابع والثلاثين ، وهي قوله تعالى :

هذا نموذج بشري بخيل ، ويأمر الناس بالبخل ، ويدعي أنه فقير  نموذج ، ونموذج هيأ الله له عذابًا مهينًا ، والعذاب الذي يذكره الله في القرآن قد يكون عظيماً ، وقد يكون مهيناً ، وقد يكون أليماً ، هناك عذاب أليم ، وهناك عذاب مهين ، وهناك عذاب عظيم ، فهذا الذي يبخل ، ويأمر الناس بالبخل ، ويدعي أنه فقير هذا أعد الله له عذاباً مهيناً .

أيها الإخوة ، الإنسان فيه نقطة ضعف في أصل خلقه ، لكنها لصالحه يقول الله عز وجل:

( سورة المعارج ) .

وقد فسرت الآية نفسها معنى الهلع :

( سورة المعارج ) .

هذا ضعف في أصل خلقه ، لماذا هو ضعف ولصالحه ؟ لأنه إذا أنفق المال يرقى عند الله ، طبيعة النفس جبلتها تحرص على ما في يديها ، [إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا] ، لو لا يجزع ، ولا يخاف كيف يعالجه الله عز وجل ؟ لو أنه لا ترتعد مفاصله إذا لاح له شبح مصيبة ، كيف يتوب إلى الله عز وجل ، لو أنه لا يتأثر بالشدائد ، كيف يؤوب إلى الله عز وجل ، لو أنه لا يعبأ بالمصائب ، كيف يتضرع لله عز وجل ، إذاً لأن طبيعة النفس جزوعة، يعني شديدة الجزع ، ما تاب أحد إلى الله عز وجل ، لو سألت ألف تائب ما سبب التوبة ؟ لاح له شبح مصيبة ، أو أنزل الله به مصيبة فاختل توازنه ، فطبيعة الإنسان أنه جزوع، و جزوع على وزن فعول ، أي شديد الجزع ؛ يعني لا سمح الله ولا قدر أبعد الله عنا وعنكم كل مرض عضال ، لو أن إنساناً أجرى فحوصاً فأخبره الطبيب أن هناك ورماً خبيثاً ، ربما لا يستطيع أن يقف على قدميه ، سمعت عن طبيب أبلغ مريضه أنه مصاب بورم خبيث ، وأنه قد يمتد به العمر إلى أربعة أشهر في اليوم التالي مات ، لم يحتمل هذا الخبر ، [إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا] ، طيب هذا الإنسان الذي لا يحتمل لا يحتمل مرضاً عضالاً ، ولا يحتمل فقراً مدقعاً ، ولا يحتمل إذلالاً ، ولا يحتمل قهراً ، كيف يعصي   الله ؟ مشكلة الشارد عن الله أنه يعيش لحظته فقط ، مثله كمثل النعامة تماماً ، لا شيء يمكن أن يعطيك الأمل ، ولا شيء يمكن أن يهبك التفاؤل إلا أن تكون مع الله ، لذلك المؤمن يردد قوله تعالى :

( سورة التوبة الآية : 51 ) .

له ثقة كبيرة بالله ، مطمأن إلى المستقبل ، الآن مرض الكآبة مرض نفسي خطير ، من أشد الأمراض انتشاراً في العالم ، كآبة ، ضيق ، غني ، ومعه كآبة ، مدير عمل ناجح ، ومعه كآبة ، يتمتع ببيت مثالي ، ومعه كآبة ، الكآبة من خلق الله عز وجل ، إذا خرج الإنسان عن منهج الله يصاب بالكآبة ، ولو كان من أغنى الأغنياء ، ولو كان من أقوى الأقوياء  ولو كان من أنجح الناس في أعماله ، الكآبة مرض قد تصيب الناجحين  لذلك قالوا : إن الله يعطي الصحة ، والذكاء ، والمال ، والجمال للكثيرين من خلقه ، وقد يصابون بالكآبة ، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين ، السكينة هي رحمة الله ، والله سأقول كلمة لعل معظمكم يقول : إنها مبالغة ، المنفردة مع السكينة تغدو قطعة من الجنة ، والبيت الرائع مع فقد السكينة تغدو كالمنفردة ، ومن ذاق عرف .

إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك .

إذا تجلى الله على قلبك فأنت من أسعد الناس ، وإذا حجبك الله عنه فأنت من أشقى الناس، إن أردت السعادة ، إن أردت السلامة ليس من طريق إلى السلامة والسعادة إلا أن تكون مع الله ، لأن إذا كنت مع الله كان الله معك ، وكن مع الله تر الله معك ، وإذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ، فلذلك : [إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا] ، شديد الخوف شديد الجزع، لا يحتمل مرضاً ولا فقراً ، ولا سجناً ، ولا إهانةً ، ولا فقد ولد ، ولا فقد زوجة ، [إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا] ، هذا طبع فيه ، الأصل في طبع الإنسان أنه حريص على ما في يديه ، والتكليف أن تنفق ، ولا بد من تناقض بين التكليف وبين الطبع ، وهذا التناقض بين التكليف وبين الطبع هو ثمن الجنة ، وما سمي التكليف تكليفاً إلا لأنه ذو كلفة، شيء مكلف ، يعني في معاكسة للطبع ، وما دام الموضوع قد طرق فلابد من تكملة له ، التكليف يتوافق مع الفطرة ، ويتناقض مع الطبع ، والفطرة أقرب إلى النفس ، والطبع أقرب إلى الجسد ، وأوضح مثل إنك إذا صليت الفجر في وقته ، وقد تكون قد أويت إلى الفراش الساعة الثالثة صباحاً تنام ساعة ونصفًا ، أو ساعتين ، وتستيقظ لصلاة الفجر ، إنك تعاكس رغبتك في النوم ، إنك تعاكس رغبتك في أن تبقى في الفراش ، ولكنك بعد أن تستيقظ ، وتتوضأ ، وتصلي، ثم تأوي إلى فراشك ترتاح نفسك ، أتعبك جسدك ، وارتاحت نفسك ، فأداء الصلاة في وقتها يتعب الجسد أحياناً ، ويريح النفس ، دائماً فكل شيء من أمر الله ونهيه يتوافق مع الفطرة ، وكل أمر ونهي يتناقض مع الطبع ، وهذا هو جهاد النفس والهوى ، وهذه هي الطاعة ، وهذه الجنة يدفع المؤمن ثمنها حينما يضع رغبته تحت قدمه وينصاع لأمر الله ، فلذلك الإنسان في أصل بنيته يحرص على ما في يديه ، لكن حرص معتدل ، أما البخيل في عنده حالة مرضية ، حالة حادة ، من الحرص ، البخيل إنسان مريض ، لذلك قال تعالى :

( سورة الحشر ) .

ومن كلمة (يوقَ) معنى ذلك أن الشح مرض خطير ، كيف أن الجسم يصاب بمرض عضال كالورم الخبيث ، كالخثرة في الدماغ ، كالفشل الكلوي ، كتشمع الكبد ، كالشلل ، كذلك النفس من أشد أمراضها الشح ، حريص على ما في يديه ، يعيش فقيراً ليموت غنياً ، قال بعض الشعراء :

                        يقتر عيسى على نفسه     وليس بباق ولا خالد

فلو استطاع بتقطـيره             تنفس من منخرٍ واحد

من شدة تقطيره ، البخيل دائماً يشعر بمشقة بالغة إذا أنفق ، ولو إذا أنفق ثمن طعامه ، يحرم نفسه ، لذلك ورد في بعض الأحاديث :

إن أندم الأغنياء غني دخل ورثته بماله الجنة ، ودخل هو بماله النار بخل ولم يعطِ ، البخيل من صفاته الأخرى أنه يبخل عن نفسه ، قد يبخل عن غيره ، لكن البخيل في حالاته الحادة يبخل عن نفسه فلا يعطي نفسه ما تحتاج ، ويرى أن كنز الدرهم والدينار أفضل عنده من تلبية حاجات نفسه ، ثم إن البخيل له دعوة ، كيف أن المؤمن له دعوة ، والبخيل له دعوة ، لا بد من أن يدعو الناس إلى البخل ، [الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ] ، وفي بعض المصطلحات هناك فاسد ، وهناك فاسد مفسد ، هناك ضال ، وهناك ضال مضل ، فالبخيل أينما ذهب ، وأينما حل ينصح الناس بعدم الإنفاق ، لا يحتمل أن يرى منفقاً ، يتألم أشد الألم ، أو يراه غبياً ، إما أن يتألم لأن إنسان كشف بخله بإنفاقه ، أو يراه غبياً بهذا الإنفاق ، فهو لا يكتفي أن يكون بخيلاً يدعو الناس إلى البخل .

أيها الإخوة ، البخيل لا يتمنى أن ينتفع الناس من حوله إطلاقاً ، ولو لم يكن نفعه من ماله ، لا يتمنى أن ينتفع الناس من حوله إطلاقاً ، ولو كان نفعهم ليس من ماله ، هذه صفات البخيل ، أما إذا حدثته وحدثك يشكو من الفقر ، وهناك ظاهرة أيها الإخوة عجيبة ، تجد إنسانًا في هذه البلدة الطيبة دخله محدود ، ولا يكفيه نصف الشهر ، تسأله : كيف حالك ؟ يقول لك : الحمد لله ، يقولها من أعماق قلبه ، يقول لك : الحمد لله ، الله أنعم علينا بالصحة ، أنعم علينا بسمعة طيبة ، أنعم علينا ببيت فيه زوجة وأولاد ، أنعم علينا بالإيمان ، إذا أراد أن يعدد لك النعم التي أنعم الله بها عليه لا تنتهي ، وهو مستبشر ، ويعيش على الكفاف ، بل إنه تحت الخط الأحمر ، وقد تلتقي بإنسان يملك الملايين المملينة تجلس معه ساعة فلا تستطيع أن تقف .

حدثني أخ كريم ، قال لي : دخلت على أحد الأثرياء ، وقد ذكر رقماً لثروته قد لا يصدق، بآلاف الملايين ، من شدة ما شكا إلي ، شكا إلي بوار الأسواق ، وسوء معاملة الناس له، وشكا بيته وزوجته ، قال لي : والله لم أستطع أن أقف على قدمي ، ذهبت إلى محلي التجاري كما يقول ، فإذا امرأة محجبة تطلب منه مساعدة ، وعينت له مكان إقامتها في إحدى القرى المحيطة بدمشق ، قال : ذهبنا إلى بيتها للتحقيق فوجدناه بيتاً تحت درج ، درج وتحته فراغ ، الفراغ الأعلى غرفة ، والأدنى حمام ، مع فسحة سماوية صغيرة ، هي تريد أجرة هذا البيت ، ألف ليرة بالشهر ، قال : دخلنا إلى البيت ، أقسم لي بالله وهو عندي صادق ، أنه ارتاح راحة لا حدود لها  بيت كأنه قطعة من الجنة ، نظيف ، الأطفال يمرحون ، أبوهم مريض مضطجع على السرير ، البيت محتشم ، هذا البيت لا يمكن أن يسكنه إنسان ، ورأى السعادة والبشرى على وجوه من في هذا البيت ، في يوم الذي التقى بالغني ، وشكا له ما شكا له ، فالله عز وجل  قد يعطيك الدنيا ، ولا يسعدك ، وقد يحرمك منها ويسعدك ، [الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ]، لحكمة بالغة ، لذلك ارضَ بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس ، البخيل إنسان محروم ، يتمسكن ، يدعي الفقر ، يدعي أنه لا يملك نقود ، يملك سندات  إذا جاءه من يستقرضه له كلام معروف مكرر ، لا شيء بالصندوق أبداً ، كله ديون وهموم ، يقول لك : عندي ديون وعندي هموم ، ولكن ليس عندي نقد ألبي به حاجتك ، [الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ] ، فالنقطة الضعيفة في خلق الإنسان أنه ، [خُلِقَ هَلُوعًا ، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا]، هذا الطبع ، قال :

       

( سورة المعارج ) .

معناها الإنسان حينما يتصل تتبدل صفاته ، تتبدل خصائصه ، وهذا معنى قوله تعالى حينما يحدثنا عن التائبين .

( سورة الفرقان الآية : 70 ) .

يعني كان بخيلاً فأصبح كريماً ، كان جباناً فأصبح شجاعاً ، كان غضوباً فأصبح حليماً ، فلإنسان الذي يتصل بالله عز وجل ولا يتبدل خلقه هذه مشكلة كبيرة ، معنى ذلك أن اتصاله كاذب ليس حقيقياً ، [الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ] ، يعني أحياناً الله جل جلاله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ، وفي بعض الأحاديث الشريفة يقول عليه الصلاة والسلام  : ((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر؟؟ على عياله)) .

[عن جبير بن مطعم ] .

فالإنسان حينما لا يكون بخيلاً ، ولا يكون شحيحاً ، هذه نعمة كبرى أنعم الله بها عليه ، يعني من خلال اتصاله بالله عز وجل اشتق من كمال الله الكرم ، المؤمن كريم يجود بما لديه ، والمنقطع عن الله بخيل  ، المنقطع عن الله يعود إلى أصل طبعه .

من هم هؤلاء المصلون ؟ ورد في بعض الآثار القدسية أنه ليس كل مصلٍ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكف شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصيةٍ ، و أطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس ، على أن أجعل الجهالة له حلما ، والظلمة نورا ، يدعوني فألبيه ، يسألني فأعطيه ، يقسم علي فأبره ، أكلأه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس ، ولا يمس ثمرها ، ولا يتغير حالها .

أيها الإخوة الأكارم ، النقطة الدقيقة أن المصلين كما قلت قبل قليل : ليس كل مصلٍ يصلي ، من هو الذي تقبل صلاته ؟ قال في قوله تعالى :

( سورة المعارج ) .

قبل أن أتابع لا بد من تعليق من علم الكلام ، الصفة قيد ، فإن قلت : إنسان هذه تعني ستة آلاف مليون في الأرض الآن ، يكفي أن تقول : إنسان مسلم الرقم نزل إلى مليار ومئتين ، يكفي أن تقول : إنسان مسلم عربي أصبحوا 250 مليونًا ، يكفي أن تقول : إنسان مسلم عربي مثقف ، 100 مليون ، يكفي أن تقول : إنسان مسلم عربي مثقف طبيب أصبحوا 500 ألف فكلما أضفت صفة ضاقت الدائرة ، فإذا قال الله عز وجل : [إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ، إِلَّا الْمُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ] ، ضاقت الدائرة ، الآن : [الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ] ، ضاقت الدائرة ، [وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ] ، [لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ] ، ضاقت الدائرة ، [وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ] ، ضاقت .

ضاقت وضاقت ، هذا المصلي الذي تبدل صلاته بنيته ، ليس كل مصلٍ يصلي ، هذا المصلي دائم الاتصال ، الذي يحفظ لسانه وفرجه ، صادق ، أمين ، عفيف إلخ ...

[الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا] ، ما معنى الكافرين هنا ، كفر نعمة الله ، نعمة المال نعمة كبيرة ، أول هدف منها أنك تكفي أهلك ، حبذا المال أصون به عرضي ،  لكن المهمة الأكبر أتقرب به إلى ربي ، فكل إنسان مكن في الأرض من خلال المال ، عنده مهمتان أن يصون عرضه بهذا المال، وأن يتقرب إلى ربه بهذا المال ، أما الإنسان غير المؤمن إذا مكنه الله بالمال يظن أن هذا المال من أجل يزداد نعيمه في الدنيا ، فينفق المال إنفاقاً فيه سرف وتبذير في المباحات ، وفي المعاصي والآثام .

[الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا] ، الإنسان البخيل في بدايات حياته يظن أن المال هو كل شيء ، يعبده من دون الله ، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، يحلف يميناً كاذبةً من أجل المال ، يطيع مخلوقاً ، ويعصي خالقاً من أجل المال ، أما في منتصف العمر يدرك أن المال شيء ، لكنه ليس كل شيء، أما على فراش الموت يدرك أن المال ليس بشيء .

والله حدثني أخ قال لي : رجل على فراش الموت جمع من الحرام 800 مليون ليرة ، من القمار ، وجاءه مرض عضال في سن غير متوقعة في سنن مبكرة ، هو على فراش الموت قال : ماذا أفعل ؟ ليتني كنت متسولاً دون أن أملك هذا المال الحرام ، قال له : أحدهم وهو على فراش الموت لو أنفقته كله لا تنجو من عذاب الله ، فالإنسان في البدايات يظن أن المال هو كل شيء ، بعد حين يرى أن المال ليس كل شيء ، لكن عند الموت يراه ليس بشيء ، إن الغنى غنى النفس .

إخواننا الكرام ، عند الموت الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح ، من قوله تعالى :

( سورة القصص ) .

الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح ، أن تأتي يوم القيامة صفر اليدين  ، عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ هكذا تروي يعض الآثار القدسية ، يقول : يا رب ، لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، يقول الله عز وجل : ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، يسأل عبداً آخر يقول : عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول : يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين ، لثقتي بأنك خير حافظاً ، وأنت أرحم الراحمين ، فيقول الله له : أنا الحافظ لأولادك من بعدك .

نموذج آخر هذا نموذج بشري متكرر :

( سورة النساء الآية : 38 ) .

هو لا يعرف الله ، لكن يحب أن يكتب عنه أنه محسن كبير ، يحب أن ينتزع إعجاب الناس ، يحب أن يرائي بإنفاقه الناس ، يحب أن يكسب مكانة علية في المجتمع ، وهو ذو مالٍ كثير ، [وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ] ، يعني فيما بينهم وبين الفقير لا يعطونه شيئاً ، أما في الجمع الغفير ، و أمام إعلامٍ كبير ينفقون أموالهم من أجل أن ينتزعوا إعجاب الناس ، وأن يحتلوا مكانة مرموقة في المجتمع .

( سورة النساء الآية : 38 ) .

وهناك حالات كثيرة جداً ينفق أحياناً مليون ، وله قريبٌ قريب يعاني من مرض عضال، ويحتاج إلى عملية جراحية فلا يسعفه ، لأن إنفاق المليون له صداً كبير في المجتمع ، أما معونة هذا الإنسان الواحد بينه وبينه ليس لها صدى إطلاقاً ، [وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ] .

أيها الإخوة الكرام ، سأقول كلمة ، وأرجو أن تكون واضحة عندكم ، إذا أمنت باليوم الآخر الإيمان الحقيقي الذي أراده الله إن لم تنعكس كل موازينك يكون إيمانك غير صحيح ، الذي يؤمن باليوم الآخر يرى النجاح والفلاح في الإنفاق ، والذي يؤمن بالدنيا وحدها يرى النجاح والفلاح في الأخذ ، إن أردت أن تعلم ما إذا كنت من أهل الدنيا ، أو من أهل الآخرة ، انظر إلى نفسك :  ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ ، المؤمن بنى حياته على العطاء ، مع الإخلاص .

( سورة الليل ) .

وكـأن هذين النموذجين في كل مجتمع إنسان آمن بالحسنى ، آمن أنه مخلوق للجنة ، وآمن أن هذه الدنيا دار عمل ، وآمن أن هذه الدنيا دار إعداد ، وآمن أن هذه الدنيا دار سعي ، وأن السعادة والرخاء والقرب من الله في الجنة ، هذا لأنه آمن بالحسنى يتقي أن يعصي الله ، وهو مستقيم ، ولأنه آمن بالحسنى بنى حياته على العطاء ، همه أن يعطي ، الحديث الدقيق : ((من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله وأتته الدنيا ، وهي راغمة)) .

إن كان أكبر همك هو الآخرة جعل الله غناك في قلبك ، وجمع عليك شملك ، وأتتك الدنيا وهي راغمة ، هؤلاء : [وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ]، ومن باب الطرفة ربما لا يدفع أحدهم مبلغاً لمسجد إلا إذا وضعت قطعة من الرخام على أسفل المئذنة تنوه أن الذي أنشأ هذه المئذنة فلان ، من دون هذه القطعة لا ينفق ، معنى ذلك هناك خلل في إنفاقه ، المخلص لا يعبأ ، أنوه الناس بفضله ، أو لم ينوهوا ، لكن أنا مكلف كمؤمن أن أنوه بفضل الآخرين ، المؤمن ينوه بفضل الآخرين ، لكن الذي ينفق ينبغي ألا يتأثر عطاؤه بالتنويه ، أو بعدم التنويه ، هو لأنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر إذاً ينفق ماله رئاء الناس .

( سورة النساء الآية : 38 ) .

يعني هناك ملك يلهمك ، أو شيطان يوسوس لك ، المؤمن يستجيب لإلهام الملك ، والذي لا يؤمن يستجيب لإلهام الشيطان ، طبعاً الشيطان يوم القيامة يقول :

( سورة إبراهيم ) .

إخواننا الكرام ، يجب أن أنوه لهذه الحقيقة ، المال من نعم الله الكبرى ، ويستطيع الذي أتاه الله المال أن يصل إلى أعلى درجات الجنة ، والنبي عليه الصلاة والسلام : ((لا حسد إلا في اثنتين ؛ رجل علمه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) .

[ رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر وفي الباب عن أبي هريرة  وغيرهما ] .

لذلك المال نعمة كبيرة جداً ، أنت بالمال بإمكانك أن تفعل أعمالاً لا تعد ولا تحصى ، بالتعبير المعاصر خيارات الأعمال الصالحة أمام الغني لا تعد ولا تحصى ، بإمكانه أن يجري عملاً لفقير ، بإمكانه أن يزوج شاباً ، بإمكانه أن يشتري بيتاً لزوجين اتفقا على الزواج ، ولا مأوى لهما ، بإمكانه أن يرعى الأيتام ، بإمكانه أن يوسع الدعوة إلى الله عز وجل ، بإمكانه أن يتبنى الدعاة إلى الله ، أبواب الخير المفتحة أمام الأغنياء لا تعد ولا تحصى ، وهذه الأبواب كلها وراءها طرق سالكة إلى الجنة ، أما الإنسان إذا كان غافلاً عن الله عز وجل ، ولا يعرف الله ، وليس مؤمناً باليوم الآخر يتوهم أن هذا المال من أجل متعه فقط ، لكن الحقيقة العلمية أن متع الحياة لها سقف ، لو أنك تملك ألف مليون ، كم تأكل ؟ وجبة ، كم ثياب ترتدي مرة واحدة ؟ ثياب واحدة ، على كم سرير تنام ؟ على سرير واحد ، في كم بيت تسكن ؟ في بيت واحد ، الدنيا لها سقف ،  مهما كنت غنياً فهناك سقوف تحد من قدرتك على الاستمتاع بالمال ، أما الآخرة فلا نهاية لها ، لذلك من قدم ماله أمامه سره اللحاق به ، وقد يصل الأغنياء من المؤمنين إلى مراتب علية جداً ، وأبواب الخير ولا سيما في هذه الأيام والله لا تعد ولا تحصى ، والله هناك فقر شديد ، وهناك أمراض كثيرة ، وهناك حاجات كثيرة تحتاج إلى من ينفق ، لذلك الغني المسلم له شأن كبير في المجتمع الإسلامي ، لأنه يسد ثغرةً كبيرةً ، الناس في أمس الحاجة إليه ، وأنا حينما أتحدث عن البخل هؤلاء الذين ما عرفوا الله ، وما عرفوا الدار الآخرة ، ثم يقول الله عز وجل :

( سورة النساء ) .

هل يقل استمتاعك بالحياة إذا أمنت بالله واليوم الآخر ، ليس في الإسلام حرمان أبداً ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها ، لو أنك أمنت بالله واليوم الآخر هل أنت محرم عليك أن تأكل ؟ كل مما لذ وطاب ، هل أنت محرم عليك أن تتزوج ؟ لا  تزوج ، كل شهوة أودعها الله في الإنسان جعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها ، أي أنه ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً ، لكن في الإسلام تنظيم ، ماذا عليهم ، يعني هذا الغني لو أنه اتصل بالله ، وأنفق ماله في سبيل الله ، وأطعم ، وشرب ، واكتسى هو وأهله وأولاده ومن حوله ماذا عليه لو آمن بالله ؟ ماذا عليه لو حقق الهدف من وجوده ؟ ماذا عليه لو حقق علة وجوده وهي عبادة الله عز وجل ؟ كأن فيها عتاب من الله ، يعني ماذا عليك أيها الطالب لو درست ، ونلت درجة عليا علمية ، وافتخر بك أبوك ، وكنت قرة عين لأمك وأبيك ، وحصلت دخلاً كبيراً، وتزوجت امرأة صالحة  وأسست بيتاً إسلامياً ، ماذا عليك لو درست ؟ لمَ لم تدرس ؟ ماذا عليك لو استقمت ، هل تخرب الدنيا ؟.

( سورة القصص الآية : 57 ) .

قبل أن تسلموا كان لكم حرم آمن ، بعد إذا أسلمتم تتخطفون من الأرض ، المؤمن إذا استقام ، واصطلح مع الله يعني يحرم الدنيا ؟ لا والله ، تأتيه وهي راغمة ، أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه ، حياة المؤمن لها معنى آخر ، إذا عرف الله عز وجل جاءته الدنيا ، وهي راغمة ، [وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا] ، هم حينما يبخلون لماذا يبخلون ؟ كي يستمتعوا بهذا المال ، يقول الله عز وجل :

( سورة النساء ) .

أنت حينما تنفق تنال من الله أضعافاً مضاعفة : ((أنفق بلالُ ، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)).

[ رواه الطبراني في الكبير وفي الأولى محمد بن الحسن بن زبالة. وفي الثانية طلحة بن زيد القرشي وكلاهما ضعيف ]

عبدي أَنفق أُنفق عليك ، وفي آيات ثمانية في القرآن الكريم يبين الله عز وجل أن الله يخلف على المنفق ، هذا البخيل لا يعرف الله ، لو عرف الله لأنفق ماله في سبيله ، فالله عز وجل يقول :

( سورة البقرة ) .

إذاً هذا البخيل لا يعرف الله ، ولو عرف أن الله سيكافئه على إنفاقه أضعافاً كثيرة ، قد تصل إلى سبعمئة ضعف لدهش ، الله عز وجل هو الكريم إذاً : [إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا] .

وفي الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى :

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi