English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "03 / 11"  من تفسير سورة  يوسف (012) :  الآيات  : 11 – 21  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

         الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً  و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الأخوة المؤمنون :

        وصلنا في قصة سيدنا يوسف إلى أنّ أخوة يوسف استقر قرارهم على قائلهم الثاني :

( سورة يوسف )

          الاقتراح الأول قتل هذا الغلام الصغير ، والاقتراح الثاني وضعه في بئر على طريق القوافل فإن مات كان هذا هو المراد ، وإن أنقذ وأخذ إلى بلاد أخرى كان هذا هو المراد ، والمراد أن يفصلوا بين الأب وبين ابنه ليخلو لهم وجه أبيهم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

" عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".

(سنن الدارمي)

            من فرّق بين أب وابنه ، أو بين أم وابنها ، أو بين أخ وأخيه  ليس من أمة سيدنا محمد ، وليس في القرآن دليل على أنّ الأسباط أنبياء ، أما بعض الآيات التي تذكر كلمة الأسباط عقب ذكر الأنبياء فهذا محمول على أنّ هؤلاء إنّما هم من ذرية بني إسرائيل ، وليسوا أخوة يوسف على وجه التحديد .

              الآن بعد أن أحكموا الخطة وكادوا لأخيهم واتفقوا جميعاً بل وأجمعوا انتقلوا إلى أبيهم ، يبدو من خلال السياق أنّ أباهم ما سمح لهم في الماضي أن يصحبوا يوسف ، لقولهم يا أبانا ، وكلمة يا أبانا فيها تحبب ، يا أيها الأب فيها جفاء ، يا أبانا فيها تحبب :

( سورة يوسف )

                هذا استدراج ذكي ، سيدنا يعقوب ما خطر في باله أن يأتمروا على قتله  كأن تقول لمن تدعوه على طعام لعلك لا تحب الطعام ، فيقول لك لا والله طعام طيب ولكنني اكتفيت ، سيدنا يعقوب ما خطر في باله أن يقتلوه ، فلما قالوا له : مالك لا تأمنا على يوسف ، يعني نفى عنه هذه التهمة ، مالك لا تأمنا على يوسف ثم أسرعوا وقالوا : وإنا له لحافظون ، لناصحون ، أخونا ، نحن أخوة له ، ثم تابعوا وقالوا : أرسله معنا غداً ، إن كنت تأمنّا:

( سورة يوسف )

ما معنى يرتع ؟ رتع يعني جلس في مكان جميل وأكل وشرب ، تماماً كما تفعل في النزهة تختار مكاناً جميلاً ، تجلس فيه ، تفتح الزاد وتأكل منه ما لذّ وطاب ، هذا هو الرتع ، وأساسه الأكل ، ترتع البهيمة في الحقل أي تأكل ، لكنّ الرتع إذا نُسِب للإنسان كان بمعنى النزهة ، و اللعب معروف ، والنبي صلى الله عليه وسلم أجاز للرجل أن يلاعب أهله كي يستجلبهم ، أجاز للرجل أن يلاعب فرسه ، أجاز للرجل أن يلاعب أولاده ، كان عليه الصلاة والسلام يركب الحسن والحسين على ظهره ، ويقول :

            نِعم الجمل جملكما ، ونِعم الحملين أنتما ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

              معنى غداً غدا إلى عمله ، يعني ذهب إليه فيما بين طلوع الفجر وشروق الشمس ، وراح بمعنى عاد إلى منزله بعد الغياب ، فكلمة راح باللغة الفصحى تعني العودة ، فلو طرق بابك طارق وقال لك : أأخوك هنا ؟ قلت له : والله راح ، وهو داخل البيت فقال لك: سلِّم عليه ، هل أنت صادق أم كاذب ؟ كلمة راح تعني أنه عاد ، وأخوك في البيت نقول له : أنت صادق لغة وكاذب شرعاً ، لأن الشرع يدور على النتيجة ، ماذا فهم منك ؟ فهم أنه ليس في البيت ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          هذا أخونا ، قال سيدنا يعقوب قال تعالى :

( سورة يوسف )

معنى يحزنني أن تذهبوا به يعني إنه ليحزنني أن أفارقه ، إنني لا أحتمل أن يبتعد عني ، إني لا أطيق فراقه ، إني ليحزنني أن تذهبوا به ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

         يبدو أنهم طلبوا من أبيهم أن يأخذوه إلى ظاهر المدينة إلى بادية ، إلى صحراء ، وإنّ أَخوفَ ما في الصحراء ذئابها ، ثم عقب سيدنا يعقوب وقال ، قال تعالى :

 

( سورة يوسف )

يعني أنا لا أتهمكم أنتم ، أخشى أن تتغافلوا عنه ، أن تنشغلوا عنه بسواه فيأكله الذئب ، فكان جوابهم ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

                  نحن عشرة رجال أشداء ، إن أكله الذئب وهو بين أظهرنا ، وهو في حفظنا، وهو على ذمتنا ، وهو في عهدتنا ، نحن إذاً جبناء ، نحن إذاً ضعفاء ، نحن إذاً لسنا جديرين أن نرعى غنماً ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

شدة حرصه عليه وشدة تطمينهم له ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          ذهبوا به وقيل إنّه ودّعهم إلى مسافة من الطريق طويلة ، وفي أثناء توديعه إياهم كانوا يحملونه على أكتافهم إرضاء لأبيه ، فلما فارقهم أبوهم ألقوه على الأرض وجعلوا ينتهرونه ويقولون له : ألم ترَ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ، اتضح أن هذه الرؤيا التي رآها سببت لهم كل هذا الضيق ، وكل هذا الحسد وكل هذه المؤامرة ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

               معنى أجمعوا يعني صمموا ، حدثني رجل قال لي : كنت أشتري الصوف من البادية ، سولت لي نفسي أن أتلاعب بالميزان ، فكنت أبلّغ صاحب الصوف رقماً أقل من الرقم الحقيقي عند كل وزنة ، فلما انتهيت شعر صاحب البضاعة أنّ وزنها أقل مما يتوقع ، فقال لي كلمات خوّفتني ثم تابعت طريقي إلى الشام ، قال لي في أثناء الطريق : أنا في صراع نفسي بين أخذٍ وردٍّ ، أأعود إليه وأنقده بقية الثمن أم أسكت ، أؤجل هذا إلى رحلة قادمة ، لازلت في أخذ ورد ، وسؤال وجواب ، وصراع وحوار ، إلى أن كنت في مكان ما في الطريق ، ما الذي يحدث؟ هكذا كان ، قال : والله الذي لا إله إلا هو ما هي إلا دقائق حتى رأيت نفسي ملقىً على الأرض وسط بحرة من الدم ، لقد تدهورت بي السيارة ، كلمة سأجمع تعني إذا ما وقع أحد بمعصية لا يصر عليها ، ليطلب من الله التوبة ، ليطلب العفو والمغفرة ، أما إذا أصرّ عليها فالجزاء يكون وقتئذ عاجلاً ،  قال تعالى :

( سورة يوسف )

           طبعاً هناك بعض التفاصيل ، تفصيلات طويلة جداً وحوار وسؤال وجواب وتوسل من أخيهم ألا يجعلوه في غيابت الجب ، ارحموا ضعفي،  ارحموا والدي ، كيف آكل ، كيف أشرب ، كيف أنام ، أنا ضعيف ، أنا أخوكم الصغير ، لكنهم كانوا مصممين على وضعه في هذا المكان ، قال تعالى :

 

( سورة يوسف )

            لابد من أن تكبر ، لابد من أن تنجو من هذه الورطة ، الله سبحانه وتعالى طمأنه، لابد من أن تنجو من هذا المكان ، ولابد من أن تكبر ، ولابد من أن تنبئهم بفعلتهم هذه وهم لا يشعرون ، قد يقابلونك وهم في أمَسِّ الحاجة إليك ، ولا يعرفونك أنك يوسف ، وقد تفاجئهم بفعلتهم الشنيعة ولا يشعرون بهذا :

( سورة يوسف )

وهم لا يشعرون أن الله معه ، وهم لا يشعرون أن العاقبة لأخيهم الصغير الذي كان أقربهم إلى الله عز وجل ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             أولاً بكاؤهم كذب ، فيا أيها القضاة لا تصدقوا متهماً أنه بريء إذا بدأ يبكي ، فالبكاء قد يكون سلاحاً من أسلحة الكذب .

                      وضعوه في الجب وكانوا قد أرادوا قتله ومع ذلك جاءوا يبكون ، هذا أول استنباط ، الاستنباط الثاني جاءوا عشاءً ، ليلاً يعني ، والليل أستر لحالهم ، أستر لملامح وجوههم، أستر لفعلتهم الشنيعة ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

قالوا وهذا دم يوسف قالوا ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           يكاد المذنب أن يقول خذوني ، الكاذب يختل توازنه ، عرفوا أنهم كاذبون لذلك أشعروا أباهم بأنهم كاذبون حينما قالوا ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

لن تصدقنا ، معناها أنتم كاذبون ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

إن كنا صادقين كنت لا تصدقنا ، فكيف لو كنا كاذبين حقيقة ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             قالوا : خلعوا عنه قميصه الموشى ، وذبحوا شاة ووضعوا بعضاً من دمها على هذا القميص ، أمسكه سيدنا يعقوب وقال : أيّ ذئب هذا ، ما أحكم هذا الذئب ألم يخدش هذا القميص ؟ ألم يمزقه ؟ أكل ابني وترك القميص كما هو ، أي ذئب هذا ؟ هنا يستدل أنّ الطريق الوحيد لاكتشاف الحقائق العلامات ، علامة كذبهم وعلامة افترائهم أن هذا القميص لم يُمسَّ بأذى ، كان سليماً وأن هذا الدم دمٌ مزور ، من هنا يستنبط قضاة التحقيق بعض الحقائق من خلال أدلة قد تبدو في نظر الناس تافهة ، إنّ هذا الدليل التافه عند قاضي التحقيق دليل مرَجِح وكبير ، أمّا إنا ذهبنا نستبق قال العلماء : التسابق مشروع لأنه فيه تدريب للإنسان ، وتدريب للدواب أيضاً ، يعني  إذا أردت أن تعدّ الخيل للمعركة يجب أن تضمرها أي تدربها على الجري ، والنبي عليه الصلاة والسلام استبق مع السيدة عائشة رضي الله عنها ، قالت هي : تسابقت أنا ورسول الله فسبقني في أول الأمر ، فلما ركبني اللحم ، في الأول سبقها لأنها كانت صغيرة ، فلما ركبني اللحم أي سمِنَتْ، سبقته فقال عليه الصلاة والسلام:  هذه بتلك، يعني يستنبط من هذه القصة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بسّاماً ضحّاكاً ، كان يقول : أكرموا النساء فإنهن المؤنسات الغاليات ، كان يقول :

 خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَِهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَِهْلِي ".

              وكان إذا دخل بيته كان يكنس أرضه ويرفو ثوبه ويخصف نعله ويحلب شاته ويضع الإناء للهرة ، وربما ماءت الهرة ففتح لها الباب وهو يصلي قال تعالى :

( سورة يوسف )

          لكنّ الاستباق على رهن محرم شرعاً ، هذا السباق سباق الخيل ، إعطاء الخيل أرقام ، والمراهنة على هذه الخيل ، وتوزيع جوائز ضخمة ، هذه من نوع القمار واليانصيب تماماً هذا محرم ، السبق البريء من دون رهان هذا الذي أحلّه الشرع ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

              استنبط أنّ هذه قصة ملفقة ، وأنّ هذا القميص قد خلع منه خلعاً ، وأنّ هذا الدم مزور ، وأنّ هناك مؤامرة حاكها أخوته ، وأنّ الذي أحس به من قبل قد تحقق ، اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله ، وينطق بتوفيق الله ،  شَعَرَ أبوه من دون تفصيلات أن أخوته لا يريدون به خيراً ، أي كأن قلبه أحس بهذا ، فصبر جميل ، ما هو الصبر الجميل ؟ الصبر الجميل هو الذي لا ترافقه شكوى إلى الخلق و يعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم ، الصبر الجميل ألا تشكو إلى أحد شكوتك ، إن شكوت إلى كافر فكأنما اشتكيت على الله ، وإن شكوت إلى مؤمن فكأنما شكوت إلى الله ، وشتان بين من يشتكي على الله وبين من يشتكي إلى الله ، والصبر الجميل لا شكوى لا إلى مؤمن ولا إلى كافر، إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، لأنك إذا شكوت مصيبتك لمؤمن حزن لحزنك وهو عبد فقير لا يستطيع أن يفعل شيئاً ، وإذا شكوت همك إلى كافر شمت بك  لذلك من الدعاء الشريف :

 " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبلاَءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الأَْعْدَاءِ ".

(صحيح البخاري)

والشكوى لغير الله مذلة :

" قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ) ".

(صحيح البخاري)

وكلما ارتفع مستوى الإيمان تجد أنّ المؤمن يستحيي أن يشكو مصيبته لغير الله ، ليكن هذا النبي الكريم أسوة لنا في المصائب :

" قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ) ".

(صحيح البخاري)

               هناك أناس إذا ألمت بهم ملمة ملؤوا الدنيا صياحاً وصخباً ، ما من أحد يلتقون به إلا ويبثونه شكواهم ، يشكون الزمان ، يشكون قلة الدخل ، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ، فصبر جميل ، إذا أحبّ الله عبده ابتلاه فإن صبر اجتباه ، فإن شكر اقتناه ، وإذا لم يحبه تركه هملاً ، أنت إذا سمعت من طفل في الطريق كلمة نابية لا تقول شيئاً ، بل تقول : مالي وله ، أما إذا نظرت إلى القائل فإذا هو ابنك ، ماذا تفعل ؟ تؤدبه تأديباً شديداً ، تقيم قيامته ، لماذا فعلت به ما فعلت ؟ من شدة حبك له وحرصك عليه  فلذلك الذي يحبه الله سبحانه وتعالى يعالجه، إذا أراد الله بعبد خيراً عجل له بالعقاب ، إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظاً من نفسه يأمره وينهاه ، إذا أراد الله بعبد خيراً سيّر حوائج الناس إليه ، إذا أراد الله بعبد خيراً عاتبه في منامه ، فهذا الذي يتابعه الله سبحانه وتعالى على كل ذنب ، يتابعه على كل تقصير ، يتابعه على كل خروج عن طريق الحق ، ليفرح لأن الله يحبه :

 " عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ ".

(مسند الإمام أحمد)

           يعني هذا الذي تعالجه سيقدم لك أجزل آيات الشكر ، مثلاً إذا أصابت أحدنا مصيبة لا سمح الله وما زاد عن أن قال الحمد لله :

 " عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ إِذَا قَالَ حِينَ يُمْسِي فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِذَا قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ مِثْلَهُ ".

(صحيح البخاري)

                  هذه سجلت لك ، لقد ابتلاك الله فنجحت في الامتحان فصبر جميل ، يعني قد تجد إنساناً تأتيه مصيبة تافهة جداً يسبّ كل شيء ، يسب الذات الإلهية لمصيبة تافهة ، والله رأيت رجلاً خُدشت سيارته خدشاً سبّ الإله سباباً وسب الأنبياء ، فقلت : سبحان الله لخدش طفيف لا يكلف ليرات ، فقد ابنه ، وائتمر أخوته عليه وقال ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

                كاد الحليم أن يكون نبياً ، والحلم سيد الأخلاق ، والحلم له سبب ترى أن هذا الفعل من الله ، وأنّ هذه المصيبة ساقها الله إليك ، وهي محض فضل ورعاية واستحقاق ، قال تعالى :

( سورة آل عمران )

          ما من عثرة ولا اختلاج عِرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفُو الله أكثر فصبر جميل ، ليكن هذا النبي الكريم أسوة لنا في المصائب ، والمصائب مِحَكُ الرجال ، قال تعالى :

( سورة البقرة )

قال ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

         هذه القصة قصة الذئب غير صحيحة وملفقة ، أنتم أردتم له الشر قال تعالى

 

 

( سورة يوسف )

          تصور أن طريق القوافل طريق في الصحراء ، قد تمر به قافلة أو لا تمر وطفل في ريعان الشباب ، في عمر الأزهار أُلقي في بئر ما لها من قرار ، كيف أُلقي ؟ أُلقي بحبل يعني الصعود مستحيل ، وهناك قرائن  ألقي في البئر وقد خُلع قميصه ، في البئر الحيّات ، العقارب، الوَحشة ، ضيق التنفس ، الظُلمة ، لا معين ، لا مغيث ، لا دليل ، لا قريب  لا صديق، لا أب ، هذه  مصيبة ولكنّ الله سبحانه وتعالى كما قال للنبي عليه الصلاة والسلام :

( سورة الطور )

     إذا كان الله معك فمن عليك ،

وإذا العناية لاحظتك عيونها                       نم فالمخاوف كلهن أمان

 سيدنا موسى قال تعالى :

( سورة القصص )

                    مستحيل ، طفل صغير رضيع ، يوضع في صندوق ويلقى في اليم ، هذه مجازفة ومغامرة قال تعالى :

( سورة القصص )

أمران ونهيان وبشارتان ، إذا خفت عليه فألقيه في اليم .

                        سيدنا إبراهيم أُلقي في النار فقال تعالى :

( سورة الأنبياء )

             قال المفسرون : لو أنّ الله قال برداً لمات من شدة البرد ، ولكنه قال برداً وسلاماً ، الإله هوَ هو موجود في كل زمان ، هاتِ إيماناً كهذا الإيمان وخذ رعاية وحفظاً كهذه الرعاية ، سيدنا يونس دخل بطن الحوت ، في ظلمة بطن الحوت وفي ظلمة البحر الموحش وفي ظلمة الليل، هات  مصيبة أشد من هذه المصيبة ، لم يبق أمل هنا ، المصائب فيها أمل ، احترق محله لا يزال هناك أمل بأن يشتري غيره ويعيد تأسيسه ، توفيت زوجته فيتزوج غيرها ، مات ابنه يستطيع إنجاب غيره ، معه مرض السكري يتعايش معه ، صار معه مرض بترت يده لا يزال هناك واحدة أخرى يُرَكِّب يد أخرى اصطناعية ، لكن دخل بطن الحوت في ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت هنا البطولة قال تعالى :

( سورة الأنبياء )

           هذه الآية لنا جميعاً ، الفقرة الأخيرة قلبت القصة قانوناً قال تعالى :

( سورة الأنبياء )

               لا تخلو حياتنا من مشكلات من أزمات وشبح مصيبة ، من مرض لم يكن متوقعاً ، قل يا ربِ إنّي كنت من الظالمين ، تبت إليك ، فلنعد إلى قصتنا  قال تعالى :

( سورة يوسف )

           واردهم يعني الرجل المكلف بجلب الماء لهم ، من ورود الماء أي الذهاب إليه قال تعالى :

( سورة يوسف )

               ألا يجب أن يقول الله عز وجل فلما رفع الدلو هذا شيء بديهي ، العرب تقول: كل كلام تفهمه إذا لم يذكر يجب ألا يذكر ، فالبلاغة في الإيجاز ، ولولا الحذف والتقدير لفهم كلام العرب الحمير ، هكذا قالوا ، في حذف دقيق قال تعالى :

( سورة يوسف )

    يا بشراي ، كان  يريد شيئاً من الماء ، فإذا بالدلو غلام ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

هذه بضاعة غير نظامية لأنّ الحر لا يباع ، وأكل ثمن الحر حرام ، وهم يعرفون ذلك أخفوه كبضاعة وطمعوا أن يبيعوه في سوق العبيد ويأكلوا ثمنه ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           هو الذي ساق السيارة ، الله الذي ساقها في الوقت المناسب ، قال تعالى:

( سورة طه )

           قال تعالى :

( سورة يوسف )

 

لماذا بخس ؟ لأنهم أخفوه كبضاعة ، لا ينبغي أن يباع ، هذا لقيط ، واللقيط حر ، وحينما باعوه فقد خالفوا النظام العام ، لذلك أرادوا أن يتخلصوا منه بأبخس الأثمان ، إذا كان معك بضاعة غير نظامية تبيعها سريعاً لتنجو من مسؤوليتها وهذا الذي حصل ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             يعني الدراهم كانت تعدّ إذا كانت قليلة ، وتوزن إذا كانت كثيرة ، مادامت الدراهم معدودة إذاً قليلة ، وشروه بثمن بخس ، معنى شروه يعني باعوه ، شرى بمعنى باع واشترى في الوقت نفسه قال تعالى :

( سورة البقرة )

         يعني من يبيع نفسه ، قال تعالى :

 

( سورة التوبة  )

             والغريب أنه في القرآن الكريم ثمانية آيات على وجه الحصر قُرِنَ فيها بذل المال مع بذل النفس وَقُدِّم بذل المال على بذل النفس :

( سورة التوبة )

                 والعلماء قالوا : قُدِّم بذل المال على بذل النفس لأنّ بذل المال أهون من بذل النفس إلا في آية واحدة قُدِّم فيه بذل النفس على بذل المال هذا في عقد البيع يُذكر الأهم على المهم ، قال تعالى :

( سورة التوبة )

قال تعالى :

( سورة يوسف )

           ما عرفوا أنّ هذا الطفل الصغير الذي باعوه بثمن بخس سيغدو نبياً عظيماً وحاكماً كبيراً لمصر ، ما عرفوا ذلك ، لذلك الصغار لا يقلل أحد من شأنهم هذا الذي أمامك قد يكون مصلحاً اجتماعياً ، قد يكون عالماً كبيراً قد يكون فيلسوفاً ، قد يكون داعياً إلى الله عز وجل ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

هذا الذي اشتراه للآن لا ندري من هو هذه هي العقدة ، لا نعلم من هو ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

                 أكرميه شيء وأكرمي مثواه شيءٌ آخر ، المثوى مكان الثوي وهو الإقامة ، إذا كان مكان الثوي مكرماً فكيف بصاحب المقام ، هذه مبالغة في الإكرام ، لم يقل أكرميه بل أكرمي مثواه قال تعالى :

( سورة يوسف  )

             طبعاً هذا الإكرام مشوب بالمنفعة ، وقد يكرم الإنسان أحياناً ليس ابتغاء الإكرام بذاته ولكن ابتغاء منفعة ما ، هذا الإكرام مَشُوب لا قيمة له ، لا تغتر بمن يكرمك لمنزلة أو سلطان فإنها أوشك أمور الدنيا زوالاً ، ابحث عن من يكرمك لذاتك لا لما عندك ، رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

استنبط العلماء أن عزيز مصر الذي اشتراه لم ينجب أولاداً فأراد أن يجعله ابناً له بالتبني ، انتهت أول مرحلة من القصة قال تعالى :

 

( سورة يوسف )

          انتقل من البئر إلى القصر ، ومن جفوة الأخوة إلى إكرام السيد .

         هذه بمعنى إذا كان الله معك فمن عليك ، هذه فإنّك بأعيننا ،هذه إنّ الله يدافع عن الذين آمنوا ، أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد ، قال  تعالى :

( سورة يوسف )

قال تعالى :

( سورة الأنبياء )

            أرادوا أن يقتلوه ما استطاعوا ، أرادوا  أن يجعلوه في غيابت الجب فجعله الله في قصر العزيز ، نجّاه منهم ومن كيدهم ومكّن له في الأرض ، وهذا هو بعض من مغزى القصة ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          أحياناً أخوان الأخ الأكبر يأكل كل الميراث ولا يبقى لأخيه الأصغر شيئاً ، الله سبحانه وتعالى يزيد الصغير نجابة وتوفيقاً وغنىً ويفقر الكبير إلى أن يقف الكبير بباب الصغير قال تعالى :

( سورة يوسف )

               تزوجت امرأة رجلاً فطرق الباب طارقٌ قال : من مال الله همت أن تعطيه شيئاً من الطعام وكانا يأكلان دجاجة فنهرها زوجها وعنّفها وقال : اطرديه ، طردته ، ودارت الأيام ونشب الخلاف بينهما وكذلك الشقاق إلى أن طلقها وخطبها إنسان ذو مكانة وشأن وغنىً تزوجته، وبينما هي مع زوجها الجديد طرق الباب طارق ، فذهبت لتفتح الباب فاضطربت ، قال لها زوجها : من الطارق ، قالت : سائل ، قال : لماذا اضطربت ؟ قالت : لاشيء ، قال : قولي ، قالت : أتدري من الطارق ؟ قال : من ؟ قالت : زوجي الأول ، زوجي الذي طلقني ظلماً ، فقال: أوَ تعلمين من أنا ؟ أنا السائل الأول ، قال تعالى :