English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "04 / 11"  من تفسير سورة  يوسف (012) :  الآيات  : 22 – 29  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً  و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين   .

    أيها الأخوة المؤمنون  : تحدثنا في درس سابق عن المحنة الأولى والابتلاء الأول والامتحان الأول الذي مرّ به هذا النبي الكريم يوسف عليه السلام ، ومهدت في الدرس الماضي إلى أنه بعد أن نقله الله عز وجل من البئر إلى القصر ومن الوحشة إلى الأُنس ، كان قد تحقق بعض ما في رؤياه ، والآن إلى ابتلاء آخر وإلى امتحان آخر ، يقول الله سبحانه وتعالى :

هذه الآية تم شرحها في الدرس الماضي ، قال تعالى :


 

 

( سورة يوسف )

وقف العلماء في حيرة من تحديد سن هذا الوصف ، قال بعضهم : في الثلاثين ، قال بعضهم : في الخامس والعشرين ، قال بعضهم : في الثالثة والثلاثين ، قال بعضهم: إذا كان خط الإنسان البياني في صعود فقبل أن يهبط هو أَشُدّ الإنسان ، يعني في أوج فتوته وأوج شبابه وأوج صحته، وقال بعضهم : حينما ينبت شعر ذقنه ، قال بعضهم : حينما يحتلم ، قال بعضهم : حينما يبلغ سن الرشد ، هي أقوال كثيرة ولكنّ المضمون واحد ، حينما بلغ هذا النبي الكريم

 سن الرشد ، وأوج شبابه وقوته وفتوته عندئذ جاء الابتلاء .

 


    

 

                هناك شيء آخر بالمناسبة فإنّ علماء النفس يفرقون بين أعمار الإنسان ، هناك عُمرٌ زمني افتح بطاقتك الشخصية واطرح سنة الولادة من السنة الحالية تحصل على رقم هو عمرك الزمني وقال معظم العلماء : إنّه أتفه أعمار الإنسان لماذا ؟ هناك عُمر عقلي، قد ترى إنساناً ناضجاً ، تصرفاته حكيمة ، فهذا العمر العقلي أخطر من عمر الإنسان الزمني ، وهناك عمر انفعالي ، انفعالاته منضبطة ، متوازن ، لا ينهار بسرعة ، هذا عمر انفعالي وهناك عمر اجتماعي علاقاته الاجتماعية جيدة جداً ، الناس جميعاً يحبونه ، هذا عمر اجتماعي وهناك عمر تحصيلي أي تناسب عمره الزمني مع صفه الدراسي ، وكما قلت قبل قليل والعمر الزمني أتفه هذه الأعمار كلها ، لأنّ العالِمَ شيخٌ ولو كان حدثاً ، والجاهل حَدَثٌ صغير يعني ولو كان شيخاً ، على كل في هذه الآية إشارة إلى أنّ هناك فرقاً بين بلوغ الأشد وبين النبل  العقلي ، قال تعالى :

 


 

 

( سورة يوسف)

             بلغ أشده تنصرف إلى القوة العضلية ، إلى فتوته ، إلى شبابه ، أما استوى إلى نضجه الانفعالي ، ونضجه  العقلي ، ونضجه الاجتماعي وما إلى ذلك ، قال تعالى :


 

 

( سورة يوسف )

           أما كلمة الحُكم تعني أشياء كثيرة ، إنها تعني من جملة ما تعنيه أن الله سبحانه وتعالى مكنه في الأرض ، جعله الوزير الأول عند الملك ، جعله حاكم مصر هذا المعنى الأول ولكنه لن يصل إلى هذا المنصب إلا بعد أن كان عالماً .

          أي آتيناه علماً في طريقة الحُكم ، أتيناه علم ، كيف يحكم ، الحكم علم ، والدولة تمثل رأس الأمة المُفكر هذا المعنى الأول ، المعنى الأوسع ، قال تعالى :


 

 

(سورة يوسف )

 

           الحكم هو العقل ، لو ألقيت محاضرة على طاولة هل تفهم شيئاً ، الإنسان إذا ألقيت عليه محاضرة يفهم لأنّ الله سبحانه وتعالى زوده بإمكانية التعلم ، هنا الحكم إمكانية التعلم ، ماقيمة العلم بلا هذه الإمكانية ؟ الله سبحانه وتعالى وصف الفكر البشري بأنه الميزان ، فقال تعالى :

( سورة الرحمن )

         ما قيمة الكون وعظمته من دون ميزان تعرف عظمة الخالق من خلاله ، ما قيمة الميزان من دون كون ، الكون والعقل متكاملان ، بالعقل تعرف عظمة الخالق من خلال خلقه، وبالكون يتبدى للعقل عظمة الخالق ، لابد من صنعةٍ مُعجزة ، ولابد من جهاز يدرك هذا الإعجاز، إذاً

 


                      معنى آتيناه حكماً أي  الفهم أي قابلية الفهم ، قابلية التعلم ، قابلية الكسب، أي آتيناه عقلاً وفكراً هذا المعنى الثاني ، المعنى الثالث الحُكم هو الرؤية الصحيحة ، الإنسان أحياناً يدمر ذاته من رؤية مغلوطة ، قال تعالى :

 

( سورة الحج )

                       إذا امتلك الإنسان رؤية صحيحة فقد امتلك كل شيء ، أحياناً يرى الإنسان أن المغنم في كسب المال الحرام ، هذا أعمى القلب ، والمؤمن يرى أنّ الغنيمة في كسب المال الحلال ، أحياناً يرى الإنسان أنّ الغنيمة في العدوان على أعراض الناس ، و يرى المؤمن أن الغنيمة في قناعته بما آتاه الله ، إذاً الفرق بين السعيد والشقي ، الفرق الجوهري بين أن تكون في الأوج وبين أن تكون في الحضيض ، هذه الرؤية الصحيحة ، فمن معاني الحُكم أنّ الحُكْمَ  إصابة الحُكْمِ ، الحُكم على الأشياء ، قد تحكم على إنسان كسب مالاً حراماً بأنه ذكي هذا هو العمى بعينه، وقد تحكم على إنسان كسب مالاً حراماً بأنه غبي هذا هو الحكم الصحيح ، فالحكم أن تصيب الحكم الصحيح على الأشياء ، أي أن تكون تقديراتك صحيحة ، أن تأتي مطابقة للواقع هذا هو المعنى الثالث الحكم من القدرة على إصابة الحكم الموضوعي ، والمعنى الرابع الحكم هو الحكمة وهو أن تكون متعلماً علماً ومطبقه في الوقت نفسه ، يعني العالِم الذي يعمل بعلمه هو الحكيم ، أما إذا تعلم المرء علماً ولم يطبِّقه في حياته فليس بحكيم ، العلم حجة عليه ، لا يكون العلم حجة له إلا إذا طبّقه، والمعنى الأخير للحكم من الحكمة أي أن تضع كل شيء في موضعه ، أن تكون قاسياً في موطن القسوة ، وأن تكون متسامحاً في موطن التسامح ، أن تكون رحيماً في موطن الرحمة ، أن تكون متشدداً في موطن الشدة ، أن تكون كريماً في موطن الكرم ، أن تكون حريصاً في موطن الحرص ، الأحمق حيث يجب أن يكون كريماً وبخيلاً ، وحيث يجب أن يبخل يتكارم ، حيث يجب أن يعفو ينتقم ، وحيث يجب أن ينتقم يعفو ، فالحكمة أن تضع كل شيء في موضعه الصحيح ، أن تكون لك مواقف حكيمة، نعيد على أسماعكم المعاني العدة المستنبطة من كلمة الحكم ، الحكم أولاً أن تكون حاكماً ، ولما بلغ أشده واستوى جعلناه عزيز مصر والحاكم يحتاج إلى علم لأن الحاكم عقل الأمة ، دماغها المفكر ، أي علمناه كيف يحكم أو جعلناه حاكماً لأنه كان عالماً ، هذا هو المعنى الأول ، والمعنى الثاني الحكم بمعنى أن تكون عالماً عاملاً مطبّقاً، كل الناس هلكى إلا العالمين ، والعالمون هلكى إلا العاملين ، والعاملون هلكى إلا المخلصين ، والمخلصون على خطر عظيم ، والمعنى الثالث الحكم هو إمكانية الفهم ، هذا الذي آتاه الله قدرة فائقة على الفهم السريع والإدراك الخاطف والإدراك العميق والإدراك الدقيق والإدراك   الصحيح ، هذه نعمة كبرى ينعم الله بها على بعض عباده ، شيء آخر الحكمة أن تضع كل شيء في موضعه ، تعرف متى تبتسم ، متى تُقَطِّب ، متى تسمح ، متى تحاسب ، متى تعفو ، متى تصفح ، متى يجب أن تكون قوياً ، متى يجب أن تكون ضعيفاً أو أن تبدو ضعيفاً ، متى يجب أن تُظهر أنك غبي .

ليس الغبي سيداً في قومه                      لكنّ سيد قومه المتغابي

من الذكاء البارع أن تبدو في بعض المواقف الحرجة أنك غبي ، من الذكاء اللامع أن تبدو وكأنك مسكين في بعض الحالات ، فحينما تضع لكل شيء موضعه ، حينما تسلك السبيل الصحيح فأنت حكيم ، والله سبحانه وتعالى يقول :


 

 

( سورة يوسف )

 

        والعلم واسع جداً ، إنّ الله عالِمٌ يحب كل عالم ، العلم بالله وعلامته خشيته ، والعلم بالله من أرقى العلوم ، والعلم يشرف بشرف موضوعه فأي علم تعلمته ؟ فلان تعلّم الفيزياء ، الموضوع القدرة الطاقة والمادة وتحولاتهما ، متعلم علم كيمياء يعني هناك صفات كيميائية تطرأ على العنصر تعلُمِها وتعلُم قوانينها ، هناك عالِم بالطب ، هناك عالِم بالفلك ، هناك عالِمٌ بالرياضيات ، هناك عالِمٌ بالشرع ، وهناك عالِم بالله ، فإذا كان العلم يشرف بشرف موضوعه فأرقى العلوم جميعاً أن تكون عارفاً بالله سبحانه وتعالى ، هذا هو أرقى العلوم قاطبة ، ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً ، علماً بنا ، علماً بشرعنا ، وعلماً بتفسير الرؤى ، وعلماً بأمور الدنيا قال تعالى :

( سورة يوسف )

        فكأن كلمة علم هنا شملت العلم بالله ، والعلم بأمر الله ، والعلم بمخلوقات الله ، أو العلم بالحياة ، قال تعالى :


 

 

( سورة يوسف )

 

 

           لو أن الله سبحانه وتعالى أنهى الآية عند هذه الكلمة ، إذاً ليس هذا الكلام كلام الله ، لماذا ؟ لماذا آتيته علماً وحكماً يا رب؟ لكن ربنا عز وجل قال


 

 

 

( سورة يوسف )

 

          بيّن الله سبحانه وتعالى أن عطاءه وفق أسس ثابتة ، أنّ عطاءه يجري مجرى القانون ، عطاء الله سبحانه وتعالى ليس جزافاً ، ملك الملوك إذا وهب بعضهم يقول : لا تسألنّ عن السبب، ليس هناك قاعدة ، هذا كلام مغلوط ، عدّلت هذا البيت تعديلاً طفيفاً :

ملك الملوك إذا وهب                            قم فاسألنّ عن السبب

الله يعطي من يشاء                              فقف على حدِّ الأدب

        عطاء الله سبحانه وتعالى وفق أسس ثابتة ، كيف تمنح الدولة منحاً للموظفين ؟ أسس، من كان راتبه كذا وكذا ، يأخذ على المائة الأولى كذا والمائة الثانية كذا والمائة الثالثة كذا وعلى كل ولد كذا ، هذا عطاء إنسان .

 

 


                العطاء سببه وكذلك نجزي المحسنين ، إنّ هذا العطاء لم يكن جزافاً ، إنما كان وفق أسس عادلة صحيحة ، هذا المعنى الأول ، والمعنى الثاني وكذلك نجزي المحسنين ، قلَبَ هذه القصة إلى قانون ثابت ، والعلماء يقولون : إنّ كلمة وكذلك نجزي المحسنين تصنف في كتاب الله تحت عنوان كلمات الله ، يعني نواميسه في خلقه ، الأسس الكبرى التي يعامل بها عباده.

 

 

 


             يعني أنت أيها الإنسان يا فلان الفلاني ، يا من تعيش في عام ألف وتسعمائة وستة وثمانين ، يا من تعيش في هذا العام ، إن الذي انطبق على سيدنا يوسف ينطبق عليك ، كن محسناً وانظر كيف يعاملك الله سبحانه وتعالى ، لا أجد آيات في كتاب الله أشفى للغليل من هذه الآية ، قال تعالى :

 

 

( سورة الجاثية )

هذا من خامس المستحيلات ، قال تعالى :

( سورة الجاثية )

يعني بيت هذا كبيت هذا ، لا والله ، زوجة هذا كزوجة هذا ، لا والله ، دخل هذا كدخل هذا ، لا والله أولاد هذا كأولاد هذا ، مكانة هذا كمكانة هذا ، قال تعالى :

( سورة السجدة )

( سورة ص )

            فلذلك هذه بشرى للمؤمنين ، يعني كما أن هذا النبي الكريم بلغ ما بلغ بإحسانه  وصل إلى ما وصل إليه باستقامته ، رفعه الله مكاناً علياً لعفته ، الباب مفتوح والطريق سالك والإله موجود والله هو هوَ ومعاملته هي هيَ وقوانينه هي هيَ لا تتبدل ولا تتغير ولا تعدّل ولا تجمد ولا توقف ولا يضاف عليها ولا يحذف منها ابشروا ، كن له كما يريد يكن لك كما تريد ، سلِّم له فيما يريد يجعل حياتك كما تريد ، لذلك قال تعالى :

( سورة يوسف )

             هكذا نجزيهم على مر الأيام ، على مر العصور ، في كل الأصقاع ، في كل الأقاليم، في كل البلاد ، في البلاد المتقدمة و البلاد المتخلفة ، وفي شرق الأرض وفي غربها، في شمالها وفي جنوبها ، على البر وفي البحر وفي الجو ، قد تحترق طائرة ولا ينجو منها إلا واحد ، قال تعالى:

( سورة الطور )

( سورة الحج )

( سورة مريم )

           هكذا هذه الآية يجب أن تكون في قلوبكم جميعاً ، قال تعالى :

 

 


 

 

( سورة يوسف )

 

          ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ، إذا استرذله ، رآه رذيلاً ، تافهاً ، سخيفاً ، شهوانياً ، أنانياً ، مستعلياً ، دنيء النفس ، شهواني السلوك ، ماذا يفعل معه ؟ يبقيه غنياً يبقيه قوياً ، يعطيه الدنيا كما يشتهي ، يفتح له أبواب الدنيا كلها ، قال تعالى :

( سورة الأنعام )

           ولكنه يحظر عليه شيئين فقط العلم و الأدب ، ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ، فإذا أحبه آتاه حكماً وعلماً ، إنّ الله أعطى فرعون المُلك وهو لا يحبه ، وأعطى قارون المال وهو لا يحبه ، وأعطى الأنبياء العلم والحكمة وهو يحبهم ، فانظر أيها المؤمن عطاؤك من أي نوع  علم وحكمة ؟ علم وأدب ؟ أم مال وجاه ؟

 

 

 


                أحد العلماء قال : من أحسن عبادة الله في شبيبته ، أي الشباب ، آتاه الله الحكمة في اكتهاله ، إذا صار كهلاً تجده وقوراً ، حليماً ، حكيماً ، الآن دخلنا إلى عقدة القصة، قال تعالى :

 

( سورة يوسف )

           راودته امرأة العزيز ، وبعض العلماء يقولون : إنّ هناك نظرات وإغراءات وأخذاً وردّاً من امرأة العزيز ، ولكنّ الله سبحانه وتعالى اكتفى بالموقف الأخير لأنه أشد المواقف جرأة وأشدها وقاحة ، وأشدها حتماً وراودته التي هي في بيتها عن نفسه ، ومعنى راودته بمعنى دعته دعوة رقيقة هادئة ، دعته إلى نفسها ، وراودته التي هي في بيتها عن نفسه يعني دعته إلى أن يكون كزوجها ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           لمَ لمْ يقل الله سبحانه وتعالى غَلَقت ، بل غَلّقت فيها مبالغة ، قال العلماء: وزن فعّل يفيد التكثير ، إما تكثير الأبواب أو المبالغة ، يعني إذا كان لهذا المسجد سبعة أبواب ، أو خمسة أبواب نقول للقيِّم عليه : أغَلّقت الأبواب ، لا نقل له : غَلَقت الأبواب ، لأن الأبواب كثيرة ، أغلّقتها ، وإذا كان باب الصندوق الحديدي وفيه ثروة طائلة نقول له : أغَلّقته ، يعني أقفلته ، فإما وزن فعّل في الإغلاق يعني المبالغة ، الإرتاج ، وإما يعني كثرة الأبواب ، ويروى أنّ رجلاً راود امرأة عن نفسها ، وغلّق الأبواب كلها فقالت له كلمة جعلته يقع مغشياً عليه ، قالت : انظر، هناك باب واحد لا تستطيع أن تغلقه ، لو غلّقت كل الأبواب هناك باب واحد لا تستطيع أن تغلقه إنّه باب السماء عندئذ وقع مغشياً عليه وأدركته الخشية وترفّع عن هذا العمل ، امرأة العزيز غلّقت الأبواب وراودته التي هي في بيتها عن نفسها ودَعته إلى المعصية الكبيرة ، دعته إلى خيانة زوجها ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

هناك سبعة قراءات لهيت ، قالت : هَيْتَ لك أي تعال أقبل ، وهِيْت لك ، وهَيْتِ لك ، وهِئْتُ لك أي تهيأت لك ، إما تعال أقبل ، أو تهيأت لك ، هِئْتَ لك وهِئْتُ لك وهِئْتِ وهَيْتَ وهَيْتِ كل هذه دعوة صريحة إلى أن يرتكب المعصية معها ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

            أعوذ بالله أن أفعل هذا ، هذا موقف الأنبياء ، هذا موقف المؤمنين ، فما قولكم بالأنبياء ، قال تعالى :

( سورة الفرقان )

           هذه ليست لا الناهية ، لم يقل الله عز وجل : ولاتزنوا ، بل قال ولا يزنون ، ينفي عنهم الزنى ، يعني مستحيل في حقهم أن يزنوا ، لكن بعض المفسرين سامحهم الله أورد روايات ما أنزل الله بها من سلطان ، أنه بلغ منها مبلغ الرجال ، وكان على وشك أن تقع الفاحشة لولا أنّ الله سبحانه وتعالى أخرج له أباه من الجدار وعضّ على إصبعه ، لولا أنّ ملَكاً نزل من السماء ودفعه في صدره فخرجت الشهوة من أنامله ، لولا أنّه حينما استلقى رأى آيات القرآن مكتوبة على السقف ، يعني روايات إسرائيلية ما أنزل الله بها من سلطان ، مثلاً إذا عرضت على أحد ما مبلغ من المال كرشوة قال لك : أعطني إياه ، عدّه ، وضعه في جيبه، وبعد ساعة ، أو بعد نصف ساعة قال لك : لا والله لا آخذه ، هذا نقص كبير لمجرد أنّه تردد في الأمر ، لمجرد أنّه همّ أن يأخذه ، لمجرد أنّه قَبِلَ أن يأخذه مبدئياً فقد وقع في نصف الذنب ، فإذا قلنا : إنّ هذا النبي العظيم أغرته سيدته وهمّ أن يواقعها وبلغ منها مبلغ الرجال ، وتفصيلات ما أنزل الله بها من سلطان إلى أن رأى أباه في الحائط يعض على إصبعه  إلى أن رأى السقف قد كُتِب آيات قرآنية ، إلى أن جاء ملَك ودفعه من صدره فأخرج بذلك الشهوة من أنامله ، لا والله ما أنزل الله بهذا من سلطان ، قال تعالى

( سورة يوسف )

         أعوذ بالله أن أفعل هذا ، مستحيل أن أفعل هذا ، هذا لا يليق بي ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          هذه لها تفسيران ، رب العزة الذي نقلني من البئر إلى القصر ، من الوحشة إلى الأنس، من الجوع إلى الشبع ، من العطش إلى الري ، من الضياع إلى العناية ، أنا أعصيه ؟‍‍! أتجاوز أمره ، أفعل ما نهاني عنه معاذ الله ، أما التفسير الثاني ربي يعني سيدي هل أخون سيدي يعني زوجك الذي رباني وأنشأني في هذا القصر وأكرمني أخونه في زوجته معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي وأخوته ، أهذا هو الكرم أن أرد على الإحسان بالإساءة معاذ الله ، لذلك إنه ربي أحسن مثواي عليه الصلاة والسلام : الإيمان عفة عن المحارم .

" الإحسان عفة عن المحارم ، عفة عن المطامع "

الإيمان عفيف عن المحارم ، عفيف عن المطامع .

[الجامع الصغير 3102ٍ] رواه أبو نعيم في الحلبة ـ قال عنه الألباني : ضعيف

              والعلماء فرّقوا بين اللذة ، اللذة تأتي من ممارسة الشهوة ولكنّ السعادة تأتي من ترك الشهوة ، إذا تركت شهوة لا ترضي الله عز وجل تسعد إلى الأبد ، ألا يا رُبّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً ، ألا يا رُبّ أكلة منعت أكلات ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          الزنى ظلم ، ظلمٌ للنفس قبل كل شيء ، لأن الزاني محجوب عن الله عز وجل ، مقطوع ، سيدنا عثمان كان على المنبر فقال : أيدخل أحدكم وأثَرُ الزنى بين عينيه ، فقيل : يا خليفة رسول الله أَوَحيٌ بعد رسول الله  قال : لا اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله ، أجل فالمستقيم تظهر استقامته في وجهه ، سيماهم في وجوههم ، لو أنّ الوجه الحسن رجلٌ لكان رجلاً صالحاً ، العفيف في وجهه ، البريء في وجهه الصافي في وجهه ، إنّه لا يُفلح الظالمون ، الزنى ظلم ، ظلم للإنسان والزنى ظلم للمزنيِّ بها ، هذه التي زنيت بها لا سمح الله لو جاءتك يوم القيامة وقالت لك : أنا أختك في الإنسانية إنك بهذا العمل مرّغتني في الوحل ، وجعلتني أشقى نساء الأرض ، حينما ذهب جمالي نبذني الناس إلى قارعة الطريق ، صرت متسولة أهذا يرضيك ، لو كنت الآن زوجة لخمسة شباب بعضهم أطباء  بعضهم صيادلة بعضهم تجار ، هذا جاءني وقال : يا أمي هل لك حاجة ، وهذا جاءني، ولي بنات زوجتهم كنت سيدة أسرة كبيرة ، قال لي شخص : طرق الباب الساعة الرابعة فجراً فتحت فلم أجد أحداً ، فلما وقعت عيني على الأرض رأيت محفظة كبيرة ، فتحتها فوجدت غلاماً ، طفلاً مولوداً لتوه ، قلت سبحان الله حينما يتم زواج شرعي وتحمل المرأة الأهل يفرحون ، يُعد لهذا المولود ، يجهز له مهاده ، تجهز له ملابسه ، تعيش الزوجة في حلم الولد بعد أشهر والأب كذلك ، يأتي المولود ، يأتي الناس مهنئين ، تأتي الهدايا ، يفرح الناس ، هذا هو الطريق المشروع ، فإذا كان المولود من زنى فقد يوضع هذا المولود في حاوية القمامة ، على قارعة الطريق ، في الحديقة العامة ، والحدائق العامة في أوروبة يجمع منها اللقطاء بالعشرات والمئات والألوف العام ، وقال بعضهم : حوالي ثلث بعض الشعوب في أوروبة من أولاد الزنى ، هذا ما ذاق حنان الأب ، ما ذاق حنان الأم ، هؤلاء الذين يديرون حروباً طاحنة يعيشون على أنقاض البشرية ، يقتلون في المستعمرات الألوف المؤلفة، هؤلاء قد يكونوا ما ذاقوا حنان الأب ولا حنان الأم ولا العطف ، فلذلك إنه لا يفلح الظالمون ، الزنى ظلم للزاني ، وظلم للمزني بها ، وظلم للمجتمع ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             أي همت به همت بجذبه ، وهمّ بها سامح الله بعض المفسرين الذين توهموا أن هَمّهُ بها كهمِّها به ، إذا رأيت في الغرفة أفعى هي تهم أن تلدغ إنساناً ، وهو يهم أن يقتلها ، يا تُرى هل همه كهمها ؟ إذا رأيت أفعى في غرفة ، نقول لك لقد هممت بها وهمت بك ماذا تفهم من هذا؟ همت باللدغ صحيح ، أما أنت فهممت أن تقتلها لا أن تلدغها ، لابد من يكون همك غير همها ، ولقد همت به ، أغرته ، جذبته ، تهيأت له ، وهمّ بها همّ بدفعها ، أو همّ بالهروب منها ، هذا التفسير الوحيد الذي يليق بهذا النبي الكريم ، قال تعالى :

 

( سورة يوسف )

          لم يهم بها همّ فعل ، ولم يهم بها همّ نفسٍ ، ولم يهمّ بها همّ الرجل بزوجته ، ولكنه همّ بها همّ ردٍ وهم دفعٍ بل وهم ضرب ، لشدة حرجه ، هذا المعنى الذي يليق بهذا النبي الكريم ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             يعني لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها ، لو أتيت بمائة رجل وضعتهم في ظرف سيدنا يوسف ، كم واحد يقول : معاذ الله ، لا تعرف كم واحد  ربما واحد أو اثنان ، لماذا لأنهم لم يروا برهان ربهم ، ما كان في قلبهم نور يهديهم إلى الطريق الصحيح ، هذا هو النور ، الصلاة نور ، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، الكافر يرى الحق باطلاً ويرى الباطل حقاً ، وإذا رأى الحق حقاً لا يستطيع أن يتبعه ، وإذا رأى الباطل باطلاً لا يستطيع أن يجتنبه ، أما الدعاء المأثور كما ورد في مختصر تفسير ابن كثير حيث لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم :

"اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه"

قال تعالى :

( سورة يوسف )

         مقبول هذا التفسير ، يعني لولا أنك جئتني لجئتك في البيت ، أنا هل أتيتك إلى البيت؟ لا لأنك أتيتني ، هذا هو المعنى الدقيق .

                      تقديم و تأخير أي ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها ، ولولا حرف امتناع لوجود ، لولا المطر لهلك الزرع ، امتنع هلاك الزرع لوجود المطر ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           السوء ما يسوؤه في نفسه ، والفحشاء ما يفضحه بين الخلق ، السوء داخلي والفحشاء خارجي ، إذا الإنسان ورد إلى خاطره خواطر سيئة هذه تسوؤه إذا تصور نفسه في معصية ، هذا الخاطر يسوؤه ، لكنه إذا فعل هذا الخاطر هذه فحشاء ، هذه تفضحه ، هناك شيء يسوؤك ، وهناك شيء يفضحك ، الخواطر السيئة تسوء ، لكنّ المعاصي تفضح ، كذلك لتصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا الصالحين ، كنت أظنّ أنها المخلِصين إذا هي المخلَصين بالفتح ، يعني أخلَص لله فصار مُخْلَصاً من كل شائبة ، مخلِص اسم فاعل ، مخلَص اسم مفعول ، أخلص لله فأخلصه الله من كل شائبة جعله نقياً طاهراً ، قال بعضهم : المؤمن طفل كبير بل ذاتي ، صافٍ لكنه عاقل وناضج ، يعني إذا أردت أن تجمع بين ميزات الطفولة ببراءتها و صفائها وميزات الرجولة برجاحة عقلها فهي في المؤمن ، المؤمن يجمع بين الصفاء والبراءة والطهر والعفاف والحكمة والنضج والعقل والفهم ، لست بالخب [ لست من الغباء ، لست من الخبث بحيث أكون خباً أي خادعاً ، ولست من الغباء بحيث أكون مخدوعاً ]، ولا الخب يخدعني ، لست بالخب ولا الخب يخدعني ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

               نصرف عنه ليس هذا التصرف خاصاً بهذا النبي ، إنّ هذا قانون أيضاً ، كل من كان مخلِصاً فصار مخلَصاً صرف الله عنه السوء والفحشاء ، ما يسوؤه في نفسه وما يفضحه بين خلقه أبداً قاعدة عامة ، كل من كان مخلِصاً صار مخلَصاً  صرف الله عنه السوء والفحشاء ، حينما شعر أن الموقف حرج جداً و أنها مصرِّة ما كان منه إلا أن استبق الباب ، واستبقا وليس استبق وإنما استبقا مثنى ، تسابقا هو وهي إلى الباب هو لينجو وهي لتقبض عليه لتحمله على الزنى ، طبعاً أيضاً الاستباق مختلف ، لو أن الاستباق في سباق الهدف واحد وهو بلوغ الهدف ، أما هنا له معنى آخر ، هو أراد بهذا الرفض أن ينجو من الباب وهي أرادت أن تبقيه في الغرفة، طبعاً أدركته أمسكته من قميصه من خلفه فانجذب منها عنيفاً فتمزق القميص ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           ومن غرائب الصدف أنّ زوجها جاء إليهما عن غير قصد ، الله عز وجل قال :

( سورة يوسف )

وقال أيضاً :

( سورة يوسف )

قال تعالى :

( سورة يوسف )

          هناك علماء استنبطوا أنها لا تحبه ، فرقوا بين الشهوة الجنسية وبين الحب الشريف، لو أنها أحبته ما أوقعته في هذه الورطة الكبيرة ، إنها لا تحبه لنفسيته ، تحبه لشكله ، هذا حب شهواني ، هناك حب روحي ، وهناك حب شهواني ، والدليل أنه حينما امتنع منها أرادت أن تسحقه ، أن تجعله أمام زوجها خائناً ، أن يبدو لزوجها وقد خانه ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

قال تعالى :

( سورة النساء )

إلا في حالة واحدة ما هي ؟

( سورة النساء )

         قال سيدنا يوسف هي راودتني عن نفسي أنا بريء ، فإذا ظُلم أحد ما لا ينبغي عليه أن يسكت وإلا يكون أحمقاً ، فلان فعل كذا ولست أنا ، إذا اتهمت أنك فعلت كذا وكذا ولم تفعل شيئاً فلان فعله وبالطبع هذه ليست غيبة ، إذا أحد ما اتهمك تهمة باطلة وأنت بريء منها وفعلها إنسان آخر، قل له : فلان فعلها ، قل له : لم أفعلها أنا ، قال : هي راودتني عن نفسي، يقولون أنّ عزيز مصر ، هذه الطبقة الأرستقراطية الراقية عندها برود ما عندها غيرة ، قال لي : ماذا أفعل وجدت عندها شخصاً لا حول ولا قوة إلا بالله ، فهذا ليس برود ، هذا تلبد الحس ، يبدو أنه يأكل لحم خنزير حتى خنزر ، تعجب العزيز هو أم هي ، استشار أحد المخلِصين له وكان قريباً لها قال تعالى :

( سورة يوسف )

     أي أقبل عليها فدفعته قال تعالى :

( سورة يوسف )

         أي هرب منها فتبعته فأمسكته فَقُدَّ قميصه من دبر قال تعالى :

( سورة يوسف )

          هذا تحقيق ، الله علمنا التحقيق الجنائي ، قال تعالى :

( سورة يوسف )