English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "23"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآية 43  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث والعشرين من دروس سورة النساء ، ومع الآية الثالثة والأربعين ، وهي قوله تعالى :

أيها الإخوة الكرام ، هذه آية في التشريع ، وقد يبدو لنا أن الله سبحانه وتعالى جاء التشريع لحكمة أرادها الله متدرجاً ، فحينما أراد الله عز وجل أن يلفت نظر المؤمنين إلى أن الخمر شراب ليس بحسن .

( سورة النحل الآية : 67 ) .

كأن تقول : هذا طالب وهذا طالب جيد ، معنى ذلك أن الأول ليس بجيد ، هذه أول إشارة في القرآن إلى أن الخمر فيه ضرر .

أن تأكل الفاكهة هذا رزق حسن ، أما أن تخمرها فهذا رزق آخر ، هذه أول إشارة ، ثم جاء قوله تعالى :

( سورة البقرة الآية : 219 ) .

سيدنا عمر سأل الله جل جلاله ، ففي دعائه كان يقول : ((اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافياً)) .

الآية الثانية : ماذا نستنبط من هذا التدرج ؟ نستنبط من هذا التدرج أنك إذا دعوت إلى الله وقنع معك هذا الذي تدعوه ، ثم وجدته يألف شيئاً فحاول أن تقنعه أن يترك هذا الشيء بالتدريج ، لأنك لو ألزمته أن يتركه دفعة واحدة لترك الدين ، وترك التوبة ، فإذا كان تعلق الإنسان بشيء ألفه ، واعتاده تعلقاً شديداً فمن الحكمة البالغة أن تتدرج في هذا الشيء ، ليس معنى ذلك أن هذه الآيات يعمل بها الآن ، هي آيات منسوخة ، لأنه في المرحلة السادسة ، قال الله عز وجل : [لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ] ، فأوقات الصلاة متقاربة ، والسكر ضياع العقل ، فلذلك امتنع الصحابة عن شرب الخمر فيما بين الصلوات المتقاربة ، ولم يتح لهم إلا بعد صلاة العشاء ، ثم نزل قوله تعالى :

( سورة المائدة ) .

وفي نهاية الآية :

( سورة المائدة ) .

فقال سيدنا عمر : انتهينا يا رب ، وعندئذٍ جاء التحريم القطعي ، الفوضى في العلاقات الجنسية التي كانت في الجاهلية أيضاً جاء التحريم تدريجياً ، فحكمة التشريع أن الإنسان إذا كان متعلقاً بشيء تعلقاً شديداً حتى أصبح عادة من عوائده ينبغي أن تتلطف في حمله على تركه ، لئلا يترك التوبة أصلاً ، ويترك الإيمان أصلاً .

أيها الإخوة الكرام ، تروي بعض الروايات أن أحد الصحابة الكرام صلى بإخوانه فقرأ في الصلاة : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ، من أثر السكر ، فجاءت هذه الحادثة سبباً لنزول قول الله عز وجل : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ] ، ما بقيت ، هذه الآيات المنسوخة طبعاً ، [لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى] ، معنى ذلك مسموح بنص الآية أن يشرب الخمر بعيداً عن الصلاة ، هذه الآية منسوخة ، لا يعمل بها ، ولكن ما الحكمة من بقائها في القرآن الكريم ؟ الحكمة أن تتعلم أنك إذا أردت أن تتعامل مع إنسان شارب للخمر فينبغي أن تكون متلطفاً معه ، ليس العبرة أن تقمعه ، ولا أن تحطمه ، ولا أن توبخه ، ولا أن تضع أمامه السدود ، فهذا الذي قتل تسعاً وتسعين رجلاً ، وسأل راهباً : ألي توبة ؟ قال : لا فقتله ، والحديث في الصحاح ، ثم بين أن عالماً جليلاً قال له : لك توبة ، على أن تغادر هذه الأرض ، يعني البيئة لها أثر كبير في اقتراف الذنوب .

فسيدنا عمر كان يدعو الله ويقول : ((اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً)) ، بعض العلماء وسع كلمة السكر ، وقال : إن المراد بالسكر في الأصل سكر الخمر ، إلا أن بعضهم قال: هناك سكر النوم ، ما الذي ينبئ عن معنى السكر ، أنه لا يعلم ما يقول ، فبعضهم قال : هناك سكر النوم ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : ((إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم ، فإن أحدكم إذا صلى ،وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه)) .

[عن عائشة رَضِيَ عنها ، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] .

وبعضهم قال : الحاقن الذي تجمع البول في مثانته بحجم كبير ؛ هذا لا يستطيع أن يعي ما يقول ، لذلك ورد عن رسول الله صلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ((لا يصلين أحدكم وهو حاقن)) .

لا بد من أن تقبل على الله وأنت متفرغ ، أي شيء يعيق إقبالك على الله ينبغي أن تبتعد عنه ، حتى إذا جلست إلى طعام ، وقد أذن العشاء وأنت جائع ونفسك تتعلق بالطعام ، تحبه ، فيبغي أن تصلي العشاء ثم تتناول العشاء ، العبرة أن يكون قلبك فارغاً من أي شيء يحول بينك وبين الإقبال على الله   عز وجل ، حتى أن بعضهم قال : الأولى في الصلاة أن تزيل كل مشوش يشوش عليك في صلاتك ، لو جاءتك رسالة ، افتحها واقرأها ثم صلي ، لو اشتريت آلةً وأنت تتساءل هل فيها هذه الميزة افتحها وادرس ميزاتها ثم صلي ، أي شيء يعيق المؤمن عن اتصاله بالله عز وجل ينبغي أن يدعه ، على كلٍ الأصل في الآية هو سكر الخمر ، [لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى] ، والعلماء قالوا : كلمة (لا تقرب) - بفتح الراء - معناها لا تتلبس بفعل الشيء ، أما (لا تقرب) بمعنى لا تقترب ، فالذي حمل الآية على لا تقرب أي لا تصلي وأنت سكران ، أما الذي حمل الآية على الاقتراب فيعني حتى مقدمات الصلاة ينبغي أن تكون فيها صاحياً .

أيها الإخوة الكرام ، ثم يقول الله عز وجل :[حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ] ،  وقبل أن ننتقل إلى الفقرة التي تليها ، لو أن الإنسان ليس سكران ، لكنه غائب في همومه في الصلاة ، يحدث نفسه بحديث الدنيا ، ومشاغلها وشهواتها ، وجمع أموالها ، ومستقبله ، هذا الحديث يجعله في حكم السكران ، لأنه ما عقل عن الله شيئاً ، لأنه لا يعلم ما يقول ، إذاً الذي يصلي ، ولا يعلم ماذا قرأ في الصلاة هذا في حكم السكران ، هناك قصص كثيرة أحياناً يصلي عدد غفير من الناس وراء إمام  لو أن الإمام سألهم : ماذا قرأت في الركعة الأولى ؟ ربما لا تجد من بين المئة مصلٍ إلا عددًا قليلا جداً يذكر ماذا قرأ في الركعة الأولى ، إذً ليست هذه الصلاة الذي أمر الله بها ، ليست هذه الصلاة الذي أرادها الله لنا ، قال: [حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون] .

( سورة الفاتحة ) .

تقرأ :

( سورة الإسراء الآية : 53 ) .

ألم تسأله أن يهديك الصراط المستقيم ؟ جاء الجواب ، فكأن الآيات التي تقرأها عقب الفاتحة هي إجابة الله لك حينما سألته أن يهديك الصراط المستقيم ، أنت حينما تركع فحالة الركوع حالة خضوع لله عز وجل ، كأن لسان حالك يقول : سمعاً وطاعةً يا رب ، سألتزم بذلك، قال لك في الصلاة :

( سورة البقرة الآية : 83 ) .

قال لك في الصلاة :

 

( سورة النور الآية : 30 ) .

قال لك في الصلاة :

( سورة الأعراف ) .

حينما تقرأ الآية عقب الفاتحة على أنها الجواب الإلهي عن سؤالك : اهدنا الصراط المستقيم ، تكون قد علمت ما تقول في الصلاة ، [حَتَّى تَعْلَمُوا مَا  تَقُولُونَ] .

فإذا ركعت فالركوع حالة خضوع لله عز وجل ، أما إذا سجدت لأنك في الفاتحة تقول : [إياك نعبد وإياك نستعين] ، حينما جاءك الأمر خضعت له ، لكنك ضعيف لا تستطيع أن تقيم أمر الله إلا بمعونة الله ، فيأتي السجود وفيه طلب العون من الله ، يعني لسان حالك في السجود إياك نستعين يا رب على أداء أوامرك ، واجتناب نواهيك ، كما ورد في بعض الأحاديث أن لكل آية حظها من الركوع والسجود ، هذه الآية التي قرأتها عقب الفاتحة لها نصيبها من الركوع ، ولها نصيبها من السجود ، إذاً أنت صليت وعلمت ماذا قلت في الصلاة ، أما هذا الذي لا يعلم ماذا يقول هو في حكم السكران .

ثم يقول الله عز وجل : [وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ] ، وكأن الله                                                                                         عز وجل أراد هنا موضع الصلاة ، يعني لا يمكن أن تدخل المسجد جنباً إلا أن يكون عبور سبيل ، كان بعض الصحابة الكرام لهم بيوت مطلة على المسجد ، فإذا أراد أن يجلب الماء للبيت، وكان جنباً ، فلا بد أن يخترق المسجد ، فجاء هذا الحكم ، أنه يجوز للجنب أن يمر في المسجد مروراً عابراً لا إقامةً ولا صلاةً ، [وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ] ، وقد يفهم من هذه الآية أنك إذا كنت مسافراً ، وأصابتك جنابة ، ولم تجد ماء تغتسل به فلك أن تتيمم ، ولك أن تصلي ، وقد ورد عن بعض الصحابة أنه استفتي في إنسان شج رأسه ، فاحتلم في الليل ، فسأل : ألي رخصة في ترك الوضوء ؟ فقالوا له : لا ، فتوضأ فمات ، فغضب النبي غضباً شديداً ، وقال : قتلوه قاتلهم الله ، هلا سألوا إن لم يعلموا  [وَلَا جُنُبًا] ، إذاً لا تستطيع أن تقرب الصلاة إذا كنت جنباً ، حتى تغتسل ، إلا إذا كنت مسافراً ، وفي السفر رخصة لك أن تتوضأ ، وأن تصلي إن لم تستطع أن تغتسل ، فإن لم تجد ماء أصلاً فلك أن تتيمم ، وأن تصلي إذا كنت مسافراً ، كنت مسافرًا ، وليس هناك ماء ساخن ، والوقت شتاء قارص ، إذاً يمكن أن تتوضأ وتصلي ، أما كنت مسافراً ، وليس معك ماء إلا للشرب إذاً يمكن أن تتيمم ، وتصلي ، فناس قالوا : لا تقربوا الصلاة ، الصلاة نفسها ، وأناس قالوا : موضع الصلاة ، أي المسجد ، والطائفة الثالثة قالت : أراد الله الصلاة وموضعها معاً ، ذلك لأن الصحابة الكرام لا يأتون المسجد إلا للصلاة ، ولا يصلون إلا مجتمعين في المسجد ، فاختلط مفهوم الصلاة مع مفهوم مكان الصلاة.

إخواننا الكرام ، السكران لا يعلم ما يقول ، لأن السكر إغلاق للعقل ، والعقل مناط التكليف ، حدثني أخ قال : التقى بموظف في مستوى عال جداً من الحكمة ، والوقار ، والهدوء ، والذكاء ، ثم كانوا في جلسة ، فشرب الخمر هذا الموظف ، فتكلم كلاماً لا يمكن أن يتكلمه إنسان عاقل على وجه الأرض ، فضح نفسه ، تحدث عن خصوصياته ، تحدث عن علاقاته الآثمة ، تحدث ، و تحدث ...! لأن السكران معطل عقله ، وكأن شيئاً سد عليه عقله ، وكأن تدفق الأفكار سدت بالسكر .

تروي بعض الكتب أن إنسانًا خيِّر بين أن يسكر ، وبين أن يزني ، وبين أن يقتل ، فتوهم أن السكر أهون هذه الأشياء ، فسكر ، فزنى ، وقتل بعدها ، وكم من إنسان كان ثملاً فدخل إلى بيته وقتل كل أطفاله ، ثم حينما صحا قتل نفسه ، السكر ضياع العقل ، لذلك ورد في بعض الآثار أن الشر كله جمع في بيت ، فكان مفتاحه السكر .

أيها الإخوة ، بعض الدول الأجنبية حرمت الخمر في الثلاثينات ، قرأت بحثاً حول هذا الموضوع دهشت له ، أنفقت مئات الملايين توعيةً للناس ، طبعت آلاف النشرات ، ومئات الكتب ، وأدخل السجن مئات ألوف الأشخاص ، ومع ذلك لم تستطع هذه الدولة أن تحرم الخمر ، بل تفاقم شرب الخمر سراً ، بل صنعت سفنٌ ذات جدارين كانت الخمور تهرب بين جدرانها ، فلما يئسوا من تحريم الخمر أطلقوه ، هذا الأمر كان في الثلاثينات ، سبحان الله عند المسلمين الأمر غير ذلك ، لا يفكر مسلم من عامة المسلمين لا أقول من خاصتهم ، ولا أقول من مجتهديهم، لا يفكر مسلم من عامة المسلمين أن يشرب الخمر ، إلا إذا كان خارجاً عن الملة ، أو غارقاً في المعصية والإثم ، وهؤلاء بالنسبة لمجموع المسلمين قلة ، وحينما يكون الآمر هو الله لا يمكن أن تخالفه .

مرة ضربت مثلا ، ممنوع أن تتكلم بهاتفك المحمول ، وأنت تقود السيارة ، هذا المنع مرتبط بالشرطي فقط ، فإذا لم يوجد الشرطي تتكلم .

أما حينما أمرك الله أن تغض البصر في أي مكان كنت لا يراقبك أحد تستطيع أن تخترق أمر عز وجل ، لذلك حينما يضع الإنسان التشريع ، الإنسان الذي شرع له التشريع ذكي كواضع التشريع ، فكثيراً ما يحتال عليه ، حينما وضع إلزامٌ لقائدين المركبات ألاّ يتجاوزوا المئة فوضعت أجهزة رادار تكشف الذي يتجاوزن من قيادة سياراتهم السرعة القانونية ، صنع جهاز يكشف جهاز الرادار ، فكان الذي يقود مركبته حينما يعلمه جهازه أنه بعد خمسة كيلو متر هناك جهاز رادار يخفف السرعة ، إذاً حينما يضع الإنسان تشريعاً يكون واضع التشريع عاقلا ، والذي وضع له التشريع أكثر عقلاً ، فالقضية معركة بين عقلين ، أما حينما يكون المشرع هو الله عز وجل فالأمر مختلف ، قال له : بعني هذه الشاة ، وخذ ثمنها ، قال : ليست لي ، قال : قل لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب ، قال : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت  أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق وأمين ، ولكن أين الله ؟! .

أيها الإخوة ، ثم يقول الله عز وجل : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا] ، انظر ، [وَلَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا] ، الحكم ، لا يمكن لإنسان جنب أن يصلي حتى يغتسل ، إلا استثناء ، [إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ] ، إذا كان ثمة ماء للوضوء فتتوضأ ، وتصلي ، وإن لم يكن هناك ماء أصلاً فتيمم وصلِّ.

 الجنب أيها الإخوة ، هو الذي جامع زوجته أو احتلم ، والعلماء على أن الغسل يجب عند التقاء الختانين ، أو عند الإنزال ، في هاتين الحالتين يجب الغسل ، وحينما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : ((الماء من الماء)) ، يعني الاغتسال يكون من الإنزال فقط ، العلماء وجهوا ذلك الحديث إلى موضوع الاحتلام ، فالذي احتلم ، ولم يجد ماء فليس عليه شيء ، أما إذا احتلم ، ووجد آثار الماء على ثوبه الداخلي فعندئذٍ يجب أن يغتسل .

أيها الإخوة ، هذا الذي يعبر المسجد ، وهو جنب إذا توضأ يجوز أن يبقى فيه ، وكذلك المسافر إذا دخل المسجد ، وتوضأ ، ولم يجد ماء للاغتسال فإنه يسمح له البقاء في المسجد .

ثم يقول الله عز وجل : [وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ] ، نبدأ بالمرضى المريض الذي يؤذيه الماء ، أو يطيل في مدة شفائه ، أو يزيد مرضه ، أو إذا كان صحيحاً ، لكن الماء يؤذيه برأي طبيب مسلم حاذق ورع ، هذا يمكن أن يتيمم ، ولا يتوضأ ، وإذا كان جنباً يمكن أن يتوضأ إذا كان في مقدوره الوضوء ، أو يتيمم إن لم يجد الماء أصلاً ، إذاً الصحيح الذي يخاف من الماء أن يؤذيه بإخبار طبيب مسلم حاذق ورع هو في حكم المريض ، في حالات خاصة هناك استعداد إلى مرض شديد بسبب الماء البارد ، فالصحيح الذي يخشى الماء بإخبار طبيب مسلم حاذق ورع، أو المريض الذي يؤذيه الماء ، أو المريض الذي يطيل الماء مدة شفائه ، أو المريض الذي يعيق الماء شفاءَه ، أو يعجل في تفاقم مرضه فهذا إنسان يمكن أن يتوضأ ، ويصلي إن كان الوضوء لا يؤذيه ، ويمكن أن يتيمم إذا كان أصل الماء يؤذيه ، [وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ]، المسافر له أن يتيمم إن لم يجد الماء ، وله أن يتوضأ إن وجد الماء ، ويعفى من الاغتسال، الآية : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى] ،  الآن ليس هناك جنابة ، لكن ثمة مرض ، [أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا] ، الحقيقة السفر الشرعي الذي هو مباح ، بالمناسبة أعلى أنواع السفر سفر الجهاد في سبيل الله ، ثم يأتي بعده طلب العلم ، ثم يأتي بعده طلب الرزق ، هذا الذي أقر به الفقهاء ، ثم هناك السفر المباح ، ليس هناك معصية إطلاقاً ترتكب في السفر ، هذا سفر مباح ، أما والعياذ بالله الآن يقصد من السفر المعصية بشكل واضح جداً .

[وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ] ، الغائط ؛ المكان المنخفض ، وكان الناس من حياتهم الخشنة ، ليس هناك دورات مياه ، فيذهبون إلى مكان منخفض ليقضوا حاجاتهم ، كي يستتروا بهذا المكان المخفض ، فصارت كلمة الغائط كناية عن قضاء الحاجة ، [أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِط]ِ، كان في مكان منخفض قضى حاجته ، وجاء إلى بيته ، [أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا] .

أيها الإخوة ، أما كلمة [لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ] ، تفيد اللقاء الزوجي على خلاف بين العلماء ، فبعضهم قال : المباشرة فقط ، وبعضهم قال : المس فقط ، وبعضهم الآخر قال : اللقاء الزوجي المعروف، ففي هذه الحالات الثلاث ، [فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا] ، تعريف المرض قبل أن نتابع الآية خروج الجسم عن حد اعتداله ، كل إنسان إذا عملت أجهزته عملاً طبيعياً يشعر براحة ، وخفةٍ ، ويستخدم حواسه ، ويستخدم جوارحه ، ويستخدم أعضاءه وأجهزته استخداماً صحيحاً ، إذا أصاب الجسم خلل ينتقل إلى حالة ثانية ، الآن ، [فَتَيَمَّمُوا] ، يعني هذه عبادة ، أنت حينما لا تجد الماء لابد أن تدخل في الصلاة بعمل آخر ، والعبادة تكليف من الله عز وجل ، والصعيد هو وجه الأرض ، فينبغي أن يكون طيباً ، والطيب كما قال بعض الفقهاء التراب الذي ينبت ، لا التراب النجس ، ولا التراب المجلوب ، تراب الأرض ، أو صخر الأرض ، التراب أو الصخر، أو الحائط أحياناً شيء من الأرض ، [فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا] ، يجب أن يكون هذا التراب طاهراً، [فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ] ، أيْ اضرب ضربةً تمسح بها وجهك ، وضربةً أخرى تمسح بها يديك ، هذا هو التيمم ، والتيمم من رخص الله عز وجل للإنسان ، لأن الصلاة كما قلت وأقول دائماً : فرض متكرر ، لا يسقط بحال ، في حالات كثيرة معك ماء ، ولكن لا يكفي لوضوئك وشربك ، والشرب أولى ، معك ماء ، ولكن لا يكفي لوضوئك وطبخ طعامك ، الطبخ أولى ، أو وجدت ماء ولا سبيل إليه ، ماء في قعر بئر ، ولا تملك حبلاً ولا دلواً ، أو كان سعره فوق طاقتك ، ولا تملك ثمنه ، الفقهاء عددوا حالات كثيرة جداً عندئذٍ يسقط الوضوء ، ويجزئ التيمم، أو يسقط الغسل ، ويجزئ التيمم ، حتى إن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يرى أنه إذا علم أن الماء في الحضر مع خوف خروج الوقت الصحيح ، وأردت جلب الماء فينبغي أن تتيمم ، وأن تصلي ، الآن الفقهاء وسعوا كلمة : [فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً] ، كما قلت قبل قليل إما عدمه جملةً ، أو عدم بعضه ، معك ماء للشرب هذا عدم بعضه ، أما عدمه جملةً فليس هناك أثر للماء ، وإما أن يخاف فوات الرفيق ، أنت مسافر مع مجموعة يركبون الخيول ، أو يركبون الدواب ، فإذا ذهبت لإحضار الماء ، والوضوء والصلاة فات الركب ، وضللت عنهم ، فإن فوات الرفيق أيضاً يجيز التيمم ، أو أن رجلا مطلوب ظلماً ، فإذا ذهب إلى جلب الماء ألقي القبض عليه يجوز أن يتيمم ، أو يخاف في طريق لصوصاً أو سباعاً ، أو قطاع طرق ، أو وحوشًا مكان الماء ، أو خاف فوات الوقت ، أو خاف عطشاً على نفسه ، أو على غيره ، وكذلك لطبيخ يطبخه لمصلحة بدنه ، هذا كله يجيز له التيمم مكان الوضوء ، والتيمم مكان الاغتسال .

الآن مريض أمامه ماء ، لكنه مشلول لا يجد من يأتيه بالماء ، البيت فيه ماء ، لكنه قعيد الفراش ، هذا أيضاً يجوز له الشرع أن يتيمم ، أو يخاف من ضرره ، أو يخاف سعره المرتفع إذا كان يشترى .

أيها الإخوة ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((جعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا)).

وهذا من خصائص المسلمين ، الأرض كلها مسجد ، وترابها الطيب ، وكله صالح للتيمم، معنى تيمموا ؛ أي اقصدوا ، يممت وجهي تلقاء مدين ، يممت وجهي تلقاء حلب مثلاً ، التيمم القصر ، كأن الله عز وجل  يقول : [فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا] ، يعني وجه الأرض ، صخرًا ، رخامًا ، ترابًا طاهرًا ، [فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا] .

ثم يقول الله عز وجل : [فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ] ، في آية ثانية في سورة المائدة :

( سورة المائدة الآية : 6 ) .

من الموازنة بين الآيتين استنبط الإمام الشافعي أنه لا بد من أن ينتقل جزء من الصعيد الطيب إلى الوجه واليدين ، [مِنْهُ] ، وفي الآية الأولى لو لم يعلق شيء بيديك يجوز أن تمسح بوجهك ، وأن تمسح بيديك دون أن تنقل من التراب شيئاً ، القضية خلافية ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما وضع يديه على الأرض ورفعهما نفخ فيهما ، وكأنه أزال أثر التراب ، ومن آية [مِنْهُ] تفيد الآية فيما تفيد أنه لا بد أن يصل إلى جلد وجهك وجلد يديك شيء من صعيد الأرض ، ويبلغ بالتيمم في اليدين إلى المرفقين قياساً على الوضوء ، وبعضهم قال الكفين فقط ، فإما يمسح الكفين ، وإما المرفقين قياساً على الوضوء ، وبعض العلماء قال : هل يجوز أن يكون التيمم ضربة واحدة ، للوجه والمرفقين ؟ الجمهور على أنه لا بد من ضربتين ، ضربة للوجه ، وضربة لليدين .

أيها الإخوة ، هذه الآية التي تم شرحها بفضل الله عز وجل آية متعلقة بالتشريع  ، لكنها دقيقة جداً ، ومتداخلة ، أعيد تلاوتها يقول الله عز وجل  : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ، وقد ذكرتكم سابقاً أن الأمور العقيدية ليس فيها حلول وسط أبداً ، وليس فيها تدرج ، نقطة من الشرك قليلة تعيق العبد عن ربه ، في أمور العقائد لا تدرج ، ولا توسط ، العقيدة حدية ، إذا قلت : لا إله إلا الله ، أي لا إله إلا الله ، لا معبود بحق إلا الله ، أما التدرج أين ؟ في الأمور التشريعية ، وكأن هناك قاعدة أن الإنسان إذا دعي إلى الله ، واستجاب لهذه الدعوة ، وكان متعلقاً بشيء تعلقاً شديداً يمكن أن تستفيد من تشريع التدرج في عدم مطالبته بكل شيء ، ريثما يقوى إيمانه ، هذا معنى قوله تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا] ، يعني الجنب لا بد له أن يغتسل إلا إذا كان مسافراً ، [وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ] ، بمعنى جامعتموهن، [فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا] ، فمن صفات الله عز وجل أنه عفو ، العبرة أن تتصل به ، وأن تقبل عليه ، فلكل وضع حرج حكمٌ شرعي ، والأمر إذا ضاق اتسع ، والله سبحانه وتعالى لا يريد أن يجعل عليكم في الدين حرج ، فهذا التيمم هو الوسع ، وهو استثناء من الوسع ، لأن الله عز وجل يقول : [لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا] .

( سورة البقرة الآية : 286 ) .

من الذي يقدر الوسع ؟ هو الله عز وجل ، أما أن تقدر أنت الوسع فهذا مرفوض رفضاً كلياً ، فالله عز وجل سمح بالتيمم ، وسمح بقصر الصلاة ، وسمح بترك الصيام للمريض والمسافر ، وكل هذه الرخص هي من تشريع الله عز وجل ، أما أن يخترع الإنسان رخصاً لنفسه فهذا دليل رقة دينه ، وبعده عن الصواب .

وفي درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قوله تعالى :

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi