English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "10 / 11"  من تفسير سورة  يوسف (012) :  الآيات  : 102 - 108  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

            الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً  و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين   .

             أيها الأخوة المؤمنون : في الدرس الماضي انتهت قصة يوسف عليه السلام ، وقد ذكرت لكم في أول درس في هذه السورة أنّ هذه السورة فيها مقدمة وقصة وتعقيب ، والآن الآيات المتبقية من هذه السورة تعقيبات أساسية على هذه القصة ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

( سورة يوسف )

             هذه القصة لا تعلمها أنت ، لم تكن في زمنها ، لم تكن في مكان وقوعها ولا في زمان وقوعها ، بينك وبينها مئات السنين ، بل آلاف السنين ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

أولاً ربنا سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة يقول :

( سورة يوسف )

               معنى الغافلين أي لا تعلم أحداث هذه القصة ، فإذا جاء نبي في آخر الزمان يحدث بحديث ذي تفصيلات وحوادث و أشخاص و أمكنة وأزمنة لا يمكن أن يحصِّلها بخبرته ولا بثقافته ولا بعلمه إذاً هي من عند الله عز وجل ، فكأن هذه القصة تثبت نبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قال تعالى :

( سورة يوسف )

           الحقيقة أن المكر لا يتم إلا في اجتماعات مغلقة ، الإنسان إذا أراد أن يمكر أو أن يدبر أو أن يخطط أو أن يبحث لا بد من اجتماع مغلق فأخوة يوسف اجتمعوا فيما بينهم ومكروا بيوسف ثم اجتمعوا فيما بينهم ومكروا بأبيهم قال تعالى :

( سورة يوسف )

          وأخوة يوسف اجتمعوا بعد أن حُجِز أخوهم الصغير واتفقوا فيما بينهم ، وامرأة العزيز مكرت بيوسف ، والنسوة في المدينة تحدثن عن امرأة العزيز ، امرأة العزيز جمعت النسوة ، كأن في هذه القصة حلقات كثيرة من التدبيرات أو من المكر ، سيدنا يوسف دبر تدبيراً كي يحجز أخاه عنده فجعل صواع الملك في رحله ، فربنا عز وجل كأنه حينما قال :

( سورة يوسف )

              أبرز ما في هذه القصة حلقات عديدة من المكر والتدبير ، إن كانت لصالح بعضهم أو كانت لغير صالح بعضهم ، على كلٍ حلقات عديدة من المكر ، لذلك جاءت هذه الكلمة لتعبر عن أبرز أحداث القصة وهو المكر قال تعالى

( سورة يوسف )

             لا في زمانك ولا في مكانك ، الأرض ليست أرضك والوقت ليس وقتك، ومع ذلك تأتيهم بقصة دقيقة متطابقة مع ما في كتبهم من التوراة والإنجيل ، إذاً أنت نبي ، إذاً هذه القصة دليل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رسالته ، فكل رسول نبي والعكس غير صحيح ، شيء آخر العلماء قالوا : ليس القصد نفي حضوره بل إثبات نبوته ، كلمة وما كنت لديهم هذه متكررة ، هذا المعنى جاء في القرآن خمس مرات ، قال تعالى :

( سورة القصص )

قال تعالى :

( سورة القصص )

قال تعالى :

( سورة آل عمران )

قال تعالى :

( سورة يوسف )

           أي هذه القصة بأحداثها وشخصياتها وعقدتها وملابساتها وبدايتها ونهايتها كانت غائبة عنك ، وهذه القصة لا تعلمها ، ولا يمكن أن تعلمها إلا أن توحى إليك إذاً أنت نبي ، وهذه القصة كما ذكرتها وردت عندهم في التوراة والإنجيل ، إذاً المصدر الذي جاء منه القرآن الكريم والتوراة والإنجيل هو مصدر واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

               بعضهم يقول : إنّ اليهود تحدوا النبي عليه الصلاة والسلام ، فقالوا له : إن كنت نبياً كما تزعم فاتل علينا قصة يوسف ، فلما تلاها عليهم كفروا كان من الممكن أن يؤمنوا ، كانت تلاوة هذه القصة حجة عليهم ، لذلك جاءت هذه الآية وعلاقتها بالآية قبلها أنه وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ، يعني الأكثرية ليست مؤمنة ، والأقلية مؤمنة ، فيا أيها الأخ الكريم لا تكن مع الأكثرية ، لا تكن مع التيار العام ، لا تكن مع الخط العريض ، لا تكن مع صرعات الناس ، لا ينبغي أن يشغلك ما يشغلهم، ولا أن يؤلمك ما يؤلمهم ، ولا أن يسعدك ما يسعدهم ، يجب أن تكون منفصلاً عنهم لأن هذا الخط العريض في المجتمع أو هذه الأكثرية الساحقة هذه تتبع شهواتها ، وتعنيها الدنيا ، غافلة عن الآخرة ، راغبة في الدنيا ، متعلقة بحطامها ، متنافسة من أجلها ، غائصة إلى قمة رأسها في متعها ، لذلك لا تكن مع الأكثرية ، كن مع الأقلية ، قال تعالى:

( سورة الأنعام )

              يعني انظر إلى الأحجار في بعض المحافظات إنها تغطي الأرض ما أكثرها ، أما قطع الألماس ما أقلها ، الشيء الثمين قليل ، والشيء الكثير لا قيمة له ، لا تكن مع الدهماء ، لا تكن مع السوقة ، لا تكن مع الرعاع ، الإمام علي كرم الله وجهه يقول : يا بني الناس ثلاثة ، عالِم رباني ، و متعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق فاحذر يا كميل أن تكون منهم ، لا تكن مع الرعاع ، لا تكن مع أتباع كل ناعق ، لا تكن مع الدهماء ، لا تكن مع السوقة ، كن مع الأقلية الواعية ، كن مع الأقلية صاحبة المبدأ ، كن مع الذين يعنيهم أمر آخرتهم ، كن مع الذين يضعون مصلحتهم تحت أقدامهم إذا تعارضت مع مبادئهم ، لا تكن مع الذين يغوصون في الدنيا إلى أعماقهم قال تعالى :

( سورة الأنعام )

قال تعالى :

( سورة يوسف )

             لذلك إذا اختار الإنسان الهدى تكفيه أبسط الآيات ، و إذا اختار طريق الدنيا وطريق الشهوات لو رأى بأم عينه كتاباً نزل من السماء ، لو كلمهم الموتى ، لو حشر الله عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا ، قال تعالى :

( سورة النمل )

             هؤلاء موتى ، مقبورون في شهواتهم ، مقبورون في مصالحهم ، مقبورون في أهدافهم الرخيصة ، إذاً وما أكثر الناس ولو حرصت يا محمد ، أي ولو جهدت ، ولو بذلت كل ما في وسعك لتوضح وتبين وتستقصي وتضرب المثل قال تعالى :

( سورة يوسف )

              بمعنى أنك ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ، ليس عليك هداهم ، الآية الثانية قوله تعالى :

( سورة القصص )

          الإنسان مخير أُعطي المشيئة فإذا شاء الهدى آمن من تلقاء ذاته ، آمن من كأس الماء رآه آية على عظمة الله ، البحر ملح أجاج وهذا عذب فرات ، من جعل هذا الملح الأجاج عذباً فراتاً ؟ الله سبحانه وتعالى ، الذي يختار الإيمان يؤمن من خلال الآيات التي بثها الله عز وجل في الأرض قال تعالى :

( سورة الواقعة )

             الماء آية ، خلق الإنسان آية ، الشمس آية ، القمر آية ، ابنك آية ، الثمرة آية ، الفواكه آية ، المحاصيل آية ، الخضراوات آية ، البساتين والأشجار المثمرة آية ، الحيوانات آية ، الأنعام آية ، هذه الغنمة التي سخرها الله سبحانه وتعالى لنا نستفيد من لحمها ومن صوفها ومن لبنها وجلدها وأحشائها ومن كل شيء فيها وقد ذللها الله لنا ، جعلها مذللة ، قال تعالى :

( سورة يس )

إذاً كما قال تعالى :

( سورة يوسف )

          لذلك الرأي العام قد لا ينطبق على الإيمان ، الناس يتجهون إلى الدنيا ، إلى بيوتها ، إلى أراضيها ، إلى متعها ، إلى شهواتها ، إلى زخرفها ، إلى بهرجها ويضربون بالقيم عرض الحائط ، يقول لك : من الآن وحتى الموت يخلق الله ما لا تعلمون ، غداً أتوب ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

            أي أن النبي عليه الصلاة والسلام غني عن إيمانهم ، لو أنهم آمنوا لما حقق فائدة مادية منهم لأنهم لا يعطونه شيئاً ولا يأخذون منه شيئاً إذا كفروا ، وما تسألهم عليه من أجر ، هل هناك أي أحد منا يستطيع أن يدخل على محام من دون مبلغ يدفعه استشارة ؟ من منا يدخل إلى طبيب من دون أن يملك أجرة المعالجة ؟ من منا يدخل إلى صيدلي من دون أن يملك ثمن الدواء ؟ ما من خدمة تقدم لك في الدنيا إلا ولها مقابل ، لا تستطيع أن تدخل إلى محل إلا وتملك الثمن ، إلا أنك تستطيع أن تدخل إلى مجلس العلم لتستمع إلى الحق الذي يمكن أن ينقذك من الظلمات إلى النور ، ومن الشقاء إلى السعادة من دون أن تدفع شيئاً ، الحق مبذول للناس كلهم ، الآن جامعة لو أن قسطها يزيد عن عشرة آلاف ليرة  أيستطيع دخول هذه الجامعة إلا الأغنياء ؟ إن كان للجامعة قسط مرتفع معنى ذلك أنّ التعليم الجامعي صار حكراً على الأغنياء ، لو أن الله سبحانه وتعالى كلف طلاب العلم أقساطاً باهظة أو نفقات كبيرة لكان طلب العلم قاصراً على الأغنياء ، ولكن الله سبحانه وتعالى لحكمة أرادها جعل الحق بلا مقابل، جعل الحق مبذولاً للخلق كلهم ، لذلك قال تعالى :

( سورة يوسف )

               لو سألتهم أجراً لشكوا في نواياك ومبادئك ، ولكنك لا تسألهم أجراً ، إذاً هو منزه عن الأجر ، عندما كان سيدنا جعفر بن أبي طالب في الحبشة وسأله النجاشي عن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام قال : أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونسيء الجوار ونأتي الفواحش ونضيع الأمانة ويأكل القوي منا الضعيف ، هذه الجاهلية ، هذه الجاهلية الأولى ، وهذه الجاهلية الآخرة وهذه هي طبيعة الجاهلية ، وأي مجتمع أعرض عن الله عز وجل هذه صفاته ، نعبد الأصنام ونأتي الفواحش ونسيء الجوار ونقطع الرحم ونضيع الأمانة ويأكل القوي منا الضعيف ، هذه الجاهلية ، وهناك جاهليات على مر العصور والدهور ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه ونسبه وعفته ، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ، هذا هو الدين ، الدين خلق ، بني الإسلام على خمس هذه الخمس ليست هي الإسلام وإنما هي دعائم الإسلام ، الإسلام بناء آخر ، الصلاة دعامة والصيام دعامة والزكاة دعامة والحج دعامة والشهادتان دعامة والإسلام بناء أخلاقي بني على هذه الدعائم ، فإذا أزيح البناء فهل هذه الدعائم هي الإسلام ؟ لا والله ، من صلى وصام وزكّى وحج وزعم أنه مسلم وكان في عمله سوء ، وكانت أمانته مخدوشة ، وعدالته مجروحة ، واستقامته مشكوك فيها ، أهذا هو الإسلام ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

              حتى أن الله سبحانه وتعالى جعل علامة الداعية الصادق أنه لا يسألك أجراً ، لا قليلاً ولا كثيراً ، لا معنوياً ولا مادياً ، لا آجلاً ولا عاجلاً ، قال تعالى :

( سورة الإنسان )

            لو أن الداعية إلى الله عرف الله لما طمع بأحد لأن الله سبحانه وتعالى إذا أعطى أدهش ، أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني قال تعالى :

( سورة يس )

علامة صدقهم وعلامة أنهم على حق ، لا يسألونكم أجراً أبداً ، إنما أنا رحمة مهداة ، علامة النبي أنه يعطي ولا يأخذ ، وعلامة الكافر أنه يأخذ ولا يعطي كالأخطبوط يأخذ ولا يعطي ، أما النبي الكريم يعطي ولا يأخذ ، لذته في العطاء لا في الأخذ ، والمنحرف الخطير يأخذ ولا يعطي، وعامة الناس بينَ بين يأخذون ويعطون ، فيا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ ، يا من قدست الوجود ورعيت قضية الإنسان ، يا من زكيت سيادة العقل ونهنهت غريزة القطيع ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع ، فعشت واحداً بين الجميع ، هذا إهداء قرأته في كتاب يتحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام ، يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ ، راقب نفسك أتحب الأخذ أم العطاء ، هناك من يحبون الأخذ ، من يحبون أن يغنوا ولو على حساب الناس ، أن يشبعوا ولو على جوع الناس ، أن يكبروا ولو على أشلاء الناس ، أتحب أن تسعد الآخرين ، أتحب أن تخدم الناس ، أتحب أن تكون مفتاح الخير لا مفتاح الشر ، أتحب أن تُقضى حوائجهم على يدك ، إذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه ، الخير بيدي والشر بيدي فطوبى لمن قدرت على يده الخير والويل لمن قدرت على يده الشر ، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، راقب عملك ، هل عملك فيه عطاء أم فيه أخذ ؟ هل عملك يبنى على إيذاء الناس أم على إكرام الناس ؟ شتان بين العملين ، لذلك إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب واستجملوا مهنكم ، لا ترضى بمهنة سيئة ، اختر مهنة صالحة فيها نفع عميم ، لا تجعل مهنتك فتنة ، الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ، هناك أعمال مبنية على إثارة الفتن ، أو على فتنة النفوس في الدنيا ، أو على بيع بضاعة محرّمة ، أو على التعامل بمواد محرّمة ، إنّ روح القُدُس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها ، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب واستجملوا مهنكم .

             شيء آخر مما يدل على عدالة الله عز وجل أنه جعله الحق مبذولاً ، الخلق كلهم عيال الله ، يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل : خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له ، كلكم مدعوون إلى الحق ، أبيضكم وأسودكم ، عربيكم وأعجميكم ، كبيركم وصغيركم ، أي إنسان قال تعالى :

( سورة طه )

             فرعون الذي قال : أنا ربكم الأعلى والذي قال : ما علمت لكم من إله غيري والذي قال : أليس لي ملك مصر ، هذا هو نفسه دعاه الله إليه ، فقولا له قولاً ليناً ، لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف قال تعالى

( سورة آل عمران )

              قال بعض العلماء : من تصدر للإرشاد فإن عليه اجتناب ما يمنع من قبول كلامه،أي الورع حسن لكن في العلماء أحسن ،هذا الذي تدعوه إلى الله ، يجب أن تكون قدوة له ، يجب أن تكون سباقاً إلى الخير يجب ألا يأخذ الناس عليك مأخذاً ، قال تعالى :

( سورة البقرة )

           يجب أن تصبر ويجب أن تضحي ، ويجب  أن تبذل ، ويجب أن تتواضع ، ويجب أن ترحم من أجل أن يشرفك الله لأن تكون جندياً من جنود الحق ، ما من حرفة أرقى في الأرض من أن تكون داعياً إلى الله عز وجل قال تعالى :

( سورة فصلت )

              وسيأتي بعد قليل آية خطيرة جداً ، بمعنى أن الذي لا يدعو إلى الله ليس مؤمناً ، من سمات المؤمن أنه يدعو إلى الله ، فلو تخلى عن الدعوة فقد إيمانه ، الآن هناك قاعدة نفي الشيء إثبات لضده ، فإذا الإنسان له غرض دنيوي  من دعوته إلى الله ، إذا أثبتنا هذا الغرض          نفينا الإخلاص عنه ، فإذا نفينا هذا الغرض أثبتنا الإخلاص فإذا نفيت عن إنسانٍ أن تكون له مآرب من دعوته الدنيوية ، فهذا النفي هو في حد ذاته إثبات في إخلاصه ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           أي من منا لا يأكل ،هذه المائدة التي توضع أمامك في اليوم ثلاث مرات ، هل فكرت فيها ، هل فكرت في كأس الماء ، قال تعالى :

( سورة الملك )

              لو أن سنوات القحط والجفاف استمرت ، ما قيمة هذه الطوابق العليا ؟ ما قيمة هذه البيوت الفخمة لو لم يكن فيها ماء ؟ ما قيمة الشام ؟ لا قيمة لها لولا الماء ، إذا جلست إلى الطعام هذا الخبز الذي تأكله ، هل تعلم أن هذا القمح غذاء كامل للإنسان ، ما هذا التوافق بين بنية القمح وبين بنية الجسم  هذا الحليب الذي تشربه غذاء كامل ، من جعل هذا التوافق بين حليب الغنم وحليب البقر وبين حاجة الجسم ؟ هذا اللحم الذي تأكله من سخره لك هذه الخضراوات التي تأكلها من زرعها لك ، قال تعالى :

( سورة الواقعة )

           تلقي الحبة وتذهب إلى البيت ،  هذه الحبة والرشيم والسويق والجذير من يشق الحبة عن الرشيم ؟ كيف ينمو هذا الرشيم ؟ كيف تنبت الأوراق ؟  كيف تظهر الأزهار ؟ كيف تنعقد الثمار ؟ كيف تصبح هذه الثمار ناضجة، هذه الفواكه التي تأكلها تصميم من ؟ بستان فيه التفاح وفيه العنب والأجاص وفيه المشمش وفيه التوت والدراق ، وفيه الكرز يسقى بماء واحد قال تعالى :

( سورة الرعد )

          آيات دالة على عظمة الله ، ما الفرق بين الكرز وبين الدراق فرق كبير ، اكتب الفرق كتابة لن تستطيع ، هذا حلو وهذا حلو ، ولكن حلاوة الكرز غير حلاوة الدراق ، غير حلاوة الأجاص ، غير حلاوة التفاح ، غير حلاوة العنب ، غير حلاوة التمر ، التمر هذه الشجرة التي تعيش أكثر من ستة آلاف عام ، هناك أشجار نخيل قبل سيدنا عيسى بكثير ، قبل الميلاد ، هذا التمر الذي فيه مادة سكرية ، تتمثل في أقل من عشرين دقيقة ، من الفم إلى الدم في  عشرين دقيقة ، فيه مادة تمنع النزيف ، فيه مادة تمنع الكتم ، ملينة ، فيه مادة تغذي الدماغ أي آيات بليغات عن التمر ، هذا العنب لو أمسكت بعنقود العنب بكلتي يديك ، وشددته وتعلقت به لما انقطع ، فإذا فعلت هكذا انقطع ، تصميم من هذا؟ مهما هبت الرياح العنب لا يقع ، لكنك إذا حركت العنقود حركةً معاكسةً لزاوية ذنبه ينقطع فوراً ، هناك تصميم ، من جعل هذه الفواكه تنمو تباعاً ، الكرز أولاً ثم المشمش ثم الدراق ثم الأجاص ثم التفاح ثم العنب ثم التين ، لو أنّ هذه الفواكه تنضج جميعاً في يوم واحد ، أو في أسبوع واحد لأتلفت ، ولما استفدنا منها ، نستفيد منها إذا نضجت تباعاً ، والفاكهة الواحدة تنضج أيضاً على مدى شهر ، على مدى أربعة أسابيع  التفاح على مدى شهرين ، من جعل هذه الخضراوات تنضج تباعاً ، كل يومين قطف كوسا ، الكوسا والباذنجان والبندورة كل يومين قطف ، لو أنها كالقمح تنضج في يوم واحد ماذا نفعل بها ؟ لكنّ القمح لو أنه نضج تباعاً كيف نحصده ؟ مستحيل ، الحمص والقمح والعدس والشعير هذه المحاصيل من آيات الله الدالة على عظمته أنها تنضج في يوم واحد رحمة بنا ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          القمر آية ، قلب العقرب آية ، يسع الأرض والشمس مع المسافة بينهما، الشمس آية يزيد حجمها عن حجم الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة ، أي أن الشمس تتسع لمليون وثلاثمائة ألف أرض ويزيد لسان اللهب طولاً عن مليون كيلو متر ، الشمس آية ، درب التبان آية إذ يبلغ طوله مائة وخمسين ألف سنة ضوئية ، بينما القمر يبعد عن الأرض ثانية ضوئية واحدة ، هؤلاء الذين قالوا : غزونا الفضاء ، ما تجاوزوا من الفضاء إلا ثانية ضوئية واحدة ، بينما درب التبان طوله مائة وخمسين ألف سنة ضوئية ، أقرب نجم إلينا نجم القطب ، أربعة آلاف سنة ضوئية ، لو ركبنا إليه سيارة لاحتجنا كي نصله إلى سبعة وعشرين مليون مليونْ سنة ، أقرب نجم في الكون إلينا هو نجم القطب وهناك مجرات تبعد عنا ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئية ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

                 في العين مادة مضادة للتجمد لو ذهبت إلى فلندة إلى سيبيريا وكانت الحرارة دون خمسين تحت الصفر ، لولا أنّ في العين هذه المادة لعمي الناس كلهم هناك ، هذا الماء الذي في العين يتجمد ، لكنّ في ماء العين مادة مضادة للتجمد ، هذه آية من آيات الله ، هذا الماء الذي نشربه عنصر ، ليس في الأرض من عنصر إذا تجمد إلا انكمش إلا الماء إذا تجمد توسع ، لولا هذه الخاصة لما كنا جميعاً في هذا المسجد ، لما بقي على وجه الأرض إنسان ولا حيوان ولا نبات ، لأن هذا الماء لو أنه تجمد فانكمش أي زادت كثافته لغاص في أعماق البحار ، إذا تجمد البحر على السطح يهبط إلى الأسفل ، على مدى مائة عام تصبح البحار كلها متجمدة ، فإذا أصبحت البحار متجمدة انعدم التبخر ومع انعدام التبخر تنعدم الأمطار فيموت النبات ويموت الحيوان ويموت الإنسان ، هذه الخاصة توسع الماء إذا تجمد ، ترى البحار الشمالية المتجمدة الطبقة السطحية متجمدة ، أما البحار ماء دافئة تسبح فيها الأسماك ، لو أنّ الماء إذا تجمد غاص في أعماق البحار لنشأت مشكلة كبيرة جداً ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             هذه الأغنام إذا قلنا أنّ كل خمسة آلاف إنسان يصيبهم في اليوم رأس غنم واحد يجب أن يذبح كل يوم مليون رأس غنم ، على مدار السنة ثلاثمائة  وخمس وستين مليون رأس ، لو مثلنا هذا الرقم بنهر لكان نهراً يفوق أضخم أنهار العالَم  غنم للطعام ، لو مثلنا الحليب الذي يحلب من الأبقار كلها في أنحاء العالَم لكان نهراً يزيد عن نهر الأمازون ، ثلاثمائة ألف متر مكعب بالثانية ، هذا عطاؤنا نهر من الحليب ونهر من الغنم ونهر من المحاصيل ، دمشق هذه البيوت ، اصعد إلى جبل قاسيون ، وألقِ نظرة على دمشق من علٍ ما من بيت إلا وفيه سكر وشاي وبن ورز ومونة ، من وزع هذه الأقوات ؟ الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

هذه الآية وما يؤمن أكثرهم بالله هي مركز الثقل ، مؤمن يشهد أن لا إله إلا الله وهو مشرك ، يصلي وهو مشرك ، يزكي وهو مشرك ، يحج البيت وهو مشرك ، يقول أنا مسلم وهو مشرك ، أؤمن بالله وهو مشرك ، أؤمن بالجنة وهو مشرك ، وما يؤمن أكثرهم بالله لأنهم مشركون ، العلماء لهم في هذه الآية أقوال عديدة ، بعضهم قال : يؤمن أكثرهم باللسان وهم مشركون بالقلب، وهم مشركون بالعمل ، يؤمنون في الشدة ويشركون في الرخاء ، باللسان والعمل ، باللسان والقلب ، بالشدة والرخاء ، والعلماء قالوا : هناك شرك بالطاعة ، فالذي يطيع غير الله هو عند الله مشرك ، وهناك شرك في النية ، الذي ينوي في قلبه التقرب إلى فلان من دون الله عز وجل فهو مشرك ، وهناك شرك في الوجهة ، الذي يتوجه بكليته إلى غير الله فهو مشرك ، وهناك شرك في العمل ، الذي يعمل لغير الله فهو مشرك ، والحقيقة أنه ليس في الكون إلا حقيقة واحدة وهي الله ، فإذا عرفتها فأنت مؤمن ، وإذا جهلتها فأنت مشرك، إذا تقربت إليها فأنت مؤمن ، وإذا تقربت إلى غيرها فأنت مشرك ، إذا خفتها فأنت مؤمن ، وإذا خفت من غيرها فأنت مشرك، إذا عملت لها فأنت مؤمن ، وإذا عملت لغيرها فأنت مشرك ، لكنّ العلماء قالوا : الشرك نوعان : شرك كبير لا يُغفر قال تعالى :

( سورة النساء )

               أن تعبد مع الله إلهاً آخر ، أن تطيع إنساناً في معصية الخالق ، هذا شرك أكبر لا يُغفر ، أن تتخذ إلهاً غير الله ولو كان من بني البشر ، أن تعبد غير الله ، أن تطيع غير الله، أن ترضى بقربة غير القربة من الله عز وجل ، وقال بعضهم : هذا الشرك هو النفاق ، ذلك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس وهو مشرك بعمله ، وهناك حديث قدسي يقول:

(أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)

(التفسير للإمام القرطبي)

لا أقبله ، أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، ومن كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثواب هذا العمل من عند غير الله ، فإن الله أغنى الأغنياء عن الشرك ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

 

"عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ : أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، قَالَ : قُلْنَا بَلَى ، فَقَالَ : الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاَتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ."*

(سنن ابن ماجة)

وهذا من الشرك أيضاً :

"الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء وأدناه أن تحب على شيء من الجور وأن تبغض على شيء من العدل "

معروف هذا الحديث ، أي إذا أحببت صديقاً لك ليس مستقيماً ، جائراً قليلاً ، منحرفاً قليلاً إذا أحببته فأنت مشرك ، وإذا نصحك ناصح وكان في نصيحته منصفاً فكرهته فأنت مشرك ، قال تعالى :

( سورة البقرة )

هذا من الشرك ، قال تعالى :

( سورة الشعراء )

             هذا هو الشرك قيل : كيف يسوى من خُلِق من تراب برب الأرباب ، كيف يسوى العبيد بمالك الرقاب ، أي أنت إذا أطعت فلاناً وعصيت الله هل تعلم أنك جعلت من هذا الإنسان خالقاً ، رفعته إلى مستوى الخالق ، أي هذا شرك كبير ، قال تعالى :

( سورة الأنعام )

               هو القديم الأزلي السرمدي الأبدي لا شيء قبله ولا شيء بعده ، بيده الأمر تعصيه وتطيع مخلوقاً يفنى ، يموت ، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، أيعقل هذا ، أيعقل أن تسوي رب العالمين ببعض البشر ، أو أن تسوي بعض البشر برب العالمين ، سبحان الله إن الشرك لظلم عظيم ، ظلم لهذه النفس ، أنت في هذا العمر الثمين تتجه بكليتك ، بإمكاناتك ، بعقلك ، بتفكيرك ، بعلمك ، بخبرتك ، بقيمك ، بمبادئك ، تتجه للإنسان وتدع الله عز وجل يغضب عليك ، أهذا هو العقل ، ما قولكم من حلف بغير الله فقد أشرك ، بأولادي ، أأولادك أغلى عليك من الله ، قال الرسول الكريم :

 

" عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ : سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلاً يَحْلِفُ لاَ وَالْكَعْبَةِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ."*

(سنن أبي داوود)

وقال أيضاً :

 

"عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا ، قَالَ : إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا فَبَايَعَهُ ، وَقَالَ : مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ ."*

(مسند الإمام أحمد)

وضع حدوة وكتب عين الحاسد تبلى بالعمى ، شرك ، وقال أيضاً :

 

"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ قَالَ : أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمُ : اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاّ خَيْرُكَ ولاَ طَيْرَ إِلاّ طَيْرُكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ ."*

(مسند الإمام أحمد)

أراد أن يسافر ولم يجد غير يوم الأربعاء ليسافر ، فقال : أنا لا أسافر يوم الأربعاء ، أتشاءم من هذا اليوم ، هذا شؤم ، لا تشاؤم ولا طيرة ولا حدوة ولا هامة ، وقال الرسول أيضاً :

"من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر "

وقال أيضاً :

 

"عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ."*

(مسند الإمام أحمد)

             هذا كله شرك ، إذا قرأت في المجلات حظك هذا الأسبوع أنت ولدت في كانون الأول وكان برجك الدلو مثلاً تنظر إليه هذا شرك ، إذا جلست إلى ساحر ولم تصدقه لم تقبل لك صلاة أربعين صباحاً ، رقم الستة عشر لم يعجبني شرك ، دخل صديقك على المحل فلم تتم البيعة فقلت : أن هذا الشخص قدمه نحس شرك ، ليس له علاقة ، هذا كله كلام لا معنى له ، فلذلك باب الشرك واسع قال تعالى :

 

"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ ."*

(سنن ابن ماجة)

             أن تقول أنا فهذا شرك ، أن تقول فلان فهذا شرك ، أن تقول هذا الطبيب أنقذ ابني من موت محقق فهذا شرك ، التقيت بإنسان عجبت له حينما تكلم وضع يده هنا ، وضغط زراً فتكلم ، قال : أنا استؤصلت حنجرتي ، وذكر دولة أجنبية ، هؤلاء الذين أنقذوا حياتي ، أنقذوني من السرطان ، ركبوا لي هذه الحنجرة ، هم إنسانيون أصحاب مبادئ ، أي  عزا كل الفضل إليهم ونسي الله عز وجل ، هذا شرك ، ويقول الله عز وجل :

( سورة يوسف )

              أي قلّ من ينجو من الشرك ، طبعاً الشرك الكبير هذا لا يغفر ، لكن الشرك الصغير أن تحب إنساناً وفيه بعض الانحراف يعني تحبه محبة بالغة ، ولكن لم يصل العصر أمامك ، ولا زلت على محبته ، هذا شرك ، نصحك أحدهم نصيحة انزعجت ، تجرأ علي هذا شرك ، أحببت إنساناً ونسيت الله عز وجل هذا شرك قال تعالى :

( سورة يوسف )

             هذا الذي أشرك فلاناً ، أحبه وعصى الله ، أطاعه وعصى الله أرضاه وأغضب الله ، تقرب إليه وابتعد عن الله ، تعلق به ونفر من الله ، هذا الذي أحب مخلوقاً ، ونسي الخالق ، هل يأمن من عذاب الله ، أحد الولاة جاءته رسالة من الخليفة وفيها توجيه بظلمٍ وعنده أحد التابعين فقال : ماذا أفعل يا فلان هذا أمر من يزيد ماذا أفعل ؟ فقال هذا التابعي كلمة تكتب بماء الذهب قال : إنّ الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله ، أي إذا أطعت فلاناً وعصيت الله ، والله سبحانه وتعالى قدّر عليك مرضاً عضالاً ، ماذا تفعل ؟ فلان ينجيك ، لا يزيد عن أن يبعث لك باقة ورد متمنياً لك الشفاء العاجل وقد لا يكون هذا الشفاء ، الكليتان بيد من لو توقفتا عن العمل ؟ وحتى هذه الساعة لا يعرف العلم سبب هذا التوقف ، هذا مرض خطير اسمه توقف مفاجئ ، هبوط مفاجئ في عمل الكليتين ، يحتاج في كل أسبوع مرتين غسيل دم يخرج الدم بكامله إلى كلية صناعية يبقى ثمانية ساعات وستة ساعات انتظار وألفين ليرة تقريباً أو سبعمائة ليرة ، أو تريد إعفاء تأخذ عشرة أسابيع بهذه اليد حتى ينثقب جسدك وعشرة باليد الأخرى وعشرة بالرجل الأولى وعشرة بالثانية ، فلم يبق أماكن ، فتح شريان وأخذ دم بكامله وغسيله ، لو توقفت هاتان الكليتان عن العمل فجأة ما الذي تفعله ؟ لو توقف نقي العظام عن صنع الكريات الحمراء ماذا تعمل ؟ لو نمت بعض الخلايا نمواً عشوائياً وأخذت خزعة إلى التحليل وقيل هذا ورم خبيث ، هذا الذي أطعته من دون الله ماذا يفعل معك ؟ هل يقول لهذه الخلايا قفي عن النمو، هل يقدر أن يفعل ذلك ، طبعاً لا يقدر ، لو تعب هذا القلب هذا الذي أطعته من دون الله ماذا يفعل، ماذا يقدم لك ، إنّ الله يمنعك من يزيد ، ولكنّ يزيد لا يمنعك من الله ، لذلك من البديهيات أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، جاء بعض الخلفاء إلى الحج وكان في الحرم المكي ، فالتقى بعالِمٍ جليل ، فقال لهذا العالِم : سلني كل حاجتك ، فقال : والله أستحي وأنا في بيت الله أن أسأل غير الله ، فلما التقى به خارج الحرم قال له : سلني كل حاجتك ، قال : والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها ، قال له : سلني كل حاجتك ، فقال له: أنقذني من النار ، قال : هذه لا أملكها ، قال : إذاً ليس لي عندك حاجة :

استغنِ عن الرجل تكن نظيره - وأعط من شئت تكن أميره  -واحتج إليه تكن أسيره قال له : يا أبا حنيفة لو تغشيتنا نأنس بك نسعد بقربك نفتخر بك ، قال : ولِمَ أتغشاكم وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه ، وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء ، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير ، شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس ، فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين ، لا تنام الليل ، والله لم أقل هذه الكلمة، من قال إني قلتها ، كيف سأرضيه ، لا تنام ليلتها ، الإنسان لئيم ومعلوماته قاصرة ، فقد يسمع فيك قولاً ما قلته ، ويحكم عليك وأنت بريء ، لذلك قال تعالى :

( سورة الشعراء )