English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "05 / 11"  من تفسير سورة  يوسف (012) :  الآيات  : 30 – 42  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً  و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين   .

     أيها الأخوة المؤمنون   :  وصلنا في قصة سيدنا يوسف إلى قوله تعالى

( سورة يوسف )

           الحقيقة أول مرة نعرف أنّ سيدنا يوسف كان في بيت عزيز مصر وأنّ المرأة التي راودته عن نفسها هي امرأة العزيز ، وهذه طريقة في حبكة القصة رائعة جداً ، أخّر إعطاء القارئ هوية هذا الرجل الذي اشتراه ، وقال الذي اشتراه من مصر ، من ؟ لا نعرف ، وقال لامرأته : أكرمي مثواه ، وراودته التي هو في بيتها ، بعد مرحلة متقدمة من القصة ، عرفنا أنّ هذه المرأة التي راودته عن نفسها هي امرأة العزيز ، وأنّ هذا الرجل الذي اشتراه هو عزيز مصر ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          يبدو أنّ هؤلاء النسوة هنّ من الطبقة الراقية ، رقياً دنيوياً ، يعني من طبقة الأغنياء والمقربين إلى القصر .

                    يبدو أنّ قصة هذا النبي الكريم قد شاعت في المدينة وسريعاً ما تناقلتها الألسنة ، ورجفت بها القلوب ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           كأنهم يقصدون أن امرأة العزيز المرأة الثانية في هذا المجتمع ، المرأة الأولى امرأة الملك ، وامرأة العزيز هي المرأة الثانية ، على علو قدرها وعلى عظم شأنها تراود فتاها عن نفسه قال تعالى :

( سورة يوسف )

           يعني وصل حبها له إلى شغاف قلبها ، وصلت محبته إلى أعمق ما في قلبها ، مَلَك عليها قلبها ، استحوذ عليها وذهب بها كل مذهب ، قال تعالى

( سورة يوسف )

           كأنهن يترفعن عن هذا المستوى ، كأنهن يقبحن عملها ويزرين بها وينحن عليها باللائمة ، إنا لنراها في ضلال مبين ، لكنّ امرأة العزيز امرأة ناضجة عرفت أبعاد هذه الفضيحة وكيف أنّ قصتها مع فتاها قد شاعت في المدينة ، وقد لهجت بها الألسنة ولاكتها ، وتناقلها الناس ولاسيما فيما بين الطبقة الراقية ، المجتمع الراقي بالمقياس الدنيوي ، من خلال هذا المجتمع المقرب إلى العزيز ، قالت في نفسها : لابد من مكر يطفئ هذه القصة ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             كأن نقل هذا الحديث مكر منهن ، كأن نقل هذا الحديث وإشاعته وتناقله شفاء لما في صدورهن ، كأن هناك منافسة بين امرأة العزيز وبقية النساء المقربات ، هناك منافسة خفية ، وهذا يؤكده قوله تعالى :

( سورة الحشر )

               الكفار إذا بدوا لك متجمعين هم في الحقيقة متفرقون ، إذا بدوا لك متحدين هم في الحقيقة متنافسون ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الحشر )

              فامرأة العزيز أرادوا بها كيداً عن طريق نقل هذه القصة وترويجها وإشاعتها وكثرة الحديث فيها من أجل أن يحطمن سمعتها ، إذاً هناك عداءٌ خفي ، فلما سمعت بمكرهن دبرت لهن خطة وكيداً محكماً ، أرسلت إليهن ، الحقيقة هذا المجتمع الراقي يسمونه المجتمع المخملي ، هذا المجتمع الراقي في نظر الناس هو عند الله ليس راقياً ، لأن هناك نظافة المظهر وهناك نظافة المخبر ، قد تعيش في بيت فخم وقد ترتدي أجمل الثياب وقد تستعمل أغلى العطور وقد تركب أجمل السيارات وقد تأكل ما لذ وطاب وقد يكون وقتك ممتلئاً بالمواعيد واللقاءات و الحفلات والسهرات الممتعة والنزهات ولست عند الله شيئاً مذكوراً ، وقد يأتي إنسان فقير لا يعرفه معظم الناس فيخلص العبادة لله عز وجل ويستقيم في معاملته فهو عند الله نظيف ، مثلاً إنسان يعمل في مهنة عضلية مجهدة لو أنه يعمل في تصليح السيارات مثلاً ويرتدي ثياب سوداء مثقلة بالشحوم ، لو أنه جاءته سيارة فأحكم إصلاحها وأتقنه وأخذ أجراً معتدلاً وقدّم خدمة ، هذا الوضع الذي هو فيه وضع نظيف جداً إنه نظيف من الداخل ، وقال لي رجل لا أشك أنّ غرفته التي يجلس فيها يزيد ثمن ما فيها من أثاث عن مئات الألوف قال لي : إنّ عملي قذر ، يرتدي أجمل الثياب ويتكئ على أفخم الأثاث ويستعمل أفخر العطور ، وقال لي بالحرف الواحد : إنّ عملي قذر ، فالقذارة والنظافة أيها الأخوة : من الداخل ، المؤمن نظيف من الداخل استقامته وعفته ومروءته وشجاعته ونزاهته وأعماله الطيبة هذه التي ترفعه عند الله ، أما هذا المجتمع الذي يبدو لك مجتمعاً راقياً يتقلب في ألوان النعيم ليس عند الله بشيء ، قال تعالى :

( سورة آل عمران )

قال تعالى :

( سورة يوسف )

           وجهت إليهن دعوة إلى قصرها لتناول طعام أو فاكهة ليس في القرآن الكريم ما يؤكد هذا أو ذاك قال تعالى :

( سورة يوسف )

          أي جعلت لهن أماكن مريحة جداً ، أثاث فاخر ، طنافس وثيرة ، متكآت من ريش النعام، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          من أجل أن تستعملها في تقطيع الفاكهة أو تقطيع اللحم ، على كل قدّم لهن طعام أو فاكهة ثمينة ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          أمرته وهو الغلام في قصرها وعليه أن ينفذ ما تأمره به ، أمرته أن يخرج أمام هؤلاء النسوة اللائى يمثلن نخبة المجتمع الراقي قال تعالى :

 

( سورة يوسف )

          يعني عظمنه ، دُهشن لجماله ، مفسرون كثيرون ورواة كثيرون أجهدوا أنفسهم  في وصف هذا النبي الكريم وفي خلع صفات الجمال عليه ، مع أنّ المرأة لا يستهويها في الرجل جمال بني جنسها بل يستهويها صفات خاصة به ، سيدنا موسى قال تعالى :

( سورة القصص )

           ما الذي أعجبها فيه ؟ أعجبها قوته وأمانته ، هو ما الذي أعجبه فيها حياؤها ، قال تعالى :

( سورة القصص)

             فالمرأة تحب في الرجل القوة والعفة والأمانة والقوة والحماية والرعاية والشجاعة فإذا بالغ الرجل في التزين والتجمل والتعطر والتكسر وترفيع الصوت وتزيين صدره ببعض الحلي ومعصمه ببعض السلاسل تقليد النساء في زيِّهن ، هذا الرجل لعنه الله عز وجل لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حَجَّاجٌ : لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ "

(مسند الإمام أحمد)

قال تعالى :

( سورة القصص )

بينما أعجبه فيها حياؤها ، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام :

" من علامات قيام الساعة أن يرفع الحياء من وجوه النساء ، وتذهب المروءة من رؤوس الرجال "

لا مروءة عند الرجال و لا حياء في وجوه النساء

"والديوث لا يروح رائحة الجنة ، فقيل يا رسول الله : وما الديوث ؟ قال  الذي لا يغار على عِرضه ويرضى الفاحشة في أهله "

هذا الذي يسمح لزوجته أن تخرج إلى الشرفة بقميص النوم هذا عند الله ديوث لأنه لا يغار على عرضه ، هذا الذي يسمح لزوجته أن تتزين وهي معه في الطريق هذا لا يغار على عرضه ، هذا الذي يسمح لزوجته أن تقدم المشروب لضيوفه ديوث لا يغار على عرضه ، إن كان الذين يرضون الفاحشة في أهلهن قلائل ، فالذين لا يغارون على أعراضهن كثر ، إذاً حينما بالغ المفسرون والرواة في وصف هذا النبي الكريم بصفات جمالية منتزعة من صفات النساء وقعوا في وهم كبير ، إنّ الذي أعجبها فيه عفته ، إنّ الذي أعجبها فيه قوته إن الذي أعجبها فيه طهارته، وكان جميلاً لكن أن نقصر ميزاته على جماله وحده هذا لمبالغة ليست واقعية، على كل قال تعالى :

( سورة يوسف )

لئلا يذهب بكم الظن إلى أنهن قطّعن أيديهن تقطيعاً تاماً ، لا ، معنى قطّعن أيديهن في اللغة جرحن أيديهن ، الإنسان أحياناً يستعمل سكيناً حاداً ويلهو مع إنسان في حديث فإذا به يجرح إصبعه ، معنى قطّعن أيديهن أي جرحن أصابعهن ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

إنه فوق البشر لكماله والأنبياء كذلك ، قال الشاعر :

وأجمل منك لم ترَ قط عيني                    وأكمل منك لم تلد النساء

خُلقت مبرءاً من كل عيب                      كأنك قد خُلقت كما تشاء

             الله سبحانه وتعالى يهب أنبياءه جمال الخَلق والخُلُق ، أصحاب محمد الكرام سحروا به أُخذوا به ، أخذ كل قلوبهم قال أحدهم : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ، سُحروا بكماله ورقته وحلمه وشجاعته وذكائه وفطنته ورحمته وعدله وإنصافه وهكذا المؤمن ، لا أقبل أن يكون المؤمن بغيضاً عند الناس ، لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً ، كيف يكون هذا صحيحاً وهو متصل بالله عز وجل ، لله الأسماء الحسنى وكل من اتصل بالله عز وجل لابد من أن يشتق من أسمائه الحسنى ، يجب أن يكون المؤمن محبوباً لتواضعه لإنصافه لعفته لاستقامته قال تعالى :

 

( سورة يوسف )

              هذا هو ، إنكم تحدثتم عني في غيبتي وأنحتم عليّ باللائمة من دون أن تعرفوا حقيقة هذا الفتى الذي شغف قلبي به حباً ، هذا الذي شغف قلبي به حباً أمعي حقٌ بهذا ؟ قال تعالى :

( سورة يوسف )

               منتهى الوقاحة أن تعلن عن شغفها وعن غريزتها وعن حاجتها إليه أمام نسوة علية القوم ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

         وهذه أول براءة له عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، فاستعصم ، لا كما يقول بعض المفسرين ولقد همّ بها أي بلغ منها مبلغ الرجال ، لا همّ بدفعها أو همّ بالهروب منها أو همّ بضربها على قول بعض المفسرين لأن عملها كان في منتهى الوقاحة ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          لا زالت مصرة على أن تراوده عن نفسه مرة ثانية ، لا زالت مصرة على أنها لابد من أن تصل إليه إما بالحسنى وإما عن طريق السَجن والتعذيب ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

       لم يقل الله عز وجل مما تدعوني إليه ، كان مع واحدة فصار مع المجموع ، في بعض التفسيرات أنّ كل من حضرت هذا الحفل البهيج بدأت تقنعه على حدة أن يستجيب لنزوتها ، لنزوة امرأة العزيز ، كان مع واحدة فصار مع المجموع .

                                  هنا نقف قليلاً ، إذا أُمرت بمعصية أين أنت من هذا النبي الكريم ، هل تقول لا أستطيع يا أخي ؟ ما تمكنت ، أمرتُ بهذا ، أم تقول ربي السجن أحبّ إلي مما يدعونني إليه ، هذا امتحان دقيق ، قد يوضع إنسان في موضع صعب ، قد يُؤمر بمعصية الله، قد يؤمر بعمل لا يرضي الله ، يجب أن يكون موقفك واضحاً ، يجب أن لا تأخذك في الله لومة لائم ، يجب أن ترى أنّ الله هو كل شيء قدير ، ولا إله إلا الله ، قال تعالى :

(سورة فاطر)

(سورة الزخرف)

(سورة الحديد)

(سورة الأعراف)

(سورة القصص)

(سورة يوسف)

(سورة غافر)

(سورة الأحزاب)

قال تعالى :

( سورة يوسف )

هذا هو التوحيد ، يعني يا رب أنا أصمد أمام كيدهن وأمام إغرائهن بمعونتك فإذا تخليت عني لا أستطيع أن أصمد أبداً ، إنّ مقاومتي تنهار إذا تخليت عني ، يعني كما قال تعالى :

 

( سورة الفاتحة )

يعني لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا حول عن معصية الله إلا بالله ، ولا قوة على طاعته إلا به، هذا هو التوحيد ، هذا الذي يقول أنا لا أفعلها أبداً ، هذا مشرك ، يا رب أعني على طاعتك ، يا رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، يا رب أنا بك و إليك ، من أنا حتى أقول أنا لا أفعلها، هذا هو الشرك ، أي أشركت نفسك مع الله عز وجل ، لو عرفت ما عند الأنبياء من تواضع لله عز وجل ومن افتقار إليه ومن استسلام لأمره لتأدبت بهذا الأدب الرفيع ، رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ، قال ابن عطاء الله الإسكندري : رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً ، قد يطيع الإنسان ربه فيتيه بهذه الطاعة على الناس ، هذا التيه يورثه العُجْب ، وهذا العُجْب يحجبه عن الله سبحانه وتعالى ، لذلك الموحد هو المفتقر إلى الله ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

ربنا عز وجل قال في هذه القصة بالذات :

( سورة يوسف )

وقال في موطن آخر :

( سورة النساء )

الشيطان ومن معه كيده ضعيف ، لكن المرأة كيدها عظيم ، لأن لك عند المرأة حاجة ، وقد تكون هذه المرأة زوجتك ، لك عندها حاجة تستغل هذه الحاجة لتحملك على معصية ، لتنفذ مأربها ، لتفعل ما تشاء ، لتكون هي المسيطرة ، لتسير البيت وفق أهوائها ، لتفعل ما تفعل من أجل أن تظهر ، فإذا هذا على حساب دينك ، لذلك إياك ان تنهار مقاومتك أمام كيدهن إنّ كيدهن عظيم قال تعالى :

( سورة يوسف )

لماذا استجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ؟ لشيء واحد ، لأنه كان صادقاً في هذا الطلب ، أنت أيها الأخ الكريم لا تملك إلا الطلب ، إن عرف الله عز وجل صدق طلبك وإصرارك على طاعته، و إصرارك أيضاً على بعدك عن معصيته ، يستجب لك لذلك جاء في الحديث الشريف :

"ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله "

 يعني إذا أنس الله منك صدقاً في طلب طاعته وصدقاً في البعد عن معصيته أعانك على طاعته وصرف عنك معصيته ، فإن كنت ضعيفاً إن كنت متردداً إن كنت ميّالاً إلى المعصية تخلى عنك فتغلب عليك الشيطان ففعلت المعصية ، ليكن هذا النبي الكريم قدوة لك في مواجهتك للمغريات ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

إنّ صرف الله عز وجل كيدهن عنه كان عن طريقين : الأول أنّ الله عز وجل ألقى في قلوبهن اليأس من الوصول إليه ، والطريق الثاني أنّ الله سبحانه وتعالى ألقى في قلبه بغضهن ، هو كرههن وهنّ يئسن منه ، هذا فعل الله عز وجل ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

               سميع لقولك ولو لم تقل هو عالم بحالك ، لو أنك لم تقل لكنه في نفسك ، في أعماق نفسك لا تريد أن تعصي الله ، الله عليم ، إن تقل وإن لم تقل يعلم ما في نفسك ، أحياناً الإنسان بالقرآن الكريم ينسى تعقيبات الآيات ويقول لك : إنه هو الغفور الرحيم غير مضبوطة، إنه هو السميع العليم ، لأنك أيها الإنسان إما أن تدعوه فيسمعك ، وإما أن تسكت فيعلم حالك ، إنه هو السميع العليم ، إذا واجه أحدنا مشكلة أو ضغطاً أو إكراها أو إغراءاً يستطيع أن يدعو الله سراً وشفتاه مضمومتان في قلبه ، يا رب ليس لي إلا أنت ، إياك أعبد وإياك أستعين ، اصرف عني هذا الشر ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

لم يقل الله عز وجل بدا لهن ، بدا لهم ، دخل العزيز في هذا الموضوع، العزيز زوجها والمستشارون والخبراء و المقربون إليه تداولوا في هذه الفضيحة وهذه السمعة السيئة التي جلبت لهم المذمة والعار ، ماذا يفعلون ؟ إنّ هذه الزوجة تحت سمع زوجها وبصره ، وياله من زوج غيور ! تحت سمعه وبصره مصرة على أن تصل إليه ، ولقد دعت النسوة في المدينة أيضاً تحت سمعه وبصره ، ولابد من أنّ قولها قد وصل إليه ، و إن لم يفعل ما آمره ، فأي زوج هذا ، وأية رجولة هذه ، وأية غيرة ينطوي عليها ، هذا عزيز مصر ، لكنه استشار المقربين و الأباعد والكبراء والصغار ومن في الحاشية ، بدا لهم جميعاً أنه من أجل إطفاء هذه الفتنة ، وتطويق هذه الحادثة ، وتقليص هذه الإشاعة ، لابد من أن يسجن هذا الفتى البريء ، لم يستطع أن يصل إلى زوجته ويسيطر عليها ، فكان الحل ظالماً ، أمر بسجن هذا الفتى البريء الذي ما خانه قط والذي يقطر براءة وطهراً وعفافاً ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ، أية آيات، آية أنّ قميصه قدّ من دبر ، آية ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، كل هذه الآيات الدالة على طهارته وعفته واستعصامه بالله عز وجل على الرغم من كل ذلك بدا لهم أن يسجنوه ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

إلى أجل غير مسمى ، إلى أن تنطفئ الفتنة ، إلى أن ينقطع الحديث في هذا الموضوع ، إلى أن تنسى امرأة العزيز هذا الغلام ، ودخل السجن ، سوف نستنبط بعد قليل أنه كان في السجن نبياً ، كما أنه نبي خارج السجن هو نبي داخل السجن بمعرفته ، بإحسانه ، بمعاونته للآخرين، برحمته، الإنسان هو هوَ ، هذا الذي تتبدل أخلاقه من ظرف إلى ظرف أخلاقه مزيفة ، هذا الذي يبدو في الرخاء وديعاً و في الشدة وحشاً هذا ليس أخلاقياً ، هذا الذي يبدو في الغنى سموحاً وفي الفقر بخيلاً ليس كريماً ، لكن البطولة أن تكون أنتَ أنت في الرخاء والشدة ، في النعيم والشقاء ، في الصحة والمرض ، في القوة والضعف ، في إقبال الدنيا وإدبارها ، خارج السجن وداخل السجن هو هوَ نبي ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

هناك قصة يرويها القرطبي في تفسيره أن الملك كان عنده طباخ كرئيس الطهاة ورجل يقدم له الشراب ، يبدو أن هذا الملك عمّر طويلاً ودام حكمه طويلاً ، فائتمر عليه بعضهم في قتله عن طريق دس السم في طعامه وشرابه ، فالطباخ وضع السم في الطعام ، أما صاحب الشراب أبى ، فلما قدم الطعام للملك جاء صاحب الشراب وقال : احذر يا مولاي أن تأكل الطعام فإنه مسموم ، فقال الطباخ يا مولاي والشراب أيضاً مسموم ، قال الملك : اشرب فشرب صاحب الشراب ، فتأكد الملك أن صاحب الشراب صادق ، فأمر الطباخ أن يأكل من الطعام فأبى ، فلما أبى أُطعم الطعام لحيوان فمات من توه ، أمر الملك أن يساق الفتيان إلى السجن ريثما يتم التحقيق ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          الخمر هنا يعني العنب ، هذه كأن تقول مثلاً رعينا الغيث يعني رعينا كلأً أنبته الغيث ، عصرنا عنباً صار خمراً ، قال تعالى :

قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً ، يعني أرى في المنام ، قال تعالى:

 

( سورة يوسف )

ما تأويل هذه الرؤيا ؟ قال تعالى :

( سورة يوسف )

           محسن حتى في السجن محسن ، وهو في آلامه محسن وهو في تقييد حريته محسن وهو مع السجناء محسن ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

               هذا الذي يسيء ويصلي معنى ذلك أنه لم يصلِ ، جوهر الدين في الإحسان ، هذا الذي يكرهه الناس ليس مسلماً ، هذا الذي يبغضه الناس ليس مؤمناً ، هذا الذي يتأذى منه الناس لا يعرف الله عز وجل ، هذا يصلي صلاة شكلية لا شأن لها عند الله ، هذا يصوم صياماً شكلياً لا قيمة له عند الله ، من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله ، من شاء صام ومن شاء صلى ولكنها الاستقامة ، من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ، من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           استمعوا أيها الأخوة الأكارم إلى هذا القول الفصل في الدعوة إلى الله ، نبي كريم يُسأل عن تفسير الرؤيا وهو في السجن ، هو في أشد حالاته ضعفاً ، لا ينسى الله عز وجل ، يدعو إليه، هذا يذكرني بدعاء سيدنا يونس عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وهو في بطن الحوت في ظلمات ثلاث ، في ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت قال تعالى

( سورة الأنبياء )

     افحص نفسك في ساعات الشدة أتذكر الله عز وجل ؟ فاستجاب له ربه

قال تعالى :

( سورة الأنبياء )

وهذا النبي الكريم وهو في السجن ، هنا استنباطات كثيرة جداً ، أولاً هذان الفتيان جاءاه بسؤال ، فالسؤال يشغل بالهما ، فكي يطمئنا وكي يستمعا إليه ، كي يصغيا إليه قال تعالى :

( سورة يوسف )

                تفسير هذين المنامين سيحصل بعد قليل ، سأفسر لكما هذين المنامين قبل أن تأكلا الوجبة الثانية اطمئنا ، يعني إذا جاءك إنسان بحاجة ، و أنت أردت أن تعظه لا يستمع إليك ، اقض له الحاجة أولاً ثم عظه ثانياً ، أو عده بإنجاز هذه الحاجة حتى يطمئن ، عندئذ قدّم له الدعوة الخالصة ، هذه النفس مشغولة ، قلبه مشغول ، مغلق ، فالذي يعظ الناس في الأوقات الحرجة وهم مشغولون هذا لا يملك حكمة أبداً ، لابد من أن يكون القلب فارغاً لك ، لابد من أن تكون ساحة النفس فارغة لموعظتك لابد من أن يكون هناك فراغ كي يتلقى الإنسان هذا الحق ، فإذا كانت ساحة النفس مشغولة ، أو كان القلب منشغلاً لابد من قضاء حاجته قبل دعوته إلى الله ، سيدنا يوسف كان حكيماً جداً ، قال تعالى طمأنهما :

 

( سورة يوسف )

نبأتكما أنا بتأويله ، لكنه موَحد ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             إذا الإنسان كان في بحبوحة أو على شيء من العلم أو على شيء من الوسامة والجمال أو على شيء من الجاه ، إذا قال أنا فقد أشرك ، إذا قال لقد تفضل الله علي ، لقد أكرمني ربي ، لقد يسّر الله لي هذا البيت، لقد أكرمني ونجحت في هذه الشهادة ، لقد حباني الله بهذه الوظيفة ، لقد متعني الله بهذه الصحة ، لقد رزقني الله هذه الزوجة ، هكذا المؤمن ، ليس من باب الأدب ولكن من باب الحقيقة ، هذه هي الحقيقة قال تعالى :

( سورة يوسف )

             يعني عاش سنوات طويلة في قصر عزيز مصر ، هؤلاء وصفهم هذا النبي الكريم بصفتين دقيقتين قال تعالى :

( سورة يوسف )

           لا يؤمنون بالله ، يؤمنون بالملذات ، يؤمنون بالدنيا ، يؤمنون بما فيها أما بالله هم عنه غافلون ، هم عنه معرضون ، جعلوا كتاب الله وراء ظهورهم ، جعلوا قيم الله عز وجل وراء ظهورهم ، جعلوا أوامره خارج اهتمامهم ، جعلوا نواهيه ضمن رغباتهم ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

    جوهر هذه الدعوة هو التوحيد ، الدين كله توحيد ، الدين كله ملخص في قوله تعالى :

 

( سورة محمد )

            هذا هو الدين ، ما كان لنا ، يعني يستحيل علينا ، مستحيل أن نشرك ، ما كان من أشد أنواع النفي ، لا نشرك ولا نريد أن نشرك ، ولا يمكن أن نشرك ، ولا يعقل أن نشرك ، كل هذه الأدلة الدالة على عظمة الله وبعدها نشرك ؟ قال تعالى :