English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

  الدرس "08 / 11"  من تفسير سورة  يوسف (012) :  الآيات  : 76 – 100  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

                 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً  و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين   .

                أيها الأخوة المؤمنون  :  وصلنا في قصة سيدنا يوسف إلى قوله تعالى :

( سورة يوسف )

             لم يقل الله عز وجل فلما يئسوا بل قال : فلما استيأسوا ، لأن الاستيآس أبلغ من اليأس ، استيأس على وزن استفعل ، فمن معاني وزن استفعل المبالغة أي طلبوا منه فرفض ، رجوه فرفض ، استعطفوه فرفض ، خضعوا له فرفض ، عندئذ استيأسوا :

( سورة يوسف )

                 معنى خلصوا ؛ أي عقدوا اجتماعاً مغلقاً ، وهذه حكمة . قد تضطر أن تعطي رأياً أو قراراً أو سلوكاً ، لابد من تقليب الرأي ، لابد من المشاورة  ، لابد من أخذ الرأي لذلك عقدوا اجتماعاً مغلقاً ، وتداولوا الأمر ، انتهوا من اجتماعهم من تدويل الأمر إلى قول أحدهم وهو أكبرهم قال :

( سورة يوسف )

                أي لسنا ببعيدي عهد بالموثق الغليظ الذي أخذه أبونا علينا :

( سورة يوسف )

            أي هذه الثانية ، أخذ عليكم موثقاً في يوسف ففرطتم فيه ، ثم أخذ عليكم موثقاً آخر في أخيه فنفرط فيه ؟ ومن قبل فرطتم في يوسف ، أي بعضهم يقول : ما هذه زائدة ، وبعضهم يقول : هذه ما موصولة ، أي ومن قبل تفريطكم في يوسف :

                       من شدة الألم وشدة الخجل وشدة الخزي أمام الأب الوالد قال : لن أبرح الأرض ؛ أي لن أغادرها ، أنا هنا ، إما أن أعود مع أخي وإما أن أبقى هنا :

( سورة يوسف )

                  يحكم الله لي أن آخذ أخي معي ، أو أن أقاوم وأستخدم أسلوب العنف ، إما أن أنتصر ، و إما أن أخذل ، فإذا خذلت ينطبق علي قول أبي : إلا أن يحاط بكم . إذا دافع الإنسان عن حقه وغُلب أحيط به ، فإما أن أرجع مع أخي ، وإما أن يأذن لي أبي ، وإما أن استخدم السيف ، فإن أخذته بالقوة أخذته بالقوة ، وإلا فقد أحيط بي وقد أُعذرت :

( سورة يوسف )

     يبدو من هذا الموقف أنه يقطر ألماً ، وندماً ، وخجلاً ، وحياءً وشعوراً بالتقصير :

                     ( سورة يوسف )

         أنا هنا لن أغادر هذا المكان لشدة الخجل :

( سورة يوسف )

          أي رأينا بأعيننا صواع الملك في رحله ، هذا الذي شهدناه ، وشهدنا حيثما علمنا أنه قد وجد صواع الملك في رحله ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

              ما كنا نعلم أن هذا الحدث المهم سيقع بنا ، ما كنا نعلم أن أخانا سوف يسرق ، ما كنا نعلم أنه متهم حقيقة أو بريء ، وأنه في بعض الروايات قال لهم : إن الذي وضع بضاعتكم في رحالكم هو الذي وضع صواع الملك في رحلي ، هم ليسوا متأكدين من أن أخاهم قد سرق

               نحن لا نعلم حقيقة الذي جرى ، أكان متهماً فعلاً أم كان بريئاً ، ولا نعلم بما سيكون ، وهذه الآية إشارة إلى أن الإنسان أحياناً -على الرغم من ذكائه واحتياطاته وخبرته ومعلوماته الدقيقة وإمكاناته وقوته- قد يقع في ورطة لا خلاص منها ، قد يقع في مأزق لا خلاص منه . الإنسان ليس بذكائه ولكن بتوفيق الله عز وجل . فهناك قصص كثيرة الإنسان بريء مائة بالمائة ومع ذلك يلبس تهمة ما كان له أن يدفعها عنه :

( سورة يوسف )

    فالإنسان إذا اتكل على علمه أوكله الله إليه ، إذا اتكل على قوته ، أوكله الله إليها ، إذا اتكل على جاهه أوكله الله إليه ، إذا اتكل على خبرته أوكله الله إليها ، فقط اتكل على الله عز وجل . إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، من اتكل على ماله ذل ، من اتكل على علمه ذل، وأما من اتكل عليك يا رب فلا زل ولا ضل :

                أي إن لم تصدقنا يحق لك أن لا تصدقنا لخبرة مؤلمة سابقة منا ، إن لم تصدقنا لأننا في الماضي لم نكن كما تريد ، إن لم تصدقنا فاسأل القرية التي كنا فيها أي اسأل سكان القرية - هذا مجاز عقلي - اسأل سكان القرية أي المكان الذي كنا فيه ، والعير التي أقبلنا أي هذه القوافل التي جاءت إلى مصر لما جئنا له ، وقد حملت القمح وهي في طريقها إلى أرض كنعان ، اسألها ، فقصتنا مشهورة والشهود كثيرون :

( سورة يوسف )

                  أي عرف أن في شرع سيدنا يعقوب أن الذي يسرق يؤخذ هو شخصه بسرقته ، إنه هو يصبح رقيقاً بعد أن كان حراً ، لماذا أوضحتم للعزيز أنه في شرعنا من سرق أخذ جزاء سرقته ؟ لعلكم أردتم أن تبعدوا ابني الثاني عني :

( سورة يوسف )

                الصبر الجميل ألا تشكو مصيبتك إلى أحد ، أن لا تقول كلاماً لا يليق بالله عز وجل ، ليس الحزن محظوراً ، و لكن العويل و البكاء ، و ضرب الوجه ، و تمزيق الثياب ، و التفوه بكلمات فيها اعتراض على قضاء الله و قدره هذا هو المحرم ، أما أن يحزن القلب هذا شيء لا بد منه :

( سورة يوسف )

   الصبر الجميل قال عليه الصلاة و السلام فيما يرويه عن ربه :

" إذا أحب الله عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن شكر اقتناه "

         أي الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ؛ فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان ،  الإيمان نصفان : نصف صبر و نصف شكر ، علامة إيمانك أن ترضى بقضاء الله و قدره ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين .

" يا رب هل أنت راض عني ، قال : عبدي هل أنت راض عني حتى أرضى عنك ؟ قال : و كيف أرضى عنك و أنا أتمنى رضاك ؟ فقال الإمام الشافعي : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله أبداً "

              امتحن إيمانك عند الشدائد ، عند المصائب ماذا تقول ؟ إذا قلت كلاماً لا يليق بالله عز وجل فأنت لا تعرف الله ، أما إذا قلت حسبي الله و نعم الوكيل ، لا حول و لا قوة إلا بالله ، يا رب لك الحمد على قضائك ، الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، فأنت مؤمن و رب الكعبة قال تعالى :

( سورة يوسف )

               هما اثنان يوسف و أخوه و هذا الأخ الثالث الكبير الذي بقي في مصر و لن يبرح الأرض حتى يأذن له أبوه صاروا ثلاثة قال تعالى :

( سورة يوسف )

             هذا هو الرجاء ، رجاء المؤمن بالله عز وجل مهما احلولكت الأيام ، مهما ضاقت الأمور ، مهما نزلت الشدائد ، مهما اشتدت الأزمات ، فالمؤمن واثق بنصر الله ، المؤمن واثق بفرج الله عز وجل ، النبي عليه الصلاة و السلام وصل الأمر بالإسلام إلى أن ينتهي بعد ساعات في غزوة الخندق ، جاءت الأحزاب من كل جانب ، الجزيرة العربية بأكملها اجتمعت على قتل محمد و أصحابه و اليهود نقضوا عهدهم مع النبي فانكشف ظهر المسلمين و أصبح الإسلام موضوع ساعات و ينتهي إلى أن قال بعض الضعاف : أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر و كسرى و أحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ، قال تعالى :

( سورة الأحزاب)

        هذا الذي حصل لأصحاب النبي يحصل لكل إنسان و لكل مؤمن تضيق به الأمور يبث الله في قلبه الخوف ماذا يفعل ؟ أيترك هذا الطريق الذي اختطه لنفسه ، تضيق به الحيل ، يأتيه الضيق من كل جانب ، تضيق به الأرض بما رحبت ، ماذا يفعل ؟ قال تعالى :

( سورة يوسف )

           يعلم أين هم و إبعادهم عني لحكمة أرادها الله عز وجل ، عليم حكيم أي يعلم أين يوسف و أين أخوه و أين أخوهم الثالث و ما أحوالهم ؟ و حكيم بهذا الإبعاد  قال تعالى :

( سورة يوسف )

           أي أعرض عنهم  و تفتقت جروحه الماضية ، تذكر يوسف و قال يا أسفى على يوسف قال تعالى :

( سورة يوسف )

أما ابيضاض العين فهو مرض يسميه علماء الطب داء الزرق ، فالقرنية مادة شفافة تتغذى بالحلول حينما يرتفع ضغط الدم بسبب ضعف الهم تضطرب الأوعية الشعرية في العين وتصبح القرنية الشفافة ظلمية بيضاء وتعيق الرؤية ويصاب الإنسان بالعمى بسبب الحزن وهذا مرض يعرفه الأطباء قال تعالى :

( سورة يوسف )

            إنّ الحزن الذي في قلبه لم يبح به لأحد لعلمه أن الله سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى، وأن الإنسان إذا أبحت له حزنك ماذا يفعل ، لا يستطيع أن يفعل شيئاً ، الصديق يتألم والعدو يشمت ، لذلك من تمام العقل أن تبث شكواك وحزنك إلى الله فقط ، وإذا ضاقت بك الأمور فبث شكواك للمؤمن فإذا بثثت شكواك لمؤمن فهذه شكوى إلى الله أما إذا بثثت شكواك لكافر فهذه شكوى على الله ، إياك أن تشكو همك لكافر إياك أن تشكو حزنك لكافر ، إياك أن تشكو مصيبتك لكافر ، إنه يشمت بك ، أول ما يقوله لك ألم أقل لك دعك من هذا الطريق ، هذا طريق الإيمان هو الذي جلب لك المتاعب ، انظر إلي أنا طليق لست مثلك ، إنه يشمت بك قال تعالى :

( سورة يوسف )

               طبيب صديق قال لي : إن الأمراض في هذه الأيام بلغت حداً غير معقول ولا سيما أمراض القلب ، فقلت : لماذا ؟ قال : لكثرة الهموم ، وكثرة المتاعب ، إنا نعيش في مجتمع فيه بحبوحة ، ولكن الآلام النفسية ضاغطة ، أما أجدادنا فكانت حياتهم خشنة لكنهم كانوا مرتاحين نفسياً بينهم المودة والمحبة والإخاء والصفاء والثقة والأمانة والصدق والإخلاص والبذل والتضحية والتعاون ، وفي مجتمعنا الحسد والضغينة والحقد واللؤم والتنافس والترقب والوشاية وكل شيء يهد الأعصاب ، لذلك كثرت أمراض القلب قال عليه الصلاة والسلام :

" عَنْ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ "

(صحيح البخاري)

              أي إذا آمنت بالله يسترح قلبك المادي ، هذا القلب الذي ينبض ، من الأذينين والبطينين ، ومن الشريان الأبهر والشريان التاجي ، هذا القلب الذي ينبض إذا آمنت بالله واستسلمت له ورضيت بقضائه ونزعت من قلبك حب الدنيا وتعلقت بالآخرة ورضيت من الدنيا باليسير فإن في هذا الإيمان صحة لقلبك المادي ، فإن صح القلب صح كل شيء في الجسد وإن فسد هذا القلب فسد كل شيء ، لذلك صحتك أغلى عليك من الدنيا ، وصحة إيمانك أغلى من صحة جسمك ، من أروع ما قاله الإمام علي كرم الله وجهه : إن الفقر مصيبة ، وإن أشد من الفقر المرض ، وإن أشد من المرض الكفر ، وإن الغنى نعمة ، وإن أفضل من الغنى صحة الجسد ، وإنّ أفضل من صحة الجسد الإيمان ، أول نعمة على وجه الأرض أن تكون مؤمناً ، ولأنك إذا كنت مؤمناً فلا شيء في الدنيا يعدل الإيمان ، لو جاء ملك الموت قيل ادخل الجنة ، أحد الصالحين كان يتلو كتاب الله عز وجل فوصل في سورة يس إلى قوله تعالى :

( سورة يس )

ففاضت روحه إلى بارئها ، فتعجب أصحابه كيف ختمت له هذه الخاتمة ، فرآه بعضهم في المنام فقال : يا سيدنا ما فعل الله بك ، كيف ختمت لك هذه الخاتمة ؟ قال : جاء الملكان في القبر فقالا لي : من ربك ؟ فتابعت قراءة القرآن قال تعالى :

( سورة يس )

     فقالا لي : قال تعالى :

( سورة يس )

      قيل ادخل الجنة ، يعني عندما تتعلق روح الإنسان بالله عز وجل يتجلى الله على قلبه سعادة ينسى معها كل شيء ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

أي أبعد يوسف من بالك ، لن يعود إليك ، لقد مات ، لا تزال تذكره ، لا تزال تتشوق إليه ، انتهى أمره ، حتى تكون حرضاً لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

"ليس منا من فرق "

         أي إذا فرقت بين أم وولدها أو بين أب وولده أو بين أخ وأخيه أو بين صديق وصديقه أو بين شريك وشريكه أو بين جار وجاره ، فلست من أمة سيدنا محمد ، إذا فرقت مادياً بينهما ، لست من أمة سيدنا محمد ، وإذا فرقت معنوياً بينهما ، إذا أوقعت بينهما الضغينة والشقاق والخصومة والعداوة لست من أمة سيدنا محمد :

" لعن الله من فرق والدة عن ولدها "

قال تعالى :

( سورة يوسف )

             حرضاً أي هالكاً ، فالهلاك الأول معنوي أي هلاك اليأس والهلاك الثاني الموت، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           قال بعضهم : ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم ، يعاب أن تشكو الله إلى إنسان لا يرحم ، الشكوى لله عز وجل ، الشكوى لله إذا ألم بك أمر فبث شكواك إلى الله ، وإذا ظلمك إنسان فاشكه إلى الله عز وجل ، فإن في شكواك إلى الله أبلغ شكوى ، قال : إني أشكو بثي، البث هو الألم ، والحزن هو الألم الشديد قال تعالى :

( سورة يوسف )

           أي أعلم أن ذهاب أولادي عني لحكمة بالغة لابد من أن تكون ، وأعلم أن هذا رحمة بي ، وأعلم أن هذا حرص علي ، وأعلم أن هذا قد يزول وقد يعود إلي أولادي ، أعلم من رحمة الله ما لا تعلمون ، أعلم من حكمته ما لا تعلمون ، أعلم من رأفته ما لا تعلمون ، أعلم من حبه ما لا تعلمون ، أعلم من تصريفه الأمور ما لا تعلمون ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

                معنى تحسسوا أي تتبعوا أخبارهم ، اذهبوا إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا ، قال لي شخص بأنه قد أضاع مبلغاً كبيراً في سيارة ، فلما دخل إلى بيته واعتصر قلبه الحزن ، أكثر الناس قالوا له : هذا المبلغ لن يعود إليك ، إلا واحد منهم قال له : اذهب فلعل الله يجمعك بالمبلغ ، فذهب إلى المطار وسأل عن سائق صفته كذا وكذا ، فقالوا له : و الله لقد أخبرنا أنه قد رأى في سيارته مبلغاً كبيراً ، لذلك يجب على الإنسان أن لا ييأس ولو بدا لك أن الأمر مستحيل ، أن لا سبيل إلى رده ، أن القضية شبه مستحيلة ، اذهبوا ، عاد إلى الشام وأخذ المبلغ و كان السائق أميناً ، رد له المبلغ بالعد والتمام ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           اليأس من روح الله لا يتناسب مع الإيمان بالله ، لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ، وصلوا إلى مصر مرة ثالثة ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

البضاعة هنا النقد ، ما يشترى به البضاعة ، إما نقد وإما شيء يدفع مكان البضاعة ، مزجاة بعضهم قال : قليلة ، وبعضهم قال : فيها عيب لا تقبل ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

        أي أعطنا بها قمحاً كما لو كانت بضاعتنا كثيرة ، أو كما لو كان نقدنا جيداً ، لأننا قد مسنا الضر ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           أعطنا الكمية المقررة كما لو كان النقد صحيحاً ، أو كما لو كانت البضاعة كثيرة ، وتصدق علينا بأخينا أي رده إلى أبيه ، قال بعضهم يجوز إذا أصابك الضر أن تشكو إلى من بيده الأمر ، هذا من باب الأخذ بالأسباب ، ليس من باب الشرك ، يبدو أن سيدنا يوسف رأى من المناسب أن يلقي عليهم بالنبأ العجيب ، آن الأوان وحان الوقت لكي يعرفهم من هو ؟ جاءوه أول مرة وجاءوه في المرة الثانية وفي المرة الثالثة وهم يحسبونه عزيز مصر ، مرة أحبوه لكرم الضيافة ، ومرة امتنوا منه لأنه جعل بضاعتهم في رحالهم ، ومرة تألموا منه لأنه طبق القانون عليهم تطبيقاً دقيقاً ولم يتساهل معهم ، وجاءوا في هذه المرة يائسين أو جاءوا راجين ، عندئذ آن الأوان لهذا النبي الكريم ، والعزيز مصر أن يلقي عليهم بالنبأ وسيكون عليهم كالصاعقة ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

من يوسف ، من أعلمك بما فعلنا بيوسف هم في زعمهم أن هذه القصة لا يعلمها أحد إلا الله ، ويوسف لأنه الضحية قال تعالى :

( سورة يوسف )

               هذا الذي قالوه رسمياً لأبيهم ، عشرة أخوة اتفقوا على رواية واحدة ، ولا يعلم بما جرى إلا الله ويوسف ولأنه الضحية ، صفوان بن أمية التقى بعمير بن وهب وقال له عمير بعد أن التقى به في الصحراء خارج مكة : والله لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها ولولا أبناء صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه ، فوقف صفوان وقال : يا عمير أما ديونك فهي علي بلغت ما بلغت علي أداؤها ، وأما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر ، فامض لما أردت ، اذهب واقتله ، وأرحنا منه ، وكان ابن عمير له عند رسول الله أسيرٌ ، فأسقى سيفه السم وركب راحلته وانطلق إلى المدينة ، رآه عمر رضي الله عنه قال : هذا عمير بن وهب عدو الله ، جاء يريد شراً ، قيده بحمالة السيف وساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، قال : يا رسول الله هذا عمير بن وهب جاء يريد شراً فقال : أطلقه يا عمر ، أطلقه ، قال : ابتعد عنه ، فابتعد عنه ، فقال عليه الصلاة السلام لأصحابه : هل أعددتم له طعاماً ؟ هذا صعق ، بعد أن أكل قال : ادن مني يا عمير ، فدنا منه قال له : ألا تسلِّم علي قال : عمت صباحاً يا محمد ، قال : سلِّم علينا بسلام الإسلام  قال : لست بعيد عهد بالجاهلية ، قال : ما الذي جاء بك يا عمير ؟ قال: جئت أفدي ابني ، قال : وهذه السيف التي على عاتقك ، قال : قاتلها الله من سيوف وهل نفعتنا يوم بدر ، قال : ألم تقل لصفوان بن أمية : لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها ، ولولا أطفال صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه ، قال : والله ما يدري بأحد من هذا إلا الله ، وأنت رسول الله ، حينما قال لهم طبعاً صفوان بدا عليه البشر في مكة وكان يقول لمن حوله : انتظروا أخباراً سارة ، وبدأ ينتظر هذا الخبر السار قتل محمد ، مضى يوم ويومان وثلاثة أيام وأسبوع وكان يقف على مشارف مكة ينتظر الركبان ويسألهم ماذا حدث ؟ فيقولون له : ما حدث شيء ، إلى أن سألهم : ما فعل عمير ؟ فقالوا : أسلم عمير ، فهذا سيدنا يوسف قال ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

          اقشعر بدنهم ، صعقوا ، تأملوا فيه حينما كانوا ينظرون إليه من قبل ، أخذوا به كعزيز مصر فلما قال لهم هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ؟ تأملوا في ملامح وجهه ، في خطوط جبينه ، في حركاته ، في نظراته ، فإذا هي يعرفونها إنه يوسف ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

لكن النبي الكريم برقته وكماله وأدبه اعتذر عنهم ، قال عليه الصلاة والسلام :

"التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة "

التمس لهم عذراً واعتذر عنهم ، ماذا قال لهم ؟ قال تعالى :

( سورة يوسف )

             ما من عذر أبلغ من الجهل ، ما كنت أعرف إذ أنتم جاهلون ، كلمة إذ أنتم جاهلون اعتذار من سيدنا يوسف عنهم لئلا يحرجوا ، لئلا يخجلوا ، لئلا تضيق بهم الأرض ، لأنه أكرمهم، أكرم وفادتهم ، أكرم ضيافتهم ، أعطاهم القمح ، مع ثمن القمح في المرة الأولى والثانية وهاهو ذا يعرفهم بنفسه .

              إذ أنتم جاهلون اعتذار عنهم ، هكذا أخلاق النبوة ، التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة ، قال عليه الصلاة والسلام :

" لا تحمروا الوجوه "

             لا تحرج إنساناً ، لا تخجله ، لا تضيق عليه بالأسئلة ، لا تسأله ماذا أكلت البارحة ؟ ربما كان لم يأكل ، ماذا طبخت اليوم ؟ ماذا عندك من طعام من أجل أن تضيفنا ؟ المؤمن لا يحرج أحداً ، إلى أين أنت ذاهب؟ أين كنت ؟ قال تعالى :

( سورة يوسف )

          هذا الذي حجزته أخي إكرام له ، سيدنا الصديق لما اشترى سيدنا بلال من أمية بن خلف قال له أمية : والله لو دفعت به درهماً لبعتكه ، قال : أما أنا لو طلبت ثمناً له ألف درهم لدفعتها لك ، وضع يده تحت إبط سيدنا بلال وقال : هذا أخي ، المؤمن متواضع ، أحياناً يدخل أب طيب على ابنه في منصب رفيع فيقال له : من هذا ؟ فيقول لهم : هذا آذن عندي ، وهذا أخي قد منّ الله علينا بالنجاة ، منّ علينا بالهدى ، منّ علينا بالمنى ، من علينا بالملك ، منّ علينا بكل شيء ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

           أيها الأخوة الأكارم والله الذي لا إله إلا هو هذه القصة يمكن أن تنطبق على كل واحد منا ، إنه من يتق ويصبر ، اصبر على أمر الله ، اصبر عن معصية الله ، اصبر على مصيبة نزلت بك ، واتق أن تعصي الله ثم انظر كيف يبدل الله حياتك كلها سعادة وأمناً وبحبوحة وتوفيقاً وسروراً ليست العبرة أن نتلو عليكم هذه الحوادث ، العبرة أن نستنبط منها الحقائق ، وأن نستنبط منها القوانين ، وأن نستنبط منها السنن ، وأن تكون هذه الحوادث تكشف عن حقائق نهتدي بها في حياتنا ، في عملك دعيت إلى معصية قل معاذ الله ، دعيت على كسب حرام قل معاذ الله ، دخلك قليل قل أصبر عليه ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

             والله الذي لا إله إلا هو زوال الكون أهون على الله من أن يضيع أجر المحسنين، أحياناً يكون الإنسان باراً بأمه وأخوته لا يفعلون فعله ، يأتيه الشيطان يقول له : هي أمك وحدك، هم مرتاحون من خدمتها ، طليقون يذهبون إلى النزهات يسهرون وأنت مرتبط بها ، اقرأ هذه الآية قال تعالى

( سورة يوسف )

             هناك رجل خدم أمه تسع سنين متتالية إلى أن ضاق به الأمر ، وتبرم واشتكى وبدأ يصيح وبدأ يُسمع ، حتى بلغ به الأمر أن جمع أخوته جميعاً وقال : هذه أمي وأمكم ، إما أن تأخذوها عني و إما أفعل كذا وكذا ، تحت الأمر الواقع وتحت ضغط التهديد أخذوها عنه ، في اليوم الثاني ماتت عند أخيه ، يوم واحد ، أذهب الله عمله كله ، هناك رجل أعرفه وهو حي يرزق ، كان يرعى أرملة ، رعاها عشرين عاماً ، ثم انتقل إلى حي بعيد ، فصار يأتي مشياً من هذا الحي البعيد إلى مكان إقامة الأرملة يكنس لها أرض الغرفة ويصنع لها الطعام ويقدم لها كل الحاجات ، ضج أهله إلى متى أنت تخدمها ؟ أليس في الناس أحد غيرك يخدمها؟ ضغطوا عليه ، فلما رأوا إصراره وأنه لا يمكن إلا أن يذهب إليها كل يوم ، وقد تقدمت به السن ، صار في السبعين ، عندئذ نزلوا عند الأمر الواقع وقالوا : إئت بها إلى هنا ، إلى البيت، اخدمها هنا ، قال: اذهبوا أنتم إليها وادعوها ، فذهبوا إليها ودعوها ، جاءت أقامت عنده يومين ثم ماتت ، هكذا العمل الصالح ، هذه الآية تركت في نفسي أثراً بليغاً قال تعالى :

( سورة يوسف )

           إذا كنت صادقاً ، إذا بذلت من مالك و بذلت من وقتك وبذلت من صحتك وخبرتك وجاهك فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ، قالوا : يا عبد الرحمن بن عوف نخشى أن يؤخرك كثرة مالك عن اللحاق برسول الله ، فقال عبد الرحمن : والله لأدخلن الجنة خبباً ، أي هرولة ، وماذا أفعل إذا كنت أنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء ، ماذا أفعل ؟ والله ما حرمت مالي مسكيناً ولا محتاجاً ، تدفع من مالك وتصبح فقيراً ، الشيطان يعدكم الفقر تأتي إلى مجلس العلم من أجل أن تتعرف إلى الله و تأتيك المتاعب من هذا المجلس ، لا والله ، ليست هذه أخلاق الله عز وجل ، الوفاء كله من الله ، تأتيه إلى بيته ليتعبك بعدها لا والله :

 

                   تستقيم في تجارتك وتفلس لا والله ، تختار امرأة صالحة دينة وتؤثرها على امرأة جميلة جداً وتشقيك هذه المرأة لا و الله  بل تسعد بها ، إن الله مع المحسنين ، هم أساءوا إليه ، هو كان محسناً ، ألقي في البئر صار عزيز مصر ، هم كانوا في أوج قوتهم صاروا يقفون أمامه أذلاء ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

              انظروا إلى المواقف كان صغيراً ، ألقوه في الجب ، بقسوة بالغة دفعوه دفعاً ، وحينما مرت الأيام والليالي وقفوا أمامه أذلاء ، هذا كله من قوله تعالى :

( سورة يوسف )

               درست في هذا المجلس ساعة والطريق ساعة ، ساعتان طريق وساعة حضور هذا المجلس والله الذي لا إله إلا هو لو يوفر الله عليك في الأسبوع عشرين ساعة كان من الممكن أن تذهب سدى ، أن تضيع مع الغيظ مع الضيق ، تأتي إلى مجلس العلم يوفر الله لك وقتاً ، إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عُمّارُها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني ، وحق على المزور أن يكرم الزائر ، عندئذ شعروا أين هم وأين هو ، هم فقراء خائفون أذلاء يستحون أن يأخذوا قمحاً وهو في منصب عليٍّ ، ملك مصر على العرش قال تعالى :

( سورة يوسف )

              أحياناً يكون هناك أخ مؤمن فقير وأخوة أشداء أقوياء أغنياء في أوج نجاحهم يسخرون منه ، ما هي إلا سنوات وتدور الأيام ، فإذا بهذا الأخ الصغير الفقير يصبح ملء السمع والبصر ، وإذا بهم وقد ضاقت بهم الدنيا ، وقد تخلفت بهم الحياة ،قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ، هذه القصة تتكرر كل يوم ، الله سبحانه وتعالى يؤثر المؤمن ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

هذا هو الغباء أن تعصي الله عز وجل ، إذا عصيته في عملك ستدفع حوالي خمسين ألف مصادرة، من أين أتتنا هذه ؟ حساب قديم ، جاءه زبون قال له : عشرة آلاف ، ذهب فقال له: يكفي كان ألفين ولكن العمل هكذا ، في اليوم الثاني وضعهم عشرة لابنه ، دخلت نثرة فولاذ في عينه ، كان يكفيه ألفين فأخذهم عشرة ، قال له : أهكذا البيع والشراء ؟ العاصي هو الغبي، لا يعصي الله إلا أحمق وغبي لماذا ؟ لأنه سوف يدفع الثمن غالياً ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

محي من قلبه كل حقد وكل ضغينة وكل ألم وكل حزن ، هكذا هو المؤمن صافٍ عفيف ، كأن شيئاً لم يحدث .

               سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حينما دخل مكة فاتحاً ، من هم أهل مكة ، هم الذين كذبوه ، هم الذين قالوا ساحر مجنون ، هم الذين ضيقوا عليه وقاطعوه وعذبوا أصحابه ، هم الذين ائتمروا على قتله ، هم الذين أخرجوا أصحابه إلى الحبشة ثم إلى المدينة ، هم الذين اتفقوا على قتله ، هم الذين حاربوه في بدر وأحد والخندق ، كادوا له ، شهروا به ، هجوه بألسنتهم ، دخل عليهم فاتحاً وكان بإمكانه أن يقتلهم واحداً واحدِاً ، أن يبيدهم عن بكرة أبيهم قال : ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم و