English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "06 / 11"  من تفسير سورة  يوسف (012) :  الآيات  : 50 – 57  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً  و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين

          أيها الأخوة المؤمنون : حينما سمع الملك تفسير الرؤيا التي رآها وكان تفسيراً دقيقاً معبراً خطيراً ، قال عندئذ : ائتوني به ، أي أطلقوا سراحه،  أريد أن أراه ، استعظم علمه ، وهاله هذا التفسير الدقيق ، فقال : ائتوني به ، فلما جاءه الرسول ليخرجه من السجن بعد بضع سنين قدرها العلماء بسبع سنين ، قال : ارجع إلى ربك ، هاتوا لي سجيناً واحداً يمضي في السجن سبع سنين ثم يأتي أمر الإفراج عنه ويرفض أن يخرج من السجن حتى تظهر براءته ، لأنه دخله مظلوماً ، مضطهداً ، فإذا خرج من السجن كانت حريته أغلى من سمعته ، لكن سمعته وطهارته وبراءته وعفافه وإخلاصه أغلى عنده من حريته ، لذلك رفض أن يخرج حتى يتأكد الملك من براءته ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

أي إلى سيدك ، هل يقول له : إنّ امرأة العزيز هي التي راودتني عن نفسي ، لازالت في مكانها، ولازالت قوية ، هل يقول له : إن امرأة العزيز هي التي راودتني عن نفسي عندئذ يفتضح أمر زوجها وهو الذي أكرمه وأحسن مثواه ، دققوا أيها الأخوة في العبارة التي قالها هذا النبي الكريم، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             لو أن هذا النبي الكريم قال : ارجع إلى ربك فأبلغه أني بريء ، ليس في هذا الكلام إثارة ، لو أن هذا النبي الكريم أعلم الملك بالقصة ، ارجع له فقل القصة كذا وكذا ، الملك قد يصدقها وقد لا يصدقها ، قد  يقول ما من سجين إلا وهو يظن إنه بريء ، لو أن هذا النبي الكريم تلا على هذا الرسول قصته وأوكله أن يبلغها للملك ، ما كان بهذا الكلام بليغاً ولا حكيماً ، لو أنه أعلمه مجمل البراءة ، فاسأله ، وجّه له سؤالاً ، لو قال ما شأن امرأة العزيز ، لقد فضح سيده ، وأحرجها فأخرجها عن طورها قال تعالى

( سورة يوسف )

             لم يذكر هذا النبي الكريم موضوع المراودة ، ولا موضوع الخيانة ، لا من قريب ولا من بعيد ، إنما غيّر وجهة الحديث فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، أي أن هناك حادثة فريدة من نوعها تلفت النظر ، نسوة قطعن أيديهن في قصر عزيز مصر ، اسأل سيدك ، اسأل هذا الملك ما تفصيلات هذه القصة ، ما ملابساتها ، ما نتائجها ، قال  تعالى :

( سورة يوسف )

               هذا العمل سماه هذا النبي الكريم كيداً ، إن ربي بكيدهن عليم ، أي أنت أيها الأخ الكريم إذا كان هناك من يدبر لك كيداً يكفيك طمأنينة ويكفيك ثقة بالله عز وجل أن الله عليم بهذا الكيد ، لذلك قال بعضهم ، كفاك نصراً على عدوك أنه في معصية الله ، مهما كاد لك ومهما دبر لك إن هذا الكيد بعلم الله ، إن هذا الكيد سوف يحبطه الله عز وجل قال تعالى :

 

(سورة الطارق )

وقال تعالى :

 

( سورة الحج )

وقال :

( سورة يوسف )

       الحقيقة لو أنّ هذا النبي الكريم يوسف عليه السلام خرج من السجن وعفا عنه الملك ومكنه في الأرض ، يستطيع أي حاسد له أن يصل إلى الملك ويقول هذا خائن ، لقد خان سيده عزيز مصر ، لكنه حينما رفض أن يخرج حتى تثبت براءته وحتى يثبت للملك براءته فعل هذا حتى يقطع الطريق على كل حاسد واشٍ من أن يصل إلى الملك ، يعني أنها حكمة بالغة في عدم خروجه من السجن ، شيء آخر لو أنه قال للملك : اسأله ما قصتي ، يعني الملك قد ينسى الموضوع ، اسأله ما قصتي ، لماذا دخلت السجن ؟ يعني رجل دخل السجن ، لكن حينما ذكر له بعض التفصيلات ، ما بال النسوة التي قطعن أيديهن ؟ جعله في موطن الجواب، فالملك لا ينبغي أن يكون جاهلاً فيما يجري في ملكه ، حثه على التحقيق ، أعطاه حادثة غريبة تستدعي التأمل ، ستر امرأة العزيز إكراماً لزوجها ، ستر العزيز ، ذكر نسوة لا دخل لهن في الموضوع ، ولسن متهمات في المراودة ، إنما هن شاهدات على براءة يوسف ، إذاً في هذه الكلمة التي قالها هذا النبي الكريم حكمة ما بعدها حكمة ، وسداد ما بعده سداد ، وهذا شأن الأنبياء ، قال تعالى :

( سورة البقرة )

             يبدو أن الملك استفزه هذا السؤال أو استثاره ، فجمع النسوة اللاتي حضرن هذه القصة ويبدو أنّ امرأة العزيز كانت معهن ، وسيأتي الدليل وسألهن ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

            من هنا استنبط العلماء أيضاً أن هؤلاء النسوة حينما أردن أن ينصحن يوسف أن يستجيب لامرأة العزيز ، استغللن هذا الموقف وراودنه عن نفسه ، إذاً هذه تهمة مشتركة قال تعالى :

( سورة يوسف )

           هذا جواب النسوة مجتمعات ، هذا اسمه التواتر ، أي جمع غفير يروي قولاً واحداً، يروي جواباً واحداً ، لذلك القاضي أحياناً يفرق الشهود ، فإذا اضطربت أقوالهم وتناقضت عُدت شهادتهم باطلة ، فإذا قالوا جميعاً رواية واحدة فهذا يؤكد صدق روايتهم ، جميع هؤلاء النسوة قلن، قال تعالى :

( سورة يوسف )

 

عندئذ قالت امرأة العزيز قال تعالى :

( سورة يوسف )

أي ظهر الحق ، أنا راودته عن نفسه ، أنا المذنبة ، وهو بريء وعفيف قال تعالى :

( سورة يوسف )

               يوم قال : هي راودتني عن نفسي ، حينما قال هذه القولة أمام العزيز كان صادقاً ، والصدق ما شهدت به الأعداء ، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجعل نفسه موضع التهم "*

يعني لا تقف موقف التهم ثم تلوم الناس إذا اتهموك ، والعلماء قالوا : إن الاجتهاد في نسج التهمة واجب وجوب الدفاع عن المذنب البريء ، يعني إذا كنت بريئاً من الذنب وجب أن تدافع عن نفسك ، هذا لاشك فيه ، هناك واجب آخر ألا تضع نفسك موضع التهمة ، أي أن لا تدخل إلى بيت ليس فيه رجل ، أنت بريء ولكن يُظن بك الظنون ، أنت وضعت نفسك موضع التهمة ، لا تدخل إلى محل تجاري صاحبه غائب ، تدخل وتقلب في البضاعة ثم تخرج ، فإذا فقد شيئاً يُقال له : رأينا فلاناً في محلك في غيبتك ، لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك ، النبي عليه الصلاة والسلام كان في أحد ليالي رمضان معتكفاً ، جاءته أم المؤمنين صفية رضي الله عنها ، فحينما أراد أن يذهب معها إلى البيت ليوصلها رآه صحابيان جليلان فقال عليه الصلاة والسلام : على رسلكما أي تمهلا وقفا ، فوقفا ، قال : هذه زوجتي فلانة ، يعني إذا كنت في محل تجاري ودخلت أختك وسألتها عن صحتها وعندك صديق ، فقل له: هذه أختي لئلا يظن بك الظنون ، البيان يطرد الشيطان ، لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك ، إذاً الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء مظانها ، هكذا قال العلماء ، وقال عليه الصلاة والسلام:

"إياك وما يعتذر منه "*

                 لو أنك سافرت و أوكلت أخا زوجتك في رعاية شؤون البيت ، أعلم الجيران أن لزوجتي أخ سوف يأتي في غيبتي لئلا يذهبن بهم الظن مذاهب لا تليق بك ، دائماً العاقل والحكيم لا يسمح في تصرفاته للشك و الظن .

               إذا جئت إلى سوق في ساعة متأخرة من الليل و أنت مضطر أن تأخذ ورقة أو سند و كنت في اليوم التالي مسافراً ، أعلم حارس السوق أنني جئت لآخذ هذا السند لئلا يظن بك الظنون ، فالعاقل دائماً واضح قال عليه الصلاة و السلام :

" تركتكم على بيضاء نقية ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا ضال "

              سيدنا رسول الله عليه الصلاة و السلام يقول : عجبت من أخي يوسف حينما قال : ارجع إلى ربك ، لو لبثت في السجن ما لبث أخي يوسف لأجبت الداعي و خرجت ، فكيف يقول النبي عليه الصلاة و السلام هذا القول ؟ العلماء حللوا هذا القول ، أي هذا الذي فعله يوسف شيء يطيقه نبي  لكن عامة المؤمنين ، لو كان الإنسان في سجن و أمضى به سنوات عديدة و جاءه أمر إطلاق سراحه و كان مظلوماً ، لو قال أنا لا أخرج حتى تظهر براءتي ، احتمال كبير أن يقول من بيده الأمر : دعوه إذاً ، فكأن النبي عليه الصلاة و السلام أراد أن يخفف عن أمته ، قد لا يستطيع المؤمن العادي أن يرفض الخروج من السجن ، فقال عليه الصلاة و السلام انطلاقاً من قوله الكريم : سيروا بسير أضعفكم ، لو أني لبثت في السجن ما لبث أخي يوسف لأجبت الداعي، أي عندنا رخص و عندنا عزائم ، سيدنا يوسف نبي ، سمعته كنبي أغلى عليه من إطلاق سراحه، لكن لو أنه إنسان ضعيف و دخل إلى السجن ظلماً و جاءه أمر إطلاق سراحه قد لا يكلفه أن يرفض الخروج حتى تظهر براءته ، لذلك جاء النبي عليه الصلاة و السلام و غطى هذه الناحية وأعطى لأتباعه من بعده سماحاً أن يخرجوا إذا ضاق بهم السجن و ضاق عليهم الأمر ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

            أي يستنبط من هذا القول أنها تابت و إنه لمن الصادقين ، ذلك ليعلم أي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب ، أي حينما قلت للعزيز سيدي : ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ، أنا افتريت على يوسف ، ألصقت به تهمة الخيانة ، إنما فعلت هذا ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب :

 

( سورة يوسف )

             هنا ليعلم أي ليعلم زوجي ، الفاعل هنا زوجي ، و بعض العلماء وجه هذا الفعل ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب ، كأنها تعتذر ليوسف بأنها في غيبته بالسجن ما ألصقت به تهمة باطلة ، أي بعد أن ألصقت به التهمة بزوجها ندمت ثم قالت : إنه لمن الصادقين ، على كل لنا أن نفهم ذلك : ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب أو ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب أي في غيبته لم أبالغ في الحديث عن خيانته ، بل برأته من هذه التهمة ، لكن و أن الله لا يهدي كيد الخائنين هذه قاعدة ، ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب قصة ، هذا مبدأ هذه سنة من سنن الله في الأرض باقية على الدوام ، الله سبحانه و تعالى يكشف الخائن ، ويوقعه في شر عمله يفضحه بين خلقه ، يحبط عمله ، مبدأ ثابت ، الله سبحانه وتعالى لا يحب من كان خواناً أثيماً ، لا يحب الخيانة وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين ، أخوة يوسف خانوا أباهم ، وخانوا أخاهم فكانوا في أسفل سافلين ، يوسف رفعه الله إلى أعلى عليين ، امرأة العزيز خانت زوجها، ففضحها الله عز وجل وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ، وقال العلماء : إن الله لا يهدي كيد الخائنين هذا تعريض لامرأة العزيز ، أي أن امرأة العزيز كانت خائنة ، وهذا تعريض بالعزيز نفسه ، بمعنى كيف يسمح العزيز لنفسه بعد أن تأكد من براءة هذا النبي الكريم حينما قال تعالى :

( سورة يوسف )

أي استرنا يا يوسف ، أنت يا عزيز مصر تيقنت من براءة هذا الغلام الطاهر ، كيف تزج به في السجن ؟ هذه الآية تعرّض بهذا النبي الكريم وتعرّض بالعزيز نفسه لأن العزيز خان الأمانة ، أمانة الحكم ، قال تعالى

( سورة يوسف )

            إذا أردنا أن نوجه هذا الكلام بالمناسبة وقال الملك ، الآن حوار لكن الحوار منسوب إلى شخص معين ، وقال الملك ، هذا قول الملك ، قالت امرأة العزيز هذا قول امرأة العزيز ، أما ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ليس قبل هذه الآية كما في سابقتها قال فلان ، هذا حوار ولكن لم يذكر ربنا عز وجل من قال هذا الكلام ، وهذا أبرع نوع في الحوار ، أن يأتي في القصة حوار لم يُذكر من قاله ويحتمل أن يقوله أحد الطرفين ، ففي حوار آخر أن يوسف عليه السلام قال : ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، لماذا قلت هي راودتني عن نفسي ؟ لماذا قلت ؟ ذلك ليعلم سيدي أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ، يمكن أن يكون هذا الكلام لسيدنا يوسف ، على كل سنتابع الحوار على أنه لامرأة العزيز ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

يعني من قبل اتهمته زوراً ، رغبت فيه وهذه خيانة ، واتهمته ظلماً وهذه خيانة ، يعني أني ارتكبت خيانتين خيانة المراودة وخيانة الظلم ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

العلماء قالوا : في القرآن الكريم أنفس ثلاثة : نفس أمارة بالسوء نفس الجاهل ، نفس المُعرض ، نفس المنقطع عن الله عز وجل ، ونفس لوامة وهذه نفس المؤمن ، قال تعالى :

 

( سورة القيامة )

من ساءته سيئته وسرته حسنته فذلكم المؤمن ، من علامات الإيمان الصادق أن تسوؤك سيئتك وأن تسرك حسنتك ، هناك علامات كثيرة ، المنافق ذنبه كذبابة دفعها ، والمؤمن ذنبه كالجبل جاثٍ على صدره ، علامة الإيمان أن يكبر عليك ذنبك ، وعلامة النفاق أن ترى ذنبك صغيراً، علامة الإيمان أن ترى نفسك صغيراً ، وأن يراك الناس كبيراً وعلامة النفاق أن ترى نفسك كبيراً ويراك الناس صغيراً ، وقد قال عليه الصلاة والسلام من أدعيته الشريفة :

" اللهم أرني بعين نفسي صغيراً ، وبأعين الناس كبيراً "*

         أما المنافق يرى نفسه كبيراً وهو عند الناس صغير ، قال ربنا عز وجل:

( سورة المعارج )

           هكذا هذه بنيته لمصلحته ، فحيث وردت كلمة النفس من دون تقييد ، أو حيثما وردت كلمة الإنسان ، يعني الإنسان المنقطع عن الله عز وجل بحسب بنيته الخام ، أما المصلي ليس جزوعاً ولا منوعاً ولا هلوعاً ، إن النفس لأمارة بالسوء ، وإذا أجرينا هذا الكلام على أنه لسيدنا يوسف قال تعالى:

( سورة يوسف )

              دافعت عن نفسي ، وقلت هي راودتني عن نفسي ، ليعلم سيدي الذي أحسن مثواي أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ، تعريض بامرأة العزيز وبالعزيز نفسه ، وبالتعريض بلاغة عن التصريح يروى مرة أن الأحنف بن قيس كما يصفه الواصفون كان قصير القامة ، غائر العينين ، ناتئ الوجنتين ، ضيق المنكبين ، أسمر اللون ، أحنث الرِجل أي يعرج ، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب ، يعني كان دميماً ، تتفاداه الأعين ، تنبو عنه الأبصار ، وكان مع ذلك سيد قومه ، إن غضبَ غضب لغضبته مائة ألف سيف لا يسألونه فيما غضب لعظم شأنه عندهم ، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه حضر مرة مجلس معاوية بن أبي سفيان وكان قد جمع وجهاء القوم ليأخذ البيعة لابنه يزيد ، وتكلم الناس وأطروا وأثنوا ومدحوا وبالغوا كما هي عادتهم ، فلما بقي الأحنف ساكتاً أربك المجلس وأحرج معاوية ، فقال له معاوية : تكلم يا أحنف ما رأيك ؟ قال : أخاف الله إن كذبت ، وأخافكم إن صدقت ، فكان تلميحاً أبلغ من تصريح ، أي هناك مواقف حرجة الإنسان يستطيع أن يكني ، من دون أن يصرح، أن يعرِّض من دون أن يبين ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

                تحليل أمارة بالسوء أي أنّ الله سبحانه وتعالى خلقها أمارة بالسوء ، إن كان خلقها كذلك نحن لنا حجة عندئذ ، يا رب نحن لم نعمل شيئاً أنت خلقت أنفسنا أمارة بالسوء ، ففعلنا شيئاً فطرتنا عليه وجبلتنا عليه فما ذنبنا ، الحقيقة أنّ الله عز وجل خلق في نفوسنا أو أنفسنا شهوات ، قال تعالى :

( سورة آل عمران )

             حينما أودع الله في قلوبنا وفي أنفسنا هذه الشهوات أودعها لنرقى بها إلى الله ، هذا أصل الخلق ، كيف ترقى عند الله حينما تغض بصرك عن امرأة حسناء لا تشتهيها في الأصل ، لا قيمة لهذا الغض ، كيف ترقى عند الله إذا أنفقت مائة ليرة وليس المال محبباً عندك ، لا ترقى ، لا يمكن أن تكون جنة من دون شهوات ، حتى أنّ بعضهم قال : لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، الحديث له معنى دقيق ، حتى لا يظن السامعون أن الإنسان عليه أن يذنب ، ليس هذا هو المعنى:

 

"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ "

(صحيح مسلم)

                المعنى الأول الذنب هنا يعني الإحساس بالذنب ، إذا أحس الإنسان على ذنبه فهو طاهر ، إذا ظهر على ثوبه بقعة سوداء صغيرة جداً فمعنى هذا أن ثوبه أبيض ، فإذا كان ثوبه أسود اللون ، وممتلئاً بالأقذار لا تظهر عليه بقعة سوداء ، إذاً لو لم تذنبوا بمعنى إن كنتم طاهرين، إن كنتم تنطوون على حاسة أخلاقية واقترفتم ذنباً تحسون بهذا الذنب ، هذا المعنى ذكرته من قبل ، هناك معنى آخر أي هذه الطاولة لا تحب ولا تكره ولا تشتهي مادامت هذه الطاولة لا تشتهي ولا تكره ولا تحب لا ترتقي ، لا ترتقي إلا إذا كنت تشتهي ، قال تعالى :

( سورة النازعات )

لأن النوم محبب والفراش وثير يجلب الإنسان إليه كانت قيمة صلاة الصبح ، قال تعالى :

( سورة السجدة )

             فالنفس في طبيعتها مزودة بهذه الشهوات ، أنت حينما تعطي سلاحاً لجندي ، إنّ هذا السلاح تعطيه لهذا الجندي كي يدافع به عن نفسه في ساحات الحرب ، أو يقتل عدوه الذي يريد قتله ، فإذا جاء الجندي بهذا السلاح وقتل أحد أقربائه فهذا الخطأ ليس في السلاح وليس في إعطائك السلاح له ، لا ، فالخطأ خطؤه هو ، فالنفس حينما زودها الله بهذه الشهوات إنما زودها بها لترقى ولا ترقى إلا بالشهوات ، حكمة بالغة ولكن الإنسان من دون أن يقبل على الله عز وجل يقع في العمى ، وإذا وقع في العمى وقع في الخطأ ، فالخطأ بسبب إعراضه ، أي أن السيارة وهي منطلقة بسرعة عالية مادام وراء المقود سائق يقظ ماهر متمكن من قيادته فالسيارة تحقق هدفها الذي صنعت من أجله ، لكن السائق إذا كان أرعناً أو جاهلاً أو غافلاً أو أصابته سنة من النوم لابد من أن يخرج عن خط الطريق الصحيح ، فخروج سيارة عن خط سيرها وتحطمها أتلام الشركة على ذلك  لا ، حينما زودت هذه السيارة بمحرك قوي من أجل أن تنقلك إلى هدفك  لا من أجل أن تنزل به إلى الوادي ، غفلتك أوقعتك بالوادي ، فحتى  لا يظن الإنسان لأن النفس أمارة بالسوء هذا كلام يتناقله العامة ، خلق لنا نفساً أمارة بالسوء ، أكثر الناس يفعلون المعاصي ويغطون أنفسهم بهذه الآية ، إن النفس لأمارة بالسوء ، هذا هو التفسير ، لابد من أن تكون النفس مشتهية ، لابد من أن تزود بالشهوات كي ترقى إلى رب السماوات ، لكن  إذا كانت الشهوة ومعها النور الإلهي شهوة النساء تنقلب إلى أسرة سعيدة ، أسرة المؤمن جنة ، قرأت قصة عن أحد العلماء كان غنياً فكان يرتدي أفخر الثياب ويركب أجمل الأحصنة ، فرآه يهودي يعمل عملاً قذراً ، فقير ، شقي ، جائع وقد سمع هذا اليهودي حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، فلما وقعت عين هذا اليهودي على هذا العالِم الذي يركب حصانه ويرتدي أجمل ثيابه ، محسود محسود ،بدرت منه هذه الكلمة ، قال له : أي سجن أنت فيه وأية جنة أنا فيها ، شيء محير يقول نبيكم :

 

"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ"*

(صحيح مسلم)

فأي سجن أنت فيه وأنت على ما أنت عليه من غنى ورفاه وعز وشأن وأي جنة أنا فيها على فقري وشقائي وحرماني وتعاستي ، فأجابه هذا العالِم إجابة أسلم من فوره ، قال له : إنّ حالك هذه التي تشكو منها إذا قيست بما ينتظرك من عذاب أليم فأنت في جنة ، وإنّ حالي التي تراها إذا قيست بما ينتظرني من نعيم مقيم فأنا في سجن ، والحقيقة عندما يتأكد الإنسان أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، إذاً إنّ طبيعة النفس أودع الله فيها الشهوات ، مثلاً الهرة ترغب أن تأكل اللحمة إذا أعطيتها قطعة من اللحم وأمرتها أن توصلها إلى البيت الفلاني ، ماذا تفعل في الطريق ؟ تأكلها ، أولاً لا تعقل ، ليس  فيها فكر تفهم كلامك ، وليس عندها قيم لتحافظ على هذه القطعة ، شيء طبيعي  نفس الكافر كهذه الهرة ، مشتاقة إلى حاجات حيثما رأى طعاماً يأكله سواء أكان له أو ليس له هذه سرقة ، وحيثما رأى امرأة يشتهيها أكانت تحل له أو لا تحل ، قال تعالى :

( سورة الحجر )

هذا الذي ينساق مع شهواته هو حيوان ، عودة إلى الحيوانية ، دائماً وأبداً أنا أرفض نظرية داروين وأرد عليها إلا في الأيام الأخيرة بدأت أقنع بها لكن على شكل معكوس ، أي أنه كان هذا الإنسان إنساناً فصار قرداً من شدة تهافته على الشهوات ، وانغماسه في الملذات ، وضربه عُرض الطريق بالقيم والمبادئ ، كان إنساناً فصار قرداً ، أي مُسخ قرداً بعد أن كان إنساناً ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

المؤمن نفسه لوامة ، قال تعالى :

( سورة القيامة )

         المؤمن نفسه لوامة والتقي نفسه مطمئنة و البعيد عن الله عز وجل نفسه أمارة بالسوء، إن النفس إذا قطعت عن الله لأمارة بالسوء قال تعالى :

( سورة يوسف )

           تحقق الملك وسأل وتبين ووصل إلى قناعة تامة بأن هذا السجين الفتى كان بريئاً وطاهراً وعفيفاً وأنه دخل السجن ظلماً ، سمع من علمه ورأى من عفته فماذا بقي على الملك أن يقول ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

               في المرة الأولى قال فقط ائتوني به أما الآن فتابع قائلاً : استخلصه لنفسي لأجعله من المقربين ، لأجعله من خاصة حاشيتي ، لأجعله عندي الوزير الأول عزيز مصر ، فلما كلمه رأى علماً ، قالوا : المرء مخبوء بين ثوبين   ورأى منطقاً ، ورأى حكمة ، فهو نبي حدّث عنه ولا حرج ، ما ظنكم لو أن الله سبحانه وتعالى جمعنا بنبي يستهوينا ويسحرنا بكماله، برقته ، بتواضعه ، بعلمه ، بذكائه ، بفطنته ، ويجب أن يكون المؤمن على شيء من ذلك ، أي عفة إلى إنصاف إلى حلم إلى عفو إلى كرم إلى شجاعة إلى دقة إلى عدالة ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

أنت الآن بأقوى مركز ، من البئر إلى القصر خادماً ، إلى قصر الحكم عزيز مصر ، قال تعالى:

( سورة يوسف )

 والله الذي لا إله إلا هو هذه القصة تنطبق على كل مؤمن  إلى يوم القيامة  كن عفيفاً لابد من أن تكافأ بأحسن زوجة في الأرض ، كن أميناً لا بد من أن تعيش في بحبوحة ، كن صادقاً لابد من أن تعيش في مكانة علية ، كل شيء تحاسب عليه في الدنيا قبل الآخرة ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

               بعض العلماء حلل عقدة سيدنا يوسف ، أي مثلاً لو أنّ شيخاً طاعناً في السن راودته امرأة العزيز ، فقال : معاذ الله ، تجاوز هذه المرحلة ، له أجر ولكن ليس كأجر هذا الشاب ، فالعلماء جمعوا نقاطاً دقيقة جداً ترفع من قيمة هذه العفة ، أول نقطة قالوا : إن حب النساء طبع ركبه الله في الإنسان ، كثير من الناس يحب الشهوات من النساء ومع ذلك قال : معاذ الله ، شيء آخر كان هذا النبي شاباً ، فلو كان شيخاً كبيراً لما كان له أجر هذا الشاب ، لذلك ما من شيء أحب إلى الله تعالى من الشاب التائب ، إن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي ، أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، يا معشر الشباب هذه السورة لكم ، هو بشر إذاً ركّب الله به حب النساء ، ومع ذلك خالف الهوى ، قال تعالى :

( سورة النازعات )

الذي ركّبه الله فيه ، شيء آخر كان شاباً ، ولا يخفى ما عند الشباب من توقد ، ومن فتوة ، ومن شهوة متقدة ، وكان شاباً عازبا ، لو  كان متزوجاً وقال : معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، له أجر ولكن ليس كأجر هذا الأعزب الذي ما عرف النساء ، وكان غريباً ، والإنسان الغريب تدعوه نفسه إلى المعصية أكثر مما تدعوه إذا كان مقيماً ، لذلك كلما كان المجتمع قليل العدد كان منضبطاً ، الإنسان معروف ، أخلاق القرية أرقى من أخلاق المدينة ، لأنه معروف في قريته أما في المدينة هناك أمم لا يعرفها إلا الله ، إذاً كان بحكم أنه بشر مركب فيه هذه الشهوة ، وكان شاباً، وكان عازبا ، وكان غريباً ، ودعته امرأة ، لم تدعه امرأة دميمة ، قبيحة، دعته امرأة ذات منصب وجمال ، ولم تكن هذه المرأة ذات المنصب والجمال متأبيّة عليه ، بل كانت خاضعة له ، وهذا مما يسهل له اقتراف هذه الشهوة ، ولم يكن هو الطالب بل كانت هي الطالبة ، هي الطالبة ، ولم تكن متأبية عليه ، وكانت ذات منصب وجمال ، وكان غريباً وكان عازبا وكان شاباً وقد ركب فيه هذا الطبع ، وكان في دارها ، وغلّقت الأبواب وكانت متأكدة من كتمان الأمر ، وكان لا يخشى أن تشكوه إلى أحد ، لأنها هي التي طلبت وإذا شكته تقع في شر عملها، وكان مملوكاً يُلقى عليه الأمر بيدها ضمن سلطتها ، واستعانت عليه بنسوة كثر ، حينما أقنعته أن يستجيب لها، وتوعدته بالسجن ، وزوجها ليس غيوراً ، هو مطمئن ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             هذا الذي فعله زوجها ، بدل أن ينفجر ، بدل أن يبعده عنها ، أبقى كل شيء على حاله وقال ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

إذاً بدا الزوج ليس غيوراً ، متساهلاً قال تعالى :

( سورة يوسف )

القرآن ما ذكر أن الملك استجاب له أم لم يستجب ، لكن العلماء استنبطوا أن مكانته القوية والعلية عند الملك تجعل طلبه محققاً فوراً ، أي عدم ذكر أن الملك استجاب له ووافق على اقتراحه تكريم لهذا النبي الكريم ، وشيء بديهي ، يقول لك أحدهم كنا بالحرب الفلانية وانفجر لغم أمامنا تقول له: هل مت أنت ، كيف ذلك وهو أمامك يتكلم إليك ، طبعاً كل شيء إذا فهم من دون أن يذكر لا ينبغي أن يذكر ، البلاغة في الإيجاز ، أما كلمة إني حفيظ عليم ، أيجوز أن يزكّي المرء نفسه ؟ هذا سؤال دقيق ، ربنا عز وجل قال :

( سورة النجم )

              إياكم أن تزكوا أنفسكم ، إلا أن العلماء استثنوا ، أي إذا كان الناس في ورطة وليس أحد يستطيع أن ينقذهم منها وكان الرجل واثقاً من قدرته ، يجب أن يقول أنا أستطيع أن أنقذكم منها ، هناك حالات شاذة ، لو أنّ في البلدة منصب لقاضٍ ولم يتقدم أحد لشغل هذا المنصب ، وكان أحد الرجال واثقاً من علمه واثقاً من نزاهته واثقاً من عدالته ، وقال : أنا أشغل هذا المنصب هذا يجوز ، في الأصل لا تزكوا أنفسكم هذه واحدة ، والأصل الثاني لا تزكي على الله أحداً ، كان أحد العلماء إذا طُلبت منه تزكية رجل يقول: أعلم فلان كذا وكذا وكَذا والله أعلم ، فإن بدّل وغيّر ، كلام سيدنا الصديق فهذا علمي به ولا أعلم الغيب ، أنا أعلمه أرحم أمة محمد بأمة محمد ، حينما ولاّه الخلافة من بعده ، خوّفه بعض الناس وقالوا : كيف تولي عمر وعمر من الشدة كما تعلم ، قال : أتخوفونني بالله ، أقول:  ربي وليت عليهم أرحمهم ، سيدنا عمر قال له أبو ذر : إنّ الناس خافوا شدتك فبكى ،فقال : والله يا أبا ذر لو علم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه ، ولكنّ الأمر لا يناسبه إلا كما ترى ، لابد من شدة ظاهرة كي ينصاع الناس، إنّ الله ليزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن ، إذاً يجوز أن تقول إذا كان الناس في ورطة وفي أزمة ، أنا أفعل كذا وكذا هذا بإمكاني وبقدرتي ، هذه حالة استثنائية ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             حفيظ عليم مقياس خالد ، أي إذا أردت أن تعين موظفاً ، لابد من صفتين اثنتين ، الأولى الكفاءة يعني هو أهل لهذا المنصب والثانية الأمانة والإخلاص ، مخلص لمبدئك ، وكفءٌ في عملك ، سيدنا عمر أخذ من قوله تعالى :

( سورة القصص )

             كتب كتاباً عين به أحد الولاة وقال له : خذ عهدك وانصرف إلى عملك واعلم أنك مصروف رأس سنتك ، وأنك تصير إلى أربع خلال ، فاختر لنفسك إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلناك لضعفك وسلمتْك من معرتنا أمانتك ، وإن وجدناك خائناً قوياً استهنا بقوتك وأوجعنا ظهرك وأحسنا أدبك ، وإن جمعت الجرمين الضعف والخيانة جمعنا عليك المضرتين العزل والتأديب ، وإن وجدناك أميناً قوياً زدناك في عملك ورفعنا لك ذكرك وأوطأنا لك عقبك أي أعداءك، إني حفيظ أي أمين ، عليم أي كفء ، الحفيظ يعني مخلص أحافظ على العهود والمبادئ، عليم خبير بهذا الأمر ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

يعني أي مكان يذهب إليه هو حر طليق ، تقول بعض الروايات أنّ ملك مصر ترك الملك كله له، وجد علماً وحكمة وشخصية وطهراً وعفافاً وعدالة فسلمه قياد مصر كلها وانزوى في قصره ، قال بعضهم : أيجوز أن تعمل لظالم كافر ، الجواب نعم ولا ، أما نعم إذا أعطاك الحرية المطلقة أي وكلك قاضياً وقال لك : احكم بين الناس بالعدل ، يا حبذا هذا المنصب ، بهذا أحقق العدالة في المجتمع ولو كنت معيناً من قبل حاكم ظالم ، أما إذا تدّخل في شؤونك اليومية احكم في هذه القضية كذا وكذا ، أصدر حكماً ببراءة فلان أصدر حكماً باتهام فلان هذا لا يجوز العلماء وصلوا إلى حل كيف عمل هذا النبي الكريم كيف عمل رئيس وزراء عند فرعون أو عند الملك ، و أغلب الظن أن هذا الملك لا يعرف الله عز وجل ، هل يجوز ما دام قد أطلق صلاحيته قال له :

( سورة يوسف )

ما دام قد أطلق يده في أن تفعل ما تشاء ، يجوز ، لو قيده لا يجوز ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

و لأجر الآخرة  هنا توجد دقة بالغة أن هذا النبي الكريم كان في البئر ، ائتمر عليه أخوته وصل إلى القصر خادماً ، دخل السجن ثم بعدها صار بعدها عزيز مصر أي مصر كلها بيده، مقدراتها بيده ، أمره نافذ أي مكان ذهب إليه يستقبله على الترحاب ، قال هذه للدنيا و الدنيا زائلة.

الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi