English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "22"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآيتان 40-41  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني والعشرين من دروس سورة النساء ، ومع الآية الأربعين ، وهي قوله تعالى :

أيها الإخوة ، الله سبحانه وتعالى الذات الكاملة ، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ، والله عز وجل في كل أسمائه الحسنى مطلق ، الإنسان نسبي ، قد يقضي القاضي بمئة حكم ، تسعة وتسعون منها أحكام عادلة ، وفي أحكامه حكم واحد فيه ظلم يسمى عند الناس قاضياً عادلاً ، لكن الله سبحانه وتعالى كماله مطلق ، فلا يمكن أن يكون من الله عز وجل أي ظلم ، ولو بدا صغيراً ، الإنسان لا يستطيع أن يدرك عدل الله بعقله ، لأن عقله محدود ، وعقله مرتبط بمكان وزمان معينين ، وعقله مرتبط بمعطيات محددة ، لكن في حالة واحدة افتراضية يمكن أن تدرك عدل الله بعقلك إذا كان لك علم كعلم الله ، ولأن هذا مستحيل وألف ألف مستحيل لا تستطيع أن تدرك عدل الله بعقلك ، قد تجد شعوب غارقة في الفواحش والآثام ، وشعوب أخرى تعاني ما تعاني ، قد تسأل لمَ هؤلاء في بحبوحة وهؤلاء في ضنك ، العقل البشري لا يستطيع أن يحيط بعلم الله عز وجل ، قاصر لكن الله أخبرنا في قرآنه بآيات كثيرة جداً ، بأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم :

 

( سورة النساء ) .

( سورة العنكبوت الآية : 40 ) .

( سورة النساء ) .

لا قطمير ، ولا فتيل ، ولا نقير ، وهذه الأسماء مشتقة من حياة العرب في صحرائهم ، النواة لها رأس مأنف كإبرة تماماً ، اسمه نقير ، وبين فلقتيها خيط اسمه فتيل ، ولها غلاف رقيق اسمه قطمير ، لا تظلمون لا نقيرا ، ولا قطميرا ، ولا فتيلا ، [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ] .

( سورة غافر الآية : 17 ) .

آيات كثيرة جداً تخبرنا عن عدل الله ، فعقلنا ينبغي أن يقبل من الله أنه أخبرنا عن عدله.

أخوتنا الكرام ، هناك تسلسل في علم العقيدة ، يمكن أن تؤمن بوجود الله ووحدانيته وكماله من خلال عقلك ، ومن خلال هذا الكون الذي كله آيات دالة على عظمة الله ، وفي كل شيء له آية يدل على أنه واحد ، ولك أن تؤمن بالقرآن الكريم من خلال عقلك أيضاً لأن فيه إعجازًا كثيرًا ، آيات الإعجاز في القرآن الكريم كثيرة جداً ، ففي أدلة قطعية أنه لا يعقل ، ولا يمكن ، ومستحيل ، وألف ألف مستحيل أن يكون هذا القرآن من صنع بشر ، ثم إنك تستطيع أن تؤمن أن الذي جاء بهذا القرآن هو رسول الله أيضاً بعقلك  ، بعد أن آمنت بوجود الله ووحدانيته وكماله بعقلك ، وبعد أن آمنت بأن هذا القرآن الكريم كلام الله بعقلك ، وبعد أن آمنت أن الذي جاء بهذا القرآن الكريم هو رسول الله بعقلك انتهى دور العقل ، وبدأ دور النقل أخبرنا الله عز وجل بأنه لا يظلم ، هذا دليل أن هناك آية تكفي ، ما دمت قد آمنت بالله بأنه هو الصادق ، هو الكامل ، هو الحكيم ، هو الرحيم ، هو القوي  هو المتين ، هو الرزاق ، ما دمت قد آمنت بأسمائه الحسنى من خلال هذا الكون ينبغي أن تصدق إخبارك بأنه لا يظلم ، فأنا أعجب من هؤلاء الذين يبحثون عن أدلة عقلية بعدل الله عز وجل ، قد تجد إنسان غارق في المعاصي والآثام ، ويعيش حياةً مديدة بصحة طيبة ، ويموت بهيئة راقية ، من قال لك إن الدنيا هي دار جزاء ، من قال لك ذلك ؟ إنما هي دار ابتلاء فقط ، فإذا عاقب الله بعض المسيئين يعاقبهم ردعاً للباقين ، وإذا أكرم الله بعض المحسنين يكرمهم تشجيعاً للباقين ، ولكن الدنيا ليس دار جزاء ، إنما هي دار ابتلاء ، وليست دار تكريم ، إنما هي دار تكليف ، التشريف في الآخرة  والتكليف في الدنيا ، الجزاء في الآخرة ، والعمل في الدنيا ، إذاً وطن نفسك على أنك إنما في مرحلة ابتلاء .

( سورة المؤمنون ) .

        لا يقلقك أن ترى إنساناً كافراً يتمتع بالحياة الدنيا تمتع البهائم ، يأكل ، ويشرب ، ويرتدي أجمل الثياب ، ويسكن في أجمل البيوت ، ويركب أجمل المركبات .

( سورة آل عمران ) .

( سورة النساء الآية : 77 ) .

( سورة الإنسان ) .

( سورة المدثر ) .

فحينما تعتقد ، أو تتوهم أن هذه الدنيا دار جزاء وقعت في خطأ فاحش لأنك سوف تفاجئ أنه قد تجد إنسانًا كافرًا منحرفًا غارقًا في المعاصي ، وهو في أبهى زينة ، وفي أكبر ثروة ، وفي أجمل بيت ، وقد تجد إنسانًا حريصًا على طاعة الله حرصاً لا حدود له ، ويعاني ما يعاني ، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي ، لا شك أن المؤمن يحب أن يوقن أن الله كامل ، عادل ، رحيم ، حكيم ، قوي ، متين ، بيده كل شيء ، هذه المعاني ترتاح لها النفس ، لذلك حقائق الدين متوافقة مع الفطرة ، فأنت حينما تتمنى أن يكون عدل الله مطلقاً فمعك الحق ، هذه فطرتك ، ولكن لا تسلك طريقاً لم يسمح الله لك به أن تسلكه ، ينبغي أن تؤمن بعدله من خلال كلامه ، قال لك : [وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا] ، [لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ] .

( سورة الأنبياء ) .

آيات كثيرة جداً ، لكن أيها الأخوة في مشكلة أتمنى أن تكون واضحة لديكم أنت تعيش في مجتمع ، وفي هذه المجتمع الغني والفقير ، والصحيح والمريض ، والقوي والضعيف ، والوسيم والدميم ، والمعمر وقصير العمر ، ما الذي يحدث ؟ ترى أن زيدًا من الناس قد أصيب بمرض عضال ، أنت اطلعت على قصة في آخر فصل من فصولها ، ولأنك لا تدري بقية الفصول تقع في حيرة ، لمَ يفسر هذا المرض ؟ والذي مرض إنسان مسلم مؤمن مستقيم فيما تعلم، قد تجد إنسانًا آخر في أشد حالات المعصية والانحراف ، ومع ذلك في بحبوحة وجسمه قوي ، أيضاً أنت اطلعت على قصة في آخر فصل من فصولها ، ولم تطلع على بقية الفصول ، لكن ما منا واحد أيها الإخوة إلا وعنده بعض القصص ، وقد تكون قليلة يعرف كل فصولها من أولها إلى أخرها ، يرى عدل الله مطلق ، يرى حكمته المطلقة ، والله أيها الإخوة لولا أن الوقت لا يسمح ، وأن مقام تفسير القرآن لا يتسع لقصص كثيرة ، لكن والله عندي عشرات بل بضع عشرات ، بل مئات من القصص إن سمعت فصولها كلها من أولها إلى أخرها ينبغي أن تخر ساجداً لله عز وجل ، لعدالته المطلقة ، لكن العقل البشري لا يستطيع أن يعرف كل شيء ، الإنسان بحكم أقربائه ومن حوله ، من يتعامل معهم قد يطلع على بعض القصص ، فيرى عدل الله المطلق ، ولكن آلاف القصص أنت لا تطلع عليها ، تطلع على آخر فصل من فصولها ، فربما لا تفهمه ، قد تحار به ، لذلك حينما يقول الله عز وجل : [إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ] ، لا يمكن أن يبخس لك عملك الصالح ، ضحيت ، بذلت وقت ، بذلت جهد ، وبالمقابل لا يمكن أن تنال ما لا تستحق ، لا يمكن أن يبخس لك عملك الصالح ، كما أنه لا يمكن أن تنال منه ما لا تستحق ، هذا عدل الله عز وجل .

حالة ثالثة : كل إنسان في علاقته مع الله يرى رأي العين أن الله عادل ، على مستوى علاقتك مع الله ، كم من إنسان أصيب بشيء ، ثم أدرك أن هذا الشيء يقابل هذا الشيء .

((ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يغفر الله أكثر)).

[رواه ابن عساكر عن البراء تصحيح السيوطي : ضعيف ] .

إن الله لا يظلم ، والإنسان يحتاج إلى أن يظلم ، لأنه فقير أحياناً ، فيأخذ ما ليس له ، لأنه قوي ، وعنده أحقاد فيأخذ ما ليس له ، لكن الله جل جلاله لا يمكن لذاته الكاملة ، ولأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى أن يظلم ، لذلك : [إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ] ، لو أنك نزعت من المسجد قشةً لا يزيد طولها عن سم هذا العمل سوف تكافأ عليه ، لذلك في بعض الأحاديث أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، لكن الآية الكريمة والله تملأ النفس راحة.

 

( سورة الجاثية الآية : 21 ) .

 

هل يعقل ذلك ، هل يقبل ذلك ، هل يصدق ذلك .

 

حدثني أخ كريم قال ذهبنا إلى بلد غربي لشراء سيارتين وبيعيهما في سورية ، فذهبا إلى هناك بالطائرة ، وعادا بهاتين السيارتين ، في بلد أوربي أظن بولونيا ، ناما في أحد فنادقها ، بعد منتصف الليل طرق باب كليهما من قبل امرأة ، واحد فتح الباب ، وعصى الله ، والثاني قال : معاذ الله ، إني أخاف الله رب العالمين ، الموقف واحد ، واحد فتح ، والثاني ما فتح ، عادا إلى الشام واحد في صعود ، والثاني في انهيار ، بشر الزاني بالفقر ولو بعد حين .

أيها الإخوة الكرام ، أحياناً تتأمل أفعال الله لا تملك إلا أن تخر ساجداً لله ، لا يضيع عليك ولا مثقال ذرة ، لو تكلمت كلمة ، لو أكرمت شيخاً لسنه لا بد أن يسخر الله لك من يكرمك عند سن هذا الشيخ ، ((ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض اللَّه له من يكرمه عند سنه)) .

[ عن أنس رضي الله عنه : رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ] .

حدثني أخ قال لي رجل في بلد عربي من الدرجة الوسطى من حيث أخلاقه ودينه ، وأقل من الوسط ، وله أولاد ليسوا أبراراً ، علاقتهم عادية جداً مع أبيهم ، أصيب الأب بمرض عضال ، قام أولاده على خدمته بطريقة لا يتصورها العقل ، اهتمام ، وبذل تضحية ، لا الأب يستحق هذه الخدمة الراقية جداً ، ولا الأولاد عهد منهم أنهم أبرار ، ما السبب ؟ لأن هذا الذي وقع في المرض كان باراً لوالديه ، فهيأ الله له هؤلاء الأولاد ، وليسوا على المستوى المطلوب ليبروه عند مرضه ، فعل الله واضح جداً ، لكن أنا أتمنى على كل إنسان أن يقف عند أفعال الله، أن يتأملها ، أن يحللها ، يجد العجب العجاب ، يجد رحمة ، يجد عدلاً ، يجد إنصافًا ، يجد حكمة، يجد لطفًا أحياناً ، [إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ] .

سيدنا عمر جاءه شارب خمر ، فقال : أقيموا عليه الحد ، فقال هذا الإنسان : والله يا أمير المؤمنين الله قدر علي ذلك ، فقال : أقيموا عليه الحد مرتين ، مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، قال : ويحك يا هذا ، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار ، أنت مخير ، [إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا] ، فقد تضع لقمة في فم زوجتك تود دلالها ، ورحمة بها ، تجدها عند الله يوم القيامة كجبل أحد .

( سورة البقرة الآية : 245 ) .

قدم معونات لإخوانك المؤمنين ، واسِ مرضاهم ، تفقد فقرائهم ، خذ بيدهم إلى الله ، الوقت الذي تبذلهم معهم محسوب عند الله ، والجهد الذي تبذله محسوب عند الله ، والمال الذي تبذله محسوب عند الله ، وقد تمشي مع أخيك في خدمته ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :((لأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف شهرا في مسجدي هذا )) .

[ عن ابن عمر ، وأخرجه البخاري ] .

تعمل عملاً صالحاً بإخلاص تودداً من الله عز وجل ، ثم لا تجد الأجر الذي تستحقه ؟ مستحيل ، [إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا] ، أضعاف مضاعفة ، كأن الله سبحانه وتعالى ينتظرنا أن نتاجر معه .

( سورة الصف ) .

[وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا] ، لو أنك عملت لإنسان ماذا يعطيك ؟ والله أيها الإخوة ، كلمة دقيقة : لا يليق بك كإنسان أن تكون لغير الله ، وإذا كنت لغير الله غير الله ماذا يعطيك ؟ يعطيك بيتاً في الحياة الدنيا ، يعطيك مركبةً ، من الذي بإمكانه أن يعطيك  جنةً عرضها السماوات والأرض ؟ إنه الله .

يروى أن أحد خلفاء بني العباس ، وأظنه هارون الرشيد كان في الحرم المكي أيام الحج، رأى عالماً جليلاً زاهداً ، قال له : سلني حاجتك ، قال : والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيوت الله ، فلما رآه خارج الحرم المكي قال له : سلني حاجتك ، قال : والله ما سألتك من يملكها، فكيف أسألها ممن لا يملكها ، فلما ألح عليه ، قال له : حاجتي أن تدخلني الجنة ، وأن تنقذني من النار ، قال له : هذه ليست لي ، قال له : إذاً ليست لي عندك حاجة ، يعني لا يليق بك كإنسان أن تكون لغير الله ، أنت حينما ترفض أشياء كثيرة ترفضها احتقاراً لها ، قد ترفض بيتاً ثمنه كبير ، وحجمه صغير ، قد ترفض تجارةً متعبة ، وربحها قليل ، قد ترفض فتاةً لا تعجبك ، ومهرها كبير ، أنت أحياناً ترفض أشياء كثيرة ، ترفضها احتقاراً لها ، إلا إنك إذا رفضت دين الله عز وجل  فإنك تحتقر نفسك .

( سورة البقرة الآية : 130 ) .

[إن اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا] ، لذلك أعظم تجارة هي تجارة مع الله ، ((يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها)) ، هناك شركات حجم رأس مالها يزيد عن ميزانيات دول ، إحصائية ربما لا تصدقونها ، شركة واحدة من الشركات العملاقة دخلها السنوي يزيد على الدخل القومي لبلد يبلغ تعداد شعبه خمسين أو ستين مليونًا ، هذه الشركات لو أنك تملك واحدة منها مثلاً ، قال : ((يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها)) ، ((خير لك من حمر النعم)) ، ((خير لك مما طلعت عليه الشمس)) ، سيدنا موسى حينما سقى الفتاتين ابنتي سيدنا شعيب قال :

( سورة القصص ) .

حتى إن في بعض الأدعية ورد أن : ((لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قربا)) ، لعمل صالح ، ((ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد من الله علما)) ، لذلك المؤمن همه الأوحد أن يقدم أعمالاً صالحة خالصةً لله عز وجل ، يبتغي بها وجه الله ، هذا أغنى إنسان ، لو إنسان فرضاً يملك مليارات من عملة معينة ، فذهب إلى بلد لا يعترف بهذه العملة ، إذاً هو فقير هناك ، ربما لا يملك ثمن طعام ، كل ما يملك من عملة غير مقبولة هناك ، لذلك كل مكتسبات الإنسان في الدنيا لا وزن لها في الآخرة ، هناك الوزن لعمل الصالح ، الوزن لعمل صالح ابتغي به وجه الله ، والعمل الصالح أيها الإخوة لا يقبله الله إلا إذا كان خالصاً وثواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وثواباً ما وافق السنة .

( سورة النمل الآية : 19 ) .

العمل الصالح لا يقبل إلا إذا رضيه الله عز وجل ، مقيد برضا الله عز وجل ، ورضا الله عز وجل يتحقق أن يكون وفق سنة رسول الله .

( سورة آل عمران ) .

تعمل حفلة غنائية وريعها يرصد للأيتام ، لا يصح هذا العمل ، يانصيب خيري ؟ يجب أن تعمل عملاً صالحاً وفق منهج الله ، وتبتغي به وجه الله ، هذا هو الثروة الحقيقية ، هذا الذي يرفعك عند الله ، والعمل الصالح يرفعك .

ثم يقول الله عز وجل :

يعني كل أمة أرسل الله لها نبياً ورسولاً يشهد لها منهج الله ، وعدل الله ورحمة الله ، وقد أخبرها أن هناك يوماً آخر فيه يحاسب الناس ، فيه تسوى الحسابات ، لأن الله عز وجل لا يمكن أن يدع عباده من دون رسول ، من دون إرشاد ، لقوله تعالى :

( سورة الليل ) .

الهدى على الله ، وكلمة على مع لفظ الجلالة تفيد أن الله ألزم نفسه بهدى العباد ، الله جل جلاله ألزم نفسه بهداية العباد ، [إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى] ، [فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ] ، وشهيد صيغة مبالغة على وزن فعيل ، يعني نبي كريم يتقن لغة قومه ، فصيح ، كامل ، معصوم ، يبين، يوضح في أعلى درجة من الفطانة والحكمة ، والبيان ، والفصاحة ، [فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا] ، تروي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من ابن مسعود أن يتلو أمامه القرآن ، فقرأ له سورة النساء ، فلما وصل عبد الله بن سعود إلى قوله تعالى : [فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا] ، قال له : حسبك ، فقال ابن مسعود : فنظرت إلى رسول الله فإذا عيناه تذرفان .

إخواننا الكرام ، سنة رسول الله بين أيدينا ، لأن النبي خاتم الأنبياء ، وخاتم الرسل ، وكأن الله سبحانه وتعالى لعلمه للغيب جعل هذه السنة متداولة في شتى بقاع الأرض ، والله ذهبت إلى أقصى مكان في الدنيا ، سيدني ، إذاعات إسلامية ، الأحاديث ، والقرآن ، والتفسير ، وقد تنبأ النبي بذلك ، قال : ((يبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار)) ، يعني أي مكان في الأرض فيه ليل ونهار ، هذا الحق سوف يصل إليه ، الآن لو ذهبت إلى معظم أقطار الدنيا ، في أي مكان العلم الإسلامي مبذول في أي مركز إسلامي ، عن طريق الأشرطة  ، وعن طريق المحاضرات، وعن طريق الضيوف ، والمؤتمرات ، فالنبي صلى الله عليه وسلم  يشهد يوم القيامة أنه بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة  ونصح الأمة ، وكشف الغمة ، وجاهد في الله حق الجهاد ، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد ، الحجة قائمة علينا ، ما من مشكلة على وجه الأرض إلا وفيها شرح أن هذه المشكلة سبب حصولها مخالفة منهج الله عز وجل ، أبداً ، لو كنت محللا اجتماعيا ، في أي بيت، في أي عمل ، بين صديقين بين شريكين ، بين زوجين ، ما من مشكلة إلا بخطأ ارتكبه أحد الطرفين ، أو كلاهما ، [فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ  شَهِيدًا] .

مشكلة الناس اليوم أيها الإخوة ، أنهم يعيشون لحظتهم ، ولو عاشوا مستقبلهم لارتعدت فرائصهم ، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً لضحكتم قليلاً ، وفي بعض الروايات أن روح الميت ترفرف فوق النعش ،تقول : يا أهلي ، ويا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حله ، وفي غير حله ، فالهناء لكم ، والتبعة عليّ .

فحينما الإنسان يدرك أنه لابد من أن يموت ، والناس ماذا يفعلون يعدون أعمارهم عداً تصاعدياً ، والأولى أن يعدوا أعمالهم تنازلياً ، ليسأل كل منا نفسه : كم بقي لي ، ثم سؤال آخر : هل بقي بقدر ما مضى ، والإنسان إذا تجاوز الأربعين أغلب الظن أنه لم يبق بقدر ما مضى ، فإذا كان الذي مضى مَضى بلمح البصر ، والذي بقي أيضاً يمضي كلمح البصر ، وما من واحد منا وحوله أشخاص توفاهم الله عزوجل ، كانوا أشخاصًا ، وكان لهم بيوت ، وزوجات ، وأولاد، تجارة ، أو منصب ، وله عاداته ، وتقاليده ، وله مكانته ، له أنماط حياة خاصة ، يحب بعض الأكلات يستمتع ببعض الأشياء ، فجأة أصبح نعيا على الجدران ، بعد حين أصبح تحت التراب، انتهى ، ملف وانتهى ، كل مخلوق يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت .

والليل مهما طـــال     فلا بد من طلوع الفجر

و العمر مهما طــال     فلابد من نـزول القبر

***

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته         يوم على آلة حدباء محمول

فإذا حملت إلى القبور جنــازة          فاعلم بأنك بعدها مـحمول

[يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ] ، العبرة أيها الإخوة بالنهاية ، العبرة من يضحك آخرًا ، الناس اليوم يضحكون قليلاً حينما يغتنمون بعض الغنائم ، يقتنصون بعض الشهوات حينما يحققون بعض مباهجهم في الدنيا ، يضحكون ، ولكنهم يضحكون قليلاً ، فإن لم يكونوا على حق في كسبهم للمال ، إن لم يكونوا على حق في اقتناصهم للشهوات فسوف يبكون كثيراً ، لكنك إذا كنت بطلاً تضحك آخراً ، تضحك حينما ترى مقامك في الجنة ، تضحك حينما تموت على الإيمان ، وا كربتاه يا أبت ، قال : لا كرب على أبيك بعد اليوم ، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه .

إخواننا الكرام ، ما لم تؤمن باليوم الآخر إيماناً حقيقياً ، وما لم تنقل إليه كل اهتماماتك ، وما لم يكن عملك الصالح موجه إلى الدار الآخرة مع الإخلاص الشديد فأنت لا تعيش الحياة التي أرادها الله لك ، لذلك يقولون : في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، إنها جنة القرب ، إنها جنة الطاعة ، إنها جنة العمل الصالح ، [يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ] ، ما قال : وعصوا الله ، [وَعَصَوُا الرَّسُولَ] ، لأن الرسول أمرنا الله عز وجل أن نطيعه ، يطاع رسول الله استقلالاً ، يطاع الله في قرآنه ، ويطاع النبي في سنته .

       

( سورة النساء الآية : 59 ) .

لكن أولي الأمر يطاعون تبعاً ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، أولوا الأمر هم العلماء ، وأولوا الأمر هم الأمراء ، العلماء يعلمون الأمر ، والأمراء ينفذون الأمر ، لكن طاعتهم مرتبطة بطاعة رسول الله ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم  وحده يطاع استقلالاً ، لقوله تعالى :

 ( سورة الحشر الآية : 7 ) .

والآن أيها الإخوة ، هناك موجة تجتاح العالم الإسلامي ، هذه الموجة تكتفي بالقرآن ، يقولون : حسبنا القرآن ، فلو قبلنا معك هذه النظرية ، أين تجد في القرآن عدد الصلوات ، وعدد الركعات ، وأين تجد في القرآن أنصبة الزكاة ، أين تجدها ؟ القرآن فيه كليات ، أما التفاصيل ففي السنة الشريفة ، بل إن السنة الشريفة هي في حقيقتها تبيان لما في القرآن الكريم ، من هنا قال الله عز وجل .

( سورة النساء الآية : 80 ) .

طاعة رسول الله عين طاعة الله ، وطاعة الله تقتضي أن تطيع رسول الله ، والدليل :

( سورة القصص الآية : 50 ) .

هؤلاء الذين كفروا ، وعصوا الرسول يتمنون يوم القيامة لو تسوى بهم الأرض ، [وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا] ، الإنسان معه معلومات ، إذا أدلى بها يخاف أن يقطع رزقه ، أو يخسر منصبه ، لذلك يكتمها ، هذا الذي يسكت عن الحق شيطان أخرس .

أيها الإخوة ، في درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى :

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi