English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "02 / 16"  من تفسير سورة  هود (011) :  الآية : 06  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً  وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، وصلنا في الدرس الماضي من سورة هود ، عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام إلى قوله تعالى :

[ سورة هود ]

     هذه الآية قادَتْني إلى موضوع دقيق جدًّا في الإسلام ، هذا الموضوع سأُسَلْسِلُهُ وَفْق الترتيب التالي .

        أوَّلاً : ما هو جَوْهر الدِّين ؟ في الدِّين أشياءُ مُتَعَلِّقة في الجوهر ، وأشياء متعلّقة بِجُزئيَّات لا علاقة لها بالجوهر ، فسيِّدُنا ابن عمر رضي الله عنه حينما رأى بدَوِيًّا يرْعى شِياهًا ، وقال له : بِعْني هذه الشاة ، وخُذْ ثمنها قال : ليْسَتْ لي ، فقال ابن عمر : قُلْ لصاحبها ماتتْ أو أكلها الذئب، فقال : والله لو قلتُ لِصاحِبِها ماتَتْ أو أكلها الذئب ، لصدَّقني ، فإنِّي عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟! هذا البدَوِي قد تكون معْلوماته الفقْهِيَّة محدودة ، وقد تكون معلوماته في فقه المواريث معدومة ، وقد لا تجد في خَيْمتِهِ مكتبة ، ولكنّه خشي الله تعالى في الغيب ، هذا البدَوِي وضَعَ يدهُ على جوهر الدِّين ، وقد تلتقي بإنسان يحْمِلُ أعلى الشهادات ، وفي بيته مكتبة عامرة ، وآتاه الله تعالى ذكاءً ولِسانًا طليقًا ، ومع ذلك ، وعلى الرّغم من كلّ هذا الاطّلاع ، وهذا العِلْم الظاهري ، وهذه الشهادات قد لا يضَعُ هذا الإنسان يدَهُ على جوْهر الدّين ! فالدِّين له جوهر ، لمّا عرف أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام جوهر الدِّين فتَحوا الآفاق ، ونفَّذ الله وعدهُ ، قال تعالى :

 وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)

[ سورة النور ]

        جوهر الدّين لمسه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فَسَعِدُوا وأسْعَدوا  ودانَتْ لهم الأرض ، ورفَعَ الله ذِكْرهم ، وأعزَّهم ومكَّنَ لهم دينهم  وبدَّلَهم من بعد خوفهم أمنًا ، وقد تجدُ الصحابة الكرام لا يزيدون عن ألف ، وقد تجد ألف مليون من المسلمين في بيتِ معظمِهم مكتبات عامرة  وسائر المعلومات متوافرة بين أيديهم ، ومساجدهم فَخْمةً ومُزَيَّنة وجميع وسائل نقل المعرفة متوافرٌ في عصرهم ، ولكنّ معظم هؤلاء ما وضَعوا أيديهم على جوهر الدِّين ، فخَذَلهم الله سبحانه وتعالى وجعلهم في آخر الأمم ، وجعل كلمتهم ليْسَت هي العليا ، فالذي أريد أن أقوله لكم إِنّ في الدِّين حقائق متعلّقة بِجَوهره ، فعَنْ مَسْرُوقٍ قَال:

" كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ "

[ رواه أبو داود ]

        إنّ فلانة تُكثر مِن صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنَّها تؤذي جيرانها بِلِسانها فقال : هي في النار ! ما جوهر الدِّين ؟ انتَهَيْتُ الآن إلى أنَّ في الدِّين جوهر ، وفي الدِّين عرَض ، كما أنَّ في السيارة محرِّكًا هو المعوّل عليه في حركتها ، وهناك أشياء كثيرة تزيّنها وتحسّنها، ولكن لا علاقة لها بِتَحريكها ، إذا كان في السيارة شيء أساسي و تعطّل تعطَّلَت ، وفيها أشياء ثانويّة لا تُقدّم ولا تؤخّر ، فأين جوهر الدِّين ؟ ليس من عندي شيء ، من عند الله ، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول إلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25)

[ سورة الأنبياء ]

         الأديان كلّها التي جاء بها الأنبياء الكرام كلُّها جوهرُها لا إله إلا أنا فاعبدون  أفضل كلمة قلتها أنا والأنبياء مِن قبلي لا إله إلا الله ، ولا إله إلا الله لا يسبقها عمل ، ولا تترك ذنبًا، الأنبياء جميعًا كما تجد في بعض السور كلامُهم موحَّد ؛ أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، هذه الكلمة كلمة التوحيد يقولها الإنسان في اليوم عشرات المرات بل مئات المرات ، والأديان كلّها متعلّقة بهذه الكلمة ، لا إله إلا الله يعني : الأمر كلُّه لله ، أي إليه يرجع الأمر كلّه ، قال تعالى :

   أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(41)

[ سورة الرعد ]

وقال تعالى

: مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)

[ سورة فاطر ]

قال تعالى :

[ سورة هود ]

وقال تعالى :

 وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)

[ سورة الرعد ]

وقال تعالى :

 فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ(19)

[ سورة محمد ]

وقال تعالى :

وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(107)

[ سورة البقرة ]

       جوهر الدِّين أن تعتقد أنَّ الأمور كلها كبيرها وصغيرها ، جليلها وحقيرها بِيَدِ الله سبحانه وتعالى . هذا الكلام كَفِكْرة يسْهُل إدراكها ، أما كَحَقيقةٍ تعيشها النّفس ؛ هذا يحتاج إلى جهد كبير ، أنْ تُدْرِكَ بِعَقلِكَ وفِكرك أنّ الأمور بيد الله قضيَّة سهلة ، ولكن أن تعيش هذه الحقيقة فلا ترى مع الله أحدًا ، وترجو الله ، ولا تعلِّق الأمل على غير الله ، ولا تخْشى إلا الله، ولا تخاف من غير الله ، ولا تحبّ غير الله ؛ هذا هو التوحيد ، وما تعلمَّت العبيد أفضل من التوحيد ، لذلك قال تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)

[ سورة يوسف ]

         أخوف ما أخاف على أُمَّتي الشرْك الخفي ، أما إنِّي لستُ أقول إنَّكم تعبدون صنمًا ولا حجَرًا ، ولكن شهوةٌ خَفِيَّة ، وأعمال لغير الله والشِّرك أخفى بأحدكم من دبيب النملة السوداء على الصَّخرة الصمّاء في الليلة الظلماء ، لذا جوهر الدّين التوحيد ، والتوحيد يقتضي معرفة ربوبيّة الله سبحانه وتعالى و أنَّه ربّ العالمين ، وألوهيّته ، وأسماؤُهُ الحسنى تقتضي ألَّا يُسلم أمرَك لإنسان ، و لو أنه أسلم أمرَك لإنسان كيف يقول لك

[ سورة هود ]

         كيف يطالبك أن تعبده وحدَه وبعضٌ من أمرك بيد فلان و فلانٌ كما تدَّعي ؟ أو كما تظنُّ أو كما تتوهَّم بيده أمرُك و بيده حياتُك أو موتك وبيده رزقك و بيده إسعادُك و بيده النفع و الضرُّ، إذا كان فلان و فلان و زيد و عُبيد بيده شيء من أمرك فالآية كيف تقبلها ، قال تعالى

[ سورة هود ]

       لماذا تعتقد شيئا و تفعل شيئا ؟ إما أن تعتقد أن الأمر كله بيد الله وهذا يقتضي ألَّا تخاف إلا من الله و ألّا ترجوَ إلا الله و ألّا تعتقد أن في الكون فاعلا إلا الله و ألّا تخشى إلا الله و ألّا تحبَّ غير الله ، فهذه الحقيقة ، حقيقة التوحيد ، تقتضي أن أمرك كله بيد الله ، لكنَّ بعض العلماء وقفوا عند قوله تعالى : أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ(53)

[ سورة الشورى ]

        تساءل بعضُهم ، إذا آلتْ الأمور إلى الله يوم القيامة ، ففي الدنيا بيد مَن كانتْ ؟ سؤالٌ دقيق ، هم تساءلوا و هم أجابوا ، قالوا الأمور كلها بيد الله في الدنيا و الآخرة ، و لكنه في الدنيا يبدو لعامة الناس أن الأمور بيد فلان أو فلان . و لكنه في الحقيقة الأمر كله لله ، قال تعالى : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)

[ سورة الأنفال ]

وقال تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ

[ سورة الفتح ]

وقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(84)

[ سورة الزخرف ]

وقال تعالى : وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ(51)

[ سورة النحل ]

الأمر كله لله في الدنيا و الآخرة ، و لكنَّ هذه الحقيقة مستترة في الدنيا، تحتاج إلى كشف ، المؤمن كشف الحقيقة و غيرُ المؤمن متعلِّق بظواهر الأشياء ، و لكن في الآخرة تغدو هذه الحقيقة المستترة واضحةً لكل الناس ، في الدنيا يُمَيَّز المؤمن عن غير المؤمن بأنَّ المؤمن كُشف له الحجابُ و عرف أن الله وراء كلِّ شيء ، كُشِف له الحجابُ فعرف أن يدَ الله فوق أيديهم ، و كُشِف له الحجابُ فلم يَرَ مع الله أحدًا .

الآن يقتضي التوحيدُ أنَّ أمرك كلَّه بيد الله ، و معنى كلَّه ، أمر ُصحَّتك إلى أمر عملك إلى زوجك و إلى أمر بيتك و إلى أمر مكانتك إلى أمر تعقيداتك الاجتماعية ، إلى أمر ما سيكون ، إلى أمر ما هو كائن إلى أمر ما يجب أن يكون ، هذا كلُّه بيد الله .

الآن نعود إلى آية الدرس ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

الآن أبرزُ هذه الأمور ، ألم يقل الله عز وجل :

[ سورة هود ]

         أبرز هذه الأمور أمرُ الحياة و الموت و أمر الرزق ، و هل يعصي الناسُ ربَّهم إلا من أجل حبِّهم للحياة و خوفهم من ضيق الرزق ، خلقتُ لك ما في السماوات و الأرض و لم أعيَ بخلقهن أفيُعييني رغيفٌ أسوقه لك كلَّ حين ؟و عزَّتي و جلالي إن لم ترضَ بما قمستُه لك فلأُسلِّطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثمَّ لا ينالك منها إلا ما قسمته لك و لا أبالي ، إذًا الموضوعان الكبيران اللذان يحملان الناسَ على المعصية و الكذب والدَّجل والخداع و الاغتصاب و أكل المال بغير الحق هو خوف الموت و خوف ضيق الرزق ، بحثتُ في القرآن الكريم عن الآيات المتعلِّقة بالموت ، آياتٌ كثيرة ، فانتقيتُ لكم أبرزَها ، ربُّنا سبحانه و تعالى يقول وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ(145)

[ سورة آل عمران ]

يعني أشدُّ أنواع النفيِ في القرآن الكريم هذه الصياغة ، و ما كان ، يعني مستحيل ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه

[ سورة آل عمران ]

 أمر الموت بيد الله ، ومن لم يمُتْ بالسيف مات بغيره تنوَّعت الأسباب و الموتُ واحدٌ ، قال تعالى : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه

[ سورة آل عمران ]

      يعني فلان عمره ثلاثة و سبعون عاماً و تسعة شهور و ثلاثة أسابيع و أربعة أيام وتسع ساعات و أربع دقائق و عشر ثوانٍ كتابا مؤجَّلًا لا يزيد و لا ينقص لذلك قرأتُ حديثا شريفا ترك في نفسي أثرا بليغا خلاصته : كلمةُ الحق لا تقرِّب أجلا و لا تقطع رزقا ، من علامات المؤمن أنه لا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ ، الآية الثانية قال تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا(44)

[ سورة النجم ]

 لم يقل الله و أنه أمات و أحيا ، بل قال : وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا(44)

[ سورة النجم ]

         تأكيد بالضمير هو ، الذي يميت هو الله ، و الذي يحيي هو الله ، و لا يملك إنسانٌ كائنًا من كان على وجه الأرض أن يحيي و أن يميت ، قال تعالى :إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258)

[ سورة البقرة ]

وقال تعالى : وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ(23)

[ سورة الحجر ]

وقال تعالى : وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)

[ سورة الشعراء ]

     لذلك : إن الطبيب له علمٌ يُدِلُّ به  إن كان للناس في الآجال تأخيرُ حتى إذا ما  انتهت  أيام رحلته حار الطبيبُ وخانته العقاقيرُ طائرةٌ احترقتْ فوق جبال الألب على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدمٍ احترقت وانفجَرَت ، مكان التَّصدّع وقع راكب منها ، لم ينتَهِ أجلهُ و بعد أن نزَلَ مِن على ارتِفاع ثلاثة وأربعين ألف قدَم ، ووصَلَ إلى غابات يُجَللها الثَّلج بِسَماكة خمسة أمتار ، فكانت هذه الأمتار الخمسة ، وأغصان الصَّنوبر الليِّنة قد امْتصَّت كلّ هذه الصَّدمة ، ونزل واقفًا على الأرض ، لم ينتَهِ أجلهُ بعد ، إنسانٌ خاض معركةً ، فدَخَلَتْ رصاصة في بطنه ، وهذه الرصاصة دخلت من بطنه وخرجت من ظهره ، أما كيف سارَتَ بِخَطٍّ متعرِّج بحيث ، لم تثْقِب الأمعاء ، فلا أحدَ يعرف ، خرجَت وأمعاؤُهُ بقيت سليمة و لم يمت ، سيّدنا خالد رضي الله عنه قال : خُضْت مائة معركة أو زهاءها وما في بدني موضع شِبْر إلا وفيه ضربة بِسَيفٍ ، أو طعنة بِرُمْحٍ وها أنا ذا أموت على فراشي .

         فرعون رأى في المنام أنَّ طِفلاً من بني إسرائيل سوفَ يقضي على مُلكِهِ فقال : القضيَّة سهلة ؛ سأقتل جميع أبناء بني إسرائيل ، أما الطِّفل الذي قضى على مُلْكِهِ فقد ربَّاه في قصره ، هذا هو التوحيد ؛ الإيمان بأنَّ لك أجلاً لا يزيد ولا ينقص ، لا ينقص ثانِيَةً واحدة ، ولا يزيد ثانيَةً واحدة هذا يبثّ في نفسك الطمأنينة والشَّجاعة ، والتَّوكّل والرّضا ، والتوازن فأحَدُ أسباب القلق عند الناس شُعورهم أنَّ حياتهم تمتلكُها عوامل عديدة فالمرض لا يُميت ، واسمع قول القائل : حتى إذا ما انقضَت أيام رِحلتِهِ حار الطبيب وخانته العقاقير ، قال الطبيب: المريض ميؤوس من حياته ، ما هي إلا ساعة أو تزيد ويكون في عِداد الموتى ، فانطلق الأهل لِيَضَعوا مُسْودَّة النَّعْوَة ! وانطَلَق الآخرون لِيَشْتروا الكفن ، وتوزّع الإخوة الكُثر، لِيَنْعوا مريضهم ، وبعد ساعة قوِيَ النَّبض قليلاً ، وارتفع الضغط قليلاً ، وما هي إلا ساعات حتى اسْتعاد هذا المريض صِحَّتَهُ ثمّ بعد أشهر عديدة صار صحيحًا صِحَّة تامّة ، والذي كتب النِّعوة هو الآن تحت الثرى !!

       طبيب صديق لي حدثني : اسْتُدعيتُ لإسعاف امرأة ميؤوس من حالتها ، وما هي إلا دقيقة أو دقيقتان حتى فارقَت الحياة ، فقلتُ لهم : عظَّمَ الله أجركم ، وليأتِ أحد منكم إلى عِيادتي لأُعطيه ورقة الوفاة . كيف عرف هذا الطبيب أنَّ هذه المرأة قد تُوُفِّيَت ؟ الضَّغط صفر والنَّبض متوقّف ، وحدقة العين لم تستَجِب للضَّوء ، والمرآة على فم المريضة لم تتأثَّر بِبُخار الماء ، والأطراف باردة ، والجسم أزرق ، كلّ علامات الوفاة موجودة ، فغادر الطبيب البيت ، ونزل إلى سيارته ، وعَقِبَ مغادرته بقليل سَمِع صوتًا يُناديه ؛ تعالَ أيُّها الطبيب فقد تحرَّكت رجلها ‍! فقال لي : عُدْتُ إلى المريضة ، ووضَعتُ السماعة على صدرها ، فقال لي : كلّ دقيقتين نبضة واحدة ، وتسارعَتْ هذه النَّبَضَات إلى أن أصبح نبضها طبيعِيًّا ، وقال لي : وزارتني بعد ثلاثة أعوام من هذه الحادثة في عِيادتي !! فأَمرُ الحياة والموت بيَدِ الله ، ولكن هناك موضوع دقيق ، وهو أنَّ هذا العُمر الذي سطّره الله لنا ، وأعطانا إياه أنه كذا سنة ، يا ترى هل بُنِيَ على حقيقة أو أساس ، أو حِكمةٍ ؟ الجواب : نعم ، عمرُ الإنسان في صالحه ، فحينما يقوم الناس لربّ العالمين ، يرَون أنّ هذا العمر الذي عاشوه في الدنيا هو أمثل عُمرٍ لهم ، فهذا الذي يموت في سنٍّ مُبكِّرة يقول الناس عنه مِسكين! ولكنّ هذا المِسْكين بالذات حينما يأتي يوم القيامة يرى أنَّ هذا العمر القصير هو أنسبُ عمر له ، فالأعمار بيَدِ الله وكذا الآجال ، ولكلّ مِنَّا أجل محتوم ، ومحدود ، ولكن يجب أن نعتقد أنّ هذا الأجل المحتوم المحدود الذي سطَّرهُ الله عز وجل هو في صالحنا  عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ قَالَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ *

[ رواه البخاري ]

        الشيء الظاهري أنَّه مات ، ولكنّ الحقيقة أنَّهُ بِهذا الموت استراح من عناء الدنيا ، ودخل جنَّة عرضها السماوات والأرض .

الموضوع الأوّل هو الموت ، والموضوع الثاني هو الرِّزق ، ربنا سبحانه وتعالى يقول : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(40)

[ سورة الروم ]

      ما دام هذا الفم يتكلّم فله عند الله تعالى رزق ، وقال تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(172)

(سورة البقرة )

بالمناسبة لفَتَ نظري آيتان ، الآية الأولى : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(172)

[ سورة البقرة ]

والآية الثانية يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ

[ سورة البقرة ]

      أنت مأمور بالإنفاق من هذا الرِّزق الحلال الذي أعطاكه الله ، كما أنَّك مأمور أن تأكل منه، فيجب أن تأكل وأن تُطْعم ، قال تعالى : وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ

[ سورة الأنعام ]

إن كان الفقْرُ حقيقةً واقِعة ، لا تخشَ الفقرَ ولو كان واقعًا بك ؛ نحن نرقكم وإياهم ! وقال تعالى : وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا(31)

[ سورة الإسراء ]

وقال تعالى : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212)

[ سورة البقرة ]

إذا أعطى الله تعالى أدْهش ، وقال تعالى : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(3)

[ سورة فاطر ]

        إذا شحَّت السماء بالأمطار ، كلّكم يرى أنّ انقطاع الماء بسبب شحّ الأمطار ، وانقطاع الكهرباء بسبب شح الأمطار ، قِلَّة الموارد بِسَبب شحّ الأمطار ، هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ؟ الله هو المُسَعِّر ، حدَّثني صديق عنده مزرعة ، يزرعها تفاحًّا ، قال لي: في إحدى السَّنوات ثلاثمائة دُنُم مزروعة من صنف التفاح لم تُنْتح إلا ثلاثة عشر صندوقًا، وفي بعض السَّنوات أنتَجَت الشجرة الواحدة طنًّا وربع  قال تعالى : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(3)

[ سورة فاطر ]

قال تعالى :

 أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ(21)

[ سورة الملك ]

       هؤلاء الذين قالوا اسْتغنينا عن رحمة السماء ، نقول لهم : فمن يرزقنا إن أمْسَكَ رزقه؟! بإفريقيا خلال سبع سنوات كانت مجاعةً ، مات أُناسٌ كثيرون وماتَتْ الماشية ، وجفَّ النبات ، ويبسَت الأشجار ، ولم يبْق على الأرض شيء ، قال تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ(31)

[ سورة يونس ]

        بالمناسبة ؛ إنّ الله عز وجل إذا قنَّنَ فَتَقْنينُهُ تَقنين تأديب ومعالجة ، لا تَقنين عَجْزٍ كما نُقنِّنُ نحن ، نحن إذا قَنَّنا فهو تَقْنين عَجْزٍ لكنّ الله تعالى إذا قنَّن فتقنينه تقنين معالجة وتأديب ، والدليل قوله تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ(27)

[ سورة الشورى ]

قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2)

[ سورة الطلاق ]

" إنّ روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها و أجلها "....الحديث ، ربنا عز وجل قال : وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)

[ سورة الجن ]

وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)

[ سورة الأعراف ]

عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ *

[ رواه الترمذي ]

شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعِزُّه اسْتِغناؤُه عن الناس ! ويقول عليه الصلاة والسلام : ابْتغوا الحوائج بِعِزّة الأنفس فإنّ الأمور تجري بالمقادير !

       على موضوع الرِّزق ؛ هناك أحاديث كثيرة ، فهذا الصحابي الجليل الذي جاء المدينة مهاجرًا ، فقال له : يا أخي ، دونَكَ مالي فَخُذْ نصفهُ ، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: بارك الله لك في مالك ، ولكنْ دُلَّنِي على السوق ‍! عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ *

[ رواه البخاري ]

      وما فتح عبدٌ باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقْرٍ ، أبى الله أن يرزق عبدهُ المؤمن إلا من حيث لا يحْتَسِب ، وإنّ الله حيِيٌّ كريم يستحي من عبده إذا بسط إليه يديه أن يردّهما خائِبَتين ، فاتقوا الله عباد الله فيما تدعون .

      عَوْدةٌ إلى الآية التي وصلنا إليها ، إذا اعْتَقدنا أنّ حياتنا بيَدِ الله ، وموتنا بيَدِ الله ، ورِزْقنا بِيَدِ الله ؛ رفعنا رؤوسنا ، وكُنَّا أعِزَّةً ، الإمام الحسن البصري قيل له : ما سرّ عِزِّك يا إمام ؟ فقال : عَلِمتُ أنّ رزقي لا يأخذه أحد غيري فاطمأنَّتْ نفسي ‍! ولكنّ الله سبحانه وتعالى جعل للرِّزق أسباب ، وما لم نأخذ بالأسباب فنحن لسْنا مُتَّبِعين لِهَدي الله الكريم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا*

[ رواه الترمذي ]

أما أن يبقى هذا الطَّيْرُ في عُشِّه ويظنّ أنّ الله يرزقه فليس هذا من نواميس الكون في شيء ، قال تعالى : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25)

[ سورة مريم ]

      فلا بدّ من حركة ، إنّ الله كتب عليكم السَّعيَ فاسْعَوا ، سيّدنا عمر رأى أُناسًا محتاجين ، فقال : مَن أنتم ؟ قالوا : نحن المتوكِّلون ! فقال كذبتم  المتوكِّلُ من ألقى حبَّة في الأرض ثمّ توكَّل على الله ، أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام رأوا شابًا ينطلق من بيته مُبكِّرًا ، فقال بعضهم : لو كان هذا الشباب في سبيل الله ! فقال عليه الصلاة والسلام لو أنّ هذا الشابّ خرج من بيته يسعى على أطفال جِياع فهو في سبيل الله ، كَسْبُ الرّزق جزء من طاعة الله عز وجل ، من باتَ كالاًّ في طلب الحلال بات مغفورًا له ، كسْبُ الرِّزق من طريق مشروع وبِشَكل لا يطغى على العبادة هو أحدُ أنواع العِبادة ، والآية الكريمة :

[ سورة هود ]

      الدابة كلمة واسعة جدًّا ، فكُلُّ مخلوق يدبّ على وجه الأرض فهو دابّة. أحيانًا وأنت تكتب على دفترك ترى نقطةً لا يزيد قطرها عن عُشر الميلي متر ! نقطة لا تكاد تراها قد تُلفتُ النَّظر لأنّ هذه النقطة تتحرّك  إذًا هي مخلوق ، هذه دابَّة ، والجراثيم دابّة ، والفيروسات دابّة ، وحيوان وحيد الخلية دابة ، والرَّخَوِيَّات دابة وديدان الأرض دابّة ، والبعوضة دابّة ، قال تعالى :إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا

[ سورة البقرة ]

        هذه البعوضة التي إذا قتلتها لا تشعر بِوَخز الضمير أبدًا ، هيِّنة على الناس  ولو أنّ الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ! فهذه البعوضة التي تحتقرها فيها جِهاز رادار تعرف النائم على الوِسادة مِن الوِسادة ! فتنطلق إليه مباشرة ، وفيها جهاز تحليل الدمّ، دم هذا النائم يناسبها ، ودم ذاك النائم لا يناسبها . قد ينام أخوان على الفراش  فيستيقظان ؛ أحدهما قد لدِغ من الناموس والثاني معافى من لدغه ! فيها جهاز رادار ، وجهاز تحليل دم ، وجهاز تخدير ، تُخدِّر الإنسان حين تُدْخل خرطومها في جلده ، وفيها جهاز تمْيِيع دم ، ولها ثلاثة قلوب ! وأجنحتها ترفّ أربعة آلاف رفَّة في الثانية الواحدة ، وليس لها صوت، بل لها طنين ، وهو هذا التواتر في أجنحتها ولها في أرجلها مخالب إذا كان السَّطح خشِنًا لتثبت نفسها عليه ، ولها محاجم إذا كان السَّطح أمْلس ، هذه دابّة رزقُها مِن دم الإنسان، والحوت الذي يزن مائة وخمسين طنًّا ، وطوله أربعون مترًا ، وفيه خمسون طنًا دهنًا ، وخمسون طنًا لحمًا ، وتسعون برميل زيت ، ووجْبتُهُ المعتدلة أربعة أطنان ، وولده يرضع ثلاثمائة كلغ ، هذا الحوت أيضًا له رزق من الله تعالى ، رزقه في اليوم عشرة أطنان إلى خمسة عشرة طنًّا من السَّمَك ، وهذه الدابة الصغيرة التي لا تُرى بالعَين رِزقها على الله تعالى، وهذا الحوت الكبير رزقه على الله ، وهذا الفيل رزقه على الله ، والإنسان رزقه على الله ؛ ما من دابَّة ! والدابّة كلّ ما يَدِبُّ على وجه الأرض ، صَغُرَتْ أم كَبُرَت رأيتَها أم لم ترها ، دخلَتْ في علمك أم لم تدخل ، إنَّ الله يرى دبيب النَّمْلة السوداء ، على الصَّخرة الصَّماء ، في الليلة الظلماء ، هناك بعض الوُعول تعيش في قِمَم الجِبال ، وفي قِمَم الجِبال شيءٌ لا يُصَدَّق ، في قِمَّة الجبل نبْعٌ ، كيف نُفسِّر وُجود هذا النَّبْع في قِمَم بعض الجِبال ؟ لا بدّ أن يكون خزَّان هذا النّبْع في جبلٍ آخر أعلى منه ، وهناك تَمديدات دقيقة من الجبل الكبير الأعلى إلى الجبل الصغير ، أو إلى قِمَّة الجبل الصغير لأنّ هذا الوعل الذي يعيش في قِمم الجِبال رِزقه على الله ، لولا أطفال رُضَّع ، وشُيوخٌ رُكَّع ، وبهائم رُتّع ، لَصُبَّ عليكم العذاب صبًّا ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

      فَكَلِمَة دابّة جاءت هنا منوَّنةً ، وهذا التَّنْوين تنوين الشُّمول ، كلّ أنواع الدواب على وجه الأرض على الله رِزْقها ، أما كلمة مِنْ ، فقد قال العلماء : مِن للاسْتِغراق ، اسْتِغراق أفراد كلّ نَوْعٍ على حِدة ، فقد تقول : طلاَّب هذا الصَّف مدْعوُّون إلى حفلة ، الطلاب ثلاثة وأربعون ، فإذا قلنا : ما من طالب إلا و هو مَدْعُوٌّ إلى هذه الحفلة ، أي أنَّك تُبَلِّغُهم واحدًا واحدًا ، وهناك دعوة عامَّة قد لا تُعَلِّق أهَمِيَّة على حضور الطلاب جميعًا أو بعضهم أما إذا قلتَ : ما من طالبٍ إلا و هو مَدْعُوٌّ لِهذا الاحتِفال ، فَمِنْ هذه لاسْتِغراق أفراد كلّ نَوْعٍ على حِدَة ، فإذا قلنا : عالم النَّمْل على الله رِزقهُ ، أما قولنا : ما من نملة إلا على الله رزقها ، أيْ لو أحصَينا النِّمال على وجْه الأرض نمْلةً نملةً ؛ كلّ نملةٍ على الله رزقها ‍! فتنكير كلمة دابَّة هو تنكير الشُّمول ، يعني أنواع الدَّواب قاطبةً ، وأما مِن فلاسْتغراق أفراد كلّ نوعٍ على حِدَة ، أما كلمة ما مِنْ إلا ؛ هذه الصِّياغة هي صِياغة قَصر ، فلو قلنا الدَّواب على الله رِزقها ، يعني رِزقها على الله ، وقد يكون رزقها على غير الله ، فإذا قلتَ : هذه الآلة لي ، هذه العِبارة تعني أنَّ هذه الآلة لي ، ولا يمْنعُ أن تكون هذه أيضًا لي ، ولكن إذا قلتَ : ليس لي إلا هذه الآلة ؛ فهذا قَصْر ، فنحن لمّا قلنا : الدّواب على الله رزقها ، أيْ قد يكون على الله وعلى غيره رزقها ! أما إذا قلنا ما من دابّة إلا على الله رزقها يعني الرِّزق مَقصور حصرًا على الله سبحانه وتعالى ، أنواع الدّواب وأفراد كلّ نوعٍ على حِدَة ، والرّزق مقصور على الله وحدهُ ، أما كلمة على ، فتعني الإلزام ، إنَّ الله سبحانه وتعالى ألْزَمَ نفسهُ مختارًا بِرِزْق العِباد ، لو لم يقل على ، وقال : ما مِن دابّة إلا والله يرزقها ! يرزقها أو لا يرزقها ، ولكن ما من دابّة إلا وعلى الله رزقها ، تعني عليه رزقها على وجه الإلزام ، والله سبحانه وتعالى ألْزَمَ نفسهُ مختارًا بِرِزْق العِباد ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

       كلّ إنسان أين مستقرّه ؟ مَعلوم عند الله تعالى ، وأين مستودَعُ رِزْقه أحيانًا تكون فِرْقة عَسْكريّة موجودة بالمكان الفلاني ، لها مستودعات للإمداد والتَّموين ، فكلّ إنسان مستقرّه ومكانه معلوم عند الله ، ومستودع رِزقه معلوم عند الله ، لذلك في الحديث القدسي عبدي لي عليك فريضة ، ولك عليّ رِزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أُخالفك في رزقك ! فهذا هو الذي يبعث في نفسك الطمأنينة ، وهو أنّ رزقك على الله ولكن يحتاج إلى سعيٍ ، لماذا ؟ لأنَّ سنّة الله في الخلق أنَّه أودع في الأرض الأرزاق وأودع في التربة العناصر المغذيّة للنبات ، وأنزلَ من السماء ماءً وخلق البذور . و من ثم فإن فكرة النبات وحدها فكرةٌ رائعة ! تأكل الفاكهة وفي نواتها بذرة، إذا زرعتها أنْبَتَتْ لك فاكهة جديدة ، وتأكل الخضراوات وفيها بذور  تزرع البذور فتُنْبت خضراوات أخرى ، فَنِصفُ غرامٍ من بذور البندورة ينتج خمسمائة كيلو ، سألت مزارعًا ، و كان الفلاحون يزرعون الخيار بذورًا ، كم تنتج هذه البذرة ؟ فقال أثنى عشر كيلو إلى خمسة عشرة ، ومدّ القمح في سنوات الاستقامة ينتج المدّ مائة مدّ ! أما الآن عشرة أمدد ، قال تعالى  وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)

(سورة الجن )

      وشجرة التفاح تنتج طنًّا أو أكثر ، فَفِكرة أن الله أودعَ في التربة المواد المغذية ، وأنزلَ من السماء ماء ، وخلقَ البندورة وأعطاها الحياة فكرة مطمئنة للناس على أرزاقهم ، ففي البذرة رُشَيم، وهو الجزء الحي من البذرة ، إذا جاءته رطوبة ينبت سُوَيق وجُذَير ويستهلك هذا الرُّشيم ما في البذرة من مواد غذائيّة إلى أن يخلق الله له جذيرًا يمتصّ له الغذاء من الأرض فتكون هذه الحبّة قد فرغَت ، ضَع حبّة فاصولياء في قطن مبلّل تَرَ أنَّ هذه الحبّة نما لها سوَيْق ، ونما لها جُذَير ، إلى أن يُصبِحَ الجذير قادرًا على امتِصاص الغذاء من التربة ترى أنّ الحبّة من الفاصولياء أصبَحت فارغة ، هذا النشاء الموجود في حبّة الفاصولياء صارَ سُويقًا وجذيرًا ، ويأتي الغذاء من الأرض ، والماء من السماء فيَنْبُت ! لذا كلمة رزق كلمة واسعة جدًّا .

       الشيء الآخر أنَّ الله تعالى أعطى الإنسان قدرات على طلب الرِّزق ألْهَمَ كلّ إنسان مصلحة، هذا يزرعها ، وهذا يحرثها ، وهذا يحصدها ، وهذا يبذرها ، والإنسان بِحاجة إلى آلاف الحاجات ، جعل الله سبحانه وتعالى كل إنسان يتقن واحدة من هذه الحاجات ، وبها يكسب رزقه ، مَن الذي جعل الحرّ يرتفع قليلاً ؟ يرزق مِن الحرّ مئات الألوف بل الملايين الذي يعيشون على انخفاض الحرارة ، ، وإذا خلق الله حشرةً زراعيّة فالذين يعيشون بِفَضلها كثيرون ، يبحثون عن دواء لها ، والمِضَخَّات ، ونقل الأدوية ، والاستيراد ، والحمولات ؛ كلّ هذا بِفضل هذه الحشرة ، فربنا عز وجل خلق في الإنسان إمكانات لِكَسب الرّزق ، ومعايِشَ ، وسُبلاً ووزَّع الرّزق على العباد توزيعًا فيه حكمةً بالغة ، وهذا كله نفيدُهُ من معنى قوله تعالى:

[ سورة هود ]

       آخر فقرة ؛ أنّ كلّ إنسان له رزقه عند الله ، فهذه الشَّجرة كأنّ كلّ تُفاحة كُتبَ عليها اسم آكِلِها ، كأنَّ كلّ خوخة كُتِب عليها اسم آكلها ، فواكه مسوَّمة ، وانتقال هذا الطَّعام إليك باختيارك ، قد تأخذه شراءً ، وقد تأخذه هدِيَّةً ، وقد تأخذه ضِيافةً ، وقد يأخذه بعض المنحرفين سرقةً وتسوُّلاً واغتِصابًا ، وقد يأكله دناءةً ، فانتقال هذا الطعام باختيارك ، علمت أنّ رزقي لا يأكله أحد غيري فاطمأنَّت نفسي ، وإذا أحرزَت النَّفس قوتها اطمأنَّت ! فأيَّة فِكرة تبعث على الطمأنينة كهذه الفِكرة؟ حياتك و موتك ، ورزقك بيد الله ، والحديث الذي قلته قبل قليل ، كلمة الحق لا تقرّب أجلاً ، ولا تقطعُ رزقًا ، فَكُن مع الله ولا تبالِ ، ولا تخش في الله لومة لائم ، قال تعالى : إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)

[ سورة آل عمران ]

وأبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi