English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

 الدرس "16 / 16"  من تفسير سورة  هود (011) :  الآيات  : 113 – 123  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً  وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، وصلنا في الدرس الماضي في سورة هود إلى قوله تعالى :

[ سورة هود ]

      معنى لك أنَّ في الإنسان نشاطًا ، وقوَّة محرِّكة ، الله سبحانه وتعالى أوْدَعَ في الإنسان شَهواتٍ عِدَّة ، وهذه الشَّهوات تَجعلهُ ينْدَفِعُ إلى تحقيقها  الشَّهوات طريقهُ إلى الجنّة ، لولا أنّ الله سبحانه وتعالى أوْدَعَ في نفْسِ كُلٍ مِنَّا شَهْوةً لما كانت جنَة ، ولما كانت نار ، فالإنسان ينْدَفِعُ إلى تحقيق شَهواته ، وليس سُكونِيًّا ، ولكن متحرِّك ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

أيْ لا بدّ مِن حركة ، ونفسك إن لم تَشْغلْها بالخير شَغَلَتْكَ بالشرّ قال تعالى :

 

[ سورة هود ]

الوقْفَة عند قوله أقِمِ الصّلاة ، كيفَ يُقام البِناء ؟ لا بدّ من أساس ، ولا بدّ مِن عِلْمٍ ، ولا بدّ مِن مواد أوَّليَّة ، ولا بدّ من خبرة ، ولا بدّ من بِناء ولا بدَّ مِن تخطيط ، فإقامة الصَّلاة ، ليس معناها أن تُصلِّي ، معناها أن تسْتَعدَّ لهذه الصَّلاة ثمّ تُصَلِّي ، أيُّ إنسانٍ يدخل إلى الامتِحان ، ولكنّ دخول الامتِحان لا يعْني أن تدخلَهُ ، ولكن أن تسْتَعِدَّ لهذا الدُّخول ، وفَرْقٌ كبير بين أن تتوضَّأ وتقف للصَّلاة ، وهناك مخالفات ، وهناك تقصيرات  وهناك حُبٌّ للدنيا ، وهناك انْغِماسٌ فيها ، وتَعَلّق بها ، إنّ هذه الحالة لا تسْمحُ لِصَاحِبِها أنْ يُصَلِّي ، فالله سبحانه وتعالى لم يأمرْنا بالصَّلاة ولكن أمرنا بإقامة الصَّلاة ؛ أيْ أن تسْتقيم على أمْر الله حتى تستطيع أن تُصَلِّي ، لأنَّ المعاصي حُجُب ، وأن تعملَ صالحًا حتى تستطيع أن تُصلِّي ، وأن تلتزمَ الشَّرْع في كلّ حركاتك وسكناتك ، حتى تستطيع أن تُصَلي ، أن تكون وقَافًا عند كتاب الله حتى تستطيع أن تصلِّي ، أن تكون منضبِطًا بِشَرْع الله حتى تستطيع أن تصلِّي ، فليس الصلاة أن تقف في مسْجد ، أو في زاوية في بيتك ، وترفعُ يديك ، وتقرأ الفاتحة تركع وتسْجد ، ونفْسك ساهِيَة لاهِيَة غارقة في مشاكل الدنيا ، ليسَتْ هذه هي الصَّلاة ! فلا بدّ من أن تُقيم الصَّلاة ، ولا بدّ من أن تستعِدَّ لها قبل دُخول وقتها ، والاستعداد لها ؛ حِفاظك على استقامتك ، وعلى طهارتك  ونقاوتِك ، وحِفاظك على عملك الطَّيِّب ، إذا كنت كلك فقد أقمْت الصلاة لا تستطيع أن تزور فلانًا إلا إذا كانت لك سابقة إحْسانٍ إليه ، إن كانت لك سابقة إحسانٍ إليه تستطيع أن تطرق بابه ، وأن تدخل عليه في أيّ وقت ، كذلك إن كان لك عمل طيِّب ، واستقامة تامَّة ، وإن كان لك قَول حسَن ، وإن كان الناس يُحِبُّونك فقد اقْتربْتَ من إقامة الصَّلاة ، إيَّاك أن ترْكَنَ إلى الذين ظلموا ، فأهل الدنيا يتَّصلون مع أهل الدنيا وكبرائِها  وأهل الآخرة يتَّصِلون بِرَبِّهم ، النَّفْس كما أردْتُ أن أبدأ الدَرس فيها حركة ، وبِمُصطلح آخر هي ديناميكِيَّة ، هناك حركة انْدِفاع نحو تَحقيق تِلْك المُيول التي زرعها الله فينا ، فإمَّا أن تتَّصِلَ بأهل الدنيا ، وتتملَّق لهم ، وتُقَدّم لهم خدماتٍ جُلَّة ، كي يقبلوها ويرفعوها ويمْنحونها مِمَّن عندهم ، وإما أنْ تتَّصِلَ بالله ربّ العالمين فيَمْنحُها سعادةً في الدنيا  وسعادةً لا تنقضي في الآخرة ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

     أنت مؤهَّل أن تتَّصِلَ بالله عز وجل ، خلقْتُ لك ما في السماوات والأرض ، فلا تتْعَب ، وخلقْتُك من أجلي فلا تلْعب ، فَبِحَقِّي عليك لا تتشاغَل بِما ضَمِنْتهُ لك عمَّا افْتَرَضْتُهُ عليك ‍‍‍‍! فالحيوان يسْعَدُ بالشَّهْوة  ولكنَّ الإنسان يسْعدُ بِقُرْبِهِ من الله عز وجل ، خلقكَ الله من أجله  طهَّرْتَ منظر الخلق سِنين أفلا طهَّرْتَ منظري ساعة !! قال تعالى :

[ سورة هود ]

        إيَّاك أن تطْمحَ إلى ما عندهم إيَّاك أن تُقِم علاقةً معهم ، أَقِم هذه العلاقة معي ، واتَّصِل بالله عز وجل تقرَّب إلى الله عز وجل ، وإلى وُدِّه تعالى  اُخْدُم عِبادهُ ، وعامِلْهُ ، وأقْرِضْهُ قرضًا حسنًا ، وأكْرِم عبادهُ من أجله اِنْصَحهم من أجله ، كُنْ معهم مستقيمًا من أجله ، أَحْسِن إليهم من أجله تعالى ، من أجل هذه الصِّلة ، ومن أجل أن تُقيم هذه الصِلة ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

     وفرْق بين أن يُقال لك : صلِّ وبين أن يُقال لك : أقم الصلاة ‍! كيف أنَّ البِناء يُقام ؟ أن يقوم البِناء هذا عملٌ ضَخم ، يحتاج إلى إعداد وأرض  وأساسات ومواد أوَّلِيَّة ، وإلى مهندسين، ومهندس تصميم ، ومهندس تنفيذ ، ومهندس إشراف ، وإلى يد عاملة ، وإلى بنَّاء ، وإلى أعمال مختلفة ، هذه هي معاني إقامة البناء .

قال تعالى :

[ سورة هود ]

      العلماء في هذه الآية على مذاهب شتَّى ، فطَرفي النَّهار قال بعضهم : صلاة الفجر ، وصلاة الظهر والعصر ، هذه الأوقات الثلاثة طرفا النَّهار  وزلفًا من الليل هما صلاة المغرب والعشاء ، ومعنى زلفًا الساعات المتقاربة من بعضها بعضًا قال تعالى : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى

[ سورة الزمر ]

        الزُّلَف ؛ الشيء المتقارب ، وبعضهم قال : طرفي النَّهار صلاة الفجر وصلاة العصر، وبعضهم قال : طرفي النهار صلاة الفجر ، وصلاة المغرب ، على كُلٍّ العلماء أجْمَعوا على أنَّ هذه الآية تنْطَوي فيها الصَّلوات الخمس ؛ الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء ، قال تعالى :

 

[ سورة هود ]

       وهذه الآية لها معنًى دقيق ، فالصَّلوات هي الحسنات ، والنَّفْس وما فيها من أمراض هي السيِّئات ، فإذا جاءت الحسنات محيْنا السيّئات والصلاة نور ربَّاني تُطَهّر القلب البشري من كلّ دنس ورجس ، والصَّلوات الخمس يمْحو الله بِهِنّ الخطايا، قال عليه الصلاة والسلام : أرأيتم لو أنَ نهرًا بِباب أحدكم يغتسل منه ....." قال تعالى :

[ سورة هود ]

       هناك نقطة أريد أن تكون واضحة لديكم : إنَّ مكارم الأخلاق من كرمٍ ومن سخاءٍ ، ورحمةٍ ، وإنصاف ، ومحبّة ، وعَفْوٍ ، ومن إقْدام ومروءة  ومن إغاثةٍ ونجْدة ، مكارم الأخلاق مخزونة عند الله سبحانه وتعالى  فإذا اتَّصَلْت به منحَكَ بعضها ، ليْسَ هناك مِن خلُقٍ أصيل إلا عن طريق الاتِّصال بالله سبحانه وتعالى ، هناك أخلاق مُزَيَّفة ؛ هناك أخلاق التُّجار الذين يُرَحِّبون بالزَّبون  ، ويُقدِّمون له الضِّيافة ، ويَدْعونه إلى طعام الغذاء ، ويحْترمون مشاعرهُ ، هذه أخلاق التُّجار المبْنِيَّة على المصالح هذه أخلاق اسْتَوْرَدْناها من الغرب ، ما دام هناك مصْلحة فَهُناك خُلقٌ كريم ، فإذا انْقطَعَت المصلحة ، انقلب الإنسان إلى وحْشٍ لئيم ، لكنّ الله تعالى :

 

[ سورة هود ]

      أيْ النَّفس بِبُعْدها عن الله عز وجل قد تتحمَّل السيّئات ، وقد تُحِبّ ذاتها  وقد تُصْبحُ أنانيَّة ، وقد تصبحُ جبانةً ، وحريصةً ، وقد ترضى أن تُقيم غِناها على فقْر الآخرين ، ومجدها على أنقاض الآخرين ، هذا كلّه في حالات البُعْد عن الله عز وجل ، ولكن حالة القُرْب تعني مكارِم الأخلاق  فإنَّ الحسنات يُذْهِبْن السيئات ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : اتَّق الله حيثما كنت وأتبع الناس السيئة...." أحيانًا يقعُ المؤمن في مخالفة فَتَزِلَّ قدمهُ ، قد يسْبقُه لِسانه، وقد يثور ثورةً نفْسِيَّة ، وقد يغْضب وينطق بِكَلمةٍ قاسيَة ، وقد تخونهُ عَيْنُه فتَسْترٌ النَّظَر إلى امرأة ، وقد يقعُ في بعض المخالفات ، هذه سيِّئات ؛ ما الحلّ؟ إنَّ الحسنات يذهبن السيّئات ! بادِرْ إلى عملٍ طيِّب ، وبادِر إلى صدقةٍ وبادِر إلى خِدْمة ، وإلى صدقةٍ تطفئ بها غضب الربّ ، صدقة السر تطفئ غضب الربّ ، بادروا إلى الصَّدَقة فإنَّ البلاء لا يتخطَّاها ، الله سبحانه وتعالى يُسْترضى لأنَّه رحيم  فمَن بدرَت منه بادرة سيئة ووقعَ في غفلةٍ ، من خانتْهُ عَيْنُه أو أذُنه ومن سبقهُ لِسانُه إلى كلمة قاسِيَة ؛ هذه كلّها سيئات ، إنَّ الحسنات يُذْهبْن السيِّئات، لو أسأْتَ إلى إنسانٍ ثمَّ قدَّمْت له هَدِيَّة ، الهدِيَّة كما قال عليه الصلاة والسلام تذهب بِوَحل الصَّدر  تهادوا تحابوا ، فإذا نشِبَ بينك وبين زوْجَتِكَ خِلاف ، وقَسَوْتَ عليها في الكلام، فالقضِيَّة لها حلّ طيِّب بادِرْ وقَدِّم لها هَدِيَّة تُطَيِب لها بها قلبَها إذا بَدَرَتْ منك كلمة إلى صديق فَنَفَرَ منك ، إنَّ الحسنات يُذْهبْن السيِّئات ، إذا وقعْت في ذنب مع الله سبحانه وتعالى ، كنت في مجلسٍ وتحدَّث الحضور عن إنسان وشاركْتهم في الحديث ، وقَعْتَ في الغيبة وأنت لا تشعر ، عُدْتَ إلى البيت فاشْتعلَ قلبُكَ فرقًا من الله عز وجل ، كيف سَمَحْتَ إلى نفسك للاستماع إلى الغيبة ؟ وكيف سمَحْتَ لِنَفْسِكَ أن تُسْهِم في هذه الغَيبة ؟  إنَّ الحسنات يُذْهبْن السيِّئات ، القضِيَّة محلولة ، الله سبحانه وتعالى يُسْترضى إلا إذا فَهِمتَ من هذا الكلام أنَّه إذا هممْتَ بِمَعْصِيَة تقول : أنا أعرف كيف أسْترضي الله بعدها !! لا ، إن كنتَ كذلك فلن يرْضى الله عنك ، إن لم تقصِد ، إن سبقَكَ لِسانك ، وخانتْكَ عينُك ، إن تألَّمْت بِذَنْب لم تنْوه ، في مثل هذه الحالات الله سبحانه وتعالى يُسْترضى ، يُسْترضى بِصَدقة  يُسْترضى بِخِدمة ، يُسْترضى بِعَملٍ صالح ، إنّ الحسنات يهبن السيئات  هذا المعنى الثاني ، والمعنى الأوَّل الحسنات هنّ الصَّلوات الخمس ، فإذا الله تعالى يمْحو بِهِنّ الخطايا ، فإذا أحْكمْت صِلَتك بالله عز وجل فإنّ هذا القلب يطْهُر ، ويصبحُ سليمًا من كلّ عَيب ، طاهرًا من كلّ ذنب : يا طاهرًا من الذُّنوب ، يا هاديًا إلى علاَّم الغيوب .

قال تعالى :

[ سورة هود ]

     لكنّك إذا حاوَلْتَ أنْ تُصَلِّي ولم تمْلك هذه الصلاة التي تحدَّث الله عنها لا تكن لجوجًا ، اِصْبِر :

أخْلِق بِذي الصَبْر أن يحظى بحاجته      ومُدْمِن القَرع للأبواب أن يلِجَا

من علامات الصادق أنَه يطرق باب الله عز وجل ، ويطرق إلى أن يُفْتَحَ الباب ؛ لا يكلُّ ولا يمَلّ ، ولا يتحوَّل ولا يتَمَلْمَل ، لأنَّه صادق ، ولو أنَّه كاذب طرق الباب لم يفْتَح له فتَحَوَّل عنه، هذه صِفات الكاذبين واصْبِر! وقفْتَ لِتُصَلِي ولم تشْعر بِشَيء ، فهل معنى ذلك أنْ تَدَعَ الصَّلاة ؟ لا  واصْبِرْ ، لعلّها تصلح في صلاة قادمة ، لعلّها تحدث هذه الصِّلة في وقت آخر ، قال تعالى : مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(5)

[ سورة العنكبوت ]

أحيانًا ربنا سبحانه وتعالى يُعَطِّش هذه النَّفْس للقُرْب منه ، تعطيشُها هو تهيئ لإقبالها ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

أيُّ جُهْد مادِيٍّ أو عضَلِيٍّ ، نقليٍّ أو نقْدِيٍّ أو عِلْمِيٍّ ، اجْتِماعِيّ تبْذُلُه من أجل التقرّب إلى الله عز وجل فالله سبحانه وتعالى لا يُضَيِّعُهُ عليك قال تعالى :

[ سورة هود ]

الآن ننتقل إلى مقْطعٍ آخر مِحْورُهُ ؛ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر قال تعالى :

[ سورة هود ]

     الله سبحانه وتعالى لولا ؛ ولولا أداة حظّ ؛ أيْ حبَّذَا ، لو كان فيكم أيُّها الناس أُناسٌ يأمرون بالمعروف ، وينْهَوْن عن المنكر ، والفساد في الأرض ، فسادُ ذات البَيْن هي الحالقة ، لا أقول حالقة الشَّعر ، ولكن أقول حالقة الدِّين ! أن تُفْسِدَ العلاقة فيما بينك وبين الله بالمعاصي، وأن تُفسِد العلاقة فيما بينك وبين الناس بالإساءة ، وأن تُفسِد العلاقة فيما بينك وبين عقلك بالتَّعطيش ، وأن تُفسِد العلاقة فيما بينك وبين نفسك بالظُّلْم ، هذه العلاقات إذا فسَدَت لم يبْقَ للحياة معنى ، وتبقى الحياة حياةً حيَوانِيَّة  طعامٌ وشراب ، ثمَ موت زُؤام ، ولكنَّ العلاقات إذا صلحَت ؛ إذا صَلَحَت علاقتك بالله عز وجل ، سَعِدْتَ بالقُرْب منه ، وإذا صلحَتْ علاقتك بالناس سَعِدْتَ بهم وسَعِدوا بك ، وإذا صَلَحتْ علاقتك بِزَوجتك سَعِدتَ بها وسَعِدت بك، إذا صلحَت علاقتك بأولادك هَدَيْتَهم إلى طريق الحق  فإيَّاكم وفسادَ ذاتِ البَيْن فإنَها الحالقة لا أقول حالقة الشَّعر ، ولكن أقول حالقة الدِّين ! فالغيبة تفْسِدُ العلاقة بين الناس ، النَّميمة تُفْسِدُ هذه العلاقة وحبّ الظُّهور والاسْتِعلاء يُفْسِدُ هذه العلاقة ، وأن تخرج على الناس بِأبهى زينة لِتَزْرعَ في قلبهم حبّ الدنيا وتجعلهم في صَغارٍ أمامك ؛ هذا إفساد في الأرض ، لذلك قال تعالى :

[ سورة هود ]

        لو كان في الأمم السابقة أُناسٌ ينْهَون عن الفساد في الأرض لما أهْلكَهم الله سبحانه وتعالى ، والدليل أنَّه ما دام في الأمَّة مُصْلِحون ، وما دام في الأمّة دعاة إلى الله تعالى ، وما دام في الأمّة أُناسٌ يَنْهَون عن الفساد فالله سبحانه وتعالى لا يُهْلِكُهم ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

     معنى القرون يعني الأُمَم ، وليس معنى هذا أنَ ليس في الأرض أُناسٌ يَدعون إلى المعروف ، ويَنْهون عن المنكر ، ولكنَّهم قِلَّة ، وعددهم لا يكفي ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

      لِضَعف الدَعوة إلى اله عز وجل ، وضَعف الأمر بالمعروف ، والنَّهي عن المنكر ، أنْ يقول الإنسان ما لي وله ، عليَّ بِنَفسي ! من يقول ذلك فليس بِمُسلِم ، ومن لم يهْتمّ بِأمْر المسلمين فليس منهم ، يجب أنْ تهتمَّ بِهم وتهْتمَّ بِقَضاياهم ، أنْ تهتمَّ بِما يُسْعِدهم ، ولما يسقيهم، وهذه هي علامة المؤمن ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

     ما أُتْرِفوا فيه بِمَعنى أنَّ هذه الدنيا التي ملكَت قلوبهم ، غرِقوا في نعيمها واتَّبعوها ، وجعلوها هادِيًا لهم ، وجعلوها إمامًا وقبْلةً ، في كلمة اتَّبعوها معنى دقيق ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

       همُّه الأوَّل والأخيرة بيْتٌ فخْم ، وزوْجةٌ جميلة ، وسيَّارة كبيرة ، ودَخْلٌ غير محدود وبيتٌ في مكانٍ جميل ، ومنتزهٌ في الصَّيْف ، وأنْ يعْلُوَ في نظر الناس ويتيه عليهم ،  قال تعالى :

[ سورة هود ]

       أيْ هذا التَّرَف صار إله الناس يعْبدونه من دون الله ، إنسانٌ اشْترى بيتًا جاهزًا للسَّكَن، وكلّ هذه الكِسْوة التي كلَّفَت مئات الأُلوف كسَّرها ، ولم يُعْجِبْهُ هذا البِلاط ! وهذا الرُّخام لا يعْجِبُه ، وهذا الترتيب لا يعْجِبُه قال تعالى :

[ سورة هود ]

      لمَا تصبح الدنيا أكبر همّ الإنسان ، ومَبْلَغَ عِلْمِهِ ، فقد انتهى ، واسْترْذَلَهُ الله ، وإذا اسْترْذَلَ الله عبْدًا حضَرَ عليه العِلْم والأدَب ، اسْترْذَلَهُ ورآه أرضِيًا وشَهَوانِيًّا ، ورآهُ دُنْيَوِيًّا ، ولكنّ خَلَدَ إلى الأرض واتَّبَعَ هواه ، قال تعالى : أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ

[ سورة الجاثية ]

جعله إلهه ،  قال تعالى :

[ سورة هود ]

قال تعالى :

[ سورة هود ]

       علاقة هذه الآية بالسِّياق العام أنَّ أيَّةَ أمَّة ما دام فيها مصْلحون ، ودُعاة إلى الله عز وجل مخلصون ، وما دام فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ما دام فيها من يمْنعُ الفساد في الأرض ، وما داموا كذلك فالله سبحانه وتعالى لن يُهْلكها ، أما إذا فعَلَ الناس المعاصي ، وغرقوا في الشَهوات ، واسْتَحَلُّوا الحرام ، وأكل القويّ منهم الضَّعيف ، ولم يوجد فيهم من يأمر بالمعروف ، ولا من ينهى عن المنكر عمَّهم الله بالبَلاء كما قال تعالى :

[ سورة هود ]

قال تعالى :

[ سورة هود ]

قال تعالى :

[ سورة هود ]

طرحتُ في الدرس الماضي حول هذه الآية مجموعةً من الأسئلة ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

       أوَّلاً في بعض التفاسير قال المفسِّر : لو شاء الله لجَمَعَ الناس على الهُدَى وكانوا أُمّة واحدة مهْتَدِيَة ولكنَه لم يشأ ! من دون تعليق أو شرْح أو إضافة ، لو شاء لجَمَعهم على الهدى ولكنَّه لم يشأ ، وبعض المفسِّرين وجدوا أنَّ هذه الآية تُشير إشارةً واضِحَة إلى أخْطر شيءٍ يمْلكُه الإنسان  ألا وهو الاختيار ، مثلاً لو شاءَت إدارة الجامعة أن تطرَح على ألف طالب في كليّة أسئلة مرفقةً بأوراق عليها الأجوبة ! ولا يُكَلَّف الطالب إلا كتابة اسمه !! جُمِعَت هذه الأوراق ، وصُحِّحَتْ فنالَتْ كلّها علامةً تامَّة  لو شاءَت الجامعة أن تجعل الطُّلاب جميعًا يُحْرِزون علامة المائة لفعَلَتْ  والقضيَّة سهلةً جدًا تطرح مع السؤال الإجابة الكاملة ، فهل تؤدِّي الجامعة بهذه الطريقة رِسالتها ؟! لا ، ليْسَت العِبْرة في توحّد النتائج ولكنَّ العبرة في تطابق المقدِّمات مع النتائِج ، هناك بالجامعة مرتبة مقبول ، وهناك جيّد ، وهناك جيِّد جدًّا ، وهناك امْتِياز ، وهناك شرَف  وهناك الراسب ، فالعظمة في تطابق المقدِّمات مع النتائِج ، هؤلاء الطلاب مختارون ، بعضهم يدرس وبعضهم لا يدرس ، بعضهم يؤثر أن يمضي عامه الدِراسي في النزهات والحفلات وأصحاب السوء وبعضهم يقبعُ في غرفته ، ويُطالعُ كتابه إلى أن يفْهمهُ فإذا دخَل في الامتحان تفوَّقَ فيه ، فلأنَّ الطُّلاب مختارون وكلّ طالبٍ جامعي مُخَيَّر في الدِّراسة أو عدمها جاءَتْ النتائج متفاوِتَة فالذي اختار الدِّراسة الجيِّدة نال علامةً جيِّدة  والذي اختار أن ينْجحَ مقبولاً نال هذه الدَرجة ، والذي اختار عدم الدِّراسة رسَبَ ، فالاختلاف يعني الاختيار ، لولا أنَ هؤلاء العباد مختارون لما اختلفوا ، أما أنَّ الله سبحانه وتعالى لو شاء لسَلَبَهُم الاختيار فكانوا جميعًا في مستوى واحد حينما يأخذ نجَّار كبير تعهّدًا بِصُنْع ألف طاولة يشتري الخشب ويقطِّعه لِيَجْعلهُ طاولاتٍ ، هل تمْتنِعُ إحدى قطَع الخشَب أن تكون طاوِلَة ؟ هذه مادَّة والمادَّة لا خِيار لها ، لذلك تأتي كلّ طاولات متشابهة  هذا يظهر في المعامل ، إنتاج المعامل كلّه متشابه ، فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى سلَبَنَا حرِية الاختيار لما اختلفنا ؛ هناك مؤمن وكافر ومنافق وفاجر ، وملحد وعاص ، ومذنب ، وآخر محْسنٌ ومسيء ، وهذا يريد أن يكون عالمًا ، وهذا يحبّ أن يكون تاجرًا ، هذا يحبّ أن يكون ضابطًا  وهذا يحبّ أن يكون صانعًا ، وهذا يحبّ أن يكون محْسنًا ، وهناك من يحب أن يؤذي الناس ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

       هذه الآية أصلٌ في حريَّة الاختيار ، لولا أنّ الناس مختارون لما اختلفوا  كيف أنَّ المواد التي تدخل المعْمل تخرج على هَيْئةٍ واحدة ، وعلى شَكلٍ واحد ، ولا فرْق بين قِطعةٍ وأخرى ، لأنَّ الحديد والخشب ليس لهُ حُريّة الاختيار أما الإنسان مُختارٌ ، قال تعالى : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)

[ سورة القصص ]

     كلّ هذا العِلم ، وكلّ هذا الحِلْم ، وكلّ هذا الخُلق العظيم ، إنَك لا تهدي مَن أحْببْت ولكنَّ الله يهْدي من يشاء ، يعود فاعل يشاء على العِباد ، من شاء الهُدَى يهْتدي ، ومن شاء الضلالة ضلَّ ، قال تعالى : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)

[ سورة الشمس ]

أيْ ألْهَمَها أنَّ هذا طريق الحق ، وأنّ هذا طريق الفُجور ، قال تعالى : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)

[ سورة الإنسان ]

     لو سَلَبَ اله سبحانه وتعالى حريَّة الاختيار لما كانت هناك جنَّة أو نار  وسقَطَ الوعد والوعيد ، ولسَقَط الثَّواب ، ولا فضْل للطائِع ولا إثم على العاصي لأنَّ الاختِيار قد سُلِبَ ولا مسؤوليَة ولا تَبِعَة ، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى وهَبَنَا شيئًا لا يُقدَّر بِثَمن ؛حُريَّة الاختِيار ، ولكنَّ هذه الهِبَة العظيمة يُقابلها أنّنا نتحمَّل تَبِعَة الاختيار ، وهبَنَا حُرِيَة الاختيار ، وجعلنا نتحمَّل تَبِعَة الاختيار ، هنا المشكلة ! وهذه بِتِلْك ، فهذه المغانم بِتِلك المغارم ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

       على شاكلة واحدة ، وعلى طَبْعٍ واحد ، وعلى مَيْلٍ واحِدٍ ، وعلى هُدًى واحِد ، ولكنَّه لو فعَلَ هذا ، وجعلهم أمَة واحدة  وسلبَهُم حُرِيَّة الاختيار  وجعلها كالبِضاعة فَقَدَتْ هذه الأُمَّة سعادتها والإنسان يسْعَد بِعَمل طيِّبٍ فَعَلَهُ مُختارًا ، فإذا فَعَلَهُ قهرًا ، أو إكْراهًا عندئذٍ لا يسْعَدُ ، ولا فضْلَ له  ويمتلأُ غَيظًا ، وضيقًا ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

ولكن لأنَّهم مختارون ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

القصْد من هذا الاختيار أن تأتيَ إلى الله تعالى طائعًا كي تسْعَدَ بِها القُرْب ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

       إلا أُناسًا تطابَقَ اختيارهم مع الهدف من خلْقِهم ، فَرَحِمهم الله سبحانه وتعالى وسَعِدوا بهذه الرَّحمة ، تطابق اختيارهم مع الهدف من خلْقِهم فرحمهم وتجلَّى عليهم ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

من أجل هذه السعادة التي لا تنتهي خلقهم الله سبحانه وتعالى ، ومن أجل هذا القُرْب الذي لا يوصَف خلقهم الله سبحانه وتعالى ، بعض المفسِّرين  يقول :

 

[ سورة هود ]

خلقهم تعود على قوله تعالى :

[ سورة هود ]

خلقهم لِيَختلفوا ‍، ولكنَّ التفسير الأوْجَه أنَه خلقهم ليرْحمهم ، أيْ لِيُسْعِدَهم  إذًا:

[ سورة هود ]

     يعني خلقهم ليسعدهم ، أعطاهم حرية الاختيار ، فإذا اختاروا ما خلقهم الله له رحمهم الله عز وجل ، و حقَّقوا الهدف من خلقهم ، و إذا اختاروا خلاف ما أراد الله لهم ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

       لماذا من الناس و الجنة ، لأن الله سبحانه و تعالى عرض على صنف الجن و الإنس الأمانة ، قال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)

[ سورة الأحزاب ]

و قال تعالى : يا معشر الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ(33)

[ سورة الرحمن ]

الإنس و الجن مخاطَبون بحمل الأمانة ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

يعني إن وافق اختيارك مراد الله رحمك الله و سعدت  بقربه ، و إن لم يوافق ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

         يعني الكلمة القانون ، أي أن الله سبحانه و تعالى قوله الحق ، و قوله مبدأ ، فتمَّت كلمةُ الله أن يدفع كلُّ مَن أخذ حرية الاختيار تبعَةَ اختياره أي أن هذه الميِّزة بتلك المسؤولية ، قالب تعالى :

[ سورة هود ]

أي هؤلاء الذين لم يختاروا ما أراد الله لهم النار مأواهم ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

قال تعالى :

[ سورة هود ]

هذه القصص تُثَبِّت ، لذلك الإنسان قد يهتدي بآيةٍ كَوْنِيَة ، وقد يهْتدي بآيةٍ قرآنيَّة ، وقد يهتدي بِقِصَّة يسْمعها ، قال تعالى :

 قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)

[ سورة الأنعام

وقال تعالى : أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)

[ سورة السجدة ]

قال تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)

[ سورة الجاثية ]

      تتبَّع حياة المستقيم ، اُنْظر إلى حياته ، اُنظر إلى سعادته وطمأنينتِهِ اُنْظر إلى اسْتِقراره ، اُنْظر إلى ثقَتِهِ بالله عز وجل ، وانْظر إلى غير المستقيم  وإلى قلقه ، وإلى فُجوره وخوفِهِ وإلى ضَياعِهِ ، وإلى شَقائِهِ ، قال تعالى:

[ سورة هود ]

      الإنسان أحيانًا لا يروي قِصَّة تُثَبِّتُ العزائِم ، لا يرْوي قِصَّة فَحْواها ظلمٌ هذه القصَّة غير صحيحة ، لأنّ هذا الذي تظنّه قد ظُلِمَ لابدّ من حِكمةٍ بالغة ساقَت له هذا الظُّلْم ، فإذا روَيْتَ قِصَّة من دون تَمحيص ، ومن دون تدقيق ، ومن دون اسْتيعاب ، ومن دون إحاطة  ماذا فعلْت ؟ أعطَيْتَ للناس درسًا على شَكل قِصَّة ، يعني إذا اسْتقَمْتَ على أمر الله فحْوى هذه القِصَّة؛ سوف تموت من جوعِكَ ‍! إن لم تفْسُد مع الناس لا تعيشُ معهم ، هذه قِصَّة خطيرة ، يُقابلها إذا روَيْتَ قِصَّة أنَ الذي أطاع الله عز وجل أطاعه كلّ شيء ، وأنَّ الذي آثر ما عند الله أكْرمه الله بالدُّنيا والآخرة ، مثل هذه القصص ترْفعُ مَعْنوِيَات الإنسان وكفى بالمرء إثمًا أن يُحَدِّث بكُلّ ما سَمِع ، أحيانًا تجلس بِمَجلس ، وتقول : فلان الفلاني أخلاقه عالية ، وإيمان وتقوى ، وصلاح وورَع واسْتِقامة  جاءتْهُ قصّة تُحَير العُقول ، القِصَّة ما مغْزاها ؟ أنت أسْبَغْتَ عليه صِفات مُبالغ بها ، جمعت التقوى إلى الورع إلى الحِلم إلى الاستقامة  إلى ... قد ظُلِمَ ظلمًا شديدًا ! فلا بدّ من حِكمةٍ إلهيّة عظيمة بليغة جَعَلَتْ هذه المصيبة تَصِلُ إليه ، لعلّ هذه المصيبة ردْعٌ أو قصْمٌ ، لعلّها دَفْعٌ أو رفْعٌ أو كَشْفٌ ، هذه أنواع المصيبة ، هناك مصيبة قَصْم ، الإنسان إلى شرّه مستطير ، كلَّما عاشَ يومًا ارْتَكَبَ أعمالاً فضيعة ، هذا ربّنا سبحانه وتعالى قد يسوق له مصيبة قَصمٍ وينتهي ، وهناك مصيبة ردْعٍ ، فقد ينْحرف الإنسان فتأتيه مُصيبة لا يستطيعُ تَحَملها ، وهذا من أجل أن يُقْلِعَ عن هذه المعْصِيَة نِهائيًّا فهذه مصيبة ردْعٍ ، وقد يكون مستقيمًا ، ولكنَّه مقصِّر فتأتيه مصيبة دَفْعٍ إلى الأمام ، وقد يكون مستقيمًا وليس مقصِّرًا  ولكن بإمكانه أن يرقى إلى مرتبةٍ علِيَّة ، فيبْتَليهِ ببَعْض المصائب فإذا صبَرَ عليها ارْتقى ، وهذه للصِّديقين ، وأما الأنبياء فمصائِبُهم من نوْع الكَشْف ، لا تُكْشفُ حقيقتهم ولا يبْدو ما يَنْطَوُون عليه من كمالٍ رفيع إلا بِبَعْض الظُّروف الحَرجَة لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام عَنْ فَاطِمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعُودُهُ فِي نِسَاءٍ فَإِذَا سِقَاءٌ مُعَلَّقٌ نَحْوَهُ يَقْطُرُ مَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ مِنْ حَرِّ الْحُمَّى قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَشَفَاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ *

[رواه أحمد]

        فالقِصَّة خطيرة جدًا ، إن كنت غير مَدروسة  وسَمِعتها ونقَلْتها لا تنسَ هذا الحديث الشريف ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ *

[رواه مسلم]

        أحيانًا يقرأ الواحد قِصَّة بِمَجَلَّة ، أحدهم ذهب عند بيتِ صديقه فَوَجَدَهُ مَقْتولاً ، فخَرَجَ مذْعورًا ، والجار الذي يسْكن اتِّجاهَ هذا البيت يعْمَلُ في سِلْك الشُّرْطة ، فرآهُ خارجًا مذْعورًا ، فألْقى القبْض عليه فَوَجَدَ إنسانًا مَقْتولاً ! فساقَهُ إلى السِّجْن وحُوكِمَ ، وحكمَتْ عليه المحْكمة بِعِشْرين أو ثلاثين عامًا سِجْنًا !! تقول : سبحان الله !! هذا بريء ، لو سألتَ هذا الذي حُكِمَ عليه خطأً ؛ أَفَعَلْتَ شيئًا تسْتحقّ عليه الحُكم القاسي ؟! يقول : إي وربِّي ، فالقِصَّة إذا رَوَيْتَها من دون أن تعلمَ خَلْفِيَّتَها وملابساتها  وفُصولها كلّها ، تكون كمن أضلل الناس ، فالقِصَّة إما أن تهديهم بها  وإما أن تضِلَّهم بها ، لا تروي قِصَّة لا تعرف كلّ فُصولها ، لا ترْوي قِصَّة لا تعرف حِكمة الله منها ، لا ترْوِي قِصَّة يبْدو لك مِن أحداثها أنَّ منطقها مُخالفٌ لِما جاء به القرآن ، قلْ : لا أعْلم ، أما إذا كان عندك قِصَّة تثْبتُ آيةً ، قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)

[ سورة النحل ]

إن كان عندك قصَّة تؤكِّد هذه الآية ، وإن كان عندك قصَّة تؤكِّد قوله تعالى : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)

[ سورة طه ]

        حدَّثني اليوم إنسان وقال لي : لي أخٌ غير منضَبِطٌ بِقَواعِدِ الدِّين ، فكان يزور أصدِقاءهُ ويطلب إليهم أن تكون هذه السَّهرة مختَلِطَة ، فإذا زاروهُ في بيتِهِ أمرَ زوْجته أن تبْرُزَ إليهم الأمر الذي حصَلَ أنَّ أحدَ أصْدِقائِهِ أُعْجِبَ بِزَوْجَتِهِ ، ونشأَتْ علاقة بينهما غير مَشْروعة انْتَهَتْ إلى الطَّلاق  وضَياع أربعة أولاد !! هذا هو جزاء المخالفة ، فهذه القِصَّة تُرْوَى لأنَّها تؤكِّد أنَّ هذا الشَّرْع من عند الله تعالى ، وأنّ كلّ من خالفهُ دفَعَ الثَّمَن باهِظًا في حياته ، وكاد قلبهُ يحْترِق وكاد قلبهُ يُصْعَق من هذه الزَّوجة الخائنة ، فهذا جاهل ، ولكن حينما سمَح لِنَفسِهِ أن يزور أصدِقاءهُ على شَكل اختِلاط ، وحينما زارهُ أصْدِقاءهُ ، وأمر زوجته أن تبْرُزَ إليهم كان ما كان !! فلِذلك القِصَّة أداة خطيرة ؛ إما أن تُهدِم بها الحق ، وإما أن تبْنِيَ بها الحق ، فَقصَّة لا تعرف ملابساتها ، لا ترْوِها ، وقل : الله أعلم  لله حِكمة بالغة ، أحيانًا تجد الناس مُغْرَمون أن يُظْهروا لك شخْصًا مستقيم استقامة تامَّة وطاهر ، وإذا بِمُصيبة تأتيه فوق تَحَمّله ! ويقْصِدون أنَّه لا إله يعينه !!! الله عز وجل الحقّ ، وهذه القصَّة خِلاف الحقّ ، من أسماء الله تعالى أنَّه حق وعادل ، فلذلك ربّنا عز وجل قال :

[ سورة هود ]

قال تعالى :

[ سورة هود ]

          كلّ إنسان له مكانة عند الله ، أعماله تجْسيد لها ، وتنفيذ لها ، وتَحقيق لها ، فالمؤمن أعماله كلّها تؤكِّدُ إيمانه ، اسْتِقامته ونزاهته ، وإخلاصه وأمانته ، وحبّه للخير ، وبذْلُهُ وتَضْحِيَتُه ، هذه مكانتهُ ، وهذا حالهُ ؛ حالُ العبْد المتواضِع وحال العَبْد المفْتَقِر ، وحال العبْد المُحِبِّ لله عز وجل أعماله تؤكِد أفعاله ، وأعماله وَجهٌ آخر لأحواله ، أحواله وجه ، وأعماله وجه آخر والكافر أعماله كلّها تؤكِّد دناءتَهُ ، تؤكِدُ أنانيَّتَهُ ، وتؤكّد جهْلهُ  وتؤكِّد حبَّه لِذاتِه ، أعماله تجسِّد انْحِرافهُ النَّفسي ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

       أنتم لن تستطيعوا أن تفعلوا إلا شيئًا يُجَسِّد نفْسِيَّتكم ، فالكافر لن يستطيع أن يكون مخلصًا ولا طاهرًا ، ولا مخلصًا لأنَّ مكانته الانحراف ، وبُعْدُه عن الله سبحانه وتعالى جَعَلَ مكانتهُ عند الله منحرفة ، وأعماله تَجسيد لانْحِرافه النّفسي .

قال تعالى :