English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "24"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآيتان 44  - 45   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه  وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع والعشرين من دروس سورة النساء ، ومع الآية الرابعة والأربعين ، وهي قوله تعالى :

أيها الإخوة الكرام ، [أَلَمْ تَرَ] ، كلكم يعلم أن فعل رأى فعل قلبي أحياناً ، وقد يكون بصرياً ، إن قلت : رأيت الشمس ساطعةً ، فهذه رأى البصرية ، وساطعة تعرب حال ، أما : إن قلت رأيت العلم نافعاً ، فهذه الرؤية قلبية ، إذاً نافعاً مفعول به ثان ، فرأيت تستخدم مرة بصرية، ومرة قلبية .

الله عز وجل  يعجب ، وفي مطلع الآية استفهام تقريري ، يعجب بطريق الاستفهام التقريري [أَلَمْ تَرَ] ، الشيء المرئي كما تعلمون أيها الإخوة دليله معه ، ليس مع العين ، فأنت حينما ترى إنسانًا يرتدي ثوباً أبيض لا يمكن أن تقول له : ما دليلك على أنك ترتدي ثوباً أبيضَ، الرؤية دليلها معها ، بينما الخبر يحتاج إلى أن يكون المخبر صادقاً ، أنت بالخبر تحتاج إلى بحث .

( سورة الحجرات ) .

الأخبار تحتاج إلى مصداقية ، لذلك كما تعلمون هناك يقين حسي  ، أداته الحواس الخمس ، وهناك يقين عقلي أداته العقل ، وهناك يقين إخباري أداته الخبر الصادق ، فالله سبحانه وتعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ، يخاطبه بأسلوب الاستفهام التقريري ، يستفهم ، وقد وقع الشيء ، وهناك استفهام إنكاري ، واستفهام تعجبي ، واستفهام تهكمي ، الاستفهام يخرج عن حقيقته إلى عشرات المقاصد ، هذا استفهام تقريري ، وقد يعني التعجب ، كيف ؟ كيف هؤلاء أوتوا نصيباً من الكتاب هم أهل كتاب ، هو على معرفة بالله عز وجل ، هم على نوع من أنواع الاتصال به ، هم جاءتهم رسالة ، جاءهم وحي ، ومع ذلك هل يعقل أن يفعلوا ما يفعلون ، هل يعقل أن يفعلوا مع رسالة النبي عليه الصلاة والسلام بأن يكذبوه ، إذاً :[أَلَمْ تَرَ] .

إخواننا الكرام ، كما قلت قبل قليل : الشيء المرئي دليله معه ، بينما الشيء المسموع يحتاج إلى دليل ، والمنهج بالإسلام إن كنت ناقلاً فالصحة ، وإن كنت مدعياً فالدليل ، إن أردت أن تدعي شيئاً فينبغي أن تأتي بالدليل ، أما إن كنت ناقلاً فينبغي أن تكون صادقاً ، إن كنت ناقلاً فالصحة ، وإن كنت مدعياً فالدليل ، الحقيقة أنا حينما أرى إنساناً بهيئة غريبة ، ومعي صديق أقول له : أرأيت إلى فلان ، كيف يرتدي هذه الثياب ، هنا رأيت على حقيقتها جاءت ، أما حينما أخبره عن شيء لم يره ، وأقول : أرأيت ، فثمة معنى آخر ، والله عز وجل يقول :

( سورة العلق ) .

النبي عاصر ، والتقى بعبد قوي متعجرف ينهى الناس عن الصلاة   ، فالله سبحانه وتعالى يقول له : [أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى] ، هنا رأيت استخدمت على حقيقتها ، [أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى] ، أيعقل أن ينهى إنسان عبداً عن أن يعقد صلة مع الله عز وجل ؟! استفهام تقريري بمعنى التعجب ، لكن حينما يقول الله عز وجل :

 

( سورة الفيل ) .

حينما أتوا كان النبي قد ولد لتوه ، إذاً هنا رأى ليس معناها رأى على حقيقتها .

أيها الإخوة ، حينما يخبرك الله عن شيء فينبغي أن تأخذه ، وكأنك تراه بعينيك ، بل إن إخبار الله لك أصدق من عينيك ، كلما ارتقى إيمانك تعلم أن مصداقية هذا الكتاب أصدق من أي شيء آخر ، هذا هو الإيمان ، لذلك قال تعالى :

( سورة الأحزاب الآية : 36 ) .

إذا حرم الله عليك شيئاً فينبغي أن توقن لو أن الإنس والجن اجتمعوا ليفكروا في محاسن هذا الشيء لا يجدون له محاسن إطلاقاً ، إن الله حرمه ، إذاً ينبغي أن تأخذ إخبار الله لك ، وكأنك تراه بعينك ، وأصدق أنواع التلقي رؤية العين ، ليس الخبر كالعيان ، أصدق تلقٍ تتلقاه أن ترى الشيء بأم عينيك ، لذلك هناك علم اليقين ، وهناك عين اليقين ، وهناك حق اليقين ، أنت ترى جدار ، ووراءه دخان ، تقول : لا دخان بلا نار ، استنباط عقلي قطعي يقيني ، هذا علم اليقين ، أما حينما تقترب من وراء الجدار فترى النار بأم عينيك ، فأنت في عين اليقين ، فإذا اقتربت من النار ، وأحسست بوهجها فهذا حق اليقين ، فالرؤية أعلى درجات التلقي ، فإذا وردك عن الله خبر ينبغي أن تعلم علم اليقين أنه أصدق من عينيك ، قد تخون العين ، وقد تريك خلاف الواقع ، لكن الله سبحانه وتعالى إذا أخبرك فخبره كأنك ترى الشيء رؤيةً حقيقية .

( سورة النساء الآية : 77 ) .

هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب هم أهل كتاب ، جاءهم نبي كريم ، وتبعه نبي كريم آخر ، وجاء كتاب من السماء ، وتبعه كتاب من السماء ، ومع ذلك لا يتعظون ، ومع ذلك لم يقبلوا على هذا الدين ، الأولى أن أول إنسان ينبغي أن يسارع إلى قبول هذا الدين من لهم صلة بالدين ، من لهم صلة بالله ، من كان معهم كتاب يوحى إليهم ، فالشيء العجيب الذي هو مدار هذه الآية أن هؤلاء الذين هو أقرب إلى الإسلام من المشركين ، أقرب إلى الإسلام من عبدة الإسلام هؤلاء بالذات ، كانوا أشد المعارضين لهذا الدين ، فلذلك حينما يرفض الإنسان الحق يحتقر نفسه ، أنت قد ترفض أشياء كثيرة ، وبرفضك إياها تحتقرها ، لكنك إذا رفضت الحق إنما تحتقر نفسك .

( سورة البقرة الآية : 130 ) .

إذاً : [أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى] ، على حقيقتها ، أما : [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ] ، معنى ذلك هذا إخبار من الله ، وينبغي أن تأخذه كأنك تراه بعينيك .

أيها الإخوة ، لكل قوم نبي ، كما قال الله عز وجل :

( سورة الرعد ) .

لكل قوم نبي ، لأن لكل قوم خصوصيات ، أمراض ، مشكلات  حيثيات ، نقاط ضعف ، كل قوم لهم خصائص ، فكان لكل قوم نبي يعالج هذه الخصائص ، وتلك الثغرات ، وهذه الأمراض ، لكن بعلم الله جل جلاله أن هذه الأرض سوف تغدو قرية واحدة ، ثم تغدو بيتاً واحداً، ثم تغدو غرفة واحدة ، يمكن أن تقتني جهازًا صغيرًا ، مذياعًا وتستمع إلى أخبار الأرض في القارات الخمس ، ماذا يجري في كل مكان ، لأن الله يعلم أن هذا التواصل الذي سيكون سوف يعمم الأدواء - جمع داء - على كل الشعوب ،  وسوف يعمم الأمراض على كل الشعوب ، لذلك كانت رسالة النبي عليه الصلاة والسلام خاتمة الرسائل ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء ، وسوف تبلغ دعوته ما بلغ الليل والنهار .

والله ذهبت إلى أقصى مكان في الأرض ، إلى أستراليا ، وأقصى مكان في استراليا سدني ، وجدت إذاعات إسلامية ، ودروس العلم في هذه البلدة الطيبة هناك ، يستمعون إليها صباحاً ومساءً  والقرآن يتلى في الإذاعات ، والمحاضرات تلقى ، وكأنني في الشام ، ذهبت إلى أقصى مكان في الغرب الأمر نفسه ، مؤتمرات ، وإذاعات ، ونشرات ، ومجلات   وأشرطة ، ومحاضرات ، تنبأ النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الأمر سوف يبلغ ما بلغ الليل والنهار ، إذاً لأن الله سبحانه وتعالى علم أن سيكون هناك تواصل ، إذاً لا بد من نبي واحد ، لكل هؤلاء الشعوب .

( سورة الأنبياء ) .

( سورة التكوير ) .

أيها الإخوة ، حكمة أن النبي هو خاتم الأنبياء ، وأن النبي لكل الأمم ما كان في علم الله من أن هذه الأرض سوف تغدو من قرية إلى بيت إلى غرفة واحدة ، والأبلغ من ذلك أن ما يجري من أقصى الغرب نتأثر به في أدنى الشرق ، وأي حدث يقع في مكان له تداعيات في كل مكان ، وهذا الشيء تعلمونه ، وترونه ، وتسمعونه ، قد يقع شيء في أقصى الدنيا نتأثر هنا بكل مناح الحياة .

يا أيها الإخوة الكرام ، هذا الذي أردت أن أمهد به لشمول رسالة النبي ، ولاتساع رقعتها، ولأنه خاتم الأنبياء والمرسلين ، الحقيقة أن الإنسان يؤمن بالله بفطرته ، ويؤمن بالله بعقله ، ولكن الإيمان فطري ، أنت حينما تأتي إلى الدنيا تجد كل شيء مسيراً بنظام عجيب .

( سورة البلد ) .

هذا الطفل الصغير الذي يأتي من علمه كيف يلتقم ثدي أمه ، هل يستطيع أكبر أب في العالم ، لو أنه يرأس أعلى جامعة في التربية أن يستطيع أن يعلم هذا الذي ولد لتوه كيف يلتقم ثدي أمه ، وكيف يجعل شفتيه حول حلمة الثدي ، وكيف يحكم الإغلاق ، وكيف يسحب الهواء ، تفضل وعلم طفلاً ولد لتوه ، معنى ذلك : [أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ] ، النجدان هدية الله لهذا الطفل الصغير ، الحليب في النجدين يتبدل في أثناء الرضعة الواحدة ، في البداية 60% ماء ، في نهاية الرضعة 40% ماء ، يتبدل كل يوم بحسب نمو الطفل ، وهؤلاء الأطفال الذين يرضعون رضاعةً صناعية يصابون بآفات قلبية ، ويصابون بضعف الذكاء ، ذلك أن حليب البقر فيه خمسة أضعاف من الحموض الأمينية التي لا تحتملها أجهزة الطفل ، بينما حليب أمه مصمم من قبل خالقه ليتحمله الطفل بكل أجهزته ، لذلك أجري إحصاء في بعض البلاد أن نسب الذكاء في العالم متفاوتة ، طبعاً الفحوص موحدة فكانت جزر الباسيفيك تحتل المرتبة الأولى في ذكاء أبنائها ، لسبب بسيط هو أنهم لا يعرفون الرضاعة الصناعية إطلاقاً ، وقد تنتبهوا إلى أن القرآن الكريم قال :

( سورة الطلاق ) .

[وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ] ، ما ذكر الرضاعة الصناعية ، ما ذكرها بالقرآن " [وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى] ، لا بد أن يكون الحليبُ من أم مرضع ، الطفل يأتي إلى الدنيا كل شيء ميسر ، له أم تحرص عليه ، له أب يحدب عليه ، [أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ]، الهواء يجدد بشكل مستمر ، الماء الطعام الشراب ، الثروات الباطنية ، هذه الأرض فيها كل شيء ، أيقبل إنسان أن هذا الشيء كله حدث بلا خالق ، مثل بسيط ، لو أنك في الصحراء تمشي لا سمح الله ولا قدر ، ونفذ زادك ، وضللت الطريق ، ونفذ شرابك ، وأصبح الموت محققاً ، أخذتك سنة من النوم من شدة البكاء والخوف والقلق ، واستيقظت فرأيت مائدة فيها ما لذ وطاب ، فيها من أنواع الطعام في الصحراء ، فيها من كل ألوان الشراب ، ألا تسأل من جاء بهذه المائدة ، فالإنسان يؤمن بالله بفطرته ، كل شيء في الكون يدل على الله عز وجل ، لكن الله سبحانه وتعالى يرسل الرسل كي يعلمنا مراده ، ماذا ينبغي أن نفعل ، فطرتك وعقلك ينبآنك أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ، أن لهذا الكون قوة وراءه ، الوحي ينبئك أن هذه القوة العظيمة هي الله ، وأن هذه القوة العظيمة خلقتك بسعادة إلى أبد الآبدين ، وأن هذه القوة العظيمة صممت الدنيا على أنها دار عمل ، ولأن هذه القوة العظيمة تتصف بالصفات الفضلى ، ولها أسماء حسنى، إذاً كأن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله وأنبياءه ليعطينا مراده ، أما إيماننا به فهو إيمان فطري .

ثمة حوار مع سيدنا علي رائع ، قيل للإمام علي كرم الله وجهه : أعرفت ربك بمحمدٍ ، أم عرفت محمداً بربك ؟ يقول : لو عرفت محمداً بربي لما احتجت إلى رسول ، ولكن عرفت ربي بربي ، وجاء محمد ليبلغني مراد ربي ، الرب موجود ، لكن ماذا يريد منك ؟ الرسالات السماوية فحواها مراد الله لنا ، يعني يا عبادي توبوا إليّ ، يا عبادي استقيموا على أمري ، يا عبادي كونوا صادقين ، يا عبادي كونوا أمناء ، يا عبادي افعلوا أعمالاً صالحة ، تأهلكم لجنة عرضها السماوات والأرض .

أيها الإخوة الكرام ، المشكلة الآن أن معظم الناس يعيشون غايات قريبة ، همه شراء بيت همه الزواج ، همه دخل ، هذه همومهم ، ولكن نخبة البشر تعيش غايات بعيدة الإنسان يأتيه الموت قبل أن يتزوج ، ويأتيه الموت قبل أن يحقق أهدافه ، إذاً هذا الهدف غير صحيح ، لأنه يحقق أو لا يحقق ، لكن ما هو الهدف الذي يجمع الناس جميعاً بكل فئاتهم ؟ إنه الموت ، إنه الدار الآخرة ، من هم أعقل الناس ؟ من هم أذكى الناس ؟ من هم أنجح الناس ؟ من هم أشدهم فلاحاً ؟ هو الذي عرف الهدف الأخير ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام : ((الْكَيّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمنّى عَلَى اللَّهِ))  .

[ أخرجه الأحوذي عن عبد الله بن عبد الرحمن ] .

يا إخوتنا الكرام ، الناس على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأديانهم  وأجناسهم، وأعراقهم ، وأنسابهم ، ومذاهبهم ، وطوائفهم ، في القرآن لا يزيدون عن فئتين ، لا يزيدون عن نموذجين لا ثالث لهما ، النموذج الأول هو النموذج الذي صدق أنه مخلوق للجنة ، هنا المشكلة ، أهداف الناس جميعاً أهداف دنيوية ، بينما المؤمن هدفه الآخرة .

( سورة الإسراء ) .

( سورة الأعراف ) .

( سورة القصص الآية : 83 ) .

فهؤلاء أيها الإخوة ، صدقوا بالحسنى ، هم مخلوقون للجنة ، والدنيا دار عمل ، دار دفع الثمن ، دار أداء السبب ، هكذا ، لأنهم أيقنوا أنهم مخلوقون للجنة حرصوا على طاعة الله ، اتقوا أن يعصوا الله ، ولأن الجنة مراتبها بالأعمال الصالحة ، فبنوا حياتهم على العطاء .

( سورة الليل ) .

هذا أول نموذج ، هو بالترتيب معكوس ، صدق بالحسنى ، فاتقى أن يعصي الله ، فأعطى ، أعطى من وقته ، أعطى من علمه ، أعطى من خبرته ، أعطى من كل ما يملك ، الرد الإلهي :

( سورة الليل ) .

سوف نيسر له سلوك طريق الجنة ، وسيصل إلى الجنة .

( سورة الليل ) .

كذب بالجنة ، قال لك : هي الدنيا ، هي جنة الإنسان ، إن كان غنياً فهو في جنة ، وإن كان فقيراً فهو في جهنم ، الدنيا كل همهم ، مبلغ علمهم منتهى آمالهم ، لأنه كفر بالحسنى ، وصدق بالدنيا استغنى عن طاعة الله  هو لا يحتاج إلى طاعة الله ، لأنه كفر بالجنة ، وكفر بيوم الجزاء ، وكفر بالآخرة ، [وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى] ، لأنه كفر بالحسنى استغنى عن طاعة الله ، فبنى حياته على الأخذ ، والاحتيال والنهب  والسرقة والغش ، وما إلى ذلك ، قال :

( سورة الليل ) .

لا تحقق له لا الدنيا ولا الآخرة ، خسر الدنيا والآخرة ، لذلك أيها الإخوة ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .

( سورة الأنفال ) .

لم ينجح في مسعاه ، أيها الإخوة ، أنت حينما تؤمن بالغايات البعيدة ، أي بالآخرة بالموت، ألا ترون أن الموت يجمع كل الناس ، يجمع أغنياءهم وفقراءهم ، وأقوياءهم وضعفائهم، وملوكهم ودهماءهم ، وأصحاءهم ومرضاهم ، وأذكياءهم وأغبياءهم ، الحقيقة في بالدنيا سباق أنا أسميه سباق الحمقى ، لو تصورنا طريقًا عريضًا هو مجال السباق ، وعندنا ألف سيارة ، هذه السيارات على اختلاف قوتها ، وضعفها ، وكبرها ، وصغرها ، وميزاتها ، وسنة صنعها ، وحجمها ، السيارة الأولى آخر الطريق في هاوية ، أول سيارة في السباق وقعت في الهاوية ، الثانية وقعت في الهاوية ، الثالثة في الهاوية ، إلى أن وقعت كل هذه المركبات في الهاوية ، ما قيمة هذا السباق ؟.

يقاتل الناس ، وينهب أموالهم ، يكذب عليهم ، يحتال عليهم ، يخيفهم أحياناً ، أو يسلك طريق الاحتيال معهم ليجمع ثرة طائلة ، فيشتري بيتاً رائعاً ، ثم يأتيه ملك الموت ليضعه تحت التراب ، وقد ترك كل الدنيا ، هذا الذي يحصل ، يجمع دنياه لبنةً لبنة ، قشةً فوق قشة ، ليأتي ملك الموت ، ويأخذها منه في ثانية واحدة ، ولا خاتمه ، ولا مفتاح مركبته ، ولا خصوصياته ، كل إنسان له خصوصيات في بيته ، كل يفتح ، ويستهلك  فلذلك أيها الإخوة أنت حينما تسعى لهدف حقيقي يقيني بعيد تكون ذكياً وفالحاً ، حينما تسعى لهدف يقيني متحقق بعيد ، وتهيأ نفسك لبلوغه بنجاح ، فأنت أذكى الناس قاطبةً ، إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، وأحزنكم أشدكم استعداداً له ، ألا إن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزود لسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور ، [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ] ، كيف ؟ [يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ] ، دقق الآن ، في آية أخرى :

( سورة البقرة الآية : 16 ) .

دفعوا الهدى ثمناً وفقدوه ، وأخذوا الضلالة ، بالبيع والشراء الثمن يذهب منك ، ماذا يبقى معك المبيع ، دفعت ثمن السيارة ، الثمن أخذ منك  فبقيت السيارة ، الآن اشترى الضلالة بالهدى، ما الذي أخذه ؟ الضلالة ، ما الذي فقده ؟ الهدى ، أي هدى ؟ الهدى الفطري ، حينما تهتدي النفس إلى ربها بفطرتها ، هذا الهدى أخذ منهم ، وبقيت ضلالتهم ، لكن الإنسان حر  اختار أن يكون ضالاً فلا مشكلة ، الإنسان مخير ، يقول الله  عز وجل :

( سورة فصلت الآية : 40 ) .

( سورة الكهف الآية : 29 ) .

( سورة الإنسان ) .

هذا مشكلته أكبر ، [يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ] ، ضال مضل ، كافر يدعو إلى الكفر ، ملحد يدعو إلى الإلحاد ، فاسق يدعو إلى الفسق الله عز وجل يعجب ، ويقول : [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ] ، ويشترونها بالهدى ، وفوق ذلك يريدون أن يحملون الناس عليها ، [وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ] .

يا أيها الإخوة الكرام ، في الحياة حقيقة واحدة هي الله ، وكل سلوك ، وأي عمل ، وأي كلام ، وأي حركة تقرب إلى الله هي الحق ، وأي سلوك ، وأي كلام ، وأي عمل يبعدك عن الله هو باطل ، لأن الله سبحانه وتعالى هو الهدف .

يا إخوتنا الكرام ، أنت مع من تعيش في الدنيا ؟ مع الأسباب التي خلقها الله لك ، تعيش مع زوجة ، هي مصممة أن تكون رفيقة حياتك ، تعيش مع الطعام والشراب ، هذا من خلق الله عز وجل ، من أودع الطعوم في هذه الأطعمة الآية الكريمة :

( سورة الرعد الآية : 4 ) .

من أودع لهذه الأطعمة طعمها المحبوب ، هذه التفاحة شكلها جميل ، قوامها يتناسب مع أسنانك ، ليست في قوام الفولاذ ، طيبة ، رائحتها عطرة ، طعمها طيب ، مذاقها حلو ، مفيدة ، فيها معادن ، فيها حديد ، فيها بروتينات ، فيها فيتامينات ، من أودع هذه الخصائص في هذه التفاحة ، إذاً الله عز وجل  أعطانا كل شيء .

فلذلك أيها الإخوة ، [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ] ، هذا الذي يبحث عن هدفه الأخروي يسعى في الدنيا إلى أن يكون منضبطاً وفق منهج الله عز وجل  ، أنت في الدنيا تعيش مع الأسباب ، طفل جميل جداً يملأ البيت بهجة، الزوجة ترتاح له ، يقول عليه الصلاة والسلام  : ((إن نظرت إليها سرتك ، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك ، بمالك ونفسها ، وإن أقسمت عليها أبرتك)) .

هذا الماء الذي تشربه لا لون له ، ولا طعم ، ولا رائحة ، لو كان بطعم الورد لأخرجتك من جلدك ، لو كان بأي طعم لما يحتمل ، فجعل الله نعمة عظمةً لنا .

إذاً أنت تعيش مع الأسباب ، لكنك في الجنة تعيش مع المسبب ، مع الخالق ، وشتان بين خالق ومخلوق ، ورد في بعض الآثار والأحاديث أن المؤمن يوم القيامة ينظر إلى وجه الله الكريم فيغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة ، أنت في الدنيا تعيش مع الأسباب ، وكلما ارتقت حياتك تأتي بالأشياء بأمر ، بهاتف ، بكبسة زر ، لكن في الآخرة أي شيء تشتهيه تراه أمامك .

( سورة الزمر ) .

( سورة الزخرف الآية : 71 ) .

يمكن أن تأكل في الدنيا تفاحتين فتشعر بثقل ، لك أن تأكل في الجنة مليار تفاحة ولا تشعر بثقل ، نمط الجنة نمط آخر ، تعيش في الجنة مع  مسبب الأسباب ، أما في الدنيا تعيش مع الأسباب.

يا أيها الإخوة الكرام ، هذه نقطة دقيقة جداً فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، في الدنيا متاعب ، في الدنيا أمراض ، في الدنيا تقدم في السن في الدنيا عجز أحياناً ، في الدنيا فقد بصر ، في الدنيا أمراض وبيلة ، في الدنيا زوجة سيئة تخرج من جلدك منها ، واحد سأل شيخًا : يا سيدي ، إذا سمح الله لنا بدخول الجنة ما حكم زوجاتنا ؟ قال : هي معكم ، قال : أعوذ بالله ، أنا أردت الموت لأخلص منها ، هذه طرفة ، أنت في الجنة تعيش مع المسبب ، مع مانح الجمال ، مع مانح القوة ، مع مانح اللطف ، لذلك الجنة هي العطاء الحقيقي ، والدنيا أحقر من أن تكون عطاء الله عز وجل ، لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء .

( سورة آل عمران ) .

( سورة إبراهيم ) .

أيها الإخوة الكرام ، أعيد هذا كثيراً طمأنةً لكم ، أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل ، لأن الدنيا دار عمل ، قد تجد إنسانًا في أعلى درجة من الكفر ، ويهدد العالم كله مثلاً ، وليس ملتزماً بشيء ، يسفك الدماء ، ويقتل الأبرياء ، ويستغل إلخ ....

لكن الآخرة دار جزاء ، فأسماء الله تعالى كلها محققة في الدنيا ، إلا اسم العدل ، محقق جزئياً ، الله يعاقب بعض المسيئين ردعاً لبعض المسيئين ، ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً لبقية المسلمين ، ولكن تسوية الحسابات ، ولكن الحساب الختامي ، ولكن الرصيد يؤدى يوم القيامة ، لذلك يقول الله عز وجل :

( سورة آل عمران الآية : 185 ) .

هذه دار عمل ، لو كنت فقيراً ، لو كنت لا سمح الله مريضاً ، لو كنت في الدرجة السفلى من المجتمع ، وكنت مطيعاً لله :

( سورة الواقعة ) .

هذه الحقيقة ، لذلك أيها الإخوة ، ورد في بعض الآيات يقول الله       عز وجل :

( سورة مريم الآية : 71 ) .

النار ، [وَإِنْ مِنْكُمْ] ، يعني ما من واحد منكم إلا وسيرد النار ، كيف ؟ قال العلماء : ورود النار غير دخولها ، ورود النار لا يتأثر واردوها  بوهجها ، ولكنهم ليروا العدل الإلهي في الذين كانوا في الدنيا يتصدرون  ويقصفون ، ويذلون الشعوب ، وينتهكون الأعراض ، ويلبسون التهم للبريئين لا بد من أيها الإخوة الكرام ، يراهم المؤمن في النار كي يتحقق من اسم العدل ، وشيء آخر يرى مكانه في النار لو لم يكن مؤمناً  كي تتضاعف سعادته في الجنة ، لذلك : [وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا] ، ورد النار للمؤمنين ليروا تحقيق اسم العدل .

( سورة الصافات ) .

فاسق ، فاجر ، مستعل ، متغطرس ، يسخر من العلم والعلماء ، والدين أفيون الشعوب ، ولا يعبأ به ، غارق في الزنى والخمر ، [إِنِّي كَانَ لِي قرين] .

 

 ( سورة الصافات الآية : 55 ) .

ورود النار يوم القيامة كي يتحقق للمؤمن اسم العدل ، وكي تتضاعف سعادته حينما يرى مكانه في النار لو لم يكن مؤمناً .

أيها الإخوة الكرام ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ] ، الله عز وجل بين لنا فقال :

 

( سورة آل عمران الآية : 119 ) .

إن الأحداث أثبتت أنهم لا يحبوننا ، فالذين أحبوهم بسذاجة دفعوا ثمناً باهظاًُ ضاعت أموالهم كلها ، وأذلوا ، [وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا] ، فينبغي أن تصدق الله عز وجل ، يقول الله عز وجل  :

( سورة فاطر الآية : 6 ) .

وكل كافر يعاديكم ، الكافر يعاديكم ولو كان في المظهر لطيفاً ناعماً ، فإنه ينطوي على حقد ، والدليل حينما يستفز ينقلب إلى وحش ، الإنسان الذكي أحياناً يلبس جلد الجمل وهو ذئب ، الذي يراه من بعيد يظنه حملاً وديعاً ، فإذا استفزه انقلب إلى ذئب مفترس ، ألم تروا ما الذي يحصل في العالم الآن ؟ هذه الدولة العظمى التي تزعم الحرية ، والديمقراطية ، وحقوق الإنسان، وكل شيء للإنسان ، والإنسان هو الأول ، بعد أن استفزت ماذا فعلت ؟ فعلت ما لا يفعله المجرمون ، فلذلك : [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا] .

أيها الإخوة الكرام ، ليس العدو الخطير للمسلم هو الكافر ، العدو الخطير للمسلم من يدعي الإسلام ، العدو الظاهر تتقيه ، تجادله ، أما العدو الخطير هو الذي من جلدتك ، الغرب أيقن أنه لا سبيل إلى مواجهة المسلمين ، لا بد أن يصطنعوا اتجاهات مزيفة ، يصفونها بأن هذا هو الإسلام ، هذا اسمه تفجير من الداخل ، ينبغي أن نكون صاحين ، ما كل اتجاه إسلامي في إعلامه هو إسلاميٌ في حقيقته ، الله عز وجل  يقول : [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُم] ، قد يكون العدو من بني جلدتك ، قد يكون العدو منافقًا كبيرًا ،

يعطيك من طرف اللسان حلاوة    ويروغ منك كما يروغ الثعلب

إذاً أنت حينما يقول الله لك عز وجل : هذا عدو لك فاحذره ، وينبغي أن تصدق الله عز وجل ، ولو رأيت من كلامه لطفاً ونعومةً ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا] ، ولياً ؛ أن يتولى أموركم ، ونصيراً ؛ ينصركم على أعدائكم ، وفي هذه الأيام الصعبة ما من شيء أحب إلى المؤمنين من أن يتنصروا ، لكن النصر له ثمن ، وهو في مقدورنا ، أن نؤمن بالله عز وجل ، وأن نعد لأعدائنا ما نستطيع ، الإعداد المتاح ، ليس المكافأة .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi