English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "08 / 16"  من تفسير سورة  هود (011) :  الآيات  : 50 – 60   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً  وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ، درسنا اليوم قصّة عاد وأخيهم هود ، وقبل أن أمضي في توضيح فقرات القصّة أودّ أن أذكر لكم أنّ الله سبحانه وتعالى مع أنَّه أعطى الإنسان قضيّة الاختيار، ومع أنه خلق الكون ليعرِّفه بذاته من خلال خلقه  و مع أنه أنزل الكتب السماوية وأرسل الرسل و الأنبياء إلا أن اللهُ سبحانه وتعالى لو رأى أن إنسانا اختار اختيارا غير صحيح لأدَّبه و عالجه لأنه ربُّه .

          وتوضيح هذه الفكرة بالمثال التالي : أحيانا هناك جامعة تطبع الكتب و يلقي المدرِّسون المحاضرات و لا تحاسب الطلاّب إلا في الامتحان الأخير، هناك طلابٌ يهملون ويضيِّعون أوقاتهم و لا يدركون مغبَّةَ إهمالهم ، هؤلاء في نهاية العام يرسبون ، و هناك جامعات تجري كلَّ أسبوع مذاكرات و تحاسب الطلاب على غياب درس أو درسين ، و دائما تتابع مراقبة الطلاب و تقويم أعمالهم ، و أغلب الظن أن نسبة النجاح في مثل هذه الجامعات مرتفعة جدًّا ، إذا غاب عن حصَّة مرةً أو مرتين أو ثلاثاً يفصل ، و كلُّ أسبوع هناك مذاكرة، و تقيَّم علاماته و يُخبَر بعلاماته و يُوجه له إنذار ، و ربُّنا عز وجل أعطانا حرِّية الاختيار ، و لو أنه تركنا و شأننا و من دون تربية و من دون معالجة و من دون متابعة و من دون محاسبة لهلك معظم الناس ، و لكن الله سبحانه و تعالى مع أنه أعطانا حرية الاختيار و مع أنه وهبنا هذا العقل و التفكير و مع أنه أنزل الكتب السماوية و مع أنه أرسل الرسل فإنه لم يدعنا و شأننا ، يربِّينا و ، و التربية على نوعين ؛ تربية جسمية ، يعني أن يمدَّنا بكل ما نحتاج إليه من هواء و ماء و طعام و شراب و نساء و بنين و حاجات و معادن و طاقة وشمس و قمر ، و يزلّي نفوسنا حيثما انحرفت يقوِّم اعوجاجها ، وكلما نسيت يذكِّرها ، و كلما غفلت يوقظها ، و كلما قصَّرت يدفعها ، و كلما تاهت يرشدها ، و كلما ضلَّت يهديها ، قال تعالى : ذلكم الله رب العالمين .." تأكيدا لهذه المعاني من أن الله سبحانه هو ربُّ العالمين ، بمعنى أنه يربِّي أجسامنا و يربِّي نفوسنا ، وبمعنى أننا مخيَّرون، فإن اخترنا شيئا مناسبا شجَّعنا عليه و إن اخترنا شيئا غير مناسب ، يعني عالجنا و أدبنا و ضيق علينا و أرشدنا إلى الطريق الصحيح .

الآيات التي تؤكِّد هذا كثيرة ، قال تعالى : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(16)

[ سورة الفتح ]

فربُّنا عز وجل يقول :

[ سورة هود ]

      و من رحمة الله سبحانه و تعالى أنه جعل الأنبياء من بني البشر يحسُّ النبي كما تحسُّ و يفكِّر كما تفكِّر و يخاف من الذي تخاف و يرجو ما ترجو  هذه نعمة أولى ؛ أن يكون النبيُّ من بني البشر ، والنعمة الثانية أن يكون النبيُّ من القوم الذي أرسل إليهم ، و لو جاءنا إنسان من غير أمَّتنا و من غير قومنا لتهيِّبْنا وشككنا و لوجلنا و لتحفظنا و لسكتنا و لنقضنا الخ هذه المعاني ، و لكن الأنبياء في الأغلب الأعمِّ يأتون من قومهم الذين أرسلوا إليهم ،  ، قال تعالى:

[ سورة هود ]

         أخوَّة نسبية و أخوة قومية أخوة إنسانية ، من أجل أن نطمئن ، قال جعفر يخاطب النجاشي : يا أيها الملِك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة و نأتي الفواحش و نسيء الجوار و نقطع الرحم و يأكل القويُّ منا الضعيف حتى بعث الله فينا رجلا نعرف أمانته و صدقه و نسبه فدعانا إلى الله لنعبده و نوحِّده .." إذًا من فضل الله علينا أن الله سبحانه و تعالى جعل الأنبياء و المرسلين من بني البشر و من أقوامهم ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

     هذا الذي أرسله اللهُ عز وجل إنما أرسله ليصحِّح عقيدة قومه ومنهجهم ، فقد ضلوا و تاهوا فجاء هذا النبيُّ الكريم ليصحِّح انحراف قومه ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

      يعني أن هذه الآية ، تلفت النظر إلى أن الله سبحانه و تعالى صاغ هذه الكلمات ليعبِّر بها عن فحوى الرسالات ، رسالات الأنبياء كلهم ومضمونها عندهم جميعاً واحد ، وملخَّصها ، قال تعالى:

[ سورة هود ]

لو دقَّقنا في هذه الكلمة ، لوجدنا فيها جانبا نظريا و جانبا عمليا ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

        جانب نظري ، يعني لا إله إلا الله ، أي ما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد  وهذا يعني أن الذي يهلك الناسَ أن يتَّخذوا مع الله آلهة أخرى ، قال تعالى: فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)

[ سورة الشعراء ]

        والذي أدى إلى شقاء الناس و ضلالهم تيههم و انحرافهم و حيدانهم أنهم دعوا مع الله آلهة أخرى ، فهذه الكلمة التي قالها سيدنا هود عليه و على نبينا أفضل الصلاة و السلام ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

     ما لكم من إله غيره ، فمثل الجانب النظري ، كما تمثل الجانب العقدي ، اعبدوا الله ، هذا الجانب العملي ، إذًا لا تنجح و لا تفلح و لا ترقى و لا تفوز و لا تسعد إلا إذا عرفت أنه لا إله إلا الله ، و إلا إذا عبدت الله ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25)

[ سورة الأنبياء ]

     إذا دقَّقت النظر وتأمَّلت في الكون ترى أنه لا إله إلا الله ، و الذي يشقي الإنسانَ أن يتَّبع أو أن يستجيب لدعوة مبنية على الشرك ، قال تعالى : فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ(78)

[ سورة غافر ]

و قال تعالى :

[ سورة هود ]

و قال تعالى : مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)

[ سورة فاطر ]

و قال تعالى : فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى(123)

[ سورة طه ]

و قال تعالى : فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)

[ سورة البقرة ]

و قال تعالى : مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(4)مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(4)

[سورة السجدة ]

و قال تعالى : وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(41)

[ سورة الرعد ]

      هذا هو التوحيد ، فمن جعل الهموم همًّا واحدا كفاه الله الهموم كلها  اِعمل لوجه واحد يكفِك الهموم كلها ، و من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ، و أنت تريد و أنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، و إن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ، و كنْ لي كما أريد أكنْ لك كما تريد ، و اطلُبني تجدْني فإذا وجدتني وجدت كلَّ شيء ، و إن فِتُّك فاتك كلُّ شيء و أنا أحبُّ إليك من كلِّ شيء ، هذا هو التوحيد ، و الدين كلُّه يُلخَّص في التوحيد ، قال سيدنا عبد الله بن عمر لغلام : بعني هذه الشاة و خذْ ثمنها ـ عبد الله ـ قال ليست لي ، قال : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، قال : ليست لي ، وواللهِ إنني لفي أشدِّ الحاجة إلى ثمنها ولو قلت له ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني وإني عنده لصادق أمين و لكنْ أين الله ؟‍‍‍‍‍‍‍‍! هذا هو التوحيد ، هذا البدوي وضع يده على جوهر الدين ، رغم أنه لا يقرأ و لا يكتب ، وضع يده على جوهر الدين مع بساطته ، و لو قرأت آلاف الكتب و ألَّفت مئات المؤلفات و لم تنته عما نهى الله عنه و لم تأتمر بما أمر الله به لستَ ديِّناً و إنما أنت مثقَّفٌ ثقافة دينية ، و شتَّان بين الثقافة و الهدى ، فالهدى شيء و الثقافة شيء آخر ، و الثقافة معلومات وأفكار و علاقات و تنظيمات و نتائج و أشياء طريفة وممتعة ومحاورات و مناقشات و مؤلفات و ملخَّصات ، هذه هي الثقافة  و لكنَّ الهدى سمُوٌّ في النفس و طمأنينة و سعادة واستقرار و محبة وتوكُّل و استسلام وصدق و إيثار، و إن صحَّ التعبير للمؤمن معنويات لو اطَّلع عليها الناس لسعدوا ، فمعنوياته عالية جدًّا ، بصرف النظر عن وضعه المادي ، أكان غنيا أو فقيرا مرتاحاً أو غير مرتاح في حياته ، ذا دخل قليل أو دخل كثير ، دخله محدود أو غير محدود ، متزوج أو غير متزوج ، بيته مْلكْ له ؟ أو بيته بالأجرة، كل هذه الظروف الموضوعية المادية لا تؤثر في حياة المؤمن ، له معنويات إن الثقافة معلومات ، و لكنَّ الهدى قربات  و المثقف يدافع التدنِّي ، بينما المهتدي يتابع الترقِّي ، و شتان بين الحالين في قلب المؤمن ثقة بالله ، يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين اللهُ ثالثهما ، في معركة حنين بقي النبيُّ وحده يقول :

أنا النبي لا كذب                               أنا ابن عبد المطَّلب

       هذا هو الإيمان ، ليس الإيمان بالتحلِّي و لا بالتمنِّي ، ليس الإيمان بسملة  يكتبها على باب محله ، و إنا فتحنا لك فتحا مبينا و مسبحة و مسواك ، لا ليس هذا هو الإيمان ، و لكن الإيمان ما وقر  في القلب و أقرَّ به اللسان و صدَّقه العمل ، كثير من الناس عندهم ثقافة إسلامية و لكنَّ الهدى شيء آخر ،الهدى سعادة في الدنيا و الآخرة ، الهدى معرفة ، تعرف لماذا خلقك الله عز وجل ، تعرف ما الذي يسعدك في الدنيا ، تعرف أن الله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد و العقيم الوالد و الظمآن الوارد ، و لماذا الله سبحانه و تعالى يفرح بتوبة عبده ، إذ ليس لهذا الحديث من معنى ، لو لم يكن الإنسان مخيّراً و لكن الإنسان مخيَّر ، فحينما يختار الإنسان معرفة الله و الاستقامة على أمره و التقرُّب إليه يتحقَّق الهدف الذي خلقه الله من أجله  ، لذلك يفرح الله سبحانه و تعالى ، و إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات و الأرض أن هنّئوا فلانا فقد اصطلح مع الله ، و مشكلات المسلمين تتلخَّص في كلمة واحدة ؛ الصلح مع الله ، هذا على مستوى المسلمين جميعا ، و على مستوى المسلم وحده ، لو أنه اصطلح مع الله عز وجل لحُلَّت كلُّ مشكلاته ، لقوله تعالى :

 مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)

[ سورةالنساء ]

لماذا العذاب ؟ ولمصلحة مَن ؟ و لماذا الضيق ؟ قال تعالى :وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)

[ سورة الجن ]

وقال تعالى :وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)

[ سورة الأعراف ]

قال تعالى : فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ(32)

[ سورة المؤمنون ]

وقال تعالى وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(103)

[ سورة يوسف ]

وقال تعالى :وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)

(سورة يوسف)

       إذا قلتَ : فلان بيده النفع و الضرُّ و فلان بيده إسعادي أو شقائي فهذا هو الشرك ، وأخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي ، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنما و لا حجرا و لكن شهوة خفية و تأتون أعمالاً لغير الله ، و إن الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء ، قال تعالى :

أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ(32)

[ سورة المؤمنون ]

      وبعد فالعبادة شيء و الطاعة شيء آخر ، يجب أن تعرفه أولاً ثم تطيعه ثانيا ثم تسعد بهذه الطاعة ثالثا ، لذلك قال تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)

[ سورة الذاريات ]

       الهدف الأكبر من خلقك أن يسعدك بعبادته ولن تسعد بعبادته إلا إذا عرفته ، لذلك أصل الدين معرفة الله ، يا ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كلَّ شيء ، خلقت لك السماوات و الأرض و لم أعيَ بخلقهن ، أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كلَ حين ، خلقت السماوات و الأرض من أجلك فلا تتعب و خلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقِّي عليك لا تتشاغل بما ضمنتُه لك ـ و هو الرزق ـ  عما افترضته عليك ـ و هي المعرفة و الطاعة والسعادة ـ قال تعالى : أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ(32)

[ سورة المؤمنون ]

إذَا وحَّدت الله تعبده و لن تعبده قبل أن توحِّده ، و إن أشركت به تعبده و تعبد هؤلاء الذين أشركتهم معه .

والله سبحانه و تعالى قال :

[ سورة هود ]

      إذًا كل أمورك راجعة إلى الله فاعبده و توكلْ عليه ، و لو أن أمرا من أمورك يعود إلى إنسان لما صحَّتْ هذه الآية ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

 أطِعْ أمرنا نرفعْ لأجلك حجبنا            فإنا منحنا بالرضا من أحبَّنا   

 ولُذ بحمانا و احتـمِ بـجنابنا         لنحميك مما فيه أشرار خلقــنا                  

و عن ذكرنا لا يشغلنك شاغل         و أخلِصْ لنا تلق المسرَّة و الهنا

وسلِّم إلينا الأمر في كل ما يكن        فما القربُ و الإبعاد إلا بأمرنا

يُنادى في الكون أنا  نحبـه           فيسمع من في الكون أمر محبِّنا

و من أطاع اللهَ أطاعه كلُّ شيء    و من عصى الله عصاه كلُّ شيء

و من أطاع الله هابه كلُّ شيء ومن   لم يطع الله أهابه اللهُ من كلِّ شيء

يخاف من ظله و يخاف من أدنى إنسان يواجهه ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

يعني أن سيدنا هوداً أقام في قومه سنوات طويلة يدعوهم إلى الله عز وجل وملخَّص هذه الدعوة ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

ثم قال تعالى :

[ سورة هود ]

أنتم حينما تكذِّبون و حينما تتَّهمونني بأنني مفترٍ أنتم مفترون ، و الدليل  قال تعالى :

[ سورة هود ]

        لا أسألكم عليه أجرا ، علامة المؤمن أن يبتغي أجراً وحَبّه الله ورضاه ، ببذِلْ طاقاته وإمكاناته و خدماته و يدعو إلى الله و يعلِّم الناس و يعينهم على أمر دنياهم و يعاون الفقراء ويعود المرضى و يقدِّم خبراته و خدماته في سبيل الله ، قلَّما يعنيه الأجر ، قلَّما يعلِّق أهميّة على المادة ، ولكنّ الذي بعُد عن الله سبحانه وتعالى لا يتحرّك حركة صغيرة ولا كبيرة إلا بالأجر ، ولا يُقدِّم نصيحةً إلا بأجْرٍ ، ولا يُعطي إشارةً إلا بأجرٍ ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

       وهذه علامة صدقه ، لو أنَّني أُطالبكم بأجرٍ لَظُنَّنتم أنَّ لي مصلحةٌ بهذه الأُجرة ، لو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام فرض على أصحابه مبالغ من المال ، أو خدمات عليهم يؤدُّونها لَظُنّ أنَّه يبتغي بهذا عرض الحياة الدنيا لكنّ الله يؤكِّد صِدْق الأنبياء وصِدق الدعاة الصادقين أنَّهم بريئين من المطامع الماديّة ، قال تعالى : قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)

[ سورة يس ]

        الذي يؤكِّد صِدق الداعي ترفّعه عن أيّ مكْسبٍ مادّي ، أو معنوي ، أو ثَنَاء ، أو أي شيء من هذا القبيل ، لا أسألكم عليه أجراً ، ولكن اُنظر إلى إنسانٍ لا يعرف الله سبحانه وتعالى لا يُمكن أن يقدِّم خِدْمةً لأحدٍ إلا بأجر ، فلو أنَّه ذهب مع إنسان إلى السوق مثلاً واشترى هذا الإنسان حاجةً يُطالب بالعُمولة ، ولو أنّ آخر طرَقَ بابه لرَدَّهُ ، ولو أنّك دخلتَ إلى خمسين محلاً تِجاريًا لِتصْرف مائة ليرة لَسمِعتَ السبّ والاعتذار ! قال تعالى : لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ

(سورة النساء )

أفضل المعروف إغاثة الملْهوف ، لا أحدَ يتحرّك إلى إغاثة الملهوف  قال تعالى :

[ سورة هود ]

       لو أنّ شخصًا ثريًّا كلَّف إنسانًا آخر أن يقدِّم خدمات لِجِهةٍ من الجهات ، وقال له : عليّ المبلغ مهما بلغَ ، ضع الرقم الذي تريده ، فهل يُعقل أن يطالب هذا الذي يقدّم له خدمة بالأجر؟ الأجر على الذي كلّفه هذه المهمّة كذلك الله سبحانه وتعالى هو الذي كلّفك بِهذه المهمة ، وهو الذي يجزيك أَتَمّ الجزاء ، فالله عز وجل حينما يأتي المؤمن إليه ، يرى اللّقمة التي أطعمها في سبيل الله كجَبل أُحد ، حينما يقدم على الآخرة ويرى ما لا عينٌ رأتْ ، ولا أُذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، قال تعالى : فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(17)

[ سورة السجدة ]

إذا قَدِمْت إلى الجنّة تعرف معنى قوله تعالى : إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ

[ سورة سبأ ]

       لذلك قد تأتي من مكان بعيد لِتَسْتمِعَ إلى درسِ عِلْمٍ ؛ إن أجري إلا على الله ، قد تنفق على إخوتك الصغار الأيتام وقد تنكر ذاتك ؛ إن أجري إلا على الله ، قد تخدم والدتَك سنواتٍ طويلة خِدْمةً شاقَّة ؛ إن أجري إلا على الله ، وقد ترْعى أُختَكَ العانس وتبقى عندك في البيت ؛ إن أجري إلا على الله ، وقد تسير مع أخٍ في حاجته ؛ إن أجري إلا على الله وقد تعود مريضًا؛ إن أجري إلا على الله ، طبيب طرِق باب بيته الساعة الثانية ليلاً لِيَذْهب مع الطارق إلى حالة إسْعاف ، والطارق فقير ، فسار معه مشْيًا إلى مكانٍ بعيد ، ودخل على المريض وهو يُعاني آلامًا شديدة  فبَقِيَ معه ساعات طويلة إلى أن زال الخطر عنه ، وكتبَ الوصفة ، وفي أثناء خروجه أعْطَوْهُ مبلغًا يسيرًا يسيرًا ، يعني خمس ليرات من مصروف البيت أخذ هذا المبلغ وأوى إلى فراشه ، تحرَّكت نفسُهُ ، أخذْت هذا المبلغ من مصروف البيت وعنده أدويةٌ في البيت ، فجَمَعَ الأدوية التي وصفها لهم ، وعاد إلى هذا المكان البعيد فأعطاهم الأدوية ، والمبلغ الذي أخذه منهم ، ومبلغًا من عنده أيضاً ؛ إن أجري إلا على الله ، لا أحَدَ يذوق معنى العمل الصالح إلا وتغمره السعادة القلبية، وكان هناك في أحد أحياء المدينة طبيب صالح إن شاهد المريض فقيرًا ، يوقِّع في ذيل الوصفة ويبعثه إلى صيدلية معينة ، ويصرفها مجانًا ؛ إن أجري إلا على الله ، وهذا طبيب ، وكذا المحامي والمدرّس ، والمهندس ، لِيَكن لكلٍ عمل خالص لله عز وجل  قال لي أحد سائقي التاكسي : شاهدتُ امرأة مُسِنَّة ، ولا أحدَ يقف لها  فوَقَفتُ لها ، وأوْصلتها حيث تريد ، فتحَتْ قِماشًا داخل قماش داخل قماش قد صُرَّ صرّاً ، وأعطتْهُ عشرة قروش - والقصّة قديمة - فقال لها : أنا أطلب منك الدعاء ! ولم يلبث أن جاءهُ رجل ، وقال له : خُذني إلى المكان الفلاني فأخذه  ثمّ قال له : قِفْ ، فوقَفْتُ ، ثمّ قال لي: انتظِرْ ، فانتظرتُ حتى فرغ من شؤونه ، ثمّ أعاده إلى حيث كان ، فأعطاه مبلغًا يزيدُ عن عمل يومين ! إن أجري إلا على الله  فأحيانًا لماذا يعجِّل الله للإنسان بالجزاء ، وقد يكون الإنسان ضعيفًا كما أنّه قد يكون قويًا ؟ حتى لا تتوانى النفوس وتتقاعس عن فعل الخير ، ولكن لو أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يُعَوِّض عليك سريعًا فلتقل إن أجري إلا على الله ، يجب أن يكون لك عمل تبتغي به وجه الله لا ترجو منه مالاً ولا سُمعةً  ولا جاهًا ، ولا مكانةً ، ولا جزاءً ، ولا ثوابًا ، وكلٌّ منّا له عمل ومهنة  وكسبُه ، يجب أن يُبقي فيه شيء لله تعالى .

صاحب مطعم يبيعُ فولاً ، وثمن الصّحن ثلاث أو خمس ليرات ، أحد الأطفال طلبَ منه أن يبيعه فولاً بِرُبع ليرة ، فقال له : تفضَّل وملأ له صحنه ! إن أجري إلا على الله ، كلّما ارتقت النفس في الإيمان كلما ازدادت أعمالنا صلاحاً ، فالمال وسيلة لكسب رضا الله ، وما عُبِدَ الله بأفضل من جَبْر الخواطر ؛ إن أجري إلا على الله فلذلك الأنبياء والصدِّيقون ، وكبار المؤمنين يذوبون سعادة إذا بذلوا فعلامة المؤمن أنه يسعد بالبَذْل ، والمنافق يسعد بالأخذ ، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، والشِرِّيرون أخذوا ولم يعطوا ، وعامة الناس يأخذون ويعطون يا مَن جئتَ الحياة فأَعْطيتَ ولم تأخذ ، والشرِّيرون يأخذون كلّ شيء ولا يعطون شيئًا ،  فأنت مِمَّن؟ مِمَّن يعطي أم مِمَّن يأخذ ؟ قال تعالى :

[ سورة هود ]

       هذا يؤكّد صِدْق دعوتي ، لو أنَّني أرجو مالاً لَشُكّ في دعوتي ، لو أنَّني أرجو جاهًا لَشُكَّ في نِيَّتي ، ولكنَّني لا أرجو منكم شيئًا .

قال تعالى :

[ سورة هود ]

      ما الذي يحصل ؟ قد يستغفر الإنسان ربّه ، ولكن لا يتوب إليه ، يذهب لأداء فريضة الحج فيحصل له صفاء ، ويذهب إلى العمرة لحصل له صفاء، ولكن البطولة أن تتوب إلى الله بعد الاستغفار يعني أنْ تستغفره أيْ أن تطلب منه الشِّفاء ؛ شِفاء النفس  ، لأنَّ أمراض النفس مهلكة ، أما أمراض الجسد فتنتهي بالموت ، ولكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت ، والناس نِيام إذا ماتوا انتبهوا ، فلذلك يسعى الإنسان لِتَطهير نفسه ، قال تعالى : يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)

[ سورة الشعراء ]

قال تعالى :

[ سورة هود ]

أي استقيموا على توبتكم وتابِعُوا أمره ، انتهوا عمَّا عنه نهى ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

        إذا كانت كميّة الأمطار بدمشق مثلاً بالشكل الاعتيادي مائتين وخمسين ميلي متراً ، ثمّ تتناقص إلى الستِّين ميلي متراً في بعض السنوات فإن ذلك يدعو إلى مراجعة الناس قلوبهم وإيمانهم ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

حتى يكثر الخير ، وصدق الله تعالى : وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)

[ سورة الجن ]

قال تعالى :

[ سورة هود ]

قال تعالى :

[ سورة هود ]

       وبعد فهذه الآية دقيقة جدًّا ، إن الواحد منا يتمتّع بالشباب ، فإذا عرف الله وأطاعه يدوم له هذا الشباب مثلاً إلى نهاية الحياة ، من عاش تقيًّا عاش قويًّا ، من غضَّ بصره عن محارم الله يزده الله قوَّة إلى قوَّته ، ويُمَتّعُهُ الله بهذه العين إلى نهاية الحياة ، ومن كفّ عن سماع الغناء زاده الله قوة إلى قوته ، يُمَتِّعه بهذه الأُذن إلى نهاية الحياة ، من سار إلى طاعة الله يَزِدْهُ قوَّة إلى قوّته ، يتمتَّع بحركته ونشاطه إلى نهاية الحياة ، ومن أطاع الله في زواجه يَزِدهُ قوَّة إلى قوَّته يسْعَدُ بِزَوجته أضعاف ما يسعد أهل الدنيا بِزَوجاتهم ، أحدهم كان له مطعم يباع فيه الخمر واللحم ! فذهب لأداء فريضة الحجّ  ونصحه أصدقاؤُهُ أن يكفّ عن بيعِ الخمر ، وبين أخذ و ردّ ، وحَيْرةٍ وصِراع ، اتَّخَذ في النهاية قرارًا بالكفّ عن بيع الخمر في مطعمه ، ما الذي حدث ؟ أنَّه تضاعفت غلَّته وتضاعفت أرباحه ، ويَزِدْكم قوَّة إلى قوَّتكم ، لو تركتَ هذه الشبهة في هذا العمل التِّجاري ، لزاِدْك قوَّة إلى قوَّتك ، لو أطعتَ الخالق و عصيت المخلوق لزادك قوة إلى قوتك  ترتقي مكانتك عند هذا الذي عصيْتَهُ من أجل الله ، وتكبر في عَيْنِهِ رغم أنك عصيته ، ولم تستجب له ، وأمرك فلم تأتمِر ، وقلت : إنِّي أخاف الله رب العالمين تقول في نفسك : أنا أصبحت مهدَّدًا بالخطر من هذا الرجل ! لا ، يَزِيدْك الله قوَّة إلى قوَّتك ، تزداد عنده مكانةً ، هذه سنّة الله في الخلق ، إنِّي أخاف الله رب العالمين ، قال تعالى : قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)

[ سورة يوسف ]

       وصار بعدها عزيز مصر ، إنه سيدنا يوسف ولما مرَّ موكبه ، كانت جاريةٌ قد رأتْهُ في قصْر العزيز خادمًا ، ورأتْه الآن وقد صار عزيز مصر يمشي في موكب الإمارة  فقالت : سبحان من جعل العبيد ملوكًا بِطاعته ، وسبحان من جعل الملوك عبيدًا بمعصيتِهِ ! قال تعالى :

[ سورة هود ]

        من ابتغى أمرًا بمعْصِيَةً كان أبعَدَ مِمَّا رجا ، وأقرب مِمَّا اتَّقى ، وهذا في عملك في زواجك ، وفي صحّتك ، وفي بيتك وفي أولادك ، وفي سفرك وفي إقامتك ، وفي علاقاتك ، وفي كلّ شيء ، إن أطعتَ الله سبحانه وتعالى يزِدك قوّة إلى قوتك ، ومن عاش تقيًا عاش قويًا، ومن تعلَّم القرآن متَّعَهُ الله بعقله حتى يموت ، فهذه الدنيا وحدها مسْعدةٌ للمؤمن فكيف إذا جمعت الدنيا والآخرة ؟

 ما أجمل الدِّين والدنيا إذا اجتمعا         وأقبح الكفر والإفلات بالرجل

قال تعالى :

[ سورة هود ]

       من منكم يُصدِّق أنّ الذي يتولى عن الهُدى ، يتولى عن سماع الحق  ويتولى عن طريق الله عز وجل ، يتولى عن طاعة الله ، ويتولى عن محبَّته ، ويتولى عن الإقبال عليه ، يُعَدُّ عند الله مجرمًا بِحَقّ نفسه قبل كلّ شيء ، وبِحَقّ أهله  وبِحَق أولاده ، وبحق من حوله ، الذي يتولى عن طاعة الله ، وعن الإقبال عليه ، ويتولى عن محبّته يُعدُّ عند الله مجرما ، وقوله تعالى يؤكّد ذلك :

[ سورة هود ]

قال تعالى :

[ سورة هود ]

        أي بِسَبَبِ قولك ، والمفسّرون قالوا : إنّ هذا هو الغباء بِعَينه ، فكلّ هذه البيّنات ، وكلّ هذه الدلائل وكلّ هذا المنطق ، وكلّ هذه الأسباب المؤدِّية لهذه النتائج ، وكلّ هذا الكون لم يُؤثِّر فيهم ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

      لذلك فإن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال : ما ناقشني جاهل إلا غلبني ! ولا ناقشْتُ عالمًا إلا غلبْتُهُ ، وأبو حنيفة كان يُدَرِّس درسًا في الفقه ، ويبدو أنّ في رجله ألمًا شديدًا - وكذا تروي القصة - فكان يمدّها مضطرًّا  فدخل عليه في هذه الأثناء رجل بادي الهيئة ، طويل القامة، واسع المِنْكبَين ، فاسْتحيا منه  وضم رجله إليه ، وكان موضوع الدرس صلاة الفجر ، وشرح الإمام أبو حنيفة ملابسات صلاة الفجر ، والفجر الصادق ، والفجر الكاذب وطلوع الشمس ، فهذا الرجل ذو الهيئة بادر الإمام وسأله : ويا سيّدي ، كيف نصلِّي الصبح إذا طلعت الشمس قبل الفجر؟! فقال الإمام أبو حنيفة : آن للإمام أبي حنيفة أن يمُدَّ رِجله ثم قدَّها !! قال تعالى :

[ سورة هود ]

        لو وضعتهم في دائرة المنطق لظهر لك الغباء المستحكم وإنها لشهوات أغلقت عليهم منافذ الحق ، وعلى قلوبهم أكِنَّة ، وفي آذانهم وقر ، وعلى عيونهم غِشاوة ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

       أي هذا الذي تقوله هذيان ! وهذا الذي تقوله تلقيه على عوامهم ، إنما جاءك بِسبب لوثة أصابتك من آلهتنا قال تعالى :

[ سورة هود ]

      حتى النبي عليه الصلاة والسلام قالوا عنه ساحر ومجنون ، قال تعالى :ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1)مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2)وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ(3)وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)

[ سورة القلم ]

قال تعالى :

[ سورة هود ]

      هذه الآية تنطبق على كلّ مؤمن ، نعمة الهدى أثْمنُ نعمة في الأرض إن كنت عرفْت الله فلْيَفُتْك من الدنيا ما يفوتك كلمة كنتُ أقرأها عن سيّدنا أبي بكر يقْشعِرّ منها جلدي : ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قطّ ! تجد الناس مشققة قلوبهم موزعة أحلامهم وعقولهم ؛ زوجته على غير ما يريد ، نصيبه في الحياة أنَّه موظّف ، ودخلهُ محدود ، ودائمًا يشْكو أما العارفون بالله فلا يندمون على شيء فاتهم من الدنيا قطّ ، والدنيا جيفة وطلابها كلابها ، والدنيا دار من لا دار لها ، ولها يسعى من لا عقل له ، قال تعالى :فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)

[ سورة الأنعام ]

       يا شيبة بن ربيعة ، ويا عتبة بن ربيعة ، ويا أُميّة بن خلف ، أوَجَدْتم ما وعدكم ربكم حقًا  فإنِّي وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًا ! لقد كذَّبتموني وصدَّقني الناس  وخذلتموني ونصرني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، قالوا : يا رسول الله أَتُخاطبُ قومًا جيَّفوا ؟! قال : ما أنتم بِأسْمع بي منهم ، ولكنّهم لا يجيبونني ، إن نعمة الهدى لا تعدلها نعمة ! قال تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)

[ سورة يوسف ]

        أعطى الله سبحانه فرعون الملك وهو لا يحبّه ، وأعطى قارون المال وهو لا يحبّه  وأعطى الأنبياء العلم والحكمة ، فَمِن أيِّ نوعٍ عطاؤُك أيّها الأخ الكريم ؟ وما اسْترذَل الله عبدًا إلا حظرَ عليه العلم والأدب ، فعلامة خِذلان المسيء أن يحْجر عليه العلم والأدب ، فمن كان له مكان في هذا المجلس أو في أيّ مجلس ، ومن كان له رغبة في معرفة الحق ، فهذا هو الفلاح ، قال تعالى :قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)

[ سورة المؤمنون ]

وقال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)

[ سورة الأعلى ]

       ولم يقل قد أفلح الأقوياء ولا الأغنياء ! لأنَّ كلاّ منهما سيموتون  ولكن المؤمنين سيَسْعدون في الدنيا ، وإلى الأبد ، أيضاً في جنات النعيم .

قال تعالى : قال تعالى :

[ سورة هود ]

      استمعوا إلى رجل واحدٍ يُواجه أُمَّةً بأكملها ، هات إيمانًا كإيمانه ، وخُذْ نصرًا كنَصْرِهِ ! واحد قال : فكيدوني جميعًا !! أنتم ومن معكم ، ومن وراءكم ومن يعينكم ، ومن على شاكلتكم ، ولا تأخذكم بي رأفة ولا إشفاق ولا تتردَّدوا ولا تنتظروا ، ولا تقلِّبوا الأمر ، فلن تصلوا إلى ضري ، ولن فقدروا على إيذائي ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟  قال تعالى

[ سورة هود ]

      كلمة دابة في هذا الموطن تعني كل مخلوقات الله تعالى على هذه الأرض ، و هذا الذي تخافون منه دابة ، وناصيتها بيَدِ الله سبحانه وتعالى ،  قال تعالى :

[ سورة هود ]

     ومؤدى هذه الآية أن كل دابة لا تتصرف حركة ولا سكنة إلا بمشيئة الله ، أما أنْ تقول إنَّ الله سبحانه وتعالى قد يضعُ إنسانًا في النار وقد أمضى حياته كلّها في طاعته ، لأن الله يتصرَّف في ملكه بما شاء ، فليس هذا مدلول الآية السابقة ، بل قال تعالى :

[